التصنيفات
مقالات

(7) الدولة السعودية الأولى3-3.. سقوط الدولة السعودية الأولى..بقلم الكاتب والباحث:محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا في مقالتين متصلتين على الجذور الفكرية للوهابية، وبينا كيف أخرج لنا التراث الإسلامي منذ البداية مدرستين كلاهما إنتاج بشري، وهما المدرسة الظاهرية، والمدرسة العقلية، وأوضحنا كيف اتبع الأمويون والعباسيون التوظيف المنهجي لمرتزقة تلفيق وسبك الأحاديث لأسباب سياسية، ليرث الحنابلة هذه

الأحاديث وتلك الأحكام ويشهرونها ضد خصومهم المذهبيين والفكريين. وكيف كانت نظرية ابن تيمية في التوحيد البوابة الكبرى لتكفير عامة المسلمين، وغرس روح التطرف والكراهية والعدوانية ضد أصحاب الديانات الأخرى، وشرعنة الاستبداد السياسي، وكان جل علماء عصره على تجهيله وتناقضه وعدوانيته. وقد حمل تلامذته الحنابلة راية تغييب العقل وإصدار الفتاوى التكفيرية وكان أشهرهم ابن القيم الجوزية. ثم تطرقنا إلىنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، وبينا فيهما كيف ورث محمد بن عبد الوهاب هذا التراث التكفيري الهائل بعد خمسة قرون من وفاة بن تيمية، وقام بترجمة أفكار وفتاوى التيار الحنبلي ونظرية التوحيد لابن تيمية إلى حركة اجتماعية سياسيةإرهابية، مستغلًا الأوضاع الاجتماعية والثقافية المزرية لمنطقة شبه الجزيرة العربية إبان هيمنة الإمبراطورية العثمانية البغيضة، وخاصة منطقة نجد شرقي شبه الجزيرة العربية، وقد لاقت حركتة الرجعية والظلامية والتكفيرية قبولًا وسط تلك الأوضاع شديدة البؤس والتخلف والشقاء، وألقينا الضوء على الظروف الموضوعية والذاتية التي أدت إلى ولادة تلك الظاهرة. ثم تطرقنا إلى نشأةوملامح الدولة الوهابية السعودية الأولى في مقالتين متصلتين، تناولنا من خلالهما نشأة هذا الكيان الإرهابي،وبيان ملامحه التي تشكلت بمعزل عن روح العصر وضد حركة التاريخ،كتعبير عن (الرفض المنحرف) لمجمل الأوضاع السائدة إبان الاحتلال العثماني، لتضحى أكثر تخلفًا ورجعية وظلامية واستبدادًا من الإمبراطورية العثمانية ذاتها التي فاق سوءها كل الحدود. ومقالتنا هذه عن سقوط الدولة السعودية الأولى.

بينما أفرزت مستنقعات الإمبراطورية العثمانية الحركة الإرهابية الأكبر في التاريخ العربيوالإسلامي، ممثلة في الحركة الوهابية، وذلك في أضعف حلقات منظومة الدولة العثمانية. كانت الأوضاع على الجانب الآخر من شرق البحر الأحمر في مصر تأخذ منحنى مغاير. فمنذ بدأت إمبراطورية الظلام العثمانية في طور الضعف والانحلال منذ القرن السابع عشر، وفي القرن الثامن عشر في النصف الثاني منه عام 1768م قام (على بك الكبير) المملوكي وكان شيخ البلد بالانفراد بحكم مصر وطرد العثمانيين، وأعلن نيته الصريحة برجوع مصر مرة أخرى ولاية مستقلة كما كانت قبل عام 1517م وهو عام الاحتلال العثمانى التركماني لمصر، واستطاع إحداث طفرة تقدمية استثنائية في مجمل الأوضاع المصرية، ولكن فشلت تلك المحاولة بعد خمس سنوات في عام 1773م لأسباب متعددة كما أوضحنا سابقًا، وكان ذلك ملمحًا هامًا من ملامح تأكيد الضعف الشديد للإمبراطورية العثمانية وأفول قوتها.. وفي إطار الصراع الرأسمالي العالمي على الأسواق الخارجية، كانت الحملة الفرنسية على مصر حلقة هامة من حلقات المد الاستعماري الغربي خارج حدوده القومية، من أجل فتح أسواق جديدة للمنظومة الرأسمالية الغربية بعد الثورة الصناعية، والتوسع في الإنتاج وتطوره من أجل المنافسة والاستمرار في السوق، فكان البحث والتنافس بل والصراع على الأسواق الخارجية طوق النجاة للرأسمالية الغربية التي ظهرت عيوبها الجوهرية وأصبحت على وشك الانهيار، وأيضا من أجل السيطرة على موارد تلك المستعمرات من المواد الخام والأولية الرخيصة اللازمة لعمليات التصنيع.حيث تؤكد الكثير من الوثائق مدى اهتمام الغرب، وبصفة خاصة فرنسا بمعرفة الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر، قبل قدوم الحملة الفرنسية بفترة طويلة. ومن الجدير بالذكر أن مصر قد تعرضت لحملتين فرنسيتين قبل ذلك ولكنهما كانا في إطار غزوات الفرنج، عُرفت الحملة الأولى بحملة الفرنج الخامسة، وكانت بقيادة “جان دي برس” ولكنها فشلت في عام 1221م، وأما الأخرى فقد عُرفت بحملة الفرنج السابعة، وكانت بقيادة الملك “لويس التاسع” ومُنيت بهزيمة مدوية عام 1250م وخرجت من مصر، إلا أن احتلال مصر كانت رغبة قوية لدى فرنسا، وبقيت أملًا لسياستها،وظل قادتها ينتظرون الفرصة السانحة لتحقيقها متى سنحت لهم. ولما بدأ الضعف يتسرب إلى الدولة العثمانية أخذت فرنسا تتطلع إلى المشرق العربي مرة أخرى.ففي 12 أبريل 1798م أصدرت حكومة الإدارة الفرنسية قرارها التاريخي بوضع جيش الشرق تحت قيادة نابليون بونابرت. ومن اللحظة الأولى التي وطأت فيها جيوش بونابرت أرض مصر اشتعلت نار المقاومة ضد الغزاة ولم تخمد طوال السنوات الثلاثة التي قضتها الحملة الفرنسية في مصر، فمنذ البداية انهزمت قوات الحامية العثمانية وغادرت البلاد، كذلك فشل أمراء المماليك بقيادة مراد بك وإبراهيم بك في التصدى للحملة، وأصبحت القاهرة والدلتا خالية من أي قوات نظامية يمكنها التصدي لحملة بونابرت، فانتقل عبء المقاومة بالكامل إلى الشعب المصري الذي حُرم من حمل السلاح لقرون طويلة، وفي هذا الصدد يقول (ريبو) أحد مؤرخي الحملة الفرنسية “كان الجنود يعملون على إخماد الثورة بإطلاق الرصاص على الفلاحين، وفرض غرامات على البلاد، ولكن الثورة كانت كحية ذات مائة رأس، كلما أخمدها السيف والنار في ناحية ظهرت في ناحية أخرى أقوى وأشد مما كانت، فكأنها كانت تعظم ويتسع مداها كلما ارتحلت من بلد إلى آخر”. وأخيرًا وبعد أن تيقن الاحتلال الأسبق (العثمانيون) من تهاوي فرص الفرنسيين للاستيلاء على مصر، شكلوا جيشًا عثمانيًا لطرد الفرنسيين من مصر، ودارت معركة أبي قير البرية في 25 يوليو 1799م فألحق الفرنسيون هزيمة منكرة بالعثمانيين، وفي نحو منتصف شهر يوليو تلقى نابليون من حكومة الإدارة الفرنسية أمرًا كان قد أُرسل له في 26 مايو، مؤداه أن يعود إلى باريس فورًا، فكلف القائد كليبر بقيادة الحملة الفرنسية. وكان عدد الجنود الفرنسيين يتناقص يومًا بعد يوم وكذلك معنوياتهم، بينما أهل البلاد المقاومون يزدادون قوة ويتحينون الفرصة للقيام بثورة القاهرة الثانية في 2 مارس 1800م، على أن أشد هذه الوثائق إثارة هي الوثائق الأخيرة التي وقعها قبل رحيله عن مصر‏،‏ ومنها وصيته للجنرال كليبر رقم‏ 4758‏ بتاريخ‏ 22‏أغسطس‏ 1799‏م ثم وثائق أخرى تثبت أنه كان ينوي بعد عودته إلى فرنسا إرسال تعزيزات وجيش جديد لمصر‏، لكن استسلام مينو في الإسكندرية في يوليو‏ 1801‏م وتوقيع اتفاقية التسليم مع الجيش البريطاني بمساندة العثمانيين وخروجهم بكامل عدتهم من مصر على متن السفن الإنجليزية ، قضى نهائيًا على حلم نابليون.

تعرف المصريون على الحضارة الغربية بمزاياها ومساوئها، وفي مقدمتها قيم الحرية والثورة، كما تعرفوا على الأفكار والمفاهيم الفرنسية الجديدة التي انتقلت إلى مصر، مثل مفهوم الجمهورية، ومبدأ حق الجميع وتكافؤ الفرص، ومبدأ إنشاء حكومة محلية لإدارة شؤون البلاد،ومن القاهرة أصدر نابليون أوامره بأن تدار أمور مصر عن طريق دواوين مكونة من المشايخ والعلماء يكون لها رأيًا استشاريًا للإدارة، لتعاون الإدارة في الحكم وهو انعكاس للأفكار الفرنسية التي واكبت الثورة الفرنسية وكان لها صدى كبير في فرنسا في حينه، واستمر فيما بعد وكان بداية المشاركة المجتمعية في الحكم في فرنسا والعالم. كما عرف المصريون بعض الإنظمة الإدارية عن الفرنسيين ومن بينها سجلات المواليد والوفيات وتسجيل الزواج وتصريح السفر والنظام الصحي، وكذلك نظام المحاكمات الفرنسي، وإدخال بعض الصناعات الحديثة، وتحسين نظام الري، ومحاولة الإصلاح التعليمي، وتنظيم المساطر القانونية والمحاكم الحديثة، وإنشاء خدمات البريد والمواصلات.. أما النتائج العلمية فتمثلت في كتاب (وصف مصر) حيث رافقت الحملة الفرنسية مجموعة من العلماء في شتى مجالات العلم في وقتها، أكثر من مائة وخمسين عالمًا وأكثر من ألفي متخصص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين الذين رافقوا الحملة، من كيميائيين وأطباء وفلكيين إلى آخرة، وكانت نتيجة لمجهودهم هو كتاب وصف مصر وهو عبارة عن مجموعة موثقة تضم إحدى عشر مجلدًا من الصور واللوحات مملوكة لمكتبة الإسكندرية وتسعة مجلدات من النصوص من بينها مجلد خاص بالأطالس والخرائط أسهم بها المجمع العلمي المصري، وقام هؤلاء العلماء بعمل مجهد غطى جميع أرض مصر من شمالها إلى جنوبها خلال سنوات تواجدهم وقاموا برصد وتسجيل كل أمور الحياة في مصر آنذاك وكل مايتعلق بالحضارة المصرية القديمة ليخرجوا إلى العالم عشرين جزءً لكتاب وصف مصر، وتميز الكتاب بصور ولوحات شديدة الدقة والتفاصيل، كما تشتمل هذه المجموعة على صور ولوحات لأوجه نشاط المصري القديم للآثار المصرية وأيام الحملة نفسها التاريخ الطبيعي المصري بالإضافة إلى توثيق كل مظاهر الحياة والكنوز التاريخية والفنية والدينية المصرية وتسجيل جميع جوانب الحياة النباتية والحيوانية والثروة المعدنية آنذاك، ويُعتبر هذا الكتاب الآن أكبر وأشمل موسوعة للأراضي والآثار المصرية كونها أكبر مخطوطة يدوية مكتوبة ومرسومة برسوم توضيحية فتميزت بالدراسة العميقة للدارسين والأكاديميين الذين رافقوا نابليون فيما نشر الكتاب بين عامي 1809-1829، وقد أصدرت مكتبة الإسكندرية نسخة رقمية من هذا الكتاب (وصف مصر) على أقراص مضغوطة. كما فكر الفرنسيون في حفر قناة السويس، حيث اقترح علماء الحملة توصيل البحرين الأحمر والمتوسط، ولكن الفكرة لم تنفذ وذلك بسبب اعتقاد خاطئ وقتها بأن البحر الأحمر أعلى في المستوى من البحر المتوسط حتى نفذ ديليسبس الفكرة لاحقًا، كما تم اكتشاف حجر رشيد الذي ساعد في فك رموز اللغات المصرية القديمة (الهيروغليفية – الهيراطيقية – الديموطيقية) ومعرفة أسرار الحضارة الفرعونية.

أثرت حملة نابليون في حياة مصر وأحوال الشرق العربي عمومًا تأثيرًا عميقًا، أدى إلى انقلاب حقيقي ونهضة فعلية، حيث كانت خطوة بالحضارة إلى الأمام، وأن مصر بعد الحملة خرجت بوجه آخر غير وجهها العثمانى الذي كان موجودًا قبل الحملة نظرًا للصدمة الحضارية التي أحدثتها الحملة للشعب المصرى الذي كان يعيش في عزلة تامة عن الأحداث في أوروبا بموجب الحكم العثمانى العسكرى الصارم الذي كان يحرم ويجرم الاتصال بالغرب،أو حتى الاجتهاد في الدين، وانغلاق الولايات على أنفسها، وبالتالى لم يتقبل المصريون أدوات الحكم والإدارة العثمانية السابقة نظرًا لتفتحهم وتطلعهم إلى العالم المحيط بآماله وعلومه وثقافته، فالحملة كانت النافذة التي أطل الشعب منها على العالم، فمعظم الباحثين يحددون تاريخ دخول الحملة مصر عام 1798م على أنه تاريخ انتهاء حقبة مصر العثمانية، رغم أن جل الأحداث السياسية بمصر بعد خروج الحملة متعلقة بالأساس بالدولة العثمانية صاحبة السيادة الشكلية على مصر، وأن مصر خرجت من حظيرة الدولة العثمانية فعليًا ورسميًا عام 1914م أى بعد قرن ويزيد ولكن هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الحضارية فإن الحملة الفرنسية عبرت بمصر من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة. وكان للغزو الفرنسي تأثيرًا واضحًا على بناء المجتمع المصري واتجاهاته الفكرية التي ظهرت أثارها واضحة فيما بعد، إذ ضعضع الغزو البنيان الاجتماعي القائم آنذاك.. كما اكتشف المصريون وجه جديد للحضارة الغربية الحديثة لم يكن للمصريين والعرب عهد به من قبل، كما عبر عن ذلك عبدالرحمن الجبرتي في تأريخه وهو يحدثنا مبهورًا مما رآه في المعهد العلمي الفرنسي من تجارب على يد العلماء الفرنسيين المصاحبين للحملة، وهذا الموقف الذي عبر عنه الجبرتي ترك أثره في المجتمع المصري الذي شعر بضرورة الخروج من أقبية العصور الوسطى، كما كان الغزو الفرنسي أول تحد استعماري أوروبي تعرضت له مصر في العصر الحديث لذلك أيقظ هذا الغزو الشعب المصري من سبات طويل قضاه في ظل السيطرة العثمانية وأشعره بشخصيته المميزة، ومنه شعوره الوطني الذي تمثل بثوراته المستمرة ضد الحكم الفرنسي وقارب بين فئاته المختلفة، وأيقظت الحملة الفرنسية لدى المصريين الإحساس الوطني والشعور بالهُوية المصرية، حيث أُعتبر إعادة الوعي والهُوية للمصريين على المستوى الإنساني والوطني أهم إنجاز للحملة الفرنسية.كما اطلع بعض علماء مصر مثل الشيخ حسن العطار (1776-1835) الذي يُعتبر أول مشايخ الأزهر انبهارًا بالحضارة الغربية، وكان قريبًا من علماء الحملة الفرنسية المكلفين بدراسة مصر ومناخها وتاريخها وطبغرافيتها، اطلع على بعض المفاهيم الجديدة كالحرية والمساواة والديمقراطية والأمة ونحو ذلك من الشعارات التي جاءت بها الثورة الفرنسية، وأطلق العطار في مطلع القرن التاسع عشر صيحة الفزع قائلًا “إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ماليس فيها”.وتوثقت العلاقة بينه وبين محمد علي بعد رحيل الحملة الفرنسية، وأصبح محط ثقته وأحد الركائز التي يعتمد عليها محمد علي في مشروعه الحضاري الجديد القائم على استلهام روح الحضارة الغربية.

حين قررت الدولة العثمانية إرسال جيش إلى مصر لانتزاعها من أيدي الفرنسيين بعد ترنح الحملة الفرنسية، كان محمد علي هو نائب رئيس الكتيبة الألبانية والتي كان قوامها ثلاثمائة جندي، ثم أصبح قائدًا للكتيبة، واستطاع أن يعتلي عرش مصر عام 1805م بعد أن بايعه زعماء البلاد ليكون واليًا عليها، وذلك بعدأن أدتالحملة الفرنسية إلى إدراك الشعب المصري لذاته،التي جعلت المصريين يثوروا للمرة الأولى على الوالي العثماني (خورسيد باشا) ويخلعوه ويعينوا مكانه (محمد علي) الذي ولد لأسرة ألبانية في مدينة (قولة) التابعة لمحافظة مقدونيا شمال اليونان عام 1769م، ليكون حاكمًا على مصر وذلك لأول مرة في تاريخه منذ الاحتلال الروماني لمصر.وخاض محمد علي صراعات داخلية عديدة في بداية حكمه، كانت أهمها ضد المماليك، فبالرغم من أن محمد علي استطاع هزيمة المماليك، وإبعادهم إلى جنوب الصعيد، إلا أنه ظل متوجسًا من خطورتهم، فاستغل أمرًا من السلطان العثماني “مصطفى الرابع”، بتجريد حملة لمحاربة الوهابيين، وكان في تجريد تلك الحملة ورحيل جزء كبير من قوات محمد علي خطر كبير على استقرار أوضاعه في مصر، وخاصة بعد تمركز المماليك على مشارف القاهرة، فدبر لهم مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811موالتي قتل فيها أغلب زعماء المماليك وعددهم أربعمائة وسبعون مملوك، وبعد ذلك أسرع الجنود بمهاجمة بيوت المماليك، والإجهاز على من بقي منهم، وقد قُدر عدد من قُتلوا في تلك الأحداث نحو ألف مملوك، مما أوجد الأسباب الموضوعية لوحدة الدولة وتماسك أدواتها وهيمنتها على كافة مقدراتها، عكس ما كان سائدأ من قبل بتعدد مراكز القوى وتعدد الانتماءات السياسية، وتمتعت مصر بقوة عسكرية نسبية ودعم هذه القوة ما شهدته مصرمن الجيوش والكثير من الأسلحة الحديثة إبان الغزو والاحتلال الفرنسي لمصر،وتمكنت القوات النظامية التسلح ببعضها فيما بعد. وفي إطار الصراع الرأسمالي “الإنجلو فرنسي” على مصر، وجهت إنجلترا حملة من خمسة آلاف جندي بقيادة الفريق أول (فريزر) لاحتلال الإسكندرية، ولكن تمكن محمد علي من إفشالها مما أكسبة قوة وشعبية.. كما سعى محمد علي إلى الانفراد بالحكم والتخلص من الزعامة الشعبية التي مكنته من الحكم شريطة أن يحكم بالعدل، وأن تكون لهم سلطة رقابية عليه، إلا أن ذلك لم يدم، فبمجرد أن بدء الوضع في الاستقرار النسبي داخليًا، وفشل حملة فريزر وهزيمة المماليك وإقصائهم إلى جنوب الصعيد،وجد محمد علي أنه لن تُطلق يده في الحكم، حتى يزيح الزعماء الشعبيين، فأمر بنفي عمر مكرم من القاهرة إلى دمياط، وبذلك اختفت الزعامة الشعبية الحقيقية من الساحة السياسية، وبتخلص محمد على من الزعامة الشعبية خضعت له مصر بالكامل.

أدركت الدولة العثمانية خطورة الحركة الوهابية الإرهابية، وانزعجت بشدة من توسعهم، وإغاراتهم المستمرة على الأقاليم الخاضعة لسلطة الدولة العثمانية وخاصة العراق والشام، ونجاحهم في السيطرة على الحجازوفصله وخروجه من أيدي العثمانيين، وبالتالي خروج الحرمين الشريفين، ما يفقدها الزعامة التي تتمتع بها في العالم الإسلامي بحكم إشرافها على هذين الحرمين،كما منعوا المسلمين من آداء فريضة الحج ومنعوا المحامل، وبالتالي هددوا السلطة الدينية للدولة العثمانية (صاحبة السيادة الشكلية على مصر).وشكلت كل هذه العوامل حافزًا للدولة العثمانية للوقوف في وجه الدعوة الوهابية الإرهابية ومواجهتها للحد من انتشارها، فحاولت في بادئ الأمر عن طريق ولاة بغداد ودمشق لكنها فشلت. فوقع اختيارها على (محمد علي باشا) حاكم مصر بعد أن شاهدت تزايد تماسك مصروتنامي قوتها نسبيًا بعد التوحد السياسي الداخلي، وطلبت منهإسقاط الكيان الوهابي الإرهابي فى مقابل منحه وذريته حكم مصر. ومن جانبه أدرك محمد علي خطورة هذا الكيان الإرهابي الوليد وتهديده للأمن القومي المصري بمفهوم الدولة القومية المصرية الناهضة، وإن ظلت طموحاته الشخصية الدافع الأكثر تأثيرًا في هذا المضمار. وفى عام 1811م وصل ثمانية آلاف مقاتل مصرى للقضاء على الحركة الوهابية، ومعهم عدد من شيوخ الأزهر لبيان كفر الوهابيين وخروجهم عن صحيح الدين.ونتيجة للانفصال بين آل سعود من جهة، وبين القبائل والأمراء والمدن والناس من جهة أخرى، فإنه لا يكاد يخلو انتصار لمحمد علي باشا وقواته، إلا وكان للسكان المحليين دورًا بارزًا في ذلك. لقد كانت الحملة المصرية بقيادة طوسون باشا ابن محمد علي تهدف في بادىء الأمر إلى الاستيلاء على ميناء ينبع البحري،واتخاذه نقطة انطلاق لاحتلال المناطق الأخرى. ويؤكد المؤرخون أنه بتعاون الشريف غالب، تيسر نزول الحملة إلى البروذلك في عام 1811م، وعندما وصلت قوات الحملة إلى مرفأي ينبع والمويلح، استولت عليهما دون كبير عناء، كما كان سوء الأحوال الاقتصادية التي ألمت بسكان الثغور الحجازية والقبائل القاطنة على طريق الحج إثر انقطاع المحامل، من أبرز العوامل التي سهلت للقوات المصرية طريق تقدمها، فقد تمكنت قوات المشاة لدى نزولها ميناء ينبع من إغراء بعض القبائل القاطنة وإهدائهم الأموال والخلع واستغلال هذه القبائل في توصيل الرسائل إلى مشايخ القبائل الأخرى بقصد استمالتهم إلى جانب قوات الحملة ضد آل سعود. وتمكنت القوات المصرية بمساعدة القبائل التي انضمت إليها من إنزال هزيمة قاسية بأول فرقة سعودية تلتقي بها تحت قيادة (جابر جبارة ومسعود ابن مضيان)، وأخذ طوسون بعد ذلك يضع الخطط، ويقوم بعمليات التجهيز اللازمة للزحف نحو المدينة المنورة. وكانت خطة طوسون أساسًا تقوم على استمالة أكبر عدد من القبائل العربية القاطنة على الطريق إلى المدينة، ووجد طوسون في (نصر الشديد) رئيس قبائل الحويطات وعربه، حليفًا هامًاللقيام بهذه المهمة بتقديم الهدايا والخلع لمشايخ العربان عن طريقهم، بالاضافة إلى قيامهم بعمليات الاستكشاف له في هذه المرحلة، وقد ذكر محمد علي أن القبائل التي استطاع ابنه طوسون أن يستميلها عن طريق حليفه (نصر الشديد) وعربانه هي الحويطات، العبابدة، بلي، الطربيني، الخمايسة، الصوالحة، العليقات، مزينة، تبه، الكواملة، لحون، عمران، علوين، عميرات، الدقيقات، بني عقبة، بني واحل، جهينة، وكلها من القبائل القاطنة بالقرب من المدينة أو على الطريق إليها، وعن طريق مساعدة هذه القبائل لم تلق قوات طوسون صعوبة كبيرة في طريق زحفها نحو المدينة في بادىء الأمر، وتمكنت بسهولة من الاستيلاء على قريتي السويقة، وبدر بعد اشتباك بسيط مع الفرق السعودية التي كانت في كل منهما. ومع أن الشريف غالب كان يتطلع إلى إزالة الدولة السعودية، رغم أنه لم يكن يظهر العداء السافر للسعوديين، كما لم يحدد موقفه من الحملة، وقد اتخذت بعض قبائل الحجاز نفس الموقف حيث أن المعارك لم تحسم بعد. ويقولمؤرخالدولة السعودية(عثمان بن بشر)”وكان لموقف قبيلتي جهينة وحرب أثر حاسم على المعركة، وقد فاتح طوسون زعماء القبيلتين بعد نزوله في ينبع، ولكنهم رجحوا كفة السعوديين عندما ظهر عبد الله بن سعود بجيشه قريباً من مضاربهم، ورتب ابن سعود مع هؤلاء الزعماء خطة لمفاجأة جيش طوسون بالهجوم في مكان يصعب فيه الدفاع عن نفسهفكانت موقعة وادي الصفراء التي هزم فيها طوسون”.وحسب ما يذكر صاحب اللمع، أن قبائل حرب صالحت طوسون في أواخر سنة 1813م وتعهدت أن تقاتل معه، فيقول “وكان في آخر سنة الثامنة والعشرين من هذا القرن مصالحة بعض الطوائف من حرب مع طوسون باشا، حيث جاء كبارهم إليه بالهدايا من الخيل النجاب والإبل، فأعطاهم مالًا كثيرًا، وكساهم بأفخر كسوة. وقد تعهدوا له أن يسيروا كل غزو من غزواته إلى أي موضع يشاء من أطراف الحجاز التي تحت طاعة سعود”.

يقول صاحب اللمع “وفي تلك الأثناء حاول طوسون باشا الاحتفاظ قدر الإمكان بينيع، بناءً على أمر محمد علي باشا، ريثما تصله الامدادات من مصر، كما استفاد من الخطأ السعودي، وبدأ يبذل جهوده في استمالة القبائل البدوية بتقديم المال والهدايا إليها، إلى أن وصلته الامدادات من مصر عام 1812م، بعدها عاود الاستعداد لاحتلال المدينةالمنورة فاحتل وادي الصفراء، وتقدم بمساعد قبائل حرب وجهينة نحو المدينة المنورة”. ويذكر صاحب اللمع أنه قبل شهرين من وصول طوسون ومحاصرته للمدينة، كان سعود قد جاء على عجل إليها، ورتب فيها قوة تقدر بثمانية آلاف رجل، بقيادةإبراهيم بن عفيصان وكان سعود قد سبق المدينة بأن سافر إلى مكة وأهدى الشريف مالًا كثيرًا، وتوجه معه في مكة، وجددوا العهود، وكان غرض سعود بهذه الهدايا والعهد الجديد مع الشريف غالب، توطئة نفس الشريف على متابعته، وأن لا يغتر بموافقة الروم (المصريين)، فالشريف قبل منه ذلك وكان محتالًا من الجانبين، يريد انفراد نفسه عن الروم وعن متابعة سعود”. وبعد حصار للمدينة المنورة دام شهرين، استطاع طوسون احتلالها. وقد هرب قائد القوات السعودية ابراهيم بن عفيصان، وقُتل حسب ما نقل صاحب اللمع ألفا رجل، ويقول”أرسل طوسون لوالده بشائر النصر، مصحوبة بثلاثة آلاف من آذان القتلى، ومفاتيح الحرم النبوي الشريف”.ويضيف”كان لفتح المدينة المنورة رئة فرح في كل ارجاء الدولة العثمانية”. ويعتقد ابن بشر أنه لولا تواطؤ أهالي المدينة ما سقطت بيدالمصريين بقوله “ثم إن العساكر المصرية كادوهم بكل كيد، وسدوا عنهم المياه الداخلة في وسط المدينة، وحفروا سردابًا تحت سور قلعة المدينة، وملؤوه بالبارود وأشعلوا فيها النار، فانهدم السور فقاتلهم من كان فيها من المرابطة قتالًا شديدًا.. ثم أهل المدينة فتحوا للترك باب البلد، فلم يدر المرابطة إلا والرمي عليهم من الترك داخل البلد. وذلك لتسع مضين من ذي القعدة فانحاز المرابطة وجنود المسلمين إلى القلعة فاحتصروا فيها.. فكثر فيها المرضى والجرحى، فطلبوا المصالحة بعد أيام فنزلوا منها بالأمان، وهناك في هذه الواقعة من المسلمين بين القتل والوباء والهلاك في البر بعد ما خرجوا من المدينة وقبل أن ينزل عليهم الترك.. نحو أربعة آلاف رجل. وقبل أن تتهيأ الحملة لاحتلال مكة المكرمة، انحاز الشريف غالب للقوات المصرية المنتصرة وسلمهم ميناء جدة للاستفادة منه، وتمكنت القوات المصرية من الوصول إلى البلد الحرام، وبمساعدة الشريف غالب والبدو المؤيدين لها، ودخلت مكة دون حدوث أدنى قتال مع قوات عبد الله بن سعود التي انسحبت إلى قرية العبيلا. وفي أثناء تواجده على حدود نجد عرض عبد الله بن سعود الصلح، وكان لا يزال واقعاً تحت الهزيمة، وحسب هذه الشروط يستمر عبد الله بن سعود في حكم نجد، على أن يسلم بتبعيته الروحية للسلطان العثماني ويؤدي له الجزية، ويكون من الناحية الادارية تابعًا لحاكم المدينة ويتعهد فوق ذلك بأن يترك حرية المرور للأتراك في بلاده ويتخلى عن أي ادعاء في الحجاز، وانما يتمتع أتباعه فقط بحرية الوصول إلى الأماكن المقدسة لأداء فريضة الحج، واخيرًا يتعهد عبد الله بن سعود بالقدوم إلى الأستانة ليقدم ولاءه بنفسه للسلطان”. ورغم أن الشروط كانت مهينة، فإن عبد الله وافق، وقد سافر طوسون إلى مصر ليقدم هذا العرض للصلح، فرفض محمد علي، لأنه كان متفقًا مع الدولة العثمانية على ضرورةالقضاء على الدولة الوهابية السعودية نهائيًا.

حين تراجع طوسون عن مدن القصيم، استغل عبد الله بن سعود الفرصة وراح يمارس إرهابه الشديد للمدن التي خضعت للحملة مما جعلهم فيما بعد يرتمون أكثر في أحضان إبراهيم باشا. ويقول الباحث صلاح العقاد “على كل.. لم ينتقل طوسون نتيجة هذا العرض – الصلح – إذ أنه لم يطق البقاء في المواقع المتقدمة وعاد إلى مصر في نوفمبر 1815م، وانتهز عبد الله هذه الفرصة لكي يؤدب قبائل القصيم التي تعاونت مع طوسون مستخدمًا وسائل عنيفة مما سيؤلبها عليه عندما يظهر إبراهيم باشا في نجد”. ويقول ابن بشر موضحًا أفعال عبد الله في المؤيدين للحملة المصرية، خوفًا أو طمعًا أو بغضًا لآل سعود”وفيها -1816م- سار عبد الله بن سعود بجميع رعيته من المسلمين من الأحساء وعمان ووادي الدواسر والجبل والجوف.. وما بين ذلك من البادية والحاضرة، وقصد ناحية القصيم، ونزل على بلد الخبرا وهدم سورها وسور البكيرية عقوبة لهم عن ما قدم منهم من استدعائهم الترك وإدخالهم، وخوفًا أن يحدثوا مثلها فيما بعد.. فأقام عبد الله على الخبرا أيامًا وقتل شاعرًا في الخبرا اسمه عميان، قتله عبد الله بن حجيلان، ثم رحل منها وسار في وادي الرمة مسندًا إلى جهة الحجاز، وقد ذكر له عربان من حرب ومطير في أمواه الحجاز فأنذروا عنه وانهزموا!… ثم قفل راجعًا إلى وطنه وأمسك ثلاثة رجال من رؤساء أهل الرس وسار بهم إلى الدرعية، رئيس الرس شارخ واثنان معه”. وما إن عاد الوفد الذي بعثه عبد الله بن سعود لمحمد علي باشا يستعطفه من أجل الصلح فاشلًا، حتى حضر إلى القاهرة زعماء بعض القبائل النجدية التي تعرضت لانتقام عبد الله بن سعود، وأخذوا يحرضون الباشا على استئناف القتال حتى يخلصهم من حكم الدرعية الإرهابي، وقد اعترف بذلك بن بشربقوله”إسراف عبد الله في أعمال الانتقام في القصيم وغيرها قد أضعف مركزه عند مجابهة المصريين”. وكان هناك اصرار من قبل الدولة العثمانية ومن محمد علي باشا على إنهاء الحكم الوهابي الإرهابي مهما كانت التكاليف، فبعث محمد علي بعد وفاة ابنه طوسون بقوات إضافية مع ابنه ابراهيم، لإكمال مهمة سلفه.. واتجهت حملة إبراهيم باشا بعد أن أكملت استعداداتها نحو ينبع فوصلت إليها في26سبتمبر 1818م، ثم توجه إبراهيم نحو المدينة المنورة، وقبل أن يبدأ عملياته العسكرية ضد المدن الموالية للدرعية من أجل احتلالها.

رتب إبراهيم باشا وضعية جنوده واستمال رجال العشائر المحلية، فزادت أعداد قواته كثيرًا وأصبحت ذات كفاءة عالية. فيقول ابن بشر”وإلى حين وصول حملة إبراهيم باشا إلى بلاد الحجاز، كان عبد الله بن سعود لا يزال يكاتب محمد علي والسلطان مبديًا رغبته في إعلان طاعته للدولة العثمانية وإنهاء حال الحرب.. إلا أن الباب العالي أرسل إلى محمد علي يحذره بأنه لا يجب الرد على الرسائل التي يرسلها عبد الله بن سعود، وعدم الاهتمام بمثل هذه الرسائل”.. ومما ساعد إبراهيم على استمالة القبائل، أنه استعمل الشدة مع جنوده، وعاقب كل من يعتدي على العربان أو يسلب منهم شيئًا، ولذا كان يدفع ثمن كل ما يأخذه جنوده من العربان وكان لهذا العمل تأثير كبير على نفوس البدو الذين أعلن معظمهم الولاء له،فيقول بن بشر”اختلفت معاملة إبراهيم باشا لأهالي هذه البلدان، عن الأساليب الشائعة بين الجيوش الوهابية، التي كانت تنكل بأهالي وحاميات البلدان التي تضطر إلى الاستسلام”. وقبل أن يتوجه إبراهيم من الحناكية نحو الرس، أول بلدة أمامه، ومفتاح الطريق نحو الدرعية، دارت معركة بين قوات عبد الله سعود وبين قواته فانتصر إبراهيم بسبب رجحان كفته على كفة الوهابيين، حيث انضم فيصل بعربانه إلى الجانب المصري.. فتراجع عبد الله نحو الرس ثم إلى عنيزة، وكان ذلك في مايو1817م، وتقدمت قوات الحملة وحاصرت الرس في يوليو1817م، واستمر الحصار إلى منتصف نوفمبر، وأرسل أهل الرس إلى عبد الله بن سعود الذي كان معسكرًا في عنيزة بعد أن تراجع من الرس ورفض المصادمة مع ابراهيم باشا، وطلبوا منه إما أن يرحل إلى الترك ويناجزهم. وإما يأذن لهم بالمصالحةفلم يجبهم ولم يحرك ساكنًا، لأن الخوف والهلع والجبن قد تملكه، وبسبب هذا الموقف اضطر الأهالي إلى الصلح بشروط، أولًا رفع الحصار عن الرس. ثانيًا يضع أهالي الرس السلاح ويقيمون على الحياد. ثالثًا لا يجوز لجنود إبراهيم باشا وضباطه دخول الرس. رابعًا عدم إجبار أهل الرس على تقديم شيء من المؤونة والميرة للجيش ولا يدفعون غرامة أو ضريبة. خامسًا في حالة استيلاء الجيش المصري على عنيزة بدون قتال تسلم الرس له، وإذا لم ينجح في ذلك يعتبر القتال متجددًا بين الطرفين.. بعد هذا تقدم إبراهيم نحو بلدة الخبرا في طريقه إلى عنيزة التي يعسكر فيها عبد الله بن سعود، فاحتلها بسهولة، وبسبب ضعف الأمير السعودي وعدم تقدمه لمقارعة إبراهيم.. افتلت قواته عنه، وكما يقول ابن بشر “فلما نزلوها – أي لما نزل إبراهيم الخبرا – وقع الرعب في قلوب المسلمين وتفرقت البوادي، فعيد عبد الله في عنيزة عيد النحر، وأدخل في قصر الصفا المعروف في عنيزة مرابطة من بلدان نجد، واستعمل عليها اميرًا محمد بن حسن بن مشاري بن سعود.. فلما رتب عبد الله البلد رحل منها وقصد بلد بريدة ونزلها..”. وهو ما اُعتبر بمثابة فرار من المعركة. ففي الوقت الذي تتقدم فيه قوات الحملة المصرية نحو عنيزة، يهرب عبد الله منها إلى بريدة ويتجنب الاصطدام.. فكانت أن سقطت البلاد الواحدة تلو الأخرى. فما هي إلا ستة أيام لا غير دامت من الحصار، حتى استسلمت الحامية الوهابية السعودية بقيادة محمد بن حسن بن مشاري بن سعود، بشرط عدم أسرها، والسماح لها بالفرار أنى شاءت، ويشترط أن تسلم الحامية ما لديها من الأسلحة والذخائر والمؤن لقوات إبراهيم باشا. وبعد سقوط عنيزة، أرسل ابراهيم لبلدة الرس من يستلمها طبقًا لشروط الصلح، فقد كانوا يتوقعون عدم سقوطها لأن الأمير فيها، فإذا به يهرب ويسلم البلد لقمة سائغة للغزاة،ويذكر ابن بشر أن أهالي عنيزة سلموا أمرهم للقوات المصرية منذ بداية الأمر، ويفسر ذلك بسبب انسحاب عبد الله بن سعود، وتأثير ذلك عليهم. وليس هذا فقط بل حين سمع عبد الله بسقوط عنيزة، رحل من بريدة وقصد الدرعية، وأذن لقواته بأن ترجع إلى أوطانها، وهذا العمل يعتبر قمة الانهزامية والتراجع والفرار، ولهذا استغل إبراهيم باشا الموقف كالعادة، ورتب حاله في عنيزة ثم تقدم نحو بريدة واحتلها بسهولة، رغم أن أميرها حجيلان من أكبر معاوني عبد الله بن سعود.ونلاحظ سهولة احتلالها من قول ابن بشر “فلما أخذ القصر – قصر الصفا في عنيزة – وضبطه بالعساكر.. ارتحل منها وقصد بلد بريدة، وأميرها يومئذ مع ناحية القصيم حجيلان بن حمد، ونازل أهلها فأعطوا له..”. وكان احتلال بريدة في الأشهر الأولى من عام 1817م. ويضيف ابن بشر “ثم أنه نزل بلد المذنب فأطاعوا له، ثم رحل من المذنب وقصد الوشم ونزل بلد أشيقر والفرعة، فاستأمنوه ودخلوا في طاعته”.

بغض النظر عن أهداف الحملة المصرية بالنسبة للعثمانيين أو حاكم مصر.. فإنهم إلتقوا عند قاسم مشترك،وهو تحطيم الدولة الوهابية السعودية وانتزاع الحرمين الشريفين من يد آل سعود، ويؤيدهم في ذلك جمهور غفير من المسلمين، الذين آلمهم منعهم من أداء فريضة الحج، وكذلك يؤيدهم أهالي الحجاز، وجمهور كبير من المواطنين الذين ذاقوا مرارة الممارساتالإرهابية للوهابيين. ومما لاشك فيه أن الرأي العام الاسلامي كان مهيئًا لمثل هذه الحملة العسكرية، هذا إن لم نقل أنه كان سببًا مباشرًا في تجريدها، نظرًا لضغوطه على حكامه وعلى زعماء الدولة العثمانية. كما كانت أخطاء السعوديين كثيرة وكبيرة للحد الذي لا يمكن التغاضي عنها أو نزع فتيل العداء من قلوب الناس بسببها. ولهذا فلا نعجب حين نسمع بأنصحب الحملة بعض شيوخ الأزهر، ومنهم من كلفه محمد علي بتفنيد آراء الوهابيين وبيان خروجهم عن صحيح الدين،وبيان أهمية استرجاع الأماكن المقدسة. ومنهم من تطوع من تلقاء نفسه لما سمعه عن مناهضة الوهابية للطرق الصوفية. ومما يؤكد وقوف الرأي العام ضد الدولة الوهابية السعودية، هو أنه حينما أبلغت الولايات العثمانية من أقصى الدولة إلى أقصاها باسترجاع الحرمين الشريفين، استعدت قوافل الحج لكي تجد طريقها من جديد إلى مكة والمدينة، في مظاهر أبهة مضاعفة.. احتفاء بهذا النصر، وعلا شأن محمد علي معنويًا في جميع أنحاء الدولة، كما منح ابنه طوسون باشوية جدة، وفي الأستانة أقيمت فيها الاحتفالات بمناسبة تسلم السلطان مفاتيح الحرمين.

اعتمدت الحركة الوهابية في توسعها على جانب كبير من القوة والعنف والارهاب، تجاه الناس الذين جاءت إليهم بدعوى إنقاذهم من الشرك. فنفروا منها، أضف إلى ذلك النزعة العنيفة التي ترافق الانتصارات، حيث يترك القادة السعوديون الحبل على الغاربللتابعين لهم، فلا يسيطرون على قواتهم المنتصرة، وإنما يفسحوا لهم المجال لتدمير كل شيء، وتستولي على كل شيء، وتعتدي على النساء، وتقتل من تريد وكيف تريد. والقادة يعتقدون أن ذلك أفضل لنشر الرعب في المناطق غير المحتلة فيسهل احتلالها. وهذا الاسلوب استخدمه آل سعود كثيراً، وقد ذكر ابن بشر في صفات سعود “أنه نصر بالرعب” لقد قال رسول الله (ص) (نصرت بالرعب مسيرة سنة)، ولكن أي رعب؟ لقد كان الرعب من الله سبحانه وتعالى قذف به في قلوب أعداء الرسول ودينه (فقذف في قلوبهم الرعب..) الآية، ولم يكن نتيجة تعديات وإرهاب وسفك دماء، كما فعل سعود.كما كان للنزعة المادية والسلطوية التي أفسح لها السعوديون الطريق دور في تخفيض درجة التعلق بالدين والسياسة، فكثير من الأموال المنهوبة كانت توزع باسم (الغنائم) بعد المعارك، وكان سعود يجزل العطاء لجيشه، مما أثر على موقفهم أثناء المحنة والابتلاء، كما أن دخول كثير من الأمراء والأشراف في طاعة آل سعود، ووضعهم شورطًا مسبقة تقضي بأن يتولوا الإمارة أو ما أشبه، ثم قبول الحكام السعوديين بذلك، تدلل على أن حب السلطة والجاه وما تبعها من أعمال، إنما كانت المحرك لكثير من الأنفس، التي لم تكن تؤمن بالعقيدة الوهابية، وكان ولاؤهم للدرعية بقدر ما يحقق لهم من مصالح لا أكثر.. وهؤلاء الناس تراجعوا أيضاً في الطريق وانضم بعض منهم إلى محمد علي. اضافة للقبائل والقرى والمدن التي خضعت بالقوة دون أن يقتنعوا بصوابية الأفكار الوهابية.. وقد تضاربت آراء الكتاب والمؤرخين حول سر السقوط السريعللدولة الوهابية السعودية الأولى،بينما يركز الباحث عبد الرحيم عبد الرحمن في معرض حديثه عن تقييم نظام الحكم والادارة في الدولة السعودية الأولى، على أن الإرهاب هو الذي اسقط الدولة الوهابية السعودية الأولى حيث يقول “وربما قيل أن هذه النظم نجحت في إقامة الأمن في جميع أرجاء البلاد التي أصبحت تابعة لآل سعود، وأن الكل أصبح يعيش في أمن وطمأنينة.. دون الخوف على ماله ومتاعه، والحقيقة أن ذلك حدث بفعل عامل الشدة الذي كان متبعًا، والخوف من العقاب الجسماني والمادي، لا عن قابلية ورضا، ومما يؤيد هذا الرأي أن معظم القبائل والبلدان والنواحي التي كانت تابعة لآل سعود، ما كانت تجد القوة التي تخلصها من هذه النظم ممثلة في قوات محمد علي حتى سارعت إلى الانفضاض عنها والانضمام إلى جانب الجيوش المصرية”، ويضيف “ولربما قيل أن خروج الكثير من القبائل عن جانب آل سعود كان بسبب ما قدمه لها جواسيس محمد علي وقواده من الرشاوي والهدايا، ولكننا نرى أن في هذا العمل نفسه ما يدلل على عدم الإيمان القوي بالنظم الوهابية السعودية، لأنه لو وجد الإيمان لما حدث ذلك، ولو حدث لكان على نطاق ضيق كما يحدث في كل الأمم والشعوب… كما أن أسلوب المصادرات الذي كان يوقع على الافراد والقبائل، كان أحد الأسباب التي ملأت النفوس بالثورة الخافتة ضد الدولة وسلطانها.. حيث تفجرت على شكل ولاء ودعم مباشرين للقوات المصرية”. وتقولالدكتورة مديحة درويش، أن من أسباب سقوط الدولة السعودية”النزعة القبلية التي جعلت الكثير من القبائل التي كانت خاضعة لنفوذ آل سعود، تسعى دائمًا للخروج عن طاعتها، ليس هذا في إقليم الحجاز والأحساء فحسب، بل شملت إقليم نجد كذلك..”. وقد كان ابن بشر صادقًا تماماً حين قال بعد موقعة الغبيراء “خرج إليه ـ إبراهيم باشا – أناس من البلد وأخبروه بعورتهم ومعاديهم، وكان أكثر ما شد ظهور الترك في نجد في البلدان.. وأسكن جأشهم وقواهم على أهلها، أناس تبعوه من أهل نحج، ومن رؤساء البوادي”.. بينما يرىحافظ وهبة مستشار الملك عبدالعزيز “أن السبب الأول لسقوط الدولة السعودية الأولى أنها كانت مستندة إلى القوة العسكرية أكثر من استنادها على القلوب، وأن الدعوة الدينية لم تتمكن بعد من قلوب الناس”،وهو قول صحيح وخاصة مع إقرارهبأن الاستناد إلى القوة العسكرية دون القلوب ليست هي كل الاسباب وانما أهمها.أما الدكتور صلاحالعقاد فيذهب إلى أن أهم سبب في الهزيمة والنكسة يرجع إلى إبتعاد المسؤولين عن الدين، وهو ماذكره ابن بشر حيث أشار إلى الذنوب “فيرجع الأمر إلى قضاء الله وقدره بسبب الذنوب”.ويقدم محمد جلال كشك تحليلًا لسبب السقوط يتلخص في الانغلاق داخل إطار الجزيرة العربية، وعدم القيام بنشر الوهابية إلى الدول المجاورة، لاعتقاده أن نظرية (الثورة في بلد واحد) لا تصلح للتطبيق، وعليه لا بد من تصدير الثورة إذا ما أُريد لها أن تعيش، وحسب تعبيره “لابد أن تقذف بجنينها إلى الخارج فتصدر العقيدة والرجال إلى البيئات التي تملك الموارد الطبيعية والقاعدة الحضارية القادرة على الدفاع عنها والتطور بها والانتشار”، وهو في هذا ينتقد موقف سعود الكبير الذي منع الحج وانغلق في اطار الجزيرةوذلك بقوله “لقد مر ما يقرب من عشر سنوات والسلطة السعودية تحكم الجزيرة، دون أن تنطلق الموجة خارج الحدود.. كان لابد أن تنطلق إلى الأمصار.. إلى الشام أو بغداد أو مصر، أو كلها معًا.. ولأنها لم تفعل، أصبحت كالجنين الذي تأخرت ولادته فتضخم واختنق في الرحم أو تفجر معه الرحم”. ولا شك أن هذا التبرير النظري رغم اعتمادة على مقولة ثورية صحيحة إلا أنها لا تتعلق بمجريات أحداث حركة رجعية إرهابية ضد حركة التاريخ ولا تمت للثورة بصلة، سواء الثورة السياسية أو الاجتماعية. كما أن سعود حاول احتلال الشام مرات عديدة وفشل، وكذلك بالنسبة للعراق.أما الدكتور صلاح العقاد فيذهب إلى أن أهم أسباب انهيار الدولة السعودية، هو إعطاء السلطة لزعماء محليين، خصوصًا في المناطق البعيدة عن نجد، وهو رأي ضعيف لا يعول عليه الا اذا وضعنا في اعتبارنا أن هؤلاء الزعماء دخلوا في الطاعة من أجل السلامة أو التسلط أو التوسع.. والخطأ لا يكمن في تولية هؤلاء الزعماء، بقدر ما يكمن في توجيههم نحو الدنيا والانشداد اليها، وهو الأمر الذي غالبًا ما يفعله سعود مما أفسد ضمائر الكثيرين، حيث يقول العقاد “ويعزو كثير من الكتاب سرعة انهيار الدولة إلى وفاة سعود، وفي رأينا أن عوامل الضعف كانت موجودة من قبل، وقد ألمحنا إلى أخطرها، وهي التي تتمثل في ترك السلطة بيد زعماء محليين في المواقع البعيدة عن نجد.. كما أن الدولة السعودية الأولى أغلقت على نفسها الأبواب ومنعت الاتصال بالعالم الخارجي، فلم تستفد ـ على عكس محمد علي ـ من ثمرات التقدم الحضاري. وكان من سوء حظ عبد الله بن سعود تحمل نتائج أخطاء أسلافه”.. وهكذافقد رأينا كيف أن الانسان المسحوق في شبه الجزيرة العربية، أو ذلك الأمير الخاضع بالقوة، أو تلك المدينة أو القرية التي سُبيت نساؤها وقُتل رجالها،كانوا يتحينون الفرصة للإنتقام،وأن أفضل وسيلة للتخلص مما هم فيه هو موالاة القوات المصرية ضد القوات السعودية التي أذاقتهم الويل،فقد كان لهؤلاء جميعًا الأثر الحاسم في المعركة لصالح القوات المصرية.

بواسطة جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة)

عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف

نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية

لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين

ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين

جريدة الفراعنة مستقبل له جذور

أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011

البريد الإلكتروني

alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.