ونكمل الجزء الثالث مع الصحابى الجليل حذيفة بن اليمان، وقد وقفنا عندما كان خليفة المسلمين عمر بن الخطاب عندما يريد أن يصلي على أحد أموات المسلمين يسأل عن حذيفة، وهل هو من ضمن الحاضرين للصلاة وذلك خوفا منه بالصلاة على أحد المنافقين وكان عمر يسأل حذيفة أفي عمالي منافق؟ قال نعم، قال من؟ قال لا أخبرك فحصل ذات يوم جدال بين عمر وأحد العمال فطرده وبعد مرور الأيام عرف أنه هو المنافق، ولقد كان حذيفة في إيمانه وولائه قويا، وقال حذيفة رضى الله عنه، صلى بنا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم التفت إلينا فقال ” من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم؟ ثم يرجع، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة ” فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني، فلم يكن لي بد من القيام، فقال ” ياحذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا “
فذهبت فدخلت فيهم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقال أبو سفيان لينظر امرؤ من جليسه، فأخذت بيد الرجل الذي كان جنبي، فقلت من أنت؟ فقال فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني لقتلته بسهم، فقال حذيفة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه ولما أخبرته الخبر.
وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم، وكان حذيفة بن اليمان يسأل عن الشر، فعن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ فقال صلى الله عليه وسلم “نعم” قلت وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال “نعم، وفيه دخن” قلت وما دخنه؟ قال “قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر” قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال “نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها” فقلت يا رسول الله، صفهم لنا فقال صلى الله عليه وسلم “هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا” قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال “تلزم جماعة المسلمين وإمامهم” قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال “فاعتزل تلك الفرق كلها.
ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك” وعن بلال العبسي، عن حذيفة بن اليمان أن الناس تفرقوا عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ليلة الأحزاب فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فأتاني رسول الله وأنا جاث من البرد، وقال “يا ابن اليمان، قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب، فانظر إلى حالهم” قلت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلا حياء منك من البرد، قال “فابرز الحرَّة وبرد الصبح، انطلق يابن اليمان، ولا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إليَّ” فانطلق حذيفة إلى معسكرهم وعرف أخبارهم، ثم أتى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي، فلما فرغ صلى الله عليه وسلم، من صلاته قال: “ابن اليمان اقعد، ما الخبر؟” قلت يا رسول الله، تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا عصبة توقد النار، قد صبَّ الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنَا نرجو من الله ما لا يرجو.
وقد شارك حذيفة بكل المعارك والغزوات التي قادها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، عدا معركة بدر, حيث كان قد سافر خارج المدينة آنذاك فوقع أسيرا في يد كفار قريش، وعند استجوابه أعلمه بأنه في طريقه إلى المدينة ولا علاقة له بمحمد وجماعته وعاهدهم بعدم مقاتلتهم، وحصل أن تركه الكفار فشد الرحيل مسرعا إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، مخبرا إياه عن ما حصل وبأن الكفار يتأهبون للغزو، ولم يسمح له رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، بالمشاركة في المعركة إيفاء بالعهد مع المشركين وقد شهد حذيفة أحدا وما بعدها من المشاهد مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد شهد فتح العراق والشام، وشهد اليرموك فى السنة الثلاثة عشرة من الهجره وبلاد الجزيرة فى السنة السابعة عشرة من الهجره، وقد شهد فتوحات فارس، وكان في معركة نهاوند حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفا، فقد اختار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
لقيادة الجيوش المسلمة النعمان بن مقرن، ثم كتب إلى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة، وأرسل عمر بن الخطاب للمقاتلين كتابه يقول “إذا اجتمع المسلمون، فليكن كل أمير على جيشه، وليكن أمير الجيوش جميعا النعمان بن مقرن، فإذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة، فإذا استشهد فجرير بن عبد الله” وهكذا استمر يختار قوّاد المعركة حتى سمى منهم سبعة، والتقى الجيشان ونشب قتال قوي، وسقط القائد النعمان رضى الله عنه شهيدا، وقبل أن تسقط الراية كان القائد الجديد حذيفة يرفعها عاليا، وأوصى بألاَ يذاع نبأ استشهاد النعمان حتى تنجلي المعركة، ودعا نعيم بن مقرن فجعله مكان أخيه النعمان تكريما له، ثم هجم على الفرس صائحا “الله أكبر، صدق وعده، الله أكبر، نصر جنده” ثم نادى المسلمين قائلا “يا أتباع محمد، ها هي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم، فلا تطيلوا عليها الانتظار” وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس.