إلتصقت بطولة صلاح الدين الأيوبى القائد الإسلامى ، فى ذاكرة القدامى والحداثى من المسلمين ، فى تحرير بيت المقدس على إثر موقعة حطين المجيدة عام ( 1187م ) ، إما فى مسطورات الكتب المدرسية ، وإما فى الفيلم التاريخى ( الناصر صلاح الدين ) والذى يشوبه الكثير من الأخطاء الفادحة ، وعلى هذا وذاك انحصر تاريخ الدولة الأيوبية فى شخص صلاح الدين ، وتلك خطيئة أخرى يرتكبها التاريخ والمؤرخون ، وتتجرعها الأجيال تترى ،،،
وليس قولى هذا بأن رحم الدولة الأيوبية ، ظل يُلقى بالعظماء على طول الخط الزمنى ، ولكن ما يثير حفيظتى ، هو أن تأريخ الدولة الأيوبية كان هشاً قشرياً ، ولاسيما فى جُل الأحداث التى أعقبت وفاة صلاح الدين أكانت سلبية مهيبة ، أم إيجابية قليلة ،،،
فأما الأحداث السلبية فهى المريبة حقاً ، فمن الحماقة بمكان ومن السقامة بعنوان ، أن يمضى أبناء صلاح الدين بسيرة تناوء سيرورة أبيهم المظفرة ، تنازعوا ففشلوا فذهبت ريحهم جميعاً ( العزيز عثمان حاكم مصر ، والأفضل نور الدين على حاكم دمشق ، والظاهر غازى حاكم حلب ) ، ليقتنص الملك العادل أخو صلاح الدين ، فرصة السيطرة على مقاليد الحكم من جراء تناحر أبناء أخيه ،،،
بعد وفاة الملك العادل ، بزغ فى الأفق الإسلامى ثلاثة مشاهد معبرة لا تمحى ، مبعثها البيت الأيوبى ،،،
ولعَمرى فإن المشاهد الثلاثة لا يباليها من بنى جلدتنا إلا من كان فى قراءة التاريخ ذو حظ عظيم ،،،
المشهد الأول فما كنت أحب البوء به إلا للعظة والعبرة فقط ، ذلك أن الملك الكامل محمد ، ابن الملك العادل ، الذى نُقش اسمه على أحد أشهر شوارع حى الزمالك الأرستقراطى بالقاهرة ، هو الرجل الذى تنازل عن بيت المقدس للصليبيين رغبة وطواعية ، فى واحدة من أقبح المعاهدات وأخزاها وأذلها ، تلك التى أبرمت عام 1229م وسميت معاهدة يافا ) ، والتى نبعت من التنازل عن بيت المقدس لستمائة فارس صليبى، جاءوا للنزهة بقيادة فريدريك الثانى، ليحققوا ما فشل فيه أسلافهم الذين مضوا ، ريتشارد قلب الأسد وأقرانه ،،،
المشهد الثانى وهو الناصع حقاً ، ذلك لما بلغ الملك الصالح أيوب رسالة تهديد ووعيد ، من لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية السابعة قائلا ( إنا نقتل العباد وندوس البلاد ونطهر الأرض من الفساد ، فإن قابلتنا بالقتال أوجبت على نفسك النكال ، ورميت رعيتك فى أسر الوبال ، ولا نرحم عزيزاً ولا ذليلاً ) ، فرد الصالح أيوب بأبلغ وأنصع كلمات مؤتلفات ( تهددنا بجيوشك وأبطالك وخيلك ورجالك ، ألا تعلم أننا نحن أرباب الحتوف وفضلات السيوف ، ما نزلنا على حصن إلا هدمناه ولا طغى علينا طاغ إلا أهلكناه ، وإذا أتاك كتابى هذا ، فلتكن منه بالمرصاد ، على أول سورة النحل وآخر سورة ص ) ،،،
فأما أول سورة النحل ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) وآخر سورة ص ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) ،،، فلله در الصالح أيوب فى سرعة البديهة وعبقرية القريحة والكلمة البليغة ،،،
المشهد الثالث هو الأكثر نصوعاً ورسوخاً ، وبطله هو رجل يعد الخليفة الحق لصلاح الدين الأيوبى ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، إنه الكامل محمد بن شهاب الدين الغازى ، حفيد صلاح الدين وخليفته الفعلى ، فى نصرة الإسلام والزود عن حياض الديار والقلاع ، والحرث والنسل ،،،
ولكى لا يُستعجم السرد على المتلقى ، فإن الكامل محمد الغازى شبيه الاسم للكامل محمد ابن الملك العادل ، غير أن البون بينهما شاسعاً ، فالكامل محمد ابن الملك العادل تنازل عن بيت المقدس بأغلى ثمن وأرخص هدف ، وهو المكوث فى العرش الدنيوى الزائل ، تنازل عن بيت المقدس لفريدريك الثانى الذى جاء بجيش لا يتعدى ٦٠٠ فارس فقط ، أما الكامل محمد الغازى رحمه الله ، فهو الفارس المغوار حامى الديار وقاهر التتار ، ذلك أنه لما كان حاكماً على بلدة ميافارقين التركية ، تحت السلطة الأيوبية الإسلامية ، قاد واحدة من عظائم الملاحم البطولية وأنبلها ، فى وجه الذعر التترى متمثلاً فى هولاكو وحاشيته ، فبينما تخاذل بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل ، وتهادن قلج أرسلان الرابع ، وتقزم الأشرف الأيوبى ، وتقوقع الناصر يوسف الأيوبى ، ومعهم أرمينيا النصرانية ، جميعهم فى بوتقة واحدة حلفاء للتتار على مدينة ميافارقين وشعبها وقائدها المغوار الكامل محمد الغازى ،،،
ضرب الكامل الغازى الأيوبى مضرب شجاعة وبسالة كريمين ، قتل رسول هولاكو النصرانى ، وقاد شعب ميافارقين رجالاً ونساءً وصبية ، فى الزود عن مدينتهم وعن عرين الإسلام ، فى وجه هولاكو لعشرين شهراً ونيف ، فما ضعفوا وما استكانوا ، ولئن أُجهدوا جوعاً بزوال زادهم وأمتعتهم ،،،
كان استسلام المستعصم العباسى لهولاكو وجيشه ، ومساومة الكامل محمد الأيوبى ابن الملك العادل للصليبيين ، واقعتين ماثلتين فى خَلد الكامل الغازى ، فأراد أن يحذو عكسهما بكل جرأة ، ويمحو عارهما، أراد أن يبيع دنياه بآخراه ، وقف فى تسعين شخصاً فقط من أهل ميافارقين ، بشجاعة وإرادة فولاذية وكأنهم بعشرات الآلاف ، ولما ظفر هولاكو بالبطل الكامل محمد الغازى ، راوده على شرب الخمر فأبى المسلم الحصيف ، فأمر هولاكو زوجته بمناولته الخمر ، فأبى الحاكم المسلم للمرة الثانية ، باصقاً فى وجه هولاكو مقبحاً اياه ،،
لم يهابه ولم يفكر فى مهادنته كغيره من أبناء عمومته الخائنين ، بل وقف صامداً مرفوع الرأس لا يعجزه أعداد التتريين وعتادهم ، ليقتله هولاكو آمراً جنوده بالطواف برأسه فى حلب وحماه وحمص وبعلبك ، فظلت رأسه الذكية معلقة على سور الفراديس ، حتى أظهرالله قطز ، ليدفن رأس أخيه البطل الكامل الغازى ، ثم يسترسل ملحمته الجهادية فى الإجهاز على فلول التتار فى عين جالوت المجيدة ،،،
كم لمطويات التاريخ من عظمة وعظة ، فى ترادف الأسماء والصفات وتضاد الأفعال والأعمال ( الكامل محمد ابن الملك العادل حريص على لعاع بخيس من لعاعات الدنيا ، ساوم الصليبيين ، ببيت المقدس نظير عرش دنيوى زائل ، وأهدى بيت المقدس للصليبيين، أما الآخر فهو الكامل الغازى بطل جسور حتى النهاية ) أو فى ترادف الأسماء والأفعال معاً ، فهذان صالحان اسماً وعملاً ( صلاح الدين والصالح أيوب ) —
البقية فى المقالات القادمة