السيده خديجه بنت خويلد رضى الله عنها، هي أم المؤمنين وأولى زوجات الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أم أبنائه جميعا، ما عدا ابنه إبراهيم، وكان زواجها من النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في الفترة الواقعة قبل البعثة، لتعتني به أشد الاعتناء، فقد كانت تُجهز له مُؤونته التي يحتاجها في خلوته عند اعتكافه وتعبّده في غار حراء، وكانت رضي الله عنها أول من دخل الإسلام، والسيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، هى نصير رسول الله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه السمة من أهم السمات التي تميِّز شخص السيدة خديجة رضي الله عنها.
تلك المرأة التي وهبت نفسها ومالها وكل ما ملكت لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ويكفي في ذلك أنها آمنت بالرسول صلى الله عليه وسلم، وآزرته ونصرته في أحلك اللحظات التي قلما تجد فيها نصيرا أو مؤازرا أو معينا، ثم هي رضي الله عنها، تنتقل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حياة الراحة والاستقرار إلى حياة الدعوة والكفاح والجهاد والحصار، فلم يزدها ذلك إلا حبا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وحبا لدين محمد صلى الله عليه وسلم، وتحديا وإصرارا على الوقوف بجانبه صلى الله عليه وسلم، والتفاني في تحقيق أهدافه صلى الله عليه وسلم، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع بني هاشم وبني عبد المطلب
إلى شعاب مكة في عام المقاطعة، لم تتردد رضي الله عنها في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتشاركه على كبر سنها، أعباء ما يحمل من أمر الرسالة الإلهية التي يحملها، فقد نأَت بأثقال الشيخوخة بهمة عالية، وكأنها عادت إليها صباها، وأقامت في الشعاب ثلاث سنين وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله تعالى، وكأن الله اختصها بشخصها لتكون سندا وعونا للرسول صلى الله عليه وسلم، في إبلاغ رسالة رب العالمين الخاتمة، فكما اجتبى الله عز وجل رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واصطفاه من بين الخلق كافة، كذلك قدَّر له في مشوار حياته الأول لتأدية الرسالة العالمية مَن تضارعه أو تشابهه لتكون شريكا له
في حمل هذه الدعوة في مهدها الأول، فآنسته وآزرته وواسته بنفسها ومالها في وقت كان الرسول صلى الله عليه وسلم، في أشد الاحتياج لتلك المواساة والمؤازرة والنصرة، وقد واكبت السيده خديجة نزول الوحي قرآنا وتكليفا، فحين عَلَّم جبريل النبي الوضوء والصلاة قبل فرضها خمس صلوات، صلت مع النبي في نفس يوم تعليم جبريل له، وقد رُوي أن جبريل ظهر للنبي أول ما أوحي إليه في أحسن صورة وأطيب رائحة وهو بأعلى مكة فقال: يامحمد، إن الله يُقرئك السلام، ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس فادعهم إلى قول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم ضرب الأرض برجله فانبعثت عين ماء.
فتوضأ منها جبريل عليه السلام ورسول الله ينظر إليه، ليريه كيفية الطهور للصلاة، ثم أمره أن يتوضأ كما رآه يتوضأ، ثم قام جبريل يصلي مستقبلًا الكعبة، ثم أمره أن يصلي معه فصلى ركعتين، ثم عُرج به إلى السماء ورجع قالب: صلى إلى أهله، فكان لا يمر بحجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله، فسار حتى أتى خديجة فأخبرها، فغشي عليها من الفرح، ثم أخذ بيدها حتى أتى بها زمزم، فتوضأ حتى يريها الوضوء، ثم أمرها فتوضأت، وصلى بها كما صلى به جبريل عليه السلام، وبهذا كانت خديجة أول من آمن، وأول من ثبت، وأول من توضأ وأول من صلى.
وقال شهاب الدين القسطلاني، كان أول من آمن بالله وصدق صديقة النساء خديجة، فقامت بأعباء الصديقية، قال لها عليه السلام، خشيت على نفسي، فقالت له: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، ثم استدلت بما فيه من الصفات والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدا فكانت خديجة أول من آمنت بالرسول من النساء والرجال، وعن أبي رافع قال: نُبيء رسول الله يوم الإثنين، وصلت خديجة آخر يوم الإثنين، وقال ابن إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد أول من آمن بالله ورسوله وصدق بمحمد فيما جاء به، ووازرته في أمرة، واتفق العلماء على أن خديجة أول من آمنت.
والسيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، هى خير نساء الجنة، ولا شك أن امرأة بمثل هذه الأوصاف لا بد أن يكون لها منزلة رفيعة، فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم، يعلن في أكثر من مناسبة بأنها خير نساء الجنة، فقد روي عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون” وليس هذا فحسب، بل كان يقرئُها المولى عز وجل السلام من فوق سبع سموات، ويبشرها ببيت من قصب في الجنة، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أنه قال: أتى جبريلٌ النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال : يا رسول الله هذه خديجه قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا أتتك فأقرأ عليها السلام من ربها ومنى وبشرها ببيت فى الجنه من قصب لا صخب فيه ولا نصب ” فكان حقا أن يكون لهذه الطاهرة فضل ومكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسمو على كل العلاقات، وتظل غُرَّة في جبين التاريخ عامة وتاريخ العلاقات الأسرية خاصَة، إذ لم يتنكَّر صلى الله عليه وسلم، لهذه المرأة التي عاشت معه حلو الحياة ومرها، بل ويعلنها على الملأ وبعد وفاتها، وفاء لها وردًا لاعتبارها، فقال صلى الله عليه وسلم، “إني قد رزقت حبها” ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه صلى الله عليه وسلم.
لم يكد ينساها طيلة حياته وبعد وفاتها، إذ كان يكثر ذكرها ويتصدق عليها، فتروي السيدة عائشة رضي الله عنها، فتقول: ما غِرتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ما غرت على خديجة رضي الله عنها، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم، يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة رضي الله عنها، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول صلى الله عليه وسلم،: “إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد” وكانت للسيدة خديجة رضى الله عنها، منزلة خاصة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عاقلة، جليلة، دينه، مصونة، كريمة.
وهى من أهل الجنة، فقد أمر الله تعالى رسوله أن يبشرها في الجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب، وحتى بعد وفاتها، وزواج رسول الله من غيرها من امهات المؤمنين، لم تستطع أي واحدة منهن أن تزحزح السيده خديجة رضى الله عنها، عن مكانتها في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعد أعوام من وفاتها، وبعد انتصار المسلمين في معركة بدر، وإثناء تلقى فدية الأسرى من قريش، فقد لمح رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة لخديجة بعثت بها ابنتها زينب، في فداء لزوجها الأسير أبى العاص بن الربيع، حتى رق قلب البطل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، من شجو وشجن و لزوجته الأولى.
السيده خديجة رضى الله عنها، تلك الزوجة المخلصة الحنون، التي انفردت بقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربع قرن من الزمان لم تشاركها فيه أخرى، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم،من أتباعه أن يردوا على زينب قلادتها و يفكوا أسيرها، وقالت السيده عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكر خديجة يوما من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت هل كانت إلا عجوزا فأبدلك الله خيرا منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال:” لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس.
وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء “ً فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها ” يا رسول الله اعف عنى ولا تسمعني أذكر خديجة بعد هذا اليوم بشئ تكرهه ” وقبل ذلك لم تكن السيدة عائشة تكف عن الكلام عنها، وحتى في يوم فتح مكة وقد مضى على وفاة السيده خديجة رضى الله عنها، أكثر من عشر سنين حافلة بأجل الأحداث، أختار رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانا بجوار قبر السيدة خديجة أم المؤمنين الأولى، ليشرف منه على فتح مكة، وقد تاقت روح السيدة خديجة رضى الله عنها إلى بارئها، وكان ذلك قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بثلاث سنوات.
ولها من العمر خمس وستون سنة، وأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في حفرتها، وأدخلها القبر بيده صلى الله عليه وسلم ، وتشاء الأقدار أن يتزامن وقت وفاتها والعام الذي تُوفي فيه أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي كان أيضا يدفع عنه ويحميه بجانب السيدة خديجة رضي الله عنها، ومن ثمَّ فقد حزن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ذلك العام حزنا شديدا حتى سُمي هذا العام بعام الحزن، وحتى خُشي عليه صلى الله عليه وسلم، ومكث فترة بعدها بلا زواج.

التعليقات