ونكمل الجزء الثانى ومع الصحابى الجليل عبد الله بن حذافه السهمى، وقد كانت أهم ملامح شخصية عبد الله بن حذافه، هى قوة عزيمة عبد الله بن حذافة وثباته على الدين الإسلامي أمام كل الفتن، فعن أبي رافع قال: وجه عمر بن الخطاب، جيشا إلى الروم، لمحاربة الروم لفتح بلاد الشام، وأثناء الحرب وقع أسرى من المسلمين في يد الروم وكان من بينهم عبد الله بن حذافة، وكان لدى قيصر ملك الروم علم بما يتحلى به المسلمون من استرخاص النفس في سبيل الله، فأمر جنوده بجلب الأسرى عنده، إذ أراد أن يختبرهم، وكان من ضمنهم أبو حذافة، فنظر إليه طويلا ثم عرض عليه أمرين إما الموت وإما أن يتنصر ويُخلى عن سبيله، فاختار أبو حذافة الموت على أن يغير دينه فغضب الملك.
وأمر جنوده بصلب عبد الله ورميه بالرماح لإخافته وليرجع عن دينه، إلا أن أبي حذافة بثباته وإصراره أمر جنوده يتركوه، وأمرهم بجلب قدر عظيم صُبَّ فيه الزيت ورُفع على النار حتى غلي، ثم دعا بأسيرين من أسرى المسلمين وأمر بأحدهما أن يُلقى فيها فأُلقي، فإذا لحمه يتفتت وعظامه تطفو على السطح، ثم التفت قيصر إلى أبي حذافة وعرض عليه النصرانية مرة أخرة إلا أنه رفض فأمر قيصر جنوده أن يُلقوه في القدر، فوقف عبد الله ينظر إلى القدر وعيناه تدمعان، وعندما رآه قيصر على هذه الحال صرخ بجنوده أن يأتوه به لعله يكون قد جزع وخاف من الموت، إلا أن أبو حذافة قال ” واللهِ ما أبكاني إلا أني كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس فتلقى كلها في هذه القدر في سبيل الله “
فعجب قيصر من شجاعته وقال ” أتقبِل رأسى وأخلى سبيلك؟ فرد عليه عبد الله بن حذافه ” عنى وعن جميع الأسرى المسلمين؟ فوافق ثم دنا أبو حذافة منه وقبَّل رأسه، فأمر قيصر بإخلاء سبيل جميع أسرى المسلمين، وعندما عاد أبو حذافة مع الأسرى إلى المدينة المنورة سُرَّ بذلك الخليفة عمر بن الخطاب بلقائهم وعند علمه بالقصة قال ” حق على كل مسلم أن يُقبِل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ ” وقد كان عبد الله بن حذافه، مشهورا عنه روح الدعابة العالية، فيروي عبد الله بن وهب عن الليث عن سعد قال: بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع، قال ابن وهب: فقلت لليث: ليضحكه، قال: نعم كانت فيه دعابة.
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فقام على المنبر فذكر الساعة فذكر أن فيها أمورا عظاما ثم قال: “من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم ما دمت في مقامي هذا ” فأكثر الناس في البكاء وأكثر أن يقول: “سلوني” فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: من أبي؟ قال: “أبوك حذافة” ثم أكثر أن يقول: “سلوني” فبرك عمر بن الخطاب، على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فسكت النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: “عرضت عليَّ الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أرَ كالخير والشر”
ويروي عمرو بن الحكم بن ثوبان، عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، علقمة بن مجزز، وقال أبو سعيد الخدري: وأنا فيهم, حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فيه دعابة, فلما كان ببعض الطريق أوقد نارًا، ثم قال للقوم: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: أفما أنا آمركم بشيء إلا فعلتموه؟ قالوا: نعم، قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار، قال: فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيه، فقال لهم: اجلسوا، فإنما كنت أضحك معكم, فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن قدموا عليه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أمركم بمعصية منهم فلا تطيعوه ” وحدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الله، يعني ابن أبي بكر وسالم أبي النضر عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة: أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أمره أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب، وكانت النهايه لعبد الله بن حذافه، أنه مات ابن حذافة عام ثلاثه وثلاثين من الهجره، وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما، فهكذا كانت الصحابه فهم خير الناس بعد الأنبياء و المرسلين، علما وعملا وتصديقا وصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجهادا في سبيل الله والدعوة إلى دينه، وسبقا إلى كل خصلة جميلة، فبلغوا الغاية في العلم والفضل والمعروف منزلة لم يبلغها أحد قبلهم ولا بعدهم.
فقد اصطفاهم الله تعالى، لتلقي التنزيل، وصحبة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والعمل بالدين القويم، فكانوا في جميع أمور حياتهم على الصراط المستقيم، فأثنى الله عليهم بحسن الإيمان، وسلامة المنهاج، وسداد القول، وصالح العمل، وكمال الخلق، وأخبر برضاه عنهم، ووعدهم بجنات النعيم، وقد اجتمع لهم تزكية الله تعالى وثناؤه، ومحبة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وذكره لفضائلهم، ولم يحدد العلماء عدد الصحابة بدقة، بل ذكروا أنهم يزيدون على المائة ألف صحابي، وكلهم لهم الفضل والسبق، إلا أنهم يتفاضلون فيما بينهم، وقد وردت الكثير من الآيات الصريحة ، والأحاديث الصحيحة في فضائل الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، والثناء عليهم.
فقال الله عز وجل فى كتابه الكريم فى سورة التوبه ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) وقال الله سبحانه وتعالى فى سورة الفتح ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما ) وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قال” خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته” رواه البخارى ومسلم، فهؤلاء هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضى عنهم أجمعين، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.