لا شك أن الأخلاق في أي مجتمع، وفي كل زمان ترتبط ارتباطا وثيقاً بالوضع الاقتصادي للناس، فكلما تحسن وضع الناس من الناحية المادية، كلما ارتقت مسالكهم الحياتية، وكلما زاد معدل الفقر، كلما زادت أخلاق السوق، وعمت فلسفة الطوابير والتزاحم، وارتفع معدل النفاق والكذب والتدليس، وسادت تعاملات الرشوة والاختلاس، إلى غير ذلك من انواع السلوكيات الساقطة التي تفرضها على الناس الأوضاع الاقتصادية الضاغطة.
صحيح أنه ليس كل فقير ساقطا أخلاقيا، ولكن هذا الاستثناء لا يكسر القاعدة التي تربط الفقر بالانحطاط الأخلاقي، فقد يقاوم البعض الضغوط الاقتصادية بوازع أخلاقي نابع من تربيته ووعيه وقيمه الدينية، ولكن يبقي هؤلاء استثناء من قاعدة المعادلة.
أما الغالبية فإنهم لا يستطيعون المقاومة، فتنهار من حولهم أسوار القيم، ويتحولون إلى كائنات ممسوخة، لها شكل الإنسان وأخلاق الحيوان الذي لا يتصرف إلا بالغريزة، فماذا تنتظر من جائع غير المقاتلة ليسد رمقه، والتناحر من أجل أن يبقى على قيد الحياة؟
والجوع عندي لا يعني خواء البطون فحسب؛ ولكنه يعني الجوع بالمعنى الواسع للمفهوم، المعنى الذي لا يمتد إلى طلب الرفاهية نعم، ولكن إلى الحد الأدنى للحياة الإنسانية البسيطة، وهي في حد ذاتها متعددة ومرهقة، من مأكل ومشرب ومسكن وغاز وكهرباء وعلاج ومواصلات وتعليم… إلخ ، فهذه الأساسيات التي لا غنى عنها عندما تشكل عبئا على المواطن، فإنه يلجأ إلى التحايل والالتفاف من أجل توفيرها، وعندما يرشد استهلاكه إلى الدرجة الدنيا منها، ومع ذلك تبقى المعاناة قائمة، فليس أمامه سوى التدني السلوكي ومخالفة الضمير والقانون لتوفير حد البقاء الحيواني على قيد الحياة.