لقد دعا الإسلام إلي استقرار واستقامة الأمن الداخلي في كل صورة من صوره، فإذا نظرنا إلى رؤية الإسلام إلي أمن الإنسان الذاتي، نجده يأمر الإنسان أن يكون معتدلاً سائراً في طريق الخير والحق والعدل والأمان، ويحذره من أن يلقي بنفسه في التهلكة.
فالإسلام يدعوا إلى الأمن والسلام، فتحية المؤمنين في الجنة السلام، وتحية أهل الإسلام في الدنيا هي السلام ومن هنا فبمجرد ان يجنح العدو الي السلم أن نجنح لها، استناداً إلى قوله تعالي (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله إنه هو السميع العليم)
ومن هنا جاءت لنا فكرة البحث عن الوسائل والمبادئ التي اعتمدها الإسلام لحفظ الامن والسلم بين طوائفه.
وسنناقش مفهوم السلم والأمن في الإسلام (أولاً).
ثم نناقش الأساس الشرعي لوسائل حفظ السلم ومبادئها (ثانياَ).
أولاً: مفهوم الأمن والسلم في الإسلام.
1-مفهوم الأمن في الإسلام.
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( من أصبح منكم أمناً في سربه، معافي في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حـِيزَت له الدنيا). فمفهوم الأمن في الإسلام هو: شعور الفرد أو الجماعة بالطمأنينة، وإشاعة الثقة والمحبة بينهم، بعدم خيانة الأفراد لبعضهم البعض، والقضاء على الفساد، بإزالة كل ما يهدد استقرارهم وعيشهم وتلبية متطلباتهم الجسدية والنفسية، لضمان قدرتهم على الاستمرار في الحياة بسلام وأمان.
2-مفهوم السلم في الإسلام.
الإسلام هو السلم والسلام، ويعني خضوع القلب وجميع الجوارح وتسخيرها لتحقيق الخير والحق، والجدير بالذكر أن تحية المسلمين لبعضهم هي السلام (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
وقد وضع الإسلام عدة مبادئ للسلم ألا وهي:
• الناس جميعاً على اختلاف لغاتهم، وأنسابهم، وأوطانهم أخوة.
• أساس التفاضل بين الناس عند الله هو الأخلاق وحب الخير، والتعاون فيما بينهم.
• تحريم كل ما يؤدي إلى الضغائن، وإيقاع العداوة بين الناس كالغيبة والنميمة، والحسد.
ثانياً: الأساس الشرعي لعمليات حفظ السلام في الإسلام وأهم مبادئها وأهدافها.
1-الأساس الشرعي لعمليات حفظ السلام.
تجد عمليات حفظ السلام في الإسلام أساسها الشرعي في سورة الحجرات رقم (49) الآية رقم (9) في قوله عز وجل: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
ففي قوله تعالي (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما) روي البخاري بنحوه وأخرجه أحمد، وذكر سعيد بن جبير: أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله تعالي هذه الآية، فأمر بالصلح بينهما، وقال السدي : كان رجل من الأنصار يقال له قمران وكانت له زوجة تدعي أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها، وجعلها في علية له، لا يدخل عليها أحد من أهلها، فجاء قومها وأنزلوها، لينطلقوا بها، وإن الرجل كان قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية، فبعث إليهم رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، وأصلح بينهم.
وفي قوله تعالي (فإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَي ) يقول الطبري: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له, وعليه وتعدّت ما جعل الله عدلا بين خلقه, وأجابت الأخرى منهما( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) يقول: فقاتلوا التي تعتدي, وتأبى الإجابة إلى حكم الله ( حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه ( فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ) يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه, فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل: يعني بالإنصاف بينهما.
وعند النظر والتمعن في الآية الكريمة يتضح لنا الأمور الأتية:
• العمليات التي ليس لها طابع قسري أو السلمية: وهي في قوله تعالي (فأصلحوا بينهم) في أول الآية الكريمة، وهي الحالة التي يجنح فيها الطرفين إلى السلم.
• العمليات ذات الطابع القسري: وهي في قوله تعالي (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلي أمر الله) فقد لا تلتزم احداهما بأمر الصلح وتزيد من طغيانها، فوضع المولي عز وجل هنا الحكم بمحاربة الطائفة الطاغية وقتالها حتى ترجع إلي أمر الله.
2- المبادئ التي تقوم عليها عمليات
حفظ السلام في الإسلام.
كانت الآية الكريمة دقيقة وشاملة لكل ما تحمله عمليات حفظ السلام من معاني، حيث وضع عز وجل المبادئ التي يقوم عليها الحاكم او الطائفة التي تأخذ جانب الصلح والحكم بين المتقاتلين:
• فنري كلمة فأصلحوا الأولي وهي التي بعد وقوع القتال فورا، حيث تدل على ضرورة الصلح في المقام الأول ووقف القتال. فلا لجوء إلى التدخل في القتال إلا إذا بغت إحداهما ورفضت الامتثال إلى حكم الله، فهنا يكون على المؤمنين قتالها.
• نجد أن المولي عز وجل وضع حدا لهذا القتال وهو أن تفئ الطائفة المعتدية إلي أمر الله فعندها يتم وقف قتالها.
• (فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) فحين تفئ الطائفة الباغية إلي أمر الله نعود إلى الهدف الاسمي وهو حفظ السلم والصلح بين الطائفتين بالعدل أي لا نغالي أو نتمادى في القتال او بغض الطائفة المعتدية حيث أنها قد فاءت ورجعت إلي أمر الله.
3-اهداف عمليات حفظ السلام في الإسلام.
كان الهدف الأول والرئيسي للدين الذي وضعه الله لصلاح البشر وحكمهم وتسير شئونهم إلي يوم القيامة هو حفظ السلام بين البشر وفرض التسامح بينهم وتنمية العلاقات بين شعوب الأرض ولن يتأتى هذا إلا بنظام قوي يفرض السلام ويجعله فرضاً علي كل مسلم ومسلمة حتي ينشأ الود بين أطرافه. كما ينظم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول.