تقرير – محمد عيد
يوم حزين في تاريخ منظمات المجتمع المدني بمصر، هكذا وصفه نشطاء التواصل الاجتماعي، وأعضاء المنظمات الحقوقية، ومؤسسي الجمعيات الأهلية، والاتحادات والنقابات العمالية ، بعدما نشرت الصحيفة الرسمية، نص القانون الجديد الذي أثار انتباه عدد من الصحف العالمية، ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا بعنوان “الرئيس المصري يطبق قانونا يضع قيودا شديدة على مجموعات المعونة”.
وقال التقرير الذي أعده رئيس مكتب الجريدة بالقاهرة ديكلان والش إن البرلمان وافق على القانون الجديد منذ نوفمبر العام الماضي، إلا ان العديد من المسئولين بأمريكا وأوروبا أبدوا اعتراضهم عليه مثل عضوي مجلس الشيوخ جون ماكين وليندسي جراهام المنتمين للحزب الجمهوري، حيث هدد العضوان بوقف المساعدات الأمريكية لمصر إذا تمت الموافقة على هذا القانون.
وأشارت “نيويورك تايمز” في تقريرها إلى أن توطيد العلاقة بين الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” والرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مكّن الحكومة المصرية من الاستمرار في حملتها على المجتمع المدني.
وكتب والش قائلا: إنه بعد عودة “السيسي” إلى مصر، فرضت الحكومة قيودا جديدة على وسائل الإعلام، وقامت بمقاضاة سياسي منافس، مما زاد من الضغط على الحقوق السياسية وحرية التعبير”.
فيما أكدت “إيمي هوثورن” الخبيرة في الشئون المصرية بمشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط بواشنطن أن مصر وغيرها من دول الشرق يشعرون أن لديهم الضوء الأخضر من ترامب للقيام بأعمال قمعية باسم مكافحة الإرهاب دون توقع اي نقد.
وقال التقرير إن القانون الذي تم إقراره الاثنين الماضي يضع قيودا صارمة على المنظمات المحلية غير الحكومية في مصر وعددها 47,000 منظمة بالإضافة إلى 100 منظمة أجنبية.
وركز التقرير على الهيئة الجديدة التي من المقرر أن تنشأ بموجب هذا القانون والتي يجب ان تحصل اي منظمة عل موافقتها من أجل القيام بأي استطلاع رأي ونشره. وأضاف التقرير أنه من المرجح أن تكون الهيئة أكثر من مجرد وسيلة للتدخل من قبل الأجهزة الأمنية في البلاد.
وفي لقاء مع الحقوقي المصري “محمد زارع” قال ان هذا القانون ليس فقط يهدد المنظمات الحقوقية بل أيضا المنظمات الخيرية….
محكمة جنايات القاهرة كانت قد قررت قبول طلب التحفظ على أموال وممتلكات عدد من أبرز الشخصيات والمنظمات الحقوقية في مصر، وهم:
( مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسه بهي الدين حسن_ جمال عيد _ حسام بهجت _ المركز المصري للحق في التعليم، ومديره عبدالحفيظ طايل _ مركز هشام مبارك للقانون، ومديره مصطفى الحسن _ … )، وهي القضية المعروفة إعلامياً باسم “قضية التمويل الأجنبي”، أو القضية ١٧٣ لسنة ٢٠١١ ..
منظمات المجتمع المدني :-
هي كيانات غير هادفة للربح، ينتظم بها بعض المواطنين لتقديم خدمات للمجتمع، التعريف يشمل نوعيات مثل ( الجمعيات الخيرية، والمنظمات الحقوقية، والنقابات، والاتحادات التجارية، والاتحادات العمالية، والتعاونيات، والأندية) ..
ترجع جذور فكرة منظمات المجتمع المدني لعصور الإغريق، وتبلورت في التاريخ الحديث بمساهمة مفكرين ( جون لوك -مونتيسكو – جان جاك روسو)، إلي أن أخدت شكل أوضح بالقرن التاسع عشر.
الفكرة دخلت إلى الفلسفة السياسية كتعبير عن قدرة المجتمع علي تنظيم نفسه لسد فجوات الدولة، وأصبحت هذه المنظمات الضلع الثالث – مع الحكومة والقطاع الخاص – لمثلث الدولة المدنية الحديثة.
عرفت مصر المجتمع المدني بوقت قريب من أوروبا، حيث تشكلت أول جمعية أهلية مصرية عام ١٨٢١ باسم الجمعية اليونانية بالإسكندرية، واعترف دستور ١٩٢٣ لأول مرة بحق المصريين في التجمع وتكوين الجمعيات، ووصل عددها إلى ٦٣٥ عام ١٩٤٥.
أما أول منظمة حقوقية مصرية أسسها الصحفي محمود عزمي سنة ١٩٣١ باسم الشعبة المصرية لحقوق الإنسان في باريس، وكانت تابعة للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والتي يتعامل معها كافة المنظمات المصرية حتى الآن…
إلى أي الجهات تخضع ممارسات المجتمع المدني؟
تخضع كافة منظمات المجتمع المدني للرقابة الحكومية الكاملة، بداية من البنك المركزي ووزارة التضامن الاجتماعي وحتى الجهاز المركزي للمحاسبات ومصلحة الضرائب، والقضية التي كانت مطروحة على الساحة المصرية، هي قضية “تمويل غير قانوني”، رغم أن حرية تمويل المنظمات هي أحد بنود التزامات دولية وقعتها مصر منذ سنوات طويلة، مثل اتفاقية المعونة الأمريكية منذ عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، واتفاقية المشاركة المصرية الأوروبية الموقعة في عام 2001 ، والتي تمنح الحكومة المصرية مزايا سياسية واقتصادية ومالية كبيرة، والمنظمات جزء صغير جداً منها، وتُعد مصر من أوائل الدول في تلقي المساعدات الخارجية بمجالات متعددة منها (سلاح الجيش بالمعونة الأمريكية – تطعيمات الأطفال – مشاريع الصرف الصحي – .. وغيرها)، فأزمة مصر الاقتصادية جعلتها دائماً بحاجة لتمويل خارجي ..
وفي التقرير الرسمي من لجنة تقصي الحقائق بوزارة العدل الصادر في نوفمبر ٢٠١١، قال إن أضخم تمويل في مصر حصلت عليه جمعية أنصار السنة المحمدية حيث تلقت ٢٩٦ مليون جنيه من مؤسسات كويتية وقطرية، علماً بأن هذا كان بشكل قانوني وافق عليه وزير التضامن الأسبق علي مصيلحي، كما حصلت مؤسسة محمد علاء مبارك، حفيد الرئيس الأسبق، على تمويل ٨٦ مليون جنيه من جهات إماراتية وعمانية، وكان بشكل قانوني أيضاً.
المستشار أشرف العشماوي، الرئيس السابق لنيابة أمن الدولة العليا، وقاضي التحقيق الأول بقضية التمويل الأجنبي، كان قد اعتذر عنها بعد سفر المتهمين الأمريكيين للخارج، وقال في أكثر من حوار صحفي إن القضية لم يكن متهماً بها بالتمويل المخالف للقانون أي من الناشطين السياسيين أو أي مركز حقوقي مصري، ولكن القضية كانت تُحقق حول ٤ منظمات أمريكية ومنظمة ألمانية، صدر فيها أحكام غيابية لمخالفتهم القانون، وعن جمعيات تابعة لتيارات إسلامية…
في 19 إبريل و11 سبتمبر 2014 محكمة القضاء الإداري أصدرت حكمين تاريخيين بأحقية منظمات المجتمع المدني في تلقي التمويل من الخارج، وعدم أحقية وزارة التضامن في رفض التمويل “ما دامت الجهة الإدارية لم تقدم الدليل علي أن أنشطتها تضر بالنظام العام أو الأمن العام أو المساس بالآداب العامة”…
ما المشكلات القانونية التي تواجه المجتمع المدني في مصر ؟
على الرغم من أن الدستور أبدى احترامه الجيد جداً لمنظمات المجتمع المدني، لكن المشكلة الرئيسية في تعديلات المادة ٧٨ من قانون العقوبات، التي صدرت بقرار جمهوري في أكتوبر ٢٠١٤، التي تضمنت بعبارات عامة جداً غير مسبوقة في التاريخ القانوني المصري، وهو سبب تسميته بـ “قانون الأشياء الأخرى”.
– نص المادة بيقول:
“كل من طلب لنفسه أو لغيره، أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية، أو ممن يعملون لمصلحتها، أو من شخص اعتباري، أو من منظمة محلية أو أجنبية، ((أو أي جهة أخرى لا تتبع دولة أجنبية ولا تعمل لصالحها))، أموالا سائلة أو منقولة أو عتادًا أو آلات أو أسلحة أو ذخائر أو ما في حكمها ((أو أشياء أخرى))، أو وعد بشيء من ذلك، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو في حكمها ((أو أشياء أخرى))، أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام يعاقب بالسجن المؤبّد وبغرامة لا تقل عن ٥٠٠ ألف جنيه إذا كان الجاني موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية عامة أو إذا ارتكب الجريمة في زمن الحرب أو تنفيذا لغرض إرهابي”..
هذا بالاضافة لقوانين أخرى تحتوي أيضاً على الصيغ الفضفاضة، سواء قوانين غير مباشرة كقانون الكيانات الإرهابية، أو قانون الجمعيات الأهلية نفسه، القانون ٨٤ لسنة ٢٠٠٢، وهو رغم اشتماله على إيجابيات مثل انشاء المنظمات بالإخطار، لكنه يمنح الدولة الحق في إنهاء عمل المؤسسات بقرار اداري وفقا لأسباب عامة كممارسة نشاط “يهدد الوحدة الوطنية أو يخالف النظام العام أو الآداب”…
قانون مايو 2017 …
القانون الحالي يكتفي بالغرامة في حالة المخالفات الإدارية، لكن لأول مرة يفرض القانون عقوبات بالحبس كإنه قانون جنائي لجرائم خطير، هذا بالرغم أن النائب البرلماني عبدالهادي القصبي، مُقترح هذا القانون، أكد أكثر من مرة عدم احتواء تلك المواد على عقوبات سالبة للحريات ..
فمثلاً يحدد القانون عقوبة الحبس مدة لا تزيد عن سنة وغرامة تصل إلى نصف مليون جنيه في جريمة “نقل مقر الجمعية إلى مكان بخلاف المُخطر به”! ، وكذلك الحبس بين سنة وخمس سنوات، وغرامة بين ٥٠ ألف ومليون جنيه على “معاونة أو مشاركة أي منظمات أجنبية لممارسة نشاط أهلي في مصر، من غير الحصول على تصريح”.، وعقوبة الحبس بين سنة وخمس سنوات، وغرامة ٥٠ ألف ومليون جنيه على “إجراء أو المشاركة في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي بدون موافقة مسبقة”!، وأيضاً الحبس مدة لا تزيد عن سنة وغرامة تصل إلى نصف مليون جنيه لمن “منح ترخيصًا لمزاولة نشاط مما يدخل فى أغراض الجمعيات والمؤسسات بخلاف الجهة الادارية المختصة”.
فى جميع الاحوال لا يجوز قبول أموال نقدية تزيد قيمتها على عشرة آلاف جنيه إلا بموجب شيك بنكى..، وفي حالة جمع التبرعات من داخل مصر “يشترط إخطار الجهة الإدارية عند التلقي، أو جمع التبرعات بثلاثين يوم عمل، وصدور الموافقة، وتلتزم الجهة الإدارية بإخطار الجهاز، ولا يجوز الصرف من تلك الأموال إلا بعد صدور هذه الموافقة”، وبالنسبة للمحافظات الحدودية فيضاف للموافقات دي موافقة المحافظ .. تخيلو كل التعقيد والتأخير ده لجمعية بتنقذ حياة الناس في كارثة عاجلة زي السيول مثلاً!
أما عن تسجيل الجمعيات لابد من دفع للوزارة “رسم لا يجاوز مقداره عشرة آلاف جنيه تؤول حصيلته إلى صندوق دعم الجمعيات والمؤسسات الأهلية.”، و تخصيص “مال يتناسب وتحقيق الغرض من إنشائها بما لا تقل قيمته عن عشرة آلاف جنيه عند التأسيس” .. فتح الجمعية لمقرات جديدة في أي من محافظات الجمهورية يستلزم موافقة كتابية مسبقة من الوزير المختص ، كما أن تلقي التبرعات أو التمويل من خارج مصر، يحتاج أيضاً لموافقة من “الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات اﻷجنبية غير الحكومية” وإذا لم يرد المجلس خلال 60 يوم يعتبر الطلب مرفوض..