إن إعداد المواطن الصالح القادر على تحمل مسئولياته تجاه وطنه و أهله و نفسه ، المواطن الذي يتسلح بالعلم لمجابهة تحديات القرن الحادي و العشرين بكل راهاناته و تحدياته، المواطن الذي يساهم في تنمية بلاده و تشييد قيم التعايش بسلام متخذاً المواطنة أساساً و قاعدةً،
المواطن الذي يرفض العنف بكل دروبه و مدراته، المواطن العالم العارف بتاريخ بلاده مستلهماً منه بواطن القوة لتدعيمها و مدركاً لبؤر الشر لاجتثاثها و ذلك من أجل المساهمة في رسم طريق مستقبل زاهر لبلاده عبر المشاركة الإيجابية في شتَى مناحي الحياة، إعداد جيل قادر على بناء مجتمع السلام و العدالة الاجتماعية و هما الضمانان اللذين لا غنى عنهما لتجنب تكدير السلم الاجتماعي و هما حائط صد منيع ضد الحض على الكراهية و الحقد الطبقي الناتج عن الإحساس بالظلم و القهر، و هما طوق النجاة للقضاء على العنف الذي يجد في مجتمعاتنا بيئة خصبة و مواتية و حاضنة له، في هذا الخضم الدائرتحتاج البلاد و العباد إلى جيل يمتلك المقدرة على تقبل الآخر، و أحترام التنوع الثقافي و الاختلاف السياسي على أن يتملكه الشعور بالإنتماء رغم الاختلاف، إن خلق هذا الجيل الواعي بأهمية الحفاظ على هويته و المدرك لجغرافية بلاده لهو الغاية الكبرى و هو المبتغى. إن الأهداف سالفة الذكر لهي أهداف جليلة و فاضلة تسعى الدول و المجتمعات لتحقيقها.
و لسائل أن يسأل كيف يمكننا تحقيق هذه الأهداف الضرورية و التي لا فكاك و لا مناص و لا مفر من الهرولة إلي تحقيقها على أرض الواقع؟ هذا ما نعتزم الإجابة عليه في السطور التالية. إن الأمر هنا يتعلق بالتربية و التي تعد العمود الفقري للحياة، و طوق النجاة للمجتمع ، و حجر الزاوية التي فيه يكمن الحل السحري. و تستمد التربية قوتها من أنها تهتم بالاستثمار الإنساني الشامل حيث تصب جُل اهتمامها بالبشر الذين هم سر تقدم الأمم أو تخلفها عن ركب التقدم. و تقوم التربية بهذا الدور في بيئة اجتماعية مواتية و تتخذ من المناهج وسيلة لتحقيق النمو المعرفي و الوجداني و المهاري. و قد ثمنَ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من دور التربية الرائد و ذلك في المادة 26 منه، حيث شدد على أهمية التربية في تنمية شخصية الإنسان و تعزيز احترام حقوقه و حرياته و تعزيز التفاهم و التسامح.
و تشير منظمة اليونسكو في العديد من المحافل إلى أهمية التربية ، و قدرتها على تغيير مجرة الحياة ، و أنها تمس كل زاوية من زوايا المجتمع ، و أن للتربية قوة كامنة لتمكين الأفراد و المجتمعات من بناء مستقبل أكثر استدامة. و لقد أصبح مستقر في متون الدساتير و النصوص و المواثيق المحلية و الإقليمية و الدولية أن التربية تحتل المكانة الأبرز؛ و ذلك لقدرتها على ردم الهوة الموجودة بين طبقات المجتمع، و مد جذور الثقة و بناء نسيج وطني متكامل لا يذوب أو يتهلهل. و لن يتأتى ذلك إلا عن طريق بذر بذور العدل و المساواة ، و تكوين الإنسان البيئي الصالح ، و تأهيل القوى البشرية ، و تنشئة الفرد الذي يتحمل مسؤولياته ، و توحيد الجهود لتحقيق التماسك الاجتماعي و الوحدة الوطنية ؛ و هذا دور التربية المَنوط بها تحقيقه. و نود الإشارة إلى أن التربية مسوؤلية عامة و ليست مقتصرة على فئة دون آخرى؛ و عليه يجب على كل قطاعات الدولة التعهد ببذل الغالي و النفيس معتبرينها أولوية مجتمعية قصوى. و الخطوة الأولى التي نحتاجها : إرادة سياسية واعية مدركة لأهمية دور المدرسة و المعلم اللذين يحتلان مكانة بارزة في التربية و التنشئة و بناء المواطن الصالح الواعي و المتمسك بمبادئ الحق و المتسلح بالأخلاق و المعرفة و الحكمة، وذلك لأن المدرسة تعد أهم المؤسسات في أي دولة؛ الأمر الذي دعا فيكتور هوجو أن يقول “من يفتح مدرسة يغلق باب سجن”, كما أن المعلم يلعب دور الوسيط في نقل الثقافة و المساهمة في الحفاظ عليها و تجديدها وتكوين رؤية بناءة عن مستقبل المجتمع و أهدافه، و ستجني الدولة ثمار ذلك شهداً و عسلاً مصفى.
كما أن التربية عملية مستمرة مدى الحياة ، و للتدليل على ذلك يمكننا أن نسوق المثل الشعبي القائل ” يموت المعلم و هو بيتعلم ” و تمثل التربية حاجة ملحة و ضرورة و طريق لابد من أن نسلكه ، فبدون طريق التربية ينتشر العنف و الفساد و المحسوبية و الرشوة، و يحكم الجهل ربوع البلاد ، و تنتشر الوقاحة و الإرهاب ، و يسود الظلم ، و تتولد الأفكار الهدامة و تتكاثر و تأكل الأخضر و اليابس كما تأكل النار الحطب، و تُغتال الحرية، و تترسخ التسلطية، و تُفرض الهيمنة ، و تُستلب الحقوق ، و يُقيد الإبداع، و تُكبل المواهب مما يؤدي إلى الشعور بالدونية و ضعف الانتماء مما يهدد الأفراد و الجماعات و يبدد طاقاتهم و يعوق التنمية المستدامة. التربية ورقة رابحة علينا استعمالها إذا أردنا تجاوز الأزمات و المحن. التربية -يا سادة- شمس بدونها؛ ذاك الظلام الدامس، و هي مضمار من بين مسارات آخرى يمكن أن تقودنا نحو نور السلام و أريج المحبة. و نختم بمقولة خالدة للمناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا ” التربية سلاح فعال لتغيير البشرية للأفضل “.