مقدمه

الإمبراطورية العثمانية عاشت في مطلع القرن التاسع عشر أوضاعا اقتصادية صعبة من أهم أسبابها أن يهود «الدونمة” كانوا يسيطرون ويتحكمون في مفاصل الشؤون المالية والاقتصادية للإمبراطورية العثمانية

كما أنهم كانوا كذلك يديرون ويسيرون الدين العام من خلال ما هو تحت أيديهم من علاقات واسعة تربطهم بشبكة المال العالمية ولقد قام هؤلاء بدور ملموس ومعروف في تأجيج الحملات ضد السلطان العثماني وضد الخلافة الإسلامية تحت دعاوى القومية التركية وتشير حقائق التاريخ إلى أن من أبرز هؤلاء الذين قادوا تلك الحملات «ايمانويل فاراصو” واحد من أبرز مؤسسي جمعية الاتحاد والترقي عام 1889م وإلى جانبه يوجد يهودي آخر من يهود الدونمة معروف باسم «شمسي أفندي” أما اسمه الأصلي فهو «شمعون زوي” الذي عرف بأنه أكبر منظري القديس التركية والعلمانية وكان يدير مدرسة درس فيها الزعيم التركي  مصطفى اتاتورك.

  • سيطرة «الدونمة” على الاقتصاد التركي

استطاع يهود «الدونمة” من السيطرة الشبه تامة على المفاصل والمرتفعات الأساسية للاقتصاد والمال في تركيا بعد إنهاء الخلافة العثمانية ومن خلال أدوارهم في تقويض الخلافة العثمانية ونفوذهم وسيطرتهم الاقتصادية والمالية تمكنوا من أن يلعبوا دورا أساسيا خلال عملية بناء الدولة التركية الحديثة التي قامت على أنقاض الخلافة العثمانية واستطاعوا أن يرنعوا بالدولة التركية نحو العلمانية والاتجاه نحو الغرب كهوية ومسار استراتيجي مناقض تماما لما كانت عليه تركيا الخلافة لعدد من القرون..ظلت تركيا تحت سيطرة القوى العلمانية منذ تأسيسها وحتى بداية سبعينات القرن الماضي لم تشهد نموا اقتصاديا ملفتا للنظر ولكن رياح التغيير السياسي  ظهرت تركيا منذ نهاية السبعينات من القرن العشرين حيث ظهرت أحزاب وقوى سياسية تناهض العلمانية وترفض سيطرتها على مقدرات البلاد حيث كان للاضطرابات السياسية التي حصلت في مثل هذه الأوضاع انعكاساتها السلبية على الأداء الاقتصادي وتدنٍ في مستوى حياة الناس المعيشية وهنا بدأ كل فريق ينظم نفسه ويتكتل لكي يحمي مصالحه السياسية والاقتصادية فشكلت القوى العلمانية جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك المعروف باسم «توسياد” عام 1971م في اسطنبول وكان معظم مؤسسي هذه الجمعية من اليهود وبلغ عدد أعضائها 454 شخصا هم الأكثر ثراء على الإطلاق في تركيا ويمتلكون حوالي 1300 شركة يصل عدد العمال المنطوين فيها حوالي 500 ألف شخص كما أن حجم النشاط الاقتصادي لهذه الشركات يصل إلى مقدار 70 مليار دولار.

  • بروز قوى جديدة

في مطلع الثمانينات من القرن الماضي ظهرت قوى اقتصادية جديدة استطاعت أن تجد لها موطئ قدم إلى جانب القوى العلمانية حيث شهدت مناطق وسط الأناضول نموا سريعا لرؤوس أموال تركية لها توجهات إسلامية وكانت هذه القوى الإسلامية الجديدة تستند في حركتها الاقتصادية والمالية إلى أموال الأتراك المغتربين في أوروبا وأمريكا. وبدعم تحويلات هؤلاء المغتربين أرست هذه القوى الإسلامية الصاعدة أسس وقواعد مالية قائمة على المشاركة في الربح والخسارة بعيدة عن المراباة..ومع تزايد نشاط هذه القوى الجديدة وقدرتها على أحداث نهضة صناعية وتجارية كبيرة في مختلف نواحي تركيا بدأ مستثمرون إسلاميون بالتدفق على تركيا الصاعدة وظهرت مشاريع اقتصادية وتجارية مشتركة كبيرة كان لها اليد  في تأسيس العلاقات الاقتصادية والمالية بين تركيا  والعالم الإسلامي.

لم يكن تدفق الأموال الإسلامية لينجو من محاربة شرسة من قبل القوى العلمانية التي ناصيتها الغراء مستخدمة نفوذها السياسية والدعم اللامحدود الذي كانت تحظى به من قبل الحكومات المختلفة حتى أنه قد تم إصدار أحكام قضائية متعددة قضت بموجبها إغلاق وتصفية عدد من هذه الشركات  ذات التوجهات الإسلامية. وفي ظل هذا الصراع قامت القوى الاقتصادية الجديدة ذات التوجه الإسلامي إلى تنظيم نفسها حيث ظهرت مجموعة «كوين سان” التي وصل عدد مساهميها إلى حوالي 30 ألف مساهم أكثرهم  من المغتربين.وفي أعقاب أحداث سبتمبر 2001م وما أحدثت من مضايقات بل وجرت ضد المسلمين والاستثمارات الإسلامية من أمريكا وأوروبا سعت حكومة حزب العدالة والتنمية إلى خلق مناخ جاذب لرؤوس الأموال التركية والإسلامية المهاجرة لكي تستثمر في تركيا حيث توجد بيئة آمنة ومجزية للاستثمارات وبقدوم مثل هذه الرؤوس أموال الإسلامية إلى تركيا تضعف سيطرة ونفوذ جمعية الدونمة ومن مشاركتهم وتقوى شوكة القوى الجديدة التي تسعى إلى استعادة تركيا الخلافة لدورها المتميز والمطلوب خاصة في ظل هذه الحقب المظلمة من تاريخ أمتنا وشعوبنا الإسلامية.

  • الخروج من الأزمة وبداية النهضة

الحديث عن النهضة الاقتصادية التركية لابد أن يرتكز إلى مجمل المشهد التركي الذي أذهل المراقبين والمحللين السياسيين والاقتصاديين على السواء ذلك انه أضحى واحداً من اثراء المشاهد الإقليمية والدولية حيوية في كافة مناحي الحياة كما أن الصعود المذهل والمفاجئ للدور التركي على مستوى الإقليم والمستوى الدولي قد جعل هذا المشهد محل أعجاب بل وتحليل من قبل المفكرين كون هذا النهوض الذي فاجئ الكل مع بداية الألفية الجديدة وتزامن ذلك مع بروز وولادة حزب العدالة والتنمية في أغسطس عام 2001م.

لقد كانت مفاجآت هذا الحزب العملاق أنه أستطاع بعد عام واحد فقط من إعلان تأسيسه على حصد أغلب المقاعد النيابية إذ حصد عدد 360 مقعداً من بين 550 مقعدا هو قوام مجلس    النواب التركي. وبهذا النجاح الباهر الذي لم يسبقه أي حزب آخر إليه استطاع هذا الحزب بقيادته الجماعية الواعية بزعامة اردوغان أن يشكل الحكومة منفرداً مما أتاح له تلبية المطالب الجماهيرية التي حملته باعتزاز وإعجاب وتأييد منقطع النظير إلى السلطة وذلك بأن تمكن من خلال صدق الرجال وإخلاصهم وتفانيهم في حب وطنهم أن يغيروا الكثير من المعطيات التي كانت جاثمة على صدر تركيا وأعادوا لهذا البلد ألقه ووضعوه في المكان الذي يستحق بين شعوب العالم.

فشهدت تركيا منذ لحظة وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم نهضة سياسية واقتصادية وثقافية تلازمت مع إنجازات دبلوماسية ومواقف سياسية مبدئية صادقة مع التاريخ التركي الإسلامي الذي كان لها شرف وباع طويل في تحقيق العديد من المنجزات إبان الخلافة العثمانية..أن هذه النجاحات الباهرة التي تعيشها تركيا منذ بداية الألفية الثالثة يمكن أن نربطها بظاهرة حزب العدالة والتنمية بما يمتلكه من قيم أخلاقية عالية يعتز بها الحزب ويعبر عنها قادته خاصة الثلاثي اردوغان , أوغلو. عبدالله غول .

إن قيادة هذا الحزب العملاق تطرح بوضوح نظرتها الأخلاقية المغايرة لجوانب عديدة مما يطرحه فلاسفة الحضارة الغربية التي سارعت بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي إلى الترويج لفلسفة نهاية التاريخ لفوكومايا وإلى صراع الحضارات لهنتجتون لكن الرجال الأفذاد  مثل البروفسور احمد داود أوغلو الذي يعتبر أحد أبرز فلاسفة السياسة في القرن الواحد والعشرين استطاع أن يعيد صياغة المنظومة السياسية والدبلوماسية المعاصرة لتركيا وفق رؤية حضارية إسلامية جديدة ستعيد الاعتبار لكل القيم والأعراف والمواثيق الإنسانية التي كادت أن تختفي بفعل أزمة الحضارة المادية الغربية المعاصرة وبحسب نبيل البكيري كذلك في مقال رائع له حول التجربة التركية يورد عن احمد أوغلو قوله إن الحضارة الغربية عجزت عن توفير الأمان والحرية للإنسان برعونتها في التعامل مع بقية شعوب العالم.

يذهب البروفيسور أوغلو في نظرته الثاقبة ونقده العلمي لنظرية نهاية التاريخ التي روج لها بعض مفكري الغرب إلى أن القصد من وراء تلك الإطروحات هو قطع الطريق على بدائل حضارية أخرى بدأت تتبلور في مناطق أخرى من العالم كما أن مروجي وأصحاب تلك النظريات الغربية يحاولون سد المنافذ أمام بروز بدائل مناقضة لها ترفض الهيمنة الغربية وهذا ما نشهده اليوم في تقدم محاور صاعدة على المستوى العالمي مثل الصين والهند وليس أقل من ذلك انبعاث محور حضاري إسلامي تأتي في طليعته تركيا الصاعدة.

كانت هذه مداخل لابد منها حتى نلج إلى المشهد الاقتصادي التركي المذهل ودليلنا على ذلك أن تركيا أصبحت اقتصاديا تحتل المركز رقم (16) على المستوى العالمي أما على المستوى الأوروبي فأنها تحتل المركز رقم (6) في المجال الاقتصادي.أما مؤشر دخل الفرد في تركيا فقد كان في عام 2002م يقدر بمبلغ 3500$ دولار أمريكي لكنه من خلال السياسة الاقتصادية الحكيمة وبقيادة حزب العدالة والتنمية قفز دخل الفرد عام 2008م إلى 10500$ دولار أمريكي. أما حجم الإنتاج في عام 2002م فقد كان يقدر بـ180 مليار دولار لكنه قفز في عام 2008م إلى 740 مليار دولار أي تضاعف أربع مرات خلال ست سنوات.

استطاعت تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية أن تسجل نموا جعلها تحتل ثاني أكبر دولة في العالم بنمو مقداره 11.5% كما استطاعت أن تحافظ على متوسط نمو خلال الفترة من عام 2002م وحتى عام 2008م في حدود 6% وهذا معدل نمو رائع رغم حدوث الأزمة المالية العالمية التي بدأت تداعياتها منذ عام 2006م التي قادت إلى حالات هبوط حاد في نمو العديد من دول العالم الصناعي. تظهر الخطط التنموية والاقتصادية لتركيا تطلعها إلى تحقيق صادرات تصل إلى 500 مليار دولار وكذلك إيرادات تصل أيضا إلى مقدار 500 مليار دولار, كما تخطط تركيا لتحتل موقع أحد الدول العشر الأولى اقتصاديا على مستوى العالم.

الجدير بالإشارة إلى أن تركيا تحتل المركز الأول في أوروبا في مجال صناعة النسيج وهي كذلك الثالثة في العالم في تصنيع أجهزة التلفاز وهي أيضا الثالثة في العالم في تصنيع الباصات.كما تشير الإحصاءات التركية حول صناعتها إلى أن من بين كل ألف سيارة تصنع في العالم فإن 15 سيارة صنعت في تركيا.

وفي مجال صناعة الإسمنت تعد تركيا الأولى في تصدير هذه المادة الهامة وتحتل تركيا المرتبة الثانية على مستوى الدول الأوروبية في إنتاج الحديد والفولاذ كما تعتبر تركيا الدولة الأولى في العالم في تصدير حديد البناء والثالثة في تصدير الرخام. حجم التجارة الخارجية لتركيا سجل في عام 2002م  88 مليار دولار لكنه قفز في العام 2008م إلى مقدار 334 مليار دولار أي نسبة نمو مقدارها حوالي 37% تقريبا.حجم الصادرات التركية تضاعف أربع مرات ففي عام 2008م وصل إلى 132 مليار دولار مقارنة بـ36 مليار دولار في العام 2002م.

الشيء المهم والملفت للانتباه ونحن نستعرض هذه الأرقام أن نعرف أن تركيا تستورد النفط والمحروقات والزيوت وتستورد كذلك المواد الخام الأولية ثم تعيد تصنيعها وبالتالي تصديرها إلى العالم الخارجي، فكيف لو أنها تمتلك نفطاً وغازاً ومواداً أولية مثلما هو الحال في العديد من البلدان العربية التي تكتفي بتصدير هذه المواد الأولية ولا تقيم صناعات في أوطانها. أنها مسألة هامة وبحاجة إلى رؤية ثاقبة وقيادات مخلصة لأوطانها تعيد ترتيب أولوياتها بحيث ترتقي بمستوى حياة شعوبها مثلما هو الحال عليه في تركيا حزب العدالة والتنمية.

وأخيرا نلخص لسيادتمكم نهوض تركيا في سطور

ـ انتقل معدل دخل الفرد السنوي في تركيا من ثلاثة آلاف دولار قبل عشر سنوات، إلى 11 ألف دولار اليوم

ـ الناتج الداخلي القومي انتقل من 200 مليار دولار في السنة قبل عشر سنوات إلى 900 مليار دولار في السنة .

ـ اقتصاد البلاد كان فلاحيا فاصبح صناعيا وخدماتيا .

ـ السياح الذين لم يكن عددهم يتجاوز الأربعة ملايين اصبح عددهم اليوم 35 مليون سائح .

ـ تركيا التي كانت مدينة للبنك الدولي بـ23 مليار دولار صارت اليوم بلا ديون ، وتعرض ان تقرض البنك الدولي .

ـ الجيش التركي الذي كان، لمدة 80 سنة، يتحكم في كل مفاصل الدولة، رجع إلى ثكناته، وهو الآن خارج المعادلات السياسية والاقتصادية، وأصبح دوره ينصب على حماية الدولة خارج الحدود، وترك السياسة للسياسيين والأحزاب وصناديق الاقتراع .

ـ دبلوماسيا، تجني تركيا الآن ثمار نجاحها السياسي، حيث إنها اصبحت عضوا كامل العضوية في نادي الدول الديمقراطية .

ـ 25 في المائة من تجارة تركيا اليوم مع العالم العربي، وقد ازدادت بـ60 في المائة عما كانت عليه قبل سنوات قليلة .

ـ تركيا اليوم أصبحت سابع اقتصاد في أوروبا، وأضحت ورشا مفتوحا، وشريكا اقتصاديا مهما للصين ولأوروبا وأميركا والبرازيل .

قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } صدق الله العظيم (التوبة105)

د. عبد العليم سعد سليمان دسوقي
د. عبد العليم سعد سليمان دسوقي

جمع واعداد

د/ عبد العليم سعد سليمان دسوقي

قسم وقاية النبات – كلية الزراعة – جامعة سوهاج

رئيس فرع الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بمحافظة سوهاج- مصر

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.