ومما زادنى كمداً وغماً ، تعرض النسوة لصورة قاتمة بأيدى المؤرخين فى طول التاريخ وعرضه ، أو إختزال مقامها اليافع الناصع فى امرأة أو امرأتين صالحتين ، فى كل قرنٍ من قرون الزمن ، فظنت كل القرائح القاصرة ذوات خشبٌ مسندة ، أن الجنس الأنثوى على جملته لم يرتق إلى مكامل الفضائل والشمائل ، إلا فى نساء الأنبياء ، وما دونهن هن أولات الإثم والعهر والبغاء ، ولا غرو فى هذا لطالما صارت الأمهات المثليات راقصات ، ومثلهن داعرات وفاتنات على عموم الفضائيات ،،،
لقد ارتقت كثير من النسوة مرتقيات راسيات فى أكثر الحقبات ، وكن فى طرائق قددا ، عظيمات أصحاب رسالات مبهرات ، ضجت بمآثرهن الحضارات ، وإن أبت عليهن الأقلام المتجافيات ،،،
وبضرب المثال يتضح المقال ، تترنم ألسنة الأكاثر من الناس بأعلام الأمة الرجال ، الذين طبقت شهرتهم الآفاق ، على نحو سفيان الثورى و الشافعى ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل والبخارى وغيرهم ، لكن لا أحد وسعه من الجهد قليلاً ، أن يتدبر فى تراجم هؤلاء الأعلام الكرام ، ليستنبط كيف كان دور المرأة محورياً قاطعاً ، فى دوى هذا الجهبذ النبيه وذاك النابغة الفقيه ،،،
كانت المرأة هى القاسم المشترك الأعظم فى رحلة كفاح ونجاح الإمام الهمام ، الألمعى اللوذعى ، محمد بن إدريس الشافعى ، إنها أمه فاطمه بنت عبدالله الأزدية ، التى انتقلت به إلى مكة وهو ابن سنتين من عمره ، بعد أن مات أبوه ، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ، وحفظ موطأ مالك وهو ابن عشر سنين ، وأُذِن له بالفُتيا وهو دون العشرين ، ومن غزارة وعى هذه المرأة وحدة بصرها للأمور ، أنها تقدمت هى وامرأة مع رجل للإدلاء بشهادة أمام قاضٍ ، فأراد القاضى أن يفرق بين المرأتين ، فتجلت براعة وفصاحة أم الشافعى ، التى اعترضت على القاضى قائلة ( ليس لك ذلك لأن الله يقول ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) فنكس القاضى رأسه وامتثل صادعاً صاغراً ولم يعقب ،،،
وتلك أخرى آوت ابناً لها بعد أن توفى أبوه وهو صغير ، إنها أم سفيان الثورى أمير المؤمنين فى الحديث ، وصاحب أحد المذاهب الإسلامية المندثرة ، الذى ولد فى خلافة سليمان بن عبدالملك ، فلما يُتمَّ مبكراً ، عكفت أمه على تربيته وتنشئته على الوجه الإسلامى الناصع ، فكدت وجدت وسهرت وسمرت ، حتى أكملت بنيانه الخُلقى والعلمى ، ولها فى تهيئته تربوياً وفقهياً ديباجة تنقش بماء العيون ( اذهب فاطلب العلم حتى أعولك بمغزلى ، فإذا كتبت عدة عشرة أحاديث ، فانظر هل تجد فى نفسك زيادة ، فاتبعه وإلا فلا تبتغين ، وتلك أم الإمام مالك بن أنس والأخرى ابنته فى آن ، كل منهما لعبت دوراً براقاً فى حياة إمام دار الهجرة وعالم المدينة ، فأما أمه فهى التى جعلت نفسها مطية يعبر عليها ابنها إلى التفرد بتعلم وتعليم الحديث فى عصره ، وكيف كانت ذات بديهة حاضرة ، تفوق آلاف الرجال وملايين الأقزام ، لما صرفته عن شغفه الطفولى بحب الغناء ، إلى حيث العلم الشرعى بأعظم فداء ، كذلك كانت ابنته فاطمه على دربه ومنواله ، عالمة عاملة تفوق إخوتها الذكور الثلاثة يحيى ومحمد وحماد ،،، وهذه صفية بنت ميمونة بنت عبدالملك زوجة محمد بن حنبل ، الذى مات عنها شاباً فى الثلاثين من عمره ، تاركاً لها الطفل أحمد ، الذى كان حيز أمه ليل نهار ، وشاغلها فى العشى والإبكار ، تأبى بسببه الزواج من كل رجل بإصرار ، حتى بلغ أشده فى مخدعها وكنفها ، واستزاد من فنون العلم بتوجيهها ، وفاق أقران زمانه ببره لها ، حتى أنه لما مات ، وصفت جنازته بأنها الأعظم حشداً وتشييعاً ، إذ شيعه يومئذٍ مليونين ونصف من البشر ، وأسلم كذلك عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس ، فمن فى العالمين يجهل أحمداً أو يعرف كذلك أمه صانعة اسمه عظيماً بين الورى؟ ومثلما كان المطلع المقالى يزهو ضحاه ، فإن الختام الإنبائى لا يخبو سناه ، أفى الناس من لا يسمع فى الإمام البخارى ؟ لا أظن جاهليه إلا فئام قلة ، وما ذلك بضائره، إنه إمام الحديث فى السبق واللحق ، وفى السلف والخلف ، الذى ارتبطت به أطرف ديباجة على الألسنة مطلقاً ( احنا غلطنا فى البخارى ) ، هذا الإمام الموسوعى الحاذق ، أعجوبة الأزمان ، حارس حدود الصحاح الذى يشار له بالبنان ، العلامة الفهامة الترجمان ، ربته أمه على البر والتقوى والإحسان ، مات أبوه وهو صغير ، فقامت أمه على تربيته حق التربية ، وليتعجب القارىء حينما يعرف أن محمد بن اسماعيل البخارى كان فى صباه كفيفاً ، فرأت أمه فى منامها إبراهيم عليه السلام ، الذى قال لها ( يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك ولكثرة دعائك ) ، كانت أمه هى مصباح الدجى فى رفعته وعلو شأنه ، فقد مهدت له سبل تحصيل العلوم الشرعية ، لاسيما علم الحديث الذى كان للبخارى فيه قصب السبق على العالمين ، من لدن النبى وصحابته أجمعين ،،، البقية فى المقالات القادمة

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.