ألقينا الضوء سابقًا في مقالتين متصلتين على الجذور الفكرية للوهابية، وبينا كيف أخرج لنا التراث الإسلامي منذ البداية مدرستين كلاهما إنتاج بشري، وهما المدرسة الظاهرية، والمدرسة العقلية، وأوضحنا كيف اتبع الأمويون والعباسيون التوظيف المنهجي لمرتزقة تلفيق وسبك الأحاديث لأسباب سياسية، ليرث الحنابلة هذه الأحاديث وتلك الأحكام ويشهرونها ضد خصومهم المذهبيين والفكريين. وكيف كانت نظيرية ابن تيمية في “التوحيد” البوابة الكبرى لتكفير عامة المسلمين، وغرس روح التطرف والكراهية والعدوانية ضد أصحاب الديانات، وشرعنة الاستبداد السياسي، حيث كان جل علماء عصره على تجهيله وتناقضه وعدوانيته. وقد حمل تلامذته الحنابلة راية تغييب العقل وإصدار الفتاوى التكفيرية وكان أشهرهم ابن القيم الجوزية. ثم تطرقنا لنشأة الوهابية في مقالتين متصلتين، وبينا فيهما كيف ورث محمد بن عبد الوهاب هذا التراث التكفيري الهائل بعد خمسة قرون من وفاة بن تيمية، وقام بترجمة أفكار وفتاوى التيار الحنبلي ونظرية التوحيد لابن تيمية إلى حركة اجتماعية سياسية، مستغلًا الأوضاع الاجتماعية والثقافية المزرية لمنطقة شبه الجزيرة العربية إبان هيمنة الإمبراطورية العثمانية البغيضة، وخاصة منطقة نجد شرقي شبه الجزيرة العربية، وقد لاقت حركتة الرجعية والظلامية والتكفيرية قبولًا وسط تلك الأوضاع شديدة البؤس والتخلف والشقاء، وألقينا الضوء على الظروف الموضوعية والذاتية التي أدت إلى ولادة تلك الظاهرة. ثم تطرقنا إلى نشأةوملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالتنا هذه عن الدولة السعودية الثانية.
بعد أن أدت الحملة الفرنسية إلى إدراك الشعب المصري لذاته،التي جعلت المصريين يثوروا للمرة الأولى على الوالي العثماني (خورسيد باشا) ويخلعوه ويعينوا مكانه (محمد علي)،إتجه محمد علي إلى بناء دولة عصرية على النسق الأوروبي في مصر، واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين، ومنذ البداية أدرك محمد علي أنه لتحقيق أهدافه التوسعية، لا بد له من تأسيس قوة عسكرية نظامية حديثة، تكون بمثابة الأداة التي تحقق له تلك الأهداف، وبعد فشله في تدريب عدد من جنوده الأرناؤوط الألبان وتمردهم عليه عام 1815م، أيقن أنه لا يمكنه الاعتماد على مثل هؤلاء الجند، وفي عام 1820م أنشأ مدرسة حربية في أسوان وألحق بها ألفًا من مماليكه ومماليك كبار أعوانه، ليتم تدريبهم على النظم العسكرية الحديثة على يد ضابط فرنسي يدعى “جوزيف سيڤ”، وبعد ثلاث سنوات من التدريب نجحت التجربة وتخرجت تلك المجموعة ليكون هؤلاء الضباط النواة التي بدأ بها الجيش النظامي المصرى بعد ذلك، وبعد فشل تجربة الاعتماد على الجنود السودانيين لاختلاف المناخ، لم يكن أمام محمد عليإلا الاعتماد على المصريين الذين قاوموا ذلك في البداية ولكنهم سرعان ما تجاوبوا مع الوضع الجديد واستشعروا تحت راية الجيش بالكرامة وبحياة مأمونة، وبذلك أصبح لدى مصر جيش نظامي وطني بدأ يتزايد باطراد حتى بلغ مائتين وستة وثلاثين ألف جندي وضابط في إحصاء تم عام 1839م، وكانت أول مشاركات هذا الجيش في حرب المورة عام 1821م، التي أظهرت ما وصلت إليه العسكرية المصرية، وهو ما جعل لها شأنًا بين القوى العسكرية المعاصرة آنذاك، وقد اعتمد عليه إبراهيم باشا في حملته على الشام والأناضول، وفي عام 1829م أمر محمد علي ببناء “ترسانة الإسكندرية” على النمط الأوروبي الحديث، فاستغنت مصر عن شراء السفن من الخارج، كما توسع في التعليم العسكري بإنشاء المدارس والأكاديميات العسكرية، ومعسكر لتدريب جنود الأسطول على الأعمال البحرية، وإتجه إلى إنشاء مصانع للأسلحة والمعامل الحربية في مصر.وكانت سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثةأهم دعائم دولته العصرية، حيث كان يؤمن بأنه لن يستطع أن ينشيء قوة عسكرية على الطراز الأوروبي المتقدم ويزودها بكل التقنيات العصرية وأن يقيم إدارة فعالة واقتصاد مزدهر يدعمها ويحميها إلا بإيجاد تعليم عصري يحل محل التعليم التقليدي، وفي هذا الصدد كتب القنصل الروسي في القاهرة “دوهاميل” في تقريره عن حالة البلاد عندما تولى محمد علي الحكم عام 1805م يقول “إن مصر حين وليها محمد علي لم يكن بها أكثر من مائتين يعرفون القراءة والكتابة، باستثناء الكتبة من القبط”. لذا بدأ محمد علي بإرسال طائفة من الطلبة الأزهريين إلى أوروبا ليكونوا النواة لبدأ تلك النهضة العلمية، لدراسة العلوم العسكرية والإدارية والزراعية والطب والتاريخ الطبيعي والمعادن والكيمياء والعمارة والهندسة والطباعة وصناعة الأسلحة، كما أسس المدارس الابتدائية والعليا لإعداد أجيال متعاقبة من المتعلمين الذين تعتمد عليهم دولته الحديثة، وأنشأ العديد من الكليات في الهندسة والطب والمعادن والزراعة والمحاسبة والطب البيطري والفنون والصنايع واللغات (مدرسة الألسن) وكانت يطلق عليها آنذاك “المدارس العليا”، وأنشأ “ديوان المدارس” عام 1837م لتنظيم التعليم بالمدارس وقد بلغ مجموع طلاب المدارس العليا نحو 4500 طالب. كما أمر محمد علي بتوجيه ثلاث حملات بقيادة البكباشي سليم القبطان أعوام 1839 و1840 و1841 لاستكشاف منابع النيل، وكان لتلك الحملات الفضل الكبير في استكشاف تلك المناطق ومعرفة أحوالها. ولكي يحقق محمد علي الاستقلالية، كان في حاجة إلى إنماء ثروة البلاد وتقوية مركزها المالي، لذا عمد إلى تنشيط النواحي الاقتصادية لمصر ببناء قاعدة صناعية قوية وحديثة، وكانت دوافعه للقيام بذلك في المقام الأول توفير احتياجات الجيش، فأنشأ عددًا من مصانع الغزل والنسيج والأقمشة الحريرية والصوف والكتان والطرابيش ومعامل لسبك الحديد ومعامل لإنتاج السكر والزيوت ومصانع النيلة والصابون ودباغة الجلود والزجاج الصيني للشمع، كما كان لإنشاء الترسانة البحرية دورًا كبيرًا في صناعة السفن التجارية. واهتم محمد علي بالزراعة، فاعتنى بالري وشق العديد من الترع وشيد الجسور والقناطر، كما زاد من رقعة الأرض الزراعية، ووسع نطاق الزراعة مثل التوت لإنتاج الحرير الطبيعي، والزيتون لإنتاج الزيوت، وغرس الأشجار لتلبية احتياجات بناء السفن وأعمال العمران، وفي عام 1821م أدخل زراعة صنف جديد من القطن يصلح لصناعة الملابس، بعد أن كان الصنف الشائع لا يصلح إلا للاستخدام في التنجيد.وبعد أن ازدادت حاصلات مصر الزراعية وخاصة القطن، اتسع نطاق تجارة مصر الخارجية، كما لعب إنشاء الأسطول التجاري وإصلاح ميناء الإسكندرية وتعبيد طريق (السويس – القاهرة) وتأمينه لتسيير القوافل، دورًا في إعادة حركة التجارة بين الهند وأوروبا عن طريق مصر، فنشطت حركة التجارة الخارجية نشاطًا عظيمًا.وقد حكم محمد علي مصر حكمًا أوتوقراطيًا مع ميل لاستشارة بعض المقربين قبل إبرام الأمور، إلا أنه اختلف عن الحكم الاستبدادي للعثمانيين ومعاونيهم من المماليك في أنه كان يخضع لنظام إداري بدلًا من الفوضى التي سادت في عصر العثمانيين، فقد أسس محمد علي مجلسًا حكوميًا عرف باسم “الديوان العالي” مقره القلعة يترأسه نائب الوالي محمد علي، ويخضع لسلطة هذا الديوان دواوين تختص بشؤون الحربية والبحرية والتجارة والشؤون الخارجية والمدارس والأبنية والأشغال، كما أسس مجلسًا للمشورة يضم كبار رجال الدولة وعددًا من الأعيان والعلماء، ينعقد كل عام ويختص بمناقشة مسائل الإدارة والتعليم والأشغال العمومية، وفي عام 1837م وضع محمد علي قانونًا أساسيًا عرف بقانون “السياستنامة” يحدد فيه سلطات كل ديوان من الدواوين الحكومية.وإداريًا قسم محمد علي مصر إلى سبع مديريات، أربعة في الوجه البحري، وواحدة في مصر الوسطى واثنتان في مصر العليا، إضافة إلى خمس محافظات وهي القاهرة والإسكندرية ورشيد ودمياط والسويس. وماليًا ألغى محمد علي نظام “الالتزام” الذي كان يسمح لبعض الأفراد الذين يسمون بالملتزمين بدفع حصص الضرائب على بعض القرى ويخول لهم جمعها بمعرفتهم، مما كان يرهق المزارعين لأنهم عادة ما كانوا يجلبون تلك الأموال بقيمة أكثر مما دفعوه، واستبدل هذا النظام بنظام “الاحتكار” الذي جعل من محمد علي المالك الوحيد لأراضي القطر المصري وبذلك ألغى الملكية الفردية للأراضي.وكما احتكر محمد علي الأراضي والزراعة، احتكر أيضًا الصناعة والتجارة، مما جعل منه المالك الوحيد لأراضي مصر، والتاجر الوحيد لمنتجاتها، والصانع الوحيد لمصنوعاتها.واهتم محمد علي ببعض النواحي العمرانية التي تخدم دولته الناشئة، فأسس المدن مثل الخرطوم وكسلا، وأقام القلاع للدفاع عن الثغور وعاصمة البلاد، كما شيد فنار لإرشاد السفن في رأس التين بالإسكندرية، وعني أيضًا ببناء القصور ودور الحكومة، وأنشأ دفترخانة لحفظ الوثائق الحكومية، ودار للآثار بعدما أصدر أمرًا بمنع خروج الآثار من مصر، وعبد الطرق التجارية ونظم حركة البريد وجعل له محطات لإراحة الجياد.وتدرج المجتمع المصري في عهد محمد علي إلى عدة طبقات اجتماعية أعلاها الطبقة الحاكمة التي ضمت أسرة محمد علي وكبار رجاله وموظفي الدولة من المتعلمين في المدارس والمبتعثين للخارج، ثم طبقة العلماء والأعيان فالمزارعين وعمال المصانع والعربان والرقيق، وقد ارتفع تعداد السكان في عهد محمد علي من 2,514,400 نسمة عام 1823م، إلى 4,476,440 نسمة عام 1845م، وكان محمد علي متسامحًا واسع الأفق في الشؤون الدينية، فقرب إليه المسيحيين كما المسلمين، واستعان بهم في حكمه وأدخلهم في جيشهوحاشيته.
على نقيض ما كان يحدث شرق البحر الأحمر على أيدي الوهابيين، أدتتلك الإنجازات الهائلة في كافة المجالات إلى إحداث نقلة حضارية في المجتمع المصري، ونمو البرجوازية المصرية وخاصة الطبقة الوسطى البيروقراطية والصناعية والتجارية، ونشأت حركة فكرية وثقافية وإصلاحية سعت إلى اللحاق بقيم ومبادئ العصر الحديث، والتمرد على ثقافة وقيم العصور الوسطى البالية، وخلق ثقافة جديدة تلائم الدولة الحديثة التي تكونت، وبذلك بدأ عصر النهضة المصرية، وبرزت مجموعة من المفكرين والكتاب تنادي بالإصلاح الفكري والسياسي وتطوير المجتمع، وكان أهمهم الشيخ رفاعة التهطاوي (1801-1873م)، الذي ولد من أسرة مصرية فقيرة والتحق بالأزهر عام 1817م، وكان تأثير الشيخ حسن العطار عليه كبيرًا،وعندما طلب محمد على من الشيخ حسن العطار ترشيح إمام لكى يرافق إحدى البعثات التعليمية المصرية مدة إقامتها في فرنسا، كان رفاعة التهطاوى هو الإمام الذي اختاره الشيخ العطار، وبالرغم من أن التهطاوي رافق البعثة كإمام وليس كطالب، إلا أن السنوات الخمسة التي قضاها في باريس من عام 1826م حتى عام1831م، كانت أهم خمس سنوات في حياته، فقد استطاع رغم خلفيته الأزهرية التقليدية أن يستوعب الفكر التنويري الأوروبى عند اصطدامه به، وأن يتفاعل معه تفاعلًا خلاقًا يتماشى مع النهضة التنموية التحديثية التي كان يقودها محمد علي، وقام بدراسة اللغة الفرنسية وأتقنها إتقانًا تامًا في ثلاث سنوات، وقام بقراءة كتب التاريخ القديم والفلسفة اليونانية، وكتب في الميثولوجيا والرياضيات والمنطق، وتراجم عن حياة نابليون، وكتب متنوعة عن الشعر الفرنسى لشعراء مثل راستين، ورسائل اللورد شيسترفيلد، ومؤلفات فولتير وروسو وكوندياك ومنتسكيو، وكتب أخرى عن الهندسة وعلوم الحرب والمعادن والقانون.
تركت أفكار الثورة الفرنسية رواسب عميقة داخل نفس رفاعة التهطاوي، فقد كان يؤمنبأن المجتمع الصالح، هو المجتمع المبني على أسس العدالة، وأن الهدف من الحكومات، هو رعاية مصالح المحكومين، وأن الشعب لا بد له من المشاركة في الحكم، لذلك يجب إعداد أفراد الشعب لهذا الغرض، وكان يرى أن القانون يجب أن يكون ديناميكى، يتغير تبعًا للظروف، وأن الحكام الصالحين في وقت ما، ليسوا بالضرورة صالحين في كل وقت، وأن حب الوطن هو أساس كل الأخلاق السياسية، وأثناء إقامته في باريس، قام التهطاوي بالاتصال بالعلماء الفرنسيين المستشرقين وخاصة العلماء الذين رافقوا الحملة الفرنسية على مصر، وكانت حضارة مصر القديمة قد ملكت عليه كل وجدانه، وكان هذا يدل على فهم التهطاوي الصحيح والمبكر لقضية الأصالة والمعاصرة، وعندما عاد التهطاوي إلى مصر، نشر ملاحظاته عن المجتمع الفرنسي في كتاب “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، الذي ترجم إلى عدة لغات، وبه ملاحظات التهطاوي عن الشعب الفرنسى، فهم “محبون للنظافة وتعليم الأولاد، ومحبون للعمل، ولا يميلون إلى الكسل، وبهم شغف للمعرفة والاستطلاع، وفي علاقاتهم العامة، يثقون في بعضهم البعض، ونادرًا ما يخدع أحدهم الآخر”. ويعتبر كتابه تخليص الإبريز أول نافذة أطل منها العقل العربى والمصري على الحضارة الغربية الحديثة، ويعتبر أشهر كتب الرحلات العربية في العصر الحديث، والبيان الفكرى الأول للبرجوازية المصرية الناشئة، وأول كتاب عربى يعرف الفكر الليبرالى من الناحيته النظرية والتطبيقية، إلى جانب عرضه لنظم الحكم الدستورية الأوروبية، وأهم ما في الكتاب الفصول التي تتعرض لوثيقة إعلان حقوق الإنسان التي جسدتها الثورة الفرنسية بتأثير من فلاسفة عصر التنوير، وترجمته لدستور عام 1814م الفرنسي. ثم عمل التهطاوي في الترجمة في المدارس الحديثة التي أنشأها محمد على، وفي عام 1836م عمل في مدرسة الألسن، ثم رئيسًا لتحرير جريدة الوقائع المصرية، وقام في هذه الفترة بترجمة ما يقرب من العشرين كتابًا في الجغرافيا والتاريخ والعلوم العسكرية، وأشرف على ترجمة المئات من الكتب الأخرى إلى اللغة العربية والتركية. وبذلك كان الشيخ رفاعة هو العقل الواعي، لتجربة محمد علي في التحديث الفكري والاجتماعي، واضطلع بدور رائد التحديث العربي دون منازع.كما أكد التهطاوي منذ البداية وبوضوح لا يقبل الشك، على معنى الحرية، ووضح أقسامها، وأكد على أنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق السعادة للفرد والمجتمع على السواء، ويتضح نموذج الحرية عند الشيخ رفاعة التهطاوي كنموذج علمي تطبيقي من خلال حديثه عن التمدن في كتابه (مناهج الألباب) الذي يرى فيه أن مصر بتاريخها الثقافي والحضاري العظيم والضارب في أعماق التاريخ بجذور راسخة، وبطبيعة أهلها، مؤهلة للتقدم بشقيه المادي والمعنوي، هذا التقدم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق حرية الوطن والمواطن، كما كان كتابه “المرشد الأمين في تربية البنات والبنين”، عملًا رائدًا ليس فقط في مجال الفكر التربوي، لكن في رؤيته الفكرية العميقة، وتحليله النفسي المميز لشخصية المرأة ومميزاتها، ومؤهلاتها للمشاركة والمساهمة في تنمية ذاتها ومجتمعها، وهذا ما يعكس بعد إنساني وحضاري راق عند التهطاوي، كإنسان ينظر للمرأة نظرة حضارية سامية، ويتحدث عن حقوقها في التعليم والعمل والمشاركة، وعلى تلمس جوانب نفسية وإنسانية في شخصيتها كالرقة والعاطفة والحب، ويؤكد أنها مميزات وليست عوامل ضعف كما يظن الكثيرون، ومن حقها التعبير عنها والشعور بها، وقد ضرب لنا هذا الشيخ المستنير التقدمي مثلًا رائعًا في الاتساق مع النفس، فتلك وثيقة زواجة “التزم كاتب الأحرف رفاعة بدوي رافع لبنت خاله المصون الحاجة كريمة بنت العلامة الشيخ محمد الفرغلى الأنصاري أنه يبقى معها وحدها على الزوجية دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية أيًا كان؛ وعلق عصمتها على أخذ غيرها من نساء، فإذا تزوج بزوجة أصبحت بنت خاله طالقًا بالثلاث، وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين، إنها مادامت معه على المحبة المعهودة مقيمة، وعلى الأمانة والحفظ لبيتها ولأولادها ولخدمها وجواريها، ساكنة معه فى محل سكناه، لا يتزوج غيرها، ولا يخرجها من عصمته، حتى يقضى الله لأحدهما بقضاء، هذا ما استقرت عليه العهود وشهد الله سبحانه وتعالى بذلك وملائكته ورسله، وإن فعل المذكور خلافه كان الله هو الوكيل العادل لزوجة المذكور يقتص لها منه في الدنيا والآخرة، هذا ما انتهى إليه الاتفاق. وكذلك أن تعبته فهى الجانية على نفسها”(رفاعة بدوي رافع 14 شوال سنة 1255هـ). وتظل هذه الوثيقة شاهدًا على عقلية زوج مستنير لم يغلق عقله على تحيزاته الذكورية، ولم ينظر إلى المرأة بوصفها مخلوقًا أدنى، أو تابعًا مذعنًا لا عمل له سوى الطاعة أو الاستجابة إلى نزوات الذكر الأعلى باعتبار أنها مخلوق ناقص وما ينقصها هو الرأس، ثم بعد الزواج يصبح زوجها هو ذلك الرأس. فها هو رفاعة الطهطاوي ينظر إليها بوصفها شريكة في رحلة العمر، ومثله في تحمل المسؤولية، والنصف الآخر الذي تكتمل به الحياة واستمرارها في ظل الحب الذي يعنى التعاون في مواجهة المصاعب والتكافؤ في تحمل المسئولية. ولذا يعد الشيخ رفاعة التهطاوي بحق الرائد الأول لقضية تحرير المرأة في مصر والوطن العربي، وأول من سعى لتحريرها من قيود العصور الوسطى، وقد أثمرت جهود الشيخ رفاعة في المجتمع المصري في مجال التنمية الفكرية والاجتماعية آثارًا عظيمة، فدعا إلى تعليم البنات، وكان عضوًا في لجنة إنشاء المدارس لنشر نور العلم والمدنية. ودعا إلى ما يمكن أن نسميه حوار الحضارات، وضرورة النظر للآخر من منطلق جديد، بنظرة تقوم على معيار التقدم والتمدن، بدلًا من منطلق الإيمان والكفر الذي ساد العالم القديم.
كان التهطاوي أول عين عربية محبة وناقدة ومتأملة بعمق لحضارة الغرب الحديثة، ممثلة في حضارة الفرنسيين، وذلك لأن الفجوة الحضارية كانت شاسعة بين واقع وطنه المتخلف وبين واقع فرنسا المتقدمة، فحاول أن يصنع لوطنه صنيع الذين نقلوا إلى العرب الأقدمين فكر اليونان وعلومهم، وتراث الفرس وفنهم، وفلسفه الهند وحكمتها، فكما أدخل هؤلاء الأسلاف المصريين والعرب في مركز التأثير الإنساني، وجعلوها تعطي الحضارة الإنسانية عطاءها الفني السخي، فإن رفاعة عزم أن يعيد أمته مرة ثانية إلى القيام بدورها هذا، ومن أجل هذا ناضل التهطاوي في سبيل وصل الخيوط بين وطنه، وبين مراكز الحضارة الحديثة في أي مكان، فأخذ يدعو قومه إلى الانفتاح على المجتمعات الأخرى ويسفه من دعاة العزلة، ويتحدث التهطاوي في مناهج الألباب عن التمدن في مصر منذ قديم الزمان، وتفردها عن غيرها من الأمم في الفنون والمعارف، وأنه قد عاد لها مجدها من جديد بفضل محمد علي وخلفائه الذين بفضلهم تعزز الوطن بالعلوم والمعارف وصارت فيه قواعد التمدن واستقامت الأمور بتحري العدل، فاعتدلت مصالح الجمهور، وبهذا أحرزت مصر بين الممالك المتمدنة أسنى الرتب، وصارت بين بلاد الشرق أفضل الأقطار، ولا يُجحد تمدنها ورقيها في ترسيخ مفهوم الوطنية، وبناء عليه يؤكد على ضرورة التواصل مع الحضارة الغربية، لأنها وسيلة عظمى لرقي الوطن كما أنها وسيلة لترسيخ روابط الألفة والحوار بين الشعوب، فمصر تحقق لها اسمها المتعارف عليه وذلك بمسير الناس إليها واجتماعهم فيها، من أجل تحقيق منافعهم ومكاسبهم أكثر من غيرها من البلاد، وذلك لحسن موقعها الذي كان له دور في تمدنها وتقدمها العمراني والإنساني، كما كان لهذا الموقع أثره في أخلاق أهلها وتهذيب طباعهم، علاوة على ذلك فإنهم من خلال مخالطتهم لغيرهم من الأمم والشعوب عرفوا أهمية الحوار وتبادل الخبرات، كما أكد التهطاوي على الحرية الدينية، وحق الفرد في اختيار دينه، حتى ولو خالف دين الدولة التي يعيش فيها شريطة ألا يؤدي ذلك لضرر على نظام الدولة التي يعيش فيها فيقول “أما وقد اتسع نطاق الإسلام، فكل امرئ وما يختار، فبهذا كانت رخصة التمسك بالأديان المختلفة جارية عند كافة الملل، ولو خالف دين المملكة المقيمة بها، بشرط أن لا يعود منها على نظام المملكة أدنى خلل، كما هو مقرر في حقوق الدول والملل”، وأما (التمدن المادي) وهو التقدم في ما يحتاجه المجتمع في سائر شؤون الفنون مما يسميه (المنافع العمومية) كالزراعة والتجارة والصناعة، وهي تختلف من بلد إلى آخر قوةً وضعفًا، طبقًا للممارسة وهو أمر لا غنى عنه في عملية التقدم والتمدن، جملة القول أن عوامل التمدن اجتمعت في مصر وهذا ما يؤكد عليه فيقول “فقد أجمع المؤرخون على أن مصر، دون غيرها من الممالك، عظم تمدنها، وبلغ أهلها درجة عالية في الفنون والمنافع العمومية، فكيف لا وأن آثار التمدن وأماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرنًا يشاهدها الوارد والمتردد، ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج، مع تنوعها كل التنوع، فجميع المباني التي تدل على عظمة ملوكها وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية وبراهينها”، ويضرب مثل بالأمة الفرنسية على تمدنها وبلوغها درجة عالية من الحضارة بالمعرفة والآداب التي تجلب الأنس وتزين العمران، والبلاد الأوروبية عموما مشحونة بأنواع المعارف، لكن فرنسا تمتاز عن غيرها من بلاد أوروبا بكثرة تعلقها بالفنون والمعارف، فهي أعظم أدبًا وعمرانًا.وتقوم علامات التمدن ودلائل العظمة عند التهطاوي على ثلاث ركائز تتمثل في حسن الإدارة الملكية (السلطة السياسية)، والسياسة العسكرية (القوة التي تحمي الدول وتحفظ لها سيادتها)، ومعرفة الألوهية (الدين الذي ينظم حياة الناس على أسس من العدل والشورى)، وهذه الأسس الثلاث للتمدن كانت موجودة في مصر منذ القدم، وبلغت درجة عظيمة واستمرت عبر قرون عديدة، ويتحدث عن تجربة سيدنا يوسف في مصر، والتي يستفاد منها “أنه كان بمصر إذ ذاك أحكام عادلة، وقوانين مرتبة، وحدود مشروعة خالية من الأغراض والنفسانيات وهي نتيجة التمدن التام”، والسياسي الماهر هو الذي لا يضيق على شعبه، ويسير بينهم بالعدل، ويحترم حريتهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية ويستشهد بسيرة الإسكندر الأكبر وحنكته في تعامله مع الأمم والشعوب التي أخضعها لسيطرته، فلم يضيق على حرياتهم، ولم يتدخل في أفكارهم ولا معتقداتهم.ويتضح مما تقدم أن التهطاوي يريد إبراز دور مصر كدولة مؤهلة تاريخيًا للتمدن والتقدم واستيعاب التجارب الحديثة في العدالة والحرية والمساواة وهو ما ركز عليه في كتاب (مناهج الألباب)، وذلك على اعتبار أن التمدن حسب تعبيره يُبنى على ركيزتين أساسيتين، هما العدل والحرية.
هكذا أوجد محمد علي منذ البداية الظروف الموضوعية لتفوقه على الحركة الوهابية، رغم أنها لم تكن ضمن أولوياته أو حساباته لبناء إمبراطوريته، وذلك رغمقوة الحركة الوهابية وجبروتها التي استعصت على الدولة العثمانية وولاتها في الشام والعراق، وتمرس مقاتليها على القتال وممارسة العنف، وطبيعة الصحراء القاسية والموحشة وخاصة على الغرباء عليها. فقد أدرك محمد علي منذ البداية أن الحرب اقتصادَا وعلمًا وحضارةً قبل أن تكون ميادين قتال. فكان كل ما صنعه وبناه وأسسه دعمًا وعونًا حقيقيًا له في انتصاره الكاسح على أكبر حركة إرهابية بربرية في تاريخ الشرق الأدنى على الإطلاقكما أوضحنا سابقًا، فقد كان اجتياح الجيش المصري لشبه الجزيرة العربية والقضاء على الحركة الوهابية الإرهابية بناءً على رغبة وطلب الدولة العثمانية في الأساس، وقد تلامس هذا الطلب والرجاء مع طموح محمد علي، ولا شك أن استجابة الرجل أوضحت مدى ما يتمتع به من حس سياسي كبير، وبعد نظر ورؤية مستقبلية ثاقبة، ولأنه كان رجل دولة من الطراز الأول فقد رتب أوضاعه السياسية الداخلية بشكل فائق الجودة، وسعى بشكل جدي وإرادة سياسية كاملة لعمل نهضة حقيقية شاملة كما بينا، واستطاع وضع أسس الدولة المصرية الحديثة في زمن قياسي. وكما زهدت الإمبراطورية العثمانية في نجد وضواحيها سابقًا، لعدم جدوى الاحتفاظ بها آنذاك، كذلك فعل محمد علي، ولم يكن مهتما بمستقبل تلك البقعة في أعقاب انجاز مهمته التي كُلف بها من العثمانيين باسقاط الدولة الوهابية السعودية الأولى، فلم تكن بها أي مقومات دولة على الإطلاق لا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا ولا حضاريًا، ولم تكن دخلت حتى حقبة العصور الوسطى بعد، ورغم نجاح محمد علي الباهر في التعاطي مع عناصر بدوية كثيرة ومؤثرة وقدرته على فهم نوازعهم وطبائعهم البدوية إلا إنه لم يستطع وضع آلية للاستمرار في السيطرة الكاملة على تلك الصحراء وهؤلاء الرعاة،بعد أن دمر إبراهيم باشا عاصمتها الدرعية وأباد واعتقل كثيرًا من قادتها السياسيين والدينيين من آل سعود وآل الشيخ بن عبد الوهاب، وما جرى من محاولات لإعادة بناء دولة نجدية أولاها محاولة محمد بن معمر الموالي للمصريين والذي أعاد إعمار الدرعية وانتقل إليها،إلا أن محمد علي لم يستطعاستصال جذور الحركة الوهابية التي أخذت تشكل أرضية المقاومة للهيمنة المصرية العثمانية، ليس من أرضية وطنية قومية ولكن على أساس ديني طائفيكما أسلفنا، حيث لم تكن دخلت تلك البلاد بعد حقبة الدولة القومية التي أعقبت العصور الوسطى. فمنذ سقوط الدولة السعودية الأولى انقسمت الحركة الوهابية حول الموقف من الدولة العثمانية بين معارض وموالٍ، واصيبت بأزمة خطيرة انعكست على علاقاتها الداخلية إذ أخذ الجناح المعارض داخل الحركة الوهابية يكفر الموالين والمتعاونين مع القوات المصرية والدولة العثمانية (الكافرة). فقد أفتى الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ والشيخ حمد بن عتيق بكفر وردة من أعان جيوش (المشركين) التي هجمت على أراضي نجد. وقال الشيخ سليمان آل الشيخ”إن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفًا منهم ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرهم فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب (الإسلام والمسلمين)، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل وأعانهم عليه بالنصرة والمال، ووالاهم وقطع الموالاة بينه وبين (المسلمين)، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله؟ فإن هذا لا يشك (مسلم) أنه كافر من أشد الناس عداوة لله ورسوله (ص) ولا يُستثنى منه ذلك إلا المكره، وهو الذي يستولي عليه (المشركون) فيقولون له: إكفر أو إفعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب والإيمان. وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلًا أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفًا وطمعًا في الدنيا”. وطالب الشيخ سليمان بمقاطعة (المشركين) اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، فقال “قد نهى الله سبحانه عن موالاة الكفار وشدد في ذلك، وأخبر النبي (ص) أن من أحب قومًا حُشر معهم. ويُفهم مما ذكرنا أمور من فعلها تعرض للوعيد بمسيس النار، الأمر الأول التولي العام، والثاني المودة والمحبة الخاصة، والثالث الركون القليل، والرابع مداهنتهم ومداراتهم، والخامسطاعتهم فيما يتولون وفيما يشيرون، والسادس تقريبهم في الجلوس والدخول على أمراء الإسلام، والسابع مشاورتهم في الأمور، والثامن استعمالهم في أمر من أمور المسلمين أي أمر كان إمارة أو عمالة أو كتابة أو غير ذلك، والتاسع اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، والعاشر مجالستهم ومزاورتهم والدخول عليهم، والحادي عشر البشاشة لهم والطلاقة، والثاني عشر الإكرام العام، والثالث عشر استئمانهم وقد خونهم الله، والرابع عشرمعاونتهم في أمورهم ولو بشيء قليل كبري القلم وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم، والخامس عشر مناصحتهم، والسادس عشراتباع أهوائهم،والسابع عشر مصاحبتهم ومعاشرتهم، والثامن عشر الرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم، والتاسع عشر ذكر ما فيه تعظيم لهم كتسميتهم سادات وحكماء كما يقال للطواغيت (السيد فلان)، والعشرون السكنة معهم في ديارهم كما في الحديث(من جامع المشركين وسكن معهم فإنه مثلهم) رواه أبو داود”. وقد اعتبر الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ من يشير بكف(المسلمين- الوهابيين)عن (الكفار- المصريين) من أعظم الموالين المحبين للكفار من المرتدين والمنافقين. وقال “ينبغي أن تكون الغلظة على المرتدين أشد من الكافر الأصلي، لأن هذا عادى الله على بصيرة وعادى رسوله (ص) بعد ما عرف الحق ثم أنكره وعاداه والعياذ بالله… وما ظنك بمن يُسِرُّ الى الكفار بالمودة ويعلمهم أنه يحبهم ليواصلوه ويكرموه؟”. وكرد فعل على تهاون بعض الوهابيين في علاقته مع الدولة العثمانية وقبوله بالتعاون معها والتبعية لها، صعد الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ من موقفه تجاه الدولة العثمانية التي اتهما بالشرك وحصر صفة الإسلام والمسلمين على أتباع الدعوة الوهابية، واصدر بيانا إلى عامة بلدان نجد، جاء فيه”وبعد فالذي أوجب هذا الكتاب، ذكر ما أنعم الله به عليكم من نعمة الاسلام الذي عرفكم به وهداكم اليه، وتسمون به فلا يعني باسم المسلمين إلا أنتم، وما أعطاكم الله تعالى في هذا الدين من النعم أكثر من أن تحصى.. أولها: كون الدعوة إلى دين الإسلام ما قام في بيانها والدعوة إليها إلا رجل واحد (هو محمد بن عبد الوهاب).. ولا يُعرف أن أحدًا دعا فيها إلى توحيد الله وأنكر الشرك المنافي له، بل قد ظنوا جواز ذلك واستحبابه، وذلك قد عمت به البلوى من عبادة الطواغيت والقبور والجن والأشجار والأحجار في جميع القرى والأمصار والبوادي وغيرها…فرحم الله هذا الشيخ الذي أقامه الله مقام رسله وأنبيائه في الدعوة إلى دينه. هذا ما نوصيكم به وندلكم عليه عامة، والعلماء والأمراء خاصة، فيجب عليكم أن تكونوا صدرًا في هذا الدين (الوهابية) بالرغبة فيه والترغيب، وأن تكونوا سندًا وعونًا لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر (من آل سعود)”.
بمجرد أن غادر إبراهيم باشا نجدًا في شهر مايو من سنة 1818م بأمر من والده محمد علي باشا،عادت الحركة الوهابية لتحقق انتصارات متعددة وتشكل كيانات مستقلة بين الفينة والأخرى. حيث ظل أمراؤها على درجة أو أخرى من التبعية والولاء الظاهر للدولة العثمانية. فلم يمض طويل وقت حتى انبرى تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود في عام 1820م ليعيد حكم آل سعود وينشيء دولتهم الثانية، فقتل من أجل ذلك أمير بلدة (ضرما) ناصر السياري في المسجد، واستولى على البلدة، ثم أخذ البيعة من أهلها بالقوة، واحتل الرياض وقتل محمد ابن معمر،وقرر تركي أن تكون الرياض عاصمته لقوة تحصينها وحارب الأتراك حتى أجلاهم من البلاد سنة 1824موبدأ عهد الدولة السعودية الثانية.ثمتوجه تركي بجيوشه إلى الأحساء وهزم بنو خالد الموالين للمصريين، وبايعه أهلها وأقام فيها أربعين يومًا وفد عليه فيها أهل القطيف وأهل عمان من رأس الخيمة وبايعوه ثم استطاع أن يخضع سلطان مسقط وشيخ البحرين وجزء كبير من قطر ورأس الخيمة،واستطاع أن يفرض هيمنته على نجد كلها بحلول عام 1825م،فعاد الحكم الوهابي السعودي إلى حكم نجد من جديد دون أن تكون لهم سيطرة على حائل التي كان يحكمها ابن الرشيد، والحجاز التي كان يحكمها الأشراف.وعندما علم محمد علي بتلك التحركات أرسل حملة لوقف هذه الأعمال ولكن أخبر تركي قائد القوات المصرية أنه مطيع وتابع للسلطان فأيده على ما قام به، وتتابع هذا الأسلوب في تفادي المواجهة مع القوات المصرية، وكثيرًا ما كانت تنجح في المراحل الأولى لاعتماد آل سعود والوهابيين على أسلوب (التقية) الفعال في هذا المضمار. وقد استند تركي بن عبد الله، في تثبيت شرعيته إلى الفكر القدري، فقال في بيان الى عامة المسلمين “إن الله ولاه أمرهم”. وبالرغم من تمتع الإمام تركي بن عبد الله، بجميع المواصفات الشرعية، حسب الفكر السياسي الوهابي، وتأييد رجال الدين من آل الشيخ له، إلا أن ذلك لم يمنع من اغتياله سنة 1833م، على يد ابن أخته مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود، الذي كان ضمن الأسرى السعوديين في مصر وتمكن من الهروب فعاد وولاه الإمام تركي على منفوحة، ولكنه طمع في الحكم،فلما علم تركي عزله من منفوحة فقام مشاري بالإيعاز لعبده إبراهيم بن حمزه بقتل الإمام فقتله وهو خارج من صلاة الجمعة فيالثامن من مايو عام 1834م،ومع أن مقتل الامام تركي أثار غضبًا وامتعاضًا كبيرين لدى آل الشيخ الذين احتجوا بالاعتصام في المسجد، إلا أنهم سلموا للأمر الواقع فيما بعد، وبايعوا الأمير الجديد مشاري، فالسلطة أولًا وأخيرًا هي لمن غلب، ولا دور للأمة في انتخاب الإمام ولا رأي حتى لعلماء الدين. ولكن زويد عبد تركي المخلص هرب إلى القطيف وأبلغ فيصل بن تركي بمقتل والده فعاد فيصل واستعاد الحكم عام 1834م بعد أن قتل بن مشاري بمساعدة عبد الله بن رشيد.ولولا تمرد فيصل بن تركي، وعدم استسلامه للانقلاب، لظل الأمير مشاري مستمرًا في الحكم إلى أن يشاء الله، ولربما ورّث السلطة إلى أولاده وأحفاده.
أما الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ فقد اهتم كثيرًا بالسيطرة الثقافية والسياسية على المساجد وتعيين الأئمة الوهابيين فيها خوفًا من تسرب التيارات المعتدلة إلى القواعد الشعبية،فقد استنكر تنصيب شيخ حنبلي من أهل الأحساء، إمامًا في بعض المساجد، من غير إذن الإمام (ابن سعود). فكتب إلى الشيخ عبد اللطيف بن مبارك، ممثله في الأحساء، يقول”إن شيخنا رحمه الله، لما تبين بهذه الدعوة الإسلامية، وجد العلماء في الأحساء وغيرها لا يعرفون التوحيد من الشرك، بل قد اتخذوا الشرك في العبادة دينًا، فأنكروا دعوته لجهلهم بالتوحيد ومعنى (لا إله إلا الله).. إن العلماء ما عرفوا التوحيد ولا عرفوا هذا الشرك، ولا عالم من علماء الأحساء أنكر هذا، بل قد صار إنكارهم لإخلاص العبادة لله وحده. ومن دعا إلى الإخلاص كفروه وبدعوه، ولا نعلم أحدًا من علماء الأحساء صدع بهذا الدين وعرفه وعرّفه”. ويبدو أن حركة ثقافية معتدلة نشطت في الأحساء بقيادة الشيخ الحنبلي محمد بن فيروز، حفيد ابن فيروز الخصم الألد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وامتدت إلى القصيم وعنيزة بقيادة الشيخ داود بن جرجيس، وكانت تدعو إلى التريث في تكفير المسلمين، ونجحت في استقطاب بعض القواعد الوهابية، حتى أحدثت شرخًا عميقًا دفع البعض إلى اعتزال الجمعة والجماعة في الأحساء وتكفير من في تلك البلاد من المسلمين،وشن الشيخ عبدالرحمن هجومًا على أهل الاحساء وعلمائها المعتدلين والتشكيك بعقيدتهم، كما جاء في رسالة له إلى بعض علماء الأحساء”وأما أهل بلدكم في السابق، وغيرهم، فهم أشاعرة، والأشاعرة أخطأوا في ثلاثة من أصول الدين، منها: تأويل الصفات.. وأخطئوا أيضًا في التوحيد، ولم يعرفوا من تفسير (لا إله إلا الله) إلا معناها: (القادر على الاختراع). فإذا كان العلماء في وقتنا هذا وقبله، في كثير من الأمصار، ما يعرفون من معنى (لا إله إلا الله) إلا توحيد الربوبية، اغتروا بقول بعض العلماء.. وعلماء الأحساء ما عادوا شيخنا رحمه الله، في مبدأ دعوته إلا من أجل أنهم ظنوا: أن عبادة يوسف والعيدروس وأمثالهما لا يستفاد بطلانها من كلمة التوحيد”. وقام الأمير فيصل بن تركي بإرسال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأحساء لتكريس العقيدة الوهابية، ومناظرة علمائها في أصول الدين والعقائد. والتصدي لتأليف كتب حول الموضوع.
بينما كان الشيخ عبد اللطيف يواجه المعتدلين الذين يرفضون التكفير بالعموم، كانت هناك مجموعة وهابية أخرى تنمو في الأحساء بقيادة الشيخ عبد العزيز الخطيب، وتقف على يمين النظام الوهابي القائم، وتتهمه بالولاء للحكومة العثمانية “الكافرة”، ومن ثم تقوم بتكفيره. وقد حاول الشيخ عبد اللطيف أن يردعهم عن الخوض في هذا الأمر وقام باتهامهم بالجهل واتباع الخوارج. وأرسل إلى أحدهم الرسالة التالية “بلغنا عنهم: تكفير أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين.. وبلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة والمصالحة والمكاتبات وبذل الأموال والهدايا ونحو ذلك. والكلام في هذا الباب يتوقف على معرفة ما قدمناه ومعرفة أصول عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيره لمن جهلها وأعرض عنها وعن تفاصيلها، فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله، يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان ويشتت الأذهان ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن. وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة. وقد أسأت في قولك: إن ما أنكره شيخنا الوالد من تكفيركم أهل الحق واعتقاد إصابتكم، أنه لم يصدر منكم. وتذكر أن إخوانك من أهل النقيع يجادلونك وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبونا إلى السكوت عن بعض الأمور. وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالبًا، على سبيل القدح في العقيدة والطعن في الطريقة، وأن لم يصرحوا بالتكفير فقد حاموا حول الحمى. كما حاول الشيخ عبد اللطيف أن يفسر معنى الولاء والبراء ، بما لا يخرج آل سعود من (الدين) بسبب تعاونهم مع العثمانيين، فقال موجهًا حديثه للوهابيين الأكثر تطرفًاوالمكفرين لهم “قد بلغني أنكم تأولتم قوله تعالى في سورة محمد: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر) على بعض ما يجري من أمراء الوقت من مكاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض رؤساء الضالين والملوك المشركين، ولم تنظروا لأول الآية وهو قوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة، و لا المراد من الأمر، المعروف المذكور في هذه الآية الكريمة، وفي قصة صلح الحديبية وما طلب المشركون واشترطوه. وبرر الشيخ عبد اللطيف في رسالة أخرى حالة العجز عن إظهار العداوة “للمشركين”، وممارسة التقية مع “الكفار”. وحاول أن يجد لها العذر، فقال لمن سأله عن حكم من كان في سلطان “المشركين”، وعرف التوحيد وعمل به ولكن ما عاداهم ولا فارق أوطانهم “إن هذا السؤال صدر عن عدم تعقل لصورة الأمر والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به، لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين. ومن لم يعادهم لا يقال له (عرف التوحيد وعمل به). والسؤال متناقض .. وأظن مقصودك: من لم يظهر العداوة ولم يفارق. ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة، فالأول يُعذر به مع العجز والخوف”. وفرق الشيخ عبد اللطيف بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، فقال: بأن الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة كفر عمل لا كفر اعتقاد، وقد سمى الله من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعض مؤمنًا بما عمل وكافرًا بما ترك العمل به (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وكذلك الشرك: شركان، شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر.. وأنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر أن يُسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر. وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر، ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق. وهكذا تذبذبت الحركة الوهابية في الدولة السعودية الثانية بين المعارضة والمقاومة للدولة العثمانية وتكفير من يتعاون معها أو يخضع لها باعتبارها دولة كافرة، وبين الولاء لها والحكم باسمها وتبرير ذلك باسم التقية والعجز عن إظهار العداوة للمشركين، مما أفقد الحركة الوهابية صدقيتها ومزق وحدتها وأبعد الجماهير عنها وأدى إلى انهيارها وتلاشيها بعد حين.
استمر فيصل في فترة حكمه الأولى من عام1834م حتى عام 1838م وفي هذه الفترة كان محمد علي قد انتهى من تكوين دولته الكبرى على حساب الدولة العثمانية نفسها فاستولى على السودان والشام وأجزاء من الأناضول واليونان وقرر الاستيلاء على نجد فوجد أن سكانها موالين لآل سعود وأن أفضل طريقه أن يولي عليهم واحدًا من آل سعود مطيعًا له. فأرسل ابنه خورشيد على رأس حمله ومعه خالد بن سعود الكبير الذي تربى في رعية محمد علي،وكان خالد مستاءً من استيلاء أبناء عمه على السلطة، وكان لا يزال يتمتع ببعض الأنصار الذين لم يرضوا عن انتقال الامامة من أولاد سعود الكبير إلى أولاد عبد الله بن محمد. وعندما اقترب الجيش المصري من الرياض اضطربت الأمور على فيصل فهرب منها، وهرب معه آل الشيخ، ولكن القوات المصرية اعتقلت فيصلًا وأعادته مرة ثانية إلى مصر. وفي حين لم يجد معظم أهل نجد غضاضة بحكم خالد، لأنه من آل سعود وهو الأقوى، بينما امتنع بعض الوهابيينمن الخضوع له بسبب تعاونه مع المصريين “المشركين” وخوفًا من عودة الحكم العثماني المباشر. وهو ما يشير إلى قبولهم لأي حاكم قاهر، ورفضهم للحكم العثماني الذي كانوا يعتبرونه “كافرًا ومشركًا”. فحاصر فيصل في الدلم ولما اشتد به الحصار عرض على قائد الحملة أن يسلم نفسه بشرط أن يعفو عن الأهالي ويؤمنهم على أرواحهم وأموالهم فقبل خورشيد وعفا عن الأهالي وأرسل فيصل إلى مصر وعين خالد مكانه. كما قام خورشيد بالاستيلاء على المنطقة الشرقية ثم بدأ يخطط لغزو العراق. وهنا وقف الشيخ عبد الرحمن معلنًا”أن موالاة المشرك والركون إليه ونصرته وإعانته باليد أو اللسان أو المال من الأمور التي تنقض التوحيد”. وأخذ يحث على مقاومة القوات المصرية (المشركة) والجهاد ضدها حتى مع عدم وجود إمام”.
أثار ازدياد نفوذ محمد علي مخاوفبريطانيا فأرغمته على سحب قواته من الشام والجزيرة العربية بموجب اتفاقية لندن سنة 1840م فسحب قواته من الجزيرة وبقي خالد يحكم نجد، وكان خالد مستنيرًاومتفتحًا ورقيق الشعور نشأ في ذرى محمد علي وأراد أن يحكم نجد حكما عصريًا.وبمجرد انسحاب القوات المصرية عام 1841م قام عبد الله بن ثنيان باقتحام الرياض وتنصيب نفسه حاكمًا جديدًا عليها . وعندما حاول خالد أن يقاوم، قال له مستشاروه من رؤساء أهل الرياض “ان هذا ملك انفسخ منك وتولاه غيرك، والأمر بيد الله، ثم بيد من استولى عليه”. وهكذا استسلم خالد دون مقاومة، وأصبح عبد الله بن ثنيان أميرًا، فقدم عليه آل الشيخ وبايعوه، وتتابعت الوفود على بيعته. وبعد عام تمكن فيصل بمساعدة عباس باشا حفيد محمد على من الهروب من مصر والعودة إلى نجد عام 1843م، فذهب إلى صديقه عبد الله بن رشيد في حائل ومنها استولى على القصيم ثم ذهب إلى الرياض واستولى عليها لتبدأ فترة ولايته الثانية، وسجن ابن ثنيان الذي مات بعد شهر في سجنه، ورغم أن عبد الله كان يحظى بدعم آل الشيخ ويتمتع بكامل الشرعية، إلا أن منطق الغلبة للأقوى كتب تلك النهاية المأساوية لعبد الله بن ثنيان.وعندما عاد فيصل بن تركي إلى السلطة طلب منه الشيخ عبد الرحمن “أن يجاهد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه، من البادية والحاضرة، وخصوصًا آل ظفير المشركين الذين يجب جهادهم ودعوتهم إلى الله”. وتنفيذًا لتعليمات الشيخ عبد الرحمن وفي محاولة لتعزيز الوحدة الداخلية الوهابية وتحصينها عقائديًا ضد الاختراق العثماني، قام الأمير فيصل بإرسال كتاب إلى أهل النواحي يحضهم على التمسك بالتوحيد والاستقامة عليه، ويقول لهم”إن أكثر الناس في هذه الأزمنة وقبلها قد وقع منهم ما وقع من أولئك المشركين، وهم يقرأون القرآن فعموا وصموا عن هذا (التوحيد) وأدلته”. ويضيف”اعلموا أنه قد غلط في هذا طوائف لهم علوم وزهد وورع وعبادة، فما حصل لهم من العلم إلا القشور، وقد حُرموا لبه وذوقه، قلدوا أسلافًا قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل، فيا لها من مصيبة ما أعظمها وخسارة ما أكبرها؟ فلا حول ولا قوة الا بالله. فلا غنى لكم عن تعلم (التوحيد) وحقوقه من فرائض الله وواجباته وأن يكون ذلك أكبر همكم ومحصل علمكم”.
في الوقت الذي كان فيصل يوطد حكمه في أرجاء الدولة،أخذت قوة آل الرشيد تزداد. وأصيب فيصل في آخر حياته بالعمى وأصبح ابنه عبد الله يتولى إدارة شؤون الدولة بمشورة أبيه. وبعد وفاة فيصل تولى ابنه عبد الله الحكم وبايعه الناس لكن حربًا أهلية بدأت بينه وبين أخيه سعود استمرت عشر سنوات. انتقل سعود إلى نجران حيث ساعده رئيسها في جمع ما يحتاجه من الرجال ووفد عليه العديد من زعماء القبائل الأخرى وانطلق بجيشه إلى الرياض. جهز عبد الله جيشًا بقيادة أخيه محمد استطاع هزيمة قوات سعود وإصابته بإصابة شديدة جعلته يهرب إلى الأحساء. كما قام عبد الله بإرسال جيش بقيادة عمه عبد الله بن تركي لتأديب القبائل التي عاونت سعود. وبعد أن استعاد سعود قوته وجهز جيشًا آخر استطاع محاربة جيش أخيه محمد وأسره ثم توجه إلى الرياض والتي خرج منها عبد الله ودخلها سعود لكن أهل الرياض ثاروا ضده بقيادة عمه وهزموا سعود فعاد عبد الله إليها. حاول سعود بعد ذلك دخول الرياض مرة أخرى ونجح في ذلك حيث هرب عبد الله إلى قرب الكويت. في نفس الوقت استطاع عبد الرحمن بن فيصل آل سعود العودة من العراق وعندما وصل الرياض وجد أخاه سعود خارج الرياض وقد أصابه المرض وتوفى مريضًا عام 1875م، فتولى عبد الرحمن الحكم. قام عبد الله بعد ذلك بهزيمة عبد الرحمن والعودة إلى الحكم، فحكم لسنتين ثم خرج عليه أخوه محمد الذي كان يكبره سنا ويدعي أحقيته بالحكم، فوقعت بينهما معارك حتى وافق الاثنان على أن يتولى الحكم أخوهما الأكبر عبد الله، فعاد هذا الاخير من البادية وتولى السلطة عام 1876م للمرة الثالثة، ولكن أبناء سعود لم يقبلوا بهذه الصفقة فخرجوا على عمهم عبد الله عام 1887م واحتلوا الرياض واعتقلوا عمهم وتولى أحدهم وهو محمد بن سعود السلطة لبعض الوقت. وهنا استنجد عبد الله، من سجنه، بأمير حائل (الوهابي) محمد بن الرشيد، فقدم الرياض واحتلها وأطلق سراحه وقتل محمد بن سعود، ولكنه لم يعد السلطة إلى عبد الله وإنما أخذه (ضيفًا)إلى حائل، وعـين واليًا من قبله على الرياض. وسارعت القبائل النجدية بتقديم الطاعة لمحمد بن رشيد. وعندما توفي عبد الله، بعيدًا عن السلطة، حاول أخوه عبد الرحمن عام 1890مأن يقوم بانقلاب على ابن الرشيد ويستعيد إمارته المفقودة ولكنه فشل فلجأ إلى الكويت التي كانت لا تزال تخضع للحكم العثماني.. وهكذا انتهى حكم آل سعود في دولتهم الثانية نتيجة لصراعاتهم الداخلية المريرة القائمة على أساس القوة والغلبة، وفي غياب الشورى أو أي دور للأمة أو لأهل الحل والعقد، أو أي دستور ينظم طريقة توارث السلطة.