الإسلام نظام إلهي للحياة في جوهره ومجمله وقد جاء لوضع أصول هادية من أجل حياة مطمئنة. وعندما نتأمل الأحكام التكليفية الخمسة التي تدور حول الحلال والحرام والمندوب والمكروه والمباح نجدها بِرُمّتها تعين الفرد على تحري الخير في جميع شئون الحياة. إذا استعرضنا منهج التربية
الإسلامية في تهذيب النشء، نجده اتخذ مساراً شمولياً وسطياً واقعياً واضحاً في تربية الأطفال في إطار من الأصول العامة وذلك في المحيط الروحي العقلي والنفسي والاجتماعي وأيضاً في ما يتصل بالتربية الجسمية. كانت فكرة وضع الأصول وترتيبها للمتعلم من أهم أولويات المعلمين المسلمين فهذا سَهْل بن عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ (ت 283هـ) يقول: أُصُوْلُنَا سِتَّةٌ: التَّمَسُّكُ بِالقُرْآنِ وَالاقتِدَاءُ بِالسُّنَّةِ، وَأَكلُ الحَلاَلِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَاجتِنَابُ الآثَامِ، وَالتَّوبَةُ، وَأَدَاءُ الحُقُوْقِ. وقال الإمام الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة “وعلم الأخلاق طويل، والشَّريعة بالغت في تفصيلها،ولا سبيل إلى تهذيب الأخلاق، إلا بمراعاة قانون الشَّرع، في العمل، حتى لا يَتَّبع الإنسان هواه، فيكون قد اتَّخذ إلهه هواه، بل يقلِّد الشَّرع، فيُقْدِم ويُحجِم بإشارته، لا باختياره فتتهذَّب به أخلاقه” (ص286).
اعتنى الإسلام بتحديد أصول تربية الطفل بدقة متناهية فوردت النصوص الشرعية المبينة وهي كثيرة جداً وإليك بعضا منها:
وردت آيات كثيرة في سورة لقمان لتعميق تربية الطفل من خلال الرجل الحكيم الذي يقدم لابنه نصيحة عصماء بهرت العلماء…قال سبحانه تعالى مُجلِّياً ذلك الشأن:
“وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)”.
تحدِّد الآيات السابقة أنفع طُرق الحياة القويمة للولد وتوجز للمعلم أعمق جوانب تربية الأطفال وخاصة الجانب العقدي والخُلُقي وما يتصل بالعلاقات الاجتماعية والآداب الأخلاقية بين أفراد المجتمع والتي يجب أن تقوم حقيقة على معطيات الدين. وبذلك يُصبح العامل الديني بمفهومه الشامل قوام الأدب كغاية، والتأديب كوسيلة في عملية البناء العاطفي والعائلي والاجتماعي.
تتمحور السورة الكريمة حول عدة أمور تعليمية منها:
- ضرورة تأديب الصغار بالوصية المليئة بالحب والشفقة والرفق.
- التوحيد رأس أمر التربية، وعمود الحياة، ومسلك الصالحين، ومِسك المخلصين.
- على الإنسان أن يتحمل المسئولية الفردية نحو تصرفاته وفي تلك الآيات تقرير للمسئولية الجماعية تجاه المحيطين به.
- الشكر طريق السعادة.
- الترغيب والترهيب أساس الوعظ الرشيد، والنُّصح السديد، والقول المفيد. هذه الوسيلة من أهم وسائل التربية قديماً وحديثاً.
واستناداً إلى الأصول التربوية في الإسلام، نجدها تُشكل في مجموعها ضوابط وقواعد ترسم لكل من الفرد والمجتمع النظم الاجتماعية على ضوء أسس نفسية. ومن المجدي أن نذكر أن النظم الاجتماعية تضبط سلوكيات الناس الفردية والجماعية في كثير من الأحيان وتعمل على تحويل الفرد إلى كائن اجتماعي يشترك مع أسرته وأعضاء المجتمع في الكثير من العلائق التي تعمل على استمرار وتماسك المجتمع وتوجيه أنشطته المتعددة من خلال مظلَّة النظم الاجتماعية.
معظم الأصول الخاصة بالنظم الاجتماعية يتعلمها الطفل من الصغر لأن اغتنام سنين العمر الذهبية عند الصغير بالتربية الجادة من أقوى وأرسخ أنواع التربية. نجد الإسلام -كمثال-يحث الطفل على تعلم أصول آداب تناول الطعام ففي صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، ورد عن وَهْب بْنَ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ e وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ e: يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ. فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ”.
وفي ميدان التربية العقدية يقول ابن عَبَّاس رضي الله عنه: “كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الأقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ.
وفي الحديث الشريف السابق دلالة تربوية واضحة على أهمية غرس مفاهيم العقيدة في نفوس الأطفال وأنهم في حاجة ماسة لها وأن عندهم القدرة على فهم المفاهيم الدينية التجريدية الخاصة بالإيمان بالقضاء والقدر؛ خيره وشره. ولا يمكن تحقيق الصحة النفسية إلا من خلال التوكل الدائم على الله جل ثناؤه، والتوكل بدوره يستلزم الاستسلام الكامل الصادق لله رب العالمين.
قال الإمام ابن خلدون شارحاً ما ينبغي أن يتربى عليه الطفل المسلم وكيفية غرس القيم فيه: “ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: “يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته… ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه. ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ فيألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة”.
لقد ركز الإسلام بتعاليمه العظيمة على أهمية القدوة كوسيلة من وسائل التربية واعتبر تعليم القرآن الكريم من شعائر الدين وأصل تعليم الصغار.العلم من أجل العمل النافع هو الركن الركين في تربية أبناء المسلمين أو كما قال أبو حامد الغزالي: أيها الولد العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون.القدوة المثقفة. ابجاد الثقافة التكاملية لا التفاضلية. تنمية المبادرة. تكوين مكتبة الأسرة. الالمام باحتياجات المرحلة العمرية.

جمع واعداد
د/ عبد العليم سعد سليمان دسوقي
قسم وقاية النبات – كلية الزراعة – جامعة سوهاج
رئيس فرع الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بمحافظة سوهاج- مصر