تقرير – محمد عيد
منذ عام 2011 وعقب الإطاحة بالزعيم الليبي السابق معمر القذافي، أصبحت ليبيا معقل الميليشيات الإسلامية التي تتنافس على الأراضي والموارد والنفوذ السياسي، كما انها أصبحت مكانا مناسبا لتجنيد المقاتلين وتصديرهم لتنفيذ عمليات في جميع انحاء العالم.
في درنة تلك المدينة الجبلية التي تقع على ساحل البحر المتوسط فى شمال شرق ليبيا، وهو موقع استراتيجى للغاية بالنسبة للإهابيين والجماعات المسلحة لطبيعتها الجبلية وسهولة التنقل بالنسبة لمرور الأسلحة والإختباء، حيث يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط ومن الجنوب سلسلة من تلال الجبل الأخضر..
تلك المنطقة التي شهدت ازدهارا كبيرا في عمليات تهريب السلاح منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، بسبب الحدود الطويلة سهلة الاختراق والتي تصعب السيطرة عليها أو مراقبتها، كما يؤكد الأكاديمي الليبي محمد محمود الفزاني معتبرا أنه لا يمكن لأي قوة عسكرية أن تدعي القدرة على السيطرة عليها ما لم تملك أحدث التقنيات..
تنظيم “الدولة الإسلامية” يُعتبر في أوج قوته في ليبيا، حيث يسيطر على 160 كيلومترا من الساحل الليبي ولديه ما يقدر ب2000 – 5000 مقاتل الكثير منهم من مصر وتونس.
خلال إنتفاضة 2011، شكل سكان درنة لواء “أبوسليم الشهيد” لمحاربة الموالين للقذافي، وسيطر اللواء بالفعل على المدينة وأنشأ “المجاهدون” مجلس شورى مجاهدي درنة، كما قام المجلس بطرد مقاتلي داعش ، الذين كان لهم وجود قوي بدرنة، من المدينة وأضطرت داعش للجوء لمدينة سرت…
وبالنسبة لبنغازي فقد تشكل فيها العديد من الميليشيات الإسلامية التي اتُهمت بقتل مئات الجنود الليبيين السابقين، وقتل السفير الأمريكي في عام 2012 .. أما مدينة سرت فقد كان لها النصيب الأكبر في العنف ضد سكانها نظرا لأنها مسقط رأس القذافي…
بينما يعرف المتطرفون هذه المنطقة – (درنة – بنغازي) – بصورة جيدة ويمكنهم التسلل كما يحلو لهم بلا مشاكل وهم على اطلاع جيد بالأوقات المناسبة للتسلل من خلال جواسيسهم في عدة مناطق بما في ذلك مؤسسات الدول الرسمية، وهم يتحركون ويتنقلون باستمرار، ويكتفون بالقليل ويقيمون حيث يلزم قواعد لوجستية مطورة في الرمال يمكنهم العثور عليها لاحقا بتقنية جي بي اس، دون أن يعيروا اهتماما للحدود الرمزية في هذه الصحاري المترامية، ويتمركزون لبضعة أسابيع حيث يعرفون أنهم بأمان حتى وإن كانت الظروف قاسية…
يبدو أن هذه المنطقة لا تقتصر على كونها منطقة عبور حيث تراجع الجهاديون من شمال مالي إلى الجنوب الليبي وأقاموا هناك معسكرات للتدريب وتحركوا عبر شبكات التهريب، وفق جايسون باك الباحث في التاريخ الليبي في جامعة كامبريدج ورئيس موقع “تحليل ليبيا” على شبكة الإنترنت، الذي يوضح أن الطائرات بدون طيار ووكلاء الاستخبارات الغربية رصدت، بالفعل، هذه المعسكرات وأن هناك روابط بين هذه الجماعات والميليشيات الإسلامية الليبية المتمركزة في الشمال الشرقي لليبيا…
وفي عام 2013، وقعت سرت تحت سيطرة أنصار الشريعة، التي أقامت تحالفات مع القبائل المحلية والميليشيات الأخرى وعدد قليل من قوات الجيش المتبقية. كما تسلل تنظيم الدولة الإسلامية ببطء إلى المدينة حيث انتقل مقاتلون من دول مثل مالي وتونس ومصر وسوريا إلى إمارة سرت للإنضمام لداعش.
وفي العام الماضي هزم تنظيم الدولة الإسلامية في سرت عن طريق قوات مدعومة من الأمم المتحدة، وهاجر مقاتلوه الذين نجوا من المذبحة إلى الصحارى الشاسعة في الجنوب….
وأشار تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست”الأمريكية بعنوان “بعد هجومي بريطانيا ومصر، ليبيا جنة للميليشيات”، حيث قام الكاتبان رامي موسى وحمزة هنداوي بتحليل الوضع في ليبيا وانتشار فصائل تنظيم الدولة الإسلامية بها، أن منفذ هجوم مانشستر أرينا ببريطانيا سلمان العابدي من أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية بليبيا.
كما أن منفذي الهجوم الأخير على مواطنين مسيحيين بمحافظة المنيا، كانوا قد تدربوا في ليبيا وفقا للجيش المصري، ليس هذا فحسب بل ان مصر قد أشتكت منذ فترة طويلة من تهريب الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود الصحراوية مع ليبيا التي يسهل اختراقها.
الجدير بالذكر، أن الفكر الجهادي بليبيا ليس وليد 2011 حيث أن الأمر يرجع للثمانينات القرن الماضي عندما أجاب مئات الشباب الليبيين دعوة الجهاد في أفغانستان لمحاربة الروس.
وعندما عادوا إلى بلادهم بعد الحرب، أراد كثيرون منهم تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في بلادهم. وشكلوا خلايا تحت الأرض هربا من عيون النظام، وحاولوا دون جدوى اغتيال القذافي.
وأستطاع الجهاديون المتعاطفون مع القاعدة، والإسلاميون من جميع الخلفيات تشكيل ميليشيات لملأ فراغ السلطة بعد سقوط القذافي، وفشل أول حكومة إنتقالية في إحتواء هؤلاء الجهاديين وضمهم للجيش وطني.
الدكتورة “بدرة قعلول” مدير مركز الدراسات السياسية بدولة تونس، خلال كلمتها بموضوع جلسة التطرف أساليب التجنيد وضرورة التحرير، أكدت أن الإرهاب يخرج من ثنايا الأحياء الشعبية، الفقيرة التي تجد فيها البيوت خربة، والمساجد فارهة، ووجدت أن الفقر وعدم العدالة الاجتماعية هى دوافع التطرف والإرهاب.
وتابعت قعلول:” يبدأ الاستقطاب للشباب الموجود في تونس بتوفير الطعام للشباب أو الزواج، ثم دفع الشاب بعد ذلك إلى الهلاك باسم الجهاد في سبيل الله”.
وقالت:”دولة ليبيا الشقيقة هى معقل تدريب الإرهاب وتأهيل الإرهابين، فيذهب الشاب إلى ليبيا ليحصل على تدريب ويعود إلى تونس إلى الترصد والترقب إلى أي عمل إرهابي، ويتحول من اسمه الطبيعي إلى أسماء غريبة، وكذلك المرأة تتدرب على أعمال الإرهاب وتتحول إلى حفيدة الخنساء أو حفيدة خديجة، على حد فهمهم”.
المعروف هو أن الجماعات الجهادية المتطرفة تسيطر، فعليا، على مدينة درنة شرق ليبيا، في حين تسيطر مليشيا أنصار الشريعة التي صنفتها واشنطن في يوليو، وطرابلس في أغسطس “جماعة إرهابية” على جزء كبير من بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية…
وقد أكد العقيد أحمد المسماري المتحدث باسم رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي وجود معسكرات تدريب للمتشددين في الجنوب خارج سلطة الدولة، موضحا أن الجيش يعاني من نقص الإمكانيات والموارد وغير قادر على توفير دوريات منتظمة في تلك المناطق الشاسعة خصوصا مع خوضه لمعارك ضارية في الشمال سعيا لاستعادة السيطرة على مدينتي طرابلس وبنغازي.
وضع يؤكده مسئول في جهاز المخابرات الليبية متحدثا عن تقارير عن وجود ثلاثة معسكرات سرية في جنوب ليبيا حيث يتم تجنيد مئات الجهاديين من شمال أفريقيا، وأفريقيا الوسطى وغربها إضافة إلى جنوب الصحراء الكبرى وتدريبهم ليتم إرسالهم فيما إلى شمال مالي أو سوريا أو العراق.
وأضاف أن “هذه المعسكرات باتت الممول الأول بالجهاديين الجاهزين للقتال مع مختلف الجماعات المتشددة في أماكن متعددة من العالم”.