«إن الثورة في أي مكان لا يمكن أن تقوم بالمال.. إن الثورة في أي مكان لا يمكن أن تقوم إلا بالإيمان.. الإيمان بالله والإيمان بالوطن والإيمان بالحرية» عبدالناصر أيام لم أعيشها لكني اقرأ احداثها واستحضر ايامها من خلال الانتقال بين السطور .. جانب مضيئ وجانب مظلم .. آراء كثيرة مؤيدة وآراء أخري تحارب بإستماتة لطمس معالمها ومحو انجازاتها وإظهار الجانب السيئ لرجالها، لذلك فمن الصعب علي من لم يعايش مرحلة ما سابقة من تاريخ بلده أن يقرر أو يحكم علي تلك الفترة بالسلب أوبالإيجاب قبل أن يقرأ ويشاهد ويلمس الحقيقة بنفسه”الرأي والرأي الآخر” حتي يكون ملماً بأحداث تلك الفترة وبعدها يقرر ويحكم، لكن حتماً وللأهمية عليه ايضاً أن يكون حذراً بألا ينجر وراء شائعات مغرضة من منظمات وجماعات منحرفة عن المسار الطبيعي للوطن باتت توظف اشخاصاً تافهين ناقلين للكلام دون دليل أو برهان يؤكد صدق كذبهم، فكل هم هذه المنظمات والجماعات الهدامة ذات التمويل الخارجي ومن خلفهم هؤلاء الاشخاص طمس معالم الحقيقة ومحو مرحلة مهمة من تاريخ بلدنا ليس إلا أن هؤلاء ينفذون أجندات معبأة إلينا كرهاً وحقدا لجعلنا في تناحر وانقسام حتي أبد الدهر, وخاصة أن هؤلاء لديهم من المبررات ما تكفي للهجوم الدائم علي تلك الفترة المضيئة من تاريخنا الحديث والمعاصر لكنها وللأسف مبررات لا ترتقي للأهمية التي تجعلها إلا أن تكون بسبب مصالح تخص كيان أو رجال جماعة كان لهم ثأرمع النظام الناصري الحاكم لتلك الفترة وليس وطناً بأكمله فدفعهم حقدهم للعمل بإستماتة لإبراز النقاط القليلة السوداء من تاريخ تلك المرحلة المهمة وإغفال كل الايجابيات لثورة رغم مرور ستة وستون عاما علي قيامها إلا أنها مازالت حاضرة بإنجازاتها ودورها ووقيمها وقيمتها وأهميتها. فستٌ وستون عاماً قبلهم كان استعماراً لإرض واحتلال لبلدٍ وعبودية حقة لإنسان كان مكتوباً عليه أن يعيش أبد الدهر مستعبداً، فمن أهم المبادئ الاساسية التي خلقنا الله من اجلها، لا يمكن لإنسانٍ مهما بلغت به القوة والعظمة أن يستغل إنساناً آخر أو يهينه أو يفرض عليه قراراته، لذا كانت تلك الثورة العظيمة التي تولدت من رحمها قرارات مهمة جعلت من الشخصية المصرية ذات مكانة وذات رِفعة وشأن أينما حلت فهي مرفوعة الرأس شامخة ذات عزة وكرامة، فحققت تلك الثورة المجيدة الكثير من الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فكان اول ما حققته القضاء على الملكية أهم الركائز السياسة للمحتل الإنجليزي في ذلك الوقت وقيام الجمهورية، والخطوة التالية للثورة كانت اصلاحاً زراعياً كان مهمته الاساسية القضاء علي الإقطاع والاقطاعيين أي كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين كانوا يحتكرون الأرض ومن ثم توزيعها التوزيع العادل علي الفلاحين الملاك الاصليين لأرض آباءهم واجدادهم، تلا ذلك ثورة صناعية استطاعت أن تنقل المجتمع المصرى من مجتمع زراعي فقط إلى مجتمع نام ومتطور صناعيا فأنشئت مئات المصانع والشركات وأقيمت العديد من القلاع الصناعية الكبرى في المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبرا الخيمة وحلوان ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي، والمصانع الحربية، والمشاريع الضخمة كالسد العالي. وخلال تلك الانجازات لثورة التصحيح التي أرست من الدعائم ثلاث مبادئ كانت الغالبية من الشعب المصري تفتقدها هي الاصلاح الزراعي وتعظيم التصنيع ثم كان لمجانية التعليم دوراً مهماً في ترسيخ وتدعيم تلك المبادئ. وإن كان لثورة يوليو انجازات داخلية فكان لها ايضا انجازات علي الاصعدة الثلاث الدولي والعربي والافريقي، فدولياً شكلت قيادة ثورة يوليو دورا رائدا مع يوغسلافيا بقيادة تيتو ومع الهند بقيادة نهرو في تشكيل حركة عدم الانحياز مما جعل لها وزن ودور ملموس ومؤثر على المستوى العالمي، كما وقعت صفقة الأسلحة الشرقية عام 1955 والتي اعتبرت نقطة تحول كسرت احتكار السلاح العالمي، ودعت الى عقد أول مؤتمر لتضامن الشعوب الإفريقية والأسيوية في القاهرة عام 1958، كما انها شكلت قبساً لحركات التحرير العربية والأفريقية ولعبت مصر دورا رياديا في مقاومة الاستعمار. أما علي الصعيد العربي، وحدت الجهود العربية من أجل حشد الطاقات لصالح حركات التحرر العربية، وأكدت للأمة من الخليج الى المحيط ان قوة العرب في توحدهم وتحكمها أسس أولها تاريخي وثانيها اللغة المشتركة لعقلية جماعية وثالثها نفسي واجتماعي لوجدان واحد مشترك، كما أنها قامت بتجربة عربية في الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958، بعدها قامت الثورة من خلال مجلس حكمها بقيادة عبدالناصر بعقد اتفاق ثلاثي بين مصر والسعودية وسوريا ثم انضمام اليمن للدفاع عن حق الصومال في تقرير مصيره كما كما انها ساهمت في استقلال الكويت، ودعمت الثورة العراقية،وساعدت اليمن في ثورته ضد المحتل حتى النصر وإعلان الجمهورية، وايضاً ساندت الشعب الليبي في ثورته ضد الاحتلال، كما دعمت الثورة حركة التحرر في تونس والمغرب حتى الاستقلال، فأصبحت مصر في تلك الحقبة الزمنية المهمة من تاريخنا قطب القوة في العالم العربي مما فرض عليها مسئولية الحماية والدفاع لنفسها ولمن حولها. وعلي الصعيد الافريقي فكانت لثورة يوليو الشرارة الأولى لتحرر كل الدول الإفريقية لأنها ثورة قامت من أجل التحرر وتقرير المصير فسميت القاهرة وقتها بقاعدة التحرر الأساسية في العالم. تحية كبيرة وانحناءاً بإحترام لثورة مجيدة نحتفل ونعتز بقيامها رغم مرور تلك السنوات الستة وستون علي قيامها، ورغم رحيل معظم من عايشوا مراحلها وشاهدوا انجازاتها واخفاقاتها فإنها ستظل محفورة في وجدان وعقول أجيال قادمة تسمع وتقرأ عنها بل وسترحب أيما ترحيب بتوارث تاريخها والحفاظ عليه من أي تشويه أو تزوير لحقائقها ونتائجها لأنها كانت سبباً رئيسياً وهاماً في تحول جذري ورئيسي في التاريخ المصري والذي شهد قبل قيامها فترات مظلمة وقاتمة في حياة افراده من جهل وفقر واستغلال واستعباد.