(5) العصور الوسطى (قرون الظلام الأوروبية)
ألقينا الضوء سابقًا على بريق شعار الحرية إبان الثورة المصرية (25 ـ 30)، ثم ولادة مصطلح الحرية، ثم تطور مفهوم الحرية في إطار تطور الحضارة الإغريقية باعتبارها أحد أهم روافد التفكير العقلاني الحر، ثم الحضارة الرومانية باعتبارها الجسر التاريخي والحضاري الأساسي الذي عبرت منه أوربا إلى مستنقعات العصور الوسطى، ثم المفهوم الإيماني للحرية في إطار الديانة المسيحية في طورها الأول، وذلك في خمس مقالات منفصلة، ومقالتى هذه عن أوضاع الحريات في “العصور الوسطى”، وقد أطلق هذا المصطلح ” الأدباء الإنسانيون ” الإيطاليون في القرنيين الخامس والسادس عشر الميلاديين، حيث نظروا إلى الثقافة القديمة الكلاسيكية على أنها ثقافة جيدة جدًا وأعجبوا بها وخاصة ” بترارك”، بينما نظروا إلى الفترة الزمنية المحددة بسقوط “روما” وسقوط “القسطنطينية” على أنها فترة جهل وظلام مرت بها أوربا.
فقد كان في العالم قبل القرنيين الرابع والخامس إمبراطوريات كبرى مثل المصرية والآشورية والرومانية والمقدونية والفارسية، كما أن الإمبراطورية الرومانية غدت في أوج قوتها واتساعها، وكما أسلفنا، تدهورت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للإمبراطورية الرومانية في نهاية القرن الرابع الميلادي، بسبب الإنقسامات والحروب الأهلية، مما شجع جموع الجرمان على غزو أراضيها، وفشلها فى الدفاع عن نفسها، ذلك الغزو الذي زاد الطين بلة لما صحبه من حروب نتج عنها التدمير والخراب وتوقفت التجارة والصناعة والزراعة، وقد أدى ذلك إلى تغيير الأوضاع بشكل كامل فى أوربا، فرغم الظلم الإجتماعي والتفاوت الطبقي الفاحش والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية البائسة للطبقات الكادحة وخاصة طبقة العبيد في ظل الإمبراطورية الرومانية، إلا أنه كان بها دستور، ومجلس شورى للأحرار، وظهر فيها التعدد في عبادة الآلهة الذي فرضته اتساع رقعة الإمبراطورية المترامية الأطراف والمتعددة المشارف والديانات، ولكن مع بداية العصور الوسطى تفتت تلك الإمبراطورية، وتكون على أنقاضها ست ممالك جرمانية في غرب أوروبا كما أسلفنا، وبالطبع حين نتحدث عن مدة زمنية طوية، يصعب تحديد العام الذي بدأ فيه هذا العصر، والعام الذي انتهى فيه، إذ أن انتهاء عصر ما متداخل في بعض سنواته مع بداية العصر الذي سبقه وكذلك الذي يليه، غير أن التاريخ الذي عرف كبداية للعصور الوسطى هو عام 476م، وذلك مع سقوط آخر أباطرة الرومان وآخر معاقل الإمبراطورية الرومانية على وجه الأرض، أما نهاية العصور الوسطى فيحددها البعض بعام 1453م، وهو تاريخ سقوط بيزنطة بأيدي الأتراك العثمانيين، وأيضاً يحدد البعض نهاية العصور الوسطى بعام 1492م، وهو تاريخ اكتشاف”أمريكا”، ويرى آخرون أن نهاية العصور الوسطى تزامن مع بداية “النهضة الثقافية” في أواخر القرن الخامس عشر و أوائل القرن السادس عشر الميلادي.
فبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، وتزايد الأخطار التي ألقت بالعالم الروماني، أصبح القساوسة بمثابة الزعماء الطبيعيين الذين إلتف حولهم الناس وسط الأزمة الحادة التي أحاطت بهم، وأصبح الأمل الوحيد في “الكنيسة” التي إلتف حولها الإيطاليون طوال القرون التالية، ورأوا فيها الزعيم والسند الكفيلين بحمايتهم، ولعل الناحية التي ظلت ثابتة في التطورات الجديدة آنذاك هي الكنيسة الكاثوليكية التي احتواها الجرمان ولم يمسوها بسوء، حتى ازدادت في ذلك العصر قوة ونفوذًا، فقد ظهر من يدافعوا عن شرعية القيادة السياسية والدينية للكنيسة للمجتمعات المسيحية، ومنهم سان آمبرواز (340-397م) أحد أهم مفكري المسيحية الذين نظروا للكنيسة وعلاقاتها بالدولة، وقال بأن سلطة الكنيسة أعلى من كل شيء وحتى من الإمبراطور، وقال آمبرواز أنه مرتبط بالإمبراطورية لأن الإمبراطورية مسيحية ولكنه ينتظر من الإمبراطور مسلكًا يليق بالمسيحية، ثم ظهر القديس أوغسطين (354-430م) كشخصية ريادية في العالم المسيحي، الذي آمن بأن الحياة الاجتماعية مقدسة ولذلك فإن الدولة هامة في حياة الناس للحفاظ على المجتمع، وأن على “الملك” أن يكون في خدمة الإله، وقد رأى بأن الطغيان من الحكام “لا يبرر” الثورة عليهم، وأن على المسيحية أن تركز على المحبة وعليها أيضا أن تؤكد الطاعة للدولة، ومن هنا فإن الدعوة المسيحية التي بدأت بعيدا عن السلطة والحكم وفي رحاب الفقراء والمرضى والكادحين والمستعفين أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية وتعمل على ترسيخ الأستغلال والاستبداد في الحكم، ودعا أوغسطين لوحدة الكنيسة وعالمية سيطرتها على العالم المسيحي، وقال بأن النور (الوحي) الإلهي هو الذي يعطي الإنسان الحقائق، وآمن بأن هناك مدينة الله ومدينة الشيطان وأن مدينة الله لا يمكن معرفتها إلا من خلال سلطة الكنيسة المقدسة وغير القابلة للنقاش.
بعد فترة، نشأت أزمة السلطان الديني والسلطان الدنيوي، وبدأت فكرة الفصل بين السلطتين، سلطة دينية بيد القساوسة وسلطة دنيوية بيد القياصرة، غير أن السلطة الدينية أعلى من السلطة الدنيوية، وكانت قوة رجال الكنيسة تسمح لهم بالتدخل في الأمور الدنيوية وتهديد الملك إذا لم يستجب، وهكذا كان الصراع مستمرا في القرون اللاحقة، وبدأت عصور الظلام عندما أغلقت مدارس الفلسفة والعلوم في الإسكندرية وغيرها من المناطق التي تسيطر عليها الدولة البيزنطية، وانقلبت السلطة الدينية الكنسية إلى سيف على رقاب المستضعفين والمفكرين والمبدعين في في كافة المجالات العلمية والثقافية، وانتشرت الحروب وأمراض الطاعون وغيرها من المآسي الاجتماعية، وتواكب ذلك مع اتساع قوة ونفوذ الكنيسة، وقد حاول القائد الأوروبي “شارلمين” إعادة مجد الإمبراطورية الرومانية من خلال السيطرة على روما في عام 800م، وعدد من المناطق الأوروبية وقيام البابا بتتويجه إمبراطورًا للدولة الرومانية الجديدة “الإمبراطورية الرومانية المقدسة”.
تزامنت العصور الوسطى مع نهايات عصر العبيد وبدايات تشكل النظام الإقطاعي، حيث أخذ العبيد في التناقص في القرنيين الرابع والخامس الميلاديين، وحلت “طبقة الأقنان” تدريجيًا محل طبقة العبيد، وترسخت أسس النظام الإقطاعي، الذي ولد وتشكل داخل النظام العبودي، ثم ساد على أنقاضه، فأصبحت طبقة “الأقنان” هي الطبقة الرئيسية المنتجة، فكان النظام الإقطاعي بمثابة النظام الاقتصادي والاجتماعي والسیاسي الذي ساد في أوربا في العصور الوسطى، وبعد أن كان نظام الحكم یقوم على وجود سلطة مركزیة قویة مركزھا روما انقسمت الإمبراطورية بين ملوك الجرمان الذین سیطروا على روما، ولم یكونوا قادرین على إقامة سلطة مركزیة، لذا عمدوا إلى تنصیب قادة جیوشھم حكامًا للأقالیم، ومع مرور الوقت بدأ هؤلاء القادة باتخاذ بعض مظاهر الاستقلال عن السلطة المركزیة فأصبحت وظائفھم وألقابھم وراثیة وصاروا یجمعون الضرائب لحسابھم الخاص, كما قاموا بإنشاء المحاكم الإقطاعیة التي تحكم باسمائهم وكان لكل إقطاعیة جیشھا الخاص، وبدأ أغلب الإقطاعیین بإصدار النقود بأسمائهم، وبذلك بدت الإقطاعیة وكأنھا وحدة اقتصادیة واجتماعیة وسیاسیة، وبالتالي تشكل ما یسمى بالھرم الإقطاعي الذي یأتي في قمته الإمبراطور الذي فقد نفوذه السیاسي والاقتصادي مع مرور الوقت لصالح قاعدة الهرم، وتنقسم هذه الفترة إلى مرحلتين أساسيتين، كانت المرحلة الأولى من نهاية القرن السادس الميلادي إلى القرن الحادي عشر الميلادي، واتسمت هذه المرحلة بما يسمى باقتصاد المنيعة المغلق والذي تميز بسيطرة الريف وأهمية الزراعة والإنتاج الزراعي وارتباط الحرف والمبادلات في الزراعة في ظل اقتصاد طبيعي يستهلك ما ينتج، وامتدت االمرحلة الثانية حتى القرن الخامس عشر والذي بدأت فيه عناصر النظام الإقطاعي في التحلل والضعف.
وتكون المجتمع الإقطاعي من الأسياد الذين يوجدون على رأس الهرم الاجتماعي، ويتولون حماية الأتباع مقابل أداء الضرائب ورسوم المرور، ثم طبقة الفرسان، وهي طبقة تنحدر من الأسياد وقد أصبحت تقدم الخدمات العسكرية بصفة وراثية مقابل تمتعها بالامتيازات الفيودالية، وأخيرًا طبقة الأقنان الذين كانوا يشتغلون لصالح الأسياد والفرسان، وبذلك كانوا في ملك السيد الذي بإمكانه بيعهم أو معاقبتهم، ويدفعون لهم الضرائب، وحصل الأتباع على كثير من الحقوق المهمة، فكان على السيد أن يستدعي أتباعه لأخذ موافقتهم قبل أن يجمع ضرائب إضافية، وكان هناك تقليد آخر يقضي بتسوية الخلافات بين تابع وسيده في محكمة تتكون من نظراء التابع، أي رجال من نفس المرتبة، وفي سنة 1215م أجبر النبلاء “جون” ملك إنجلترا على توقيع وثيقة سميت “الماجنا كرتا” (بمعنى العهد العظيم)، وبموجب هذه الوثيقة، اكتسب كثير من الحريات الإقطاعية التقليدية الصفة القانونية، وبمقتضى هذا العهد أجبر الملك على أن يمنح الأرستقراطية البريطانية كثيرًا من الحقوق والحريات، بينما لم ينل المواطن البريطاني العادي من الحقوق غير النزر القليل، وهكذا كفلت الوثيقة الحريات الفردية للنبلاء دون بقية الشعب، وقيدت سلطات الملك تجاه هؤلاء النبلاء والبارونات والأساقفة ورؤساء الأيرة، ورغم ذلك وكان ذلك سابقة تاريخية لكبح جماح السلطة المطلقة للحكام، كما أصبحت تلك الوثيقة بعد ذلك نموذجًا يحتذى به بالنسبة لأولئك الذين طالبوا بضرورة كفالة الحقوق الأساسية لكل مواطن، كما مهدت تلك الوثيقة السبيل لتطور البرلمان في فرنسا، فضلًا عن ذلك، أقرت الوثيقة بعدم جواز سجن رجل حر أو نفيه أو نزع ملكيته إلا بموجب القانون، من هذا المفهوم، نمت الأفكار عن الإجراءات القانونية، والمحاكمة أمام هيئة محلفين.
وفي ظل الإقطاعية لم يعطى الفلاحون المعروفون باسم رقيق الأرض سوى حريات محدودة للغاية، وتركزت التزامات القن لسيده في العمل المجاني من 3 إلى 5 أيام في الأسبوع، والأعمال الإضافية مثل حرث وحصاد غيره، والحصول على مقابل عيني، وضرائب مختلفة خاصة المرتبطة بالمناسبات، وكانت الزراعة أساس النظام الإقطاعي، وأصبح اقتصاد الإقطاعية يمثل الوحدة الأساسية للنظام الإقطاعي، لقد كان الاقتصاد مغلقا، واستمر إتباع الطرق التقليدية في زراعة الأرض مما أدى إلى تشتت جهود الفلاحين، وكانت والعلاقات التي بين سيد الإقطاعية وتابعيه تخضع للأعراف والعادات والتقاليد، وكان الفن الإنتاجي المستخدم بدائيًا، وضعفت المبادلات والنشاطات التجارية، وتدهورت الصناعات اليدوية، وتدهورت كافة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية طيلة العصر الوسيط، حيث ساهم ضعف السلطة الملكية، وانعدام الأمن، وانتشار الطاعون والمجاعة، في الدفع بالأوربيين إلى البحث عن حماية الأقوياء من جيرانهم القادرين على ضمان معيشتهم وأمنهم فعرف هذا العصر بالعصر الإقطاعي.
وتميز المجتمع في العصور الوسطى عن المجتمع الحديث في نقصه من الحريات العامة والفردية، لقد كان كل فرد من الفترة المبكرة مقيدًا بدوره في النظام الاجتماعي، ولم تكن أمام الإنسان سوى فرصة واهنة للتحرك اجتماعيًا من طبقة إلى أخرى, بل لا يكاد يكون قادرًا على الحركة حتى جغرافيًا من مدينة إلى أخرى أو من بلد الى آخر، وفيما عدا استثناءات قليلة عليه أن يمكث حيث ولد، بل إنه كان في الأغلب غير حر في أن يلبس كما يهوى أو أن يأكل كما يشاء، وعلى الأسطى أن يبيع حسب سعر معين وكان على الفلاح أن يبيع عند مكان معين، وكان محرمًا على عضو النقابة أن يفشي أية أسرار تقنية خاصة بالإنتاج لأي فرد ليس عضوًا في نقابته وكان مرغمًا على أن يدع زملاءه من أعضاء نقابته يشاركونه في أية عملية شراء مفيدة للمادة الخام، لقد هيمنت على الحياة الشخصية والاقتصادية والاجتماعية قواعد والزامات لم يفلت منها من الناحية العملية اي مجال من مجالات النشاط، وأصبح الفرد في تلك الحقبة يرسف في سلسلة من الأغلال فهناك السلطة المطلقة للملوك من ناحية والكنيسة من ناحية أخرى وهناك أمراء الإقطاع مما جعل قيام أي حقوق أو حريات فردية أمرًا متعذرًا خصوصًا أن تلك الجهات لم تكن تخضع في ممارستها لسلطاتها إلى قانون يقيدها أو إلى ضابط شرعي يحدد اختصاصاتها، ولكن وبالرغم من هذه الأوضاع التي كانت قائمة علي صعيد الواقع فقد شهدت نهايات العصور الوسطى ظهور بعض الاتجاهات الفكرية التي كانت تدعو إلى الإقرار بالحريات السياسية وضرورة وضع القيود على سلطات الحكام.
ورغم مواقف الآباء الأوائل للكنيسة الإصلاحي والمناهض للظلم والمساند للفقراء والمستضعفين والمرضى والعجزة، إلا إنهم إعتبروا المرأة مسؤولة عما أسموه انتشار الفواحش والمنكرات، وما آل اليه المجتمع الروماني من إنحلال أخلاقي شنيع، لأنها كانت تخرج إلى المجتمعات، وتختلط بمن تشاء من الرجال، وأعلنوا أنها باب الشيطان، وأنها يجب أن تستحيي من جمالها لأنه سلاح إبليس للفتنة والإغراء، فقال القديس ترتوليان “إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله أي الرجل”، وقال القديس سوستام “إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة”، وفي القرن الخامس اجتمع مجمع “ماكون” للبحث في مسألة ما إذا كانت المرأة مجرد جسم لا روح فيها؟ أم لها روح؟ وأخيرًا قرروا خلوها من الروح الناجية ( من عذاب جهنم) ما عدا أم المسيح، ولما دخلت شعوب الغرب في المسيحية كانت آراء رجال الدين قد أثرت في نظرتهم إلى المرأة، فعقد الفرنسيون في عام 586 للميلاد مؤتمرًا للبحث فيما لو كانت المرأة تعد انسانًا أم غير إنسان؟ وأخيرًا قرروا أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل فحسب، واستمر احتقار الأوربيون للمرأة وحرمانهم لحقوقها طيلة القرون الوسطى حتى أن عهد الفروسية الذي كان يظن فيه أن المرأة احتلت شيئًا من المكانة الاجتماعية حيث كان الفرسان يتغزلون بها ويرفعون من شأنها، لم يكن عهد خير لها بالنسبة لوضعها القانوني والاجتماعي، فقد ظلت تعتبر قاصرة لا حق لها في التصرف بأموالها دون إذن زوجها.
أنشأت محاكم التفتيش في أوائل القرن الثالث عشر بقرار من البابا “جوينوار التاسع” وذلك عام 1233م، وتمثلت في فرق من الكهنة والرهبان المسيحيين “الأتقياء” وكان هدفها محاربة ما أسموه “الهرطقة”، أي الإنحراف عن العقائد المسيحية الرسمية، إضافة إلى تعقب من يعتقدون أنهم سحرة ومهرتقون ومعاقبتهم، حيث كانت الناس تساق إلى محاكم التفتيش عن طريق الشبهة أو الوشاية من أحد الجيران، وأستخدمت أبشع أنواع التعذيب في تلك المحاكم، وأحرقت هذه المحاكم آلاف الأشخاص أحياء أغلبهم من النساء، كما إنها تعتبر أسوء مؤسسات البشرية السيئة الصيت، ويقال أن عدد الضحايا الذين ماتوا بهذه الطريقة يتجاوز عشرات الآلاف، ومن أشهر الذين ماتوا حرقًا المصلح التشيكي المشهور “جان هوس” وكان راهبًا مشهورًا بإخلاصه وتقواه واستقامته، كما كان يحتل أرفع المناصب الأكاديمية بصفته عميدًا لجامعة براغ في بداية القرن الخامس عشر، ولكنهم اتهموه بأنه كان يدعي أن الكنيسة خرجت عن مبادئ الدين وأنه ادعى أن بعض القساوسة والمطارنة انحرفوا عن واجبهم الحقيقي واهتمامهم بمصالحهم الشخصية واستغلالهم المادي للناس البسطاء، وقد التف حوله ناس كثيرون أحسوا بصدقه وإخلاصه، وعندئذ قامت الكنيسة الكاثوليكية بتكفيره بتهمة الزندقة، وعلى الرغم من أنهم أعطوه الأمان بعد أن إستدعوه للمحاكمة الا أنهم غدروا به فاعتقلوه وألقوه طعمة للنيران في نفس اليوم، أي بتاريخ 6 يوليو من عام 1415م، ومن أهم الذين مثلوا أمام محاكم التفتيش الفيلسوف الإيطالي “جيوردانو برينو” والعالم الشهير “جاليليو”، بل إن “كوبرنيكوس” القائل بدوران الأرض حول الشمس لم ينج منها إلا بسبب حذره الشديد، فقد أجل نشر كتابه الذي يحتوي على نظريته الجديدة حتى يوم وفاته بالضبط، ولكن لم يكن هذا خط “برينو” الذي هرب من إيطاليا بعد أن انخرط في سلك الرهبنة لفترة من الزمن، فبسبب تعلقه بالأفكار الفلسفية وتبنيه لنظرية كوبرنيكوس المدانة من قبل البابا، فإنهم راحوا يشتبهون به ويلاحقونه، وعندئذ إضطر للفرار والعيش متنقلا بين فرنسا وسويسرا وإنجلترا وألمانيا، وكان يشتغل أستاذًا في جامعات هذه البلدان التي يمر بها، واشتهر بالتفوق والنبوغ العلمي، بل واستبق على الكثير من النظريات الحديثة التي ثبتت صحتها فيما بعد، وبعد أن غاب سنوات طويلة عن بلاده وشعر بالحنين إليها استدرجه أحد التجار الاغنياء من البندقية، وطلب منه العودة لتعليم أولاده والعيش بأمان في بلاده إيطاليا ولكنه سرعان ما غدر به وسلمه إلى محاكم التفتيش في الفاتيكان، فقطعوا لسانه واحرقوه، وأصبح “جيوردانوبرينو” منارة مشعة على مدار التاريخ الأوروبي، وأما العالم الشهير “جاليليو” فقد كان مهددا بنفس المصير لولا أنه استدرك الامر في آخر لحظة وقبل بالتراجع عن نظريته المشهورة، وهكذا عفوا عنه، ولم ينفذوا فيه حكم الإعدام، ثم أُحيل إلى الإقامة الجبرية في ضواحي “فلورنسا” وأتيح له أن يكمل بحوثه وهو تحت المراقبة، ولم تعترف الكنيسة الكاثوليكية بغلطتها في حق جاليليو إلا بعد مرور أكثر من ثلاثمائة سنة على محاكمته!
وصاحب نهاية عصور الظلام مآسي ومحن كبيرة، وكان عدد من العلماء الأوروبيين قد بدأوا بتحدي سيطرة الكنيسة والملوك والإقطاع، مثل “سانت توماس أكونياس” عاش بين (1225- 1274) وتأثر بأفكار ابن رشد، وطرح موضوع الوحي والعقل ورأى بأن العقل بإمكانه التوصل لمعرفة العلة الأولى للوجود (الله)، وجاء علماء آخرون منهم “ويليام أوف أوكام” الذي عاش بين (1290-1349)، اختلف ويليام مع البابا مما أدى للجوئه لحماية الإمبراطور في عام 1328م، وفي هذه الفترة بدأت “الإمبراطورية الرومانية المقدسة” التي أسسها تشارلمين تتفكك، وكتب ويليام كتاباته الفكرية طارحًا فكرة تقليل السلطات الدنيوية للكنيسة التي كانت تتبنى الافكار المظلمة، وهذه هي الأفكار التي دفعت بأوربا إلى الخروج من عصور الظلام، كما تم اعتبار القرنيين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين نهاية العصور الوسطى لأنه حصلت تطورات مختلفة في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، ففي ( سنة 1453 م ) فتح العثمانيون الأتراك “القسطنطينية” عاصمة الدولة البيزنطية، وتوقفت ” حرب المئة عام ” بين فرنسا “وإنجلترة”، وانضمت “بروسيا” الغربية إلى “بولونيا” عام 1466م، وتحررت “روسيا “من الاستعمار المغولي سنة 1480م، وخرجت “الأندلس” “وإسبانيا” من أيدي العرب المسلمين سنة 1492م، وتم اكتشاف “أمريكا” في نفس السنة، وبدأت حركة إصلاحية في “ألمانيا”، ونهضة ثقافية في “إيطاليا”، وبالتالي تشكلت دول قومية في أوربا، وحلت فكرة التعدد محل فكرة الوحدة، فقد انقلب الاقتصاد الزراعي المغلق السائد في العصور الوسطى إلى اقتصاد (صناعي – تجاري) منفتح ينزع إلى الرأسمالية والمبادلة الدولية، وبالتالي أطاحت القوى الإقطاعية بالقوى البرجوازية وحلت محلها في استغلال الطبقات الكادحة، فقد أخذت المفاهيم الدينية المألوفة في العصورالوسطى تتغير، وتحررت العقلية الأوربية من سيطرة الدين، كما دحرت الكنيسة أمام الفكر العلماني في النواحي كافة، كما قام أصحاب النزعة الإنسانية الجديدة ببعث الثقافة القديمة الكلاسيكية ( اليونانية والرومانية)، كما بدأت آلات الطباعة تنشر الأفكار التقدمية، والجدير بالذكر هو أنه في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تمر في ظلام دامس طيلة العصور الوسطى، كانت هناك دول أخرى تعيش النور مثل الصين (ما بين 618-907م)، والبلاد الإسلامية التي بدأت تتوسع مع انتشار الدين الإسلامي الذي أتى بثورة إصلاحية كبرى وقتها، وهو موضوع مقالنا القادم.


التعليقات