يحرص بعض الكتاب على أن ميلاد ونشأة جماعة الإخوان المسلمون والمشروع الذي جاء به المؤسس الإمام حسن البنا يدخل في سياق عمليات التجديد الإسلامي التي تطبع كل قرن من القرون، حيث يعتبره هؤلاء الكتاب من مجددي القرن العشرين، سيما أن فكرته حملت تجميع متزن ومحكم لما تفرق عند غيره من الذين حاولوا تجديد أمر الأمة في القرن العشرين حيث كانت ترزح تحت نير الاستعمار بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية سنة 1924، من أمثال الشيخ جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبدو والشيخ المودودي والشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ سعيد النورسي والشيخ محمد ابن عبد الوهاب، فكان ميلاد جماعة الاخوان المسلمين واستمرارها في الزمن وانتشارها على مستوى العالم الإسلامي بمثابة التجديد الإسلامي الأول في القرن العشرين.

ظروف نشأة جماعة الإخوان المسلمين:

وقد شخص الوضع احد الباحثين(1) في دراسة شاملة لجماعة الاخوان المسلمين، ،نستعرضها ببعض التصرف في العناوين فقط .

المتغيرات والأوضاع على المستوى المصري:

1- ترزح مصر في تلك الأيام تحت الإحتلال الإنجليزي ( 1882 )، بما يجعل من ظهور مقاومة، بأي صورة من صورها ولو كانت مقاومة سلبية مثل مقاومة بعض الطرق الصوفية أمرا مرقوبا.

إحتلال إنجليزي يتميز بعوامل مهمة جدا أبرزها ( القيومية على الكيان الإسرائيلي المغروز في قلب الأمة 1897 مؤتمر بازل و 1948 تحقيق الحلم، وهو إحتلال جامع يعمل على نهب الثروات من جهة وتدمير البنية الثقافية من جهة أخرى قياما على قالة وزير الخارجية بعيد الحرب العالمية الثانية “ مادام المسلمون يحتفظون بالأزهر والقرآن وصلاة الجمعة فلا أمل في إجتثاثهم “، تنصيب حكومات دمى على رأس الدولة المصرية لتتولى هي قمع مقاومته للإحتلال

كل ذلك في أرض ( الأزهر) الذي تحاربه أنكلترا وفي الأرض المجاورة لفلسطين وفي أرض النيل الذي مصر من هباته.

2- نابتات حزبية مصرية ( الوفد والسعديون)، نسبة إلى سعد الدين زغلول أبرز مؤسس لحزب الوفد ثم إنشق عنه من سموا أنفسهم سعديين في خط تصحيحي نسبة إلى مؤسس الحزب

وسمي الوفد لأنهم إرتأوا إرسال وفد إلى لقاء ما لبحث القضية، والدستوريون والوطنيون والأحرار) لئن تفاوتت في تأخرها عن مقاومة المحتل وحكوماته المنصبة التابعة فإنها لا تلبي مطالب الشعب المصري في الهوية والإستمتاع بثروته وتوحيد صفه الوطني فضلا عن كون تلك النابتات الحزبية نابتات علمانية من جهة ومجهولة من الشعب المصري من جهة أخرى فهي أدنى إلى نواد إرستقراطية على طريقة الديمقراطية اليونانية القديمة ( ديمقراطية النبلاء في إستعباد الرقيق).

3- تخلف كبير في قطاعات واسعة من الشعب بسبب إنقسامات مذهبية وفكرية من سلفية وصوفية لم تثمر غير الجهل الديني والتناحر الداخلي بما يهيئ للإحتلال وحكوماته التابعة مناخات ملائمة لتأبيد القهر والنهب والسلب.

4- من الآثار التاريخية المعاصرة كذلك للحالة المصرية: الهجوم العسكري الشهير للقائد الفرنسي نابليون بونابرت على مصر: عام 1798. وثورة أحمد عرابي وتجربة محمد علي إلخ ..

5- على المستوى الإصلاحي كانت مصر يومها تشهد، والعالم الإسلامي من حولها ذهاب ثلة من المصلحين العصاميين الأفذاذ الذين إصطلح على تسميتهم من بعد ذلك: رواد حركة النهضة الإصلاحية المعاصرة أي: محمد عبده والأفغاني اللذين ورثا الإصلاح لرشيد رضا في مجلة المنار وتفسير القرآن ومعالجة إشكالية الغرب والإسلام في ذلك الزمن ثم إستلم الحركة الإمام حسن البنا من المجلة ذاتها التي كانت تعد في تلك الأيام المنبع العلمي الدعوي الأول لمثقفي مصر وما حولها بما تتميز به من تفسير موضوعي معاصر للقرآن الكريم بدأه الإمام عبده وواصله رشيد رضا ثم حسن البنا عليهم الرحمة والرضوان جميعا.

المتغيرات والأوضاع على المستوى العربي والاسلامي:

1- سقوط آخر تجربة من تجارب التاريخ الإسلامي في ضمان السقف السياسي الضامن للوحدة الإسلامية أي الخلافة العثمانية 1924.

وهو أكبر حدث دولي في القرن العشرين ساهم في إثمار بعض إستحقاقات الحرب العالمية الثانية 1945 ونشوء الحرب الباردة وقيام مقاومة فلسطينية على يد الشهيد عز الدين القسام 1936 وإحتلال فلسطين 1948 وتغول الشيوعية في العالم من 1917 حتى 1989 ثم إنفراد أمريكا بالأحادية القطبية إلخ ..

2- إحتلال فلسطين جارة مصر من بعد وضعها تحت الإنتداب البريطاني بأثر من وعد بلفور عام 1917 ومعاهدات سايكس بيكو: هي مرحلة الهجمة الغربية الجامعة ضد الأمة العربية والإسلامية بكلمة واحدة، ليست مجرد إرهاصات بل هي غزوات عسكرية وفكرية وحملات تفكيك وتجزئة وفرض للتبعية ومحو الهوية.

 

المتغيرات والأوضاع على المستوى الدولي:

1- فضلا عما ذكر أعلاه: أزمة 1929 الإقتصادية التي دفعت قوى الهيمنة الغربية إلى الإستيلاء على منابع الذهبين العربيين ( الذهب الأحمر والذهب الأسود).

2 من بعد تخلص أوربا من هيمنة الكنيسة في إثر إنتصار النهضة العلمية والمعرفية على المسيحية التي جاءت من شرقنا إليهم لتمسح روما فما لبثت أن ترومت المسيحية، من بعد ذلك جهزت أروبا نفسها لتصدير ثورتها أو نهضتها بالقوة والحديد.

 

شخصية المؤسس ولمحة مقتضبة عن حياته:

  • هو حسن أحمد عبد الرحمن البنا. ولد في أكتوبر 1906 بقرية المحمودية بمحافظة البحيرة المصرية.

2- نشأ نشأة دينية حيث كان أبوه محدثا، عمل على ترتيب مسند الإمام أحمد وتخريجه وشرحه وذلك عام 1957 كما عمل في كتب أخرى من مثل الموطإ وغيره وله بعض المؤلفات في ذلك.

وهو معروف بالساعاتي لإشتغاله بإصلاح الساعات. ( دقة الساعاتي وتجانسها مع دقة المحدث).

3- إلتحق بدار العلوم بالقاهرة وتخرج منها عام 1927.

متزوج وله أبناء وبنات منهم المرحوم سيف الإسلام المحامي ( رافع علينا في تونس أمام محكمة أمن الدولة في صائفة 1987).

4- عمل معلما بالإسماعيلية من بعد تخرجه مباشرة. هناك بدأ نشاطه الديني التوعوي الوعظي غير التقليدي في المقاهي وتجمعات الناس ثم أسس عام 1928 جماعة الإخوان المسلمين في مسجد وناد بنوه للغرض ذاته.

5- ثم إنتقل إلى القاهرة بين عامي 1932 و1934 وإنتقل المقر الرئيس معه.

6- يتميز بأسلوب خطابي أخاذ وعلم جامع وقدرة عجيبة على سرعة الحركة والنشاط وبعقل وقاد يلتقط دلالة الحدث ويفقه واجب الوقت بدقة.

كما عرف بالتواضع والعبادة وخدمة الناس والحرص على تجميع الكلمة ورص الصف والوفاق الوطني.

كما عرف بذاكرة عجيبة لا بد منها للداعية الناجح تواصلا مع الناس.

7- من مؤلفاته: سلسلة الرسائل + المأثورات + أحاديث الجمعة + مذكرات الدعوة والداعية + بعض من تفسير القرآن الكريم ( الفاتحة مثلا ) ..

لم يكن يجد وقتا للكتابة ولكن كان يكتب في صدور الرجال ويصنعهم كما قال فيه محبه الشهيد سيد قطب ( هو حسن البناء ).

8- إغتالته حكومة إبراهيم عبد الهادي السعدية بقرار إنجليزي في القاهرة في 12 فبراير شباط من عام 1949 بعد مقتل رئيس الوزراء محمود النقراشي الذي قرر حل الجماعة في عام 1948 وإتهمت الجماعة بقتله وهتف المتظاهرون في جنازة النقراشي بأن رأسه برأس البنا.

الهوية الفكرية لجماعة الاخوان المسلمين.

المصادر التالية كفيلة بنحت الهوية الفكرية للجماعة.

أفكار التأسيس.

  • قامت الجماعة كما قال مؤسسها على فكرة قوامها: تحرير الأرض والعرض معا.

2- كما قامت بحسب مؤسسها على فكرة قوامها: إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وثقافية وشركة إقتصادية وفكرة إجتماعية.

 

الأصول العشرون التي بنى عليها المؤسس الجماعة.

1- الإسلام نظام شامل.

  • القرآن والسنة هما المرجع في العقيدة والعبادة والخلق والمعاملة.
  • الإيمان والعبادة هما الأصل أما الرؤى والإلهامات والخواطر فليست أدلة شرعية.
  • التمائم والرقى والودع والكهانة منكرات تجب محاربتها إلا ما كان من وحي صحيح.

5- رأي الإمام أو نائبه فيما لا نص فيه يعمل به ما لم يصطدم بوحي صحيح أو قاعدة شرعية والأصل في العبادات التعبد دون الإلتفات إلى المعاني وفي العاديات القصد.

6- كل أحد يؤخذ منه ويترك وكل سلف مقبول ما لم يصطدم بوحي صحيح.

7- من لم يبلغ درجة النظر في الأدلة فعليه إتباع إمام مع إحسان الإتباع إلى حين إستكمال درجة النظر.

8- الخلاف في الفروع ليس سببا للفرقة في الدين وكل مجتهد مأجور ولا مانع من التحقيق العلمي دون خصومة أو تعصب مذموم.

9- كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها باطل منهي عنه مثل كثرة التفريعات ومعاني الآيات المتشابهات والمفاضلة بين الأصحاب وخلافاتهم .

10- معرفة الله سبحانه لتنزيهه أسمى عقائد الإسلام كما نؤمن بآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة دون تأويل ولا تعطيل ويسعنا قوله سبحانه ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ).

11- كل بدعة لا أصل لها سواء إستحسنها الناس أم لا ضلالة تجب محاربها دون أن يؤدي ذلك إلى ما هو شر منها.

12- البدع الإضافية والتركية خلاف فقهي ولا بأس من التمحيص العلمي بالدليل.

13- محبة الصالحين قربة والأولياء هم ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) والكرامة ثابتة بشرائطها الشرعية مع إعتقاد أنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا حتى لأنفسهم فما بالك لغيرهم.

14- زيارة القبور سنة مشروعة بالكيفية المأثورة والإستعانة بهم كبيرة تجب محاربتها ومثله النذر لهم وإضاءة القبور والحلف بغير الله سبحانه ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة.

15- الدعاء المقرون بالتوسل بأحد من خلقه سبحانه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس عقيدة.

16- العرف الخاطئ لا يغير من حقائق الشريعة شيئا والعبرة بالمسميات لا بالأسماء.

17- العقيدة أساس العمل وعمل القلب أولى من عمل الجارحة مع طلب الكمال فيهما قدر الإمكان.

18- الإسلام يحرر العقل.

19- النظرتان “الشرع والعقل” قد تختلف حقولهما ولكنهما لا يصطدمان في القطعي ليؤول الظني فيوافق القطعي.

20- لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو بمعصية إلا إن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله وجوه العربية أو عمل عملا لا يحتمل تأويله غير الكفر.

 

 

أركان الهوية الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين .

1- حركة إسلامية سلفية وسطية معتدلة جامعة.

2- عمدتها التربية وهدفها تحرير الإنسان من جشع نفسه ومن المؤثرات الخارجية ومن الإحتلال، ليتأهل لخلافة الله سبحانه وعمارة أرضه بالخير والعدل.

3- أركان يمكن حصرها في مقولة أخرى جامعة: الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن شرعتنا والجهاد سبيلنا والشهادة أمنيتنا .

 

منهاج الإصلاح والتغيير عند جماعة الإخوان المسلمين:

سنتعرض باختصار وتركيز لأهم ما ثبتته الوثائق الأصلية (03)عن منهاج الإصلاح والتغيير وهي:

1 البعد عن مواطن الخلاف.

2 البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان.

3 البعد عن الأحزاب والهيئات.

4 العناية بالتكوين والتدرج في الخطوات على أساس من: إيمان عميق وفهم دقيق وعمل متواصل.

5 إيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات.

6 تقديم الشباب.

7 عالمية الدعوة.

8 البدء بإصلاح النفس إصلاحا جامعا.

9 تكوين البيت المسلم.

10 إرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه ومحاربة الرذائل والمنكرات.

11 تحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي سياسي أو إقتصادي أو روحي.

12 إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق.

13 إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية بتحرير أوطانها وإحياء مجدها.

14 أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

15 تقسيم الإستراتيجية العامة الطويلة إلى مراحل: التعريف والتكوين والتنفيذ.

16 إنتاج أركان لبيعة داخلية على العمل وليست البعية الشرعية المعروفة للحاكم قوامها: الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والثبات والتجرد والأخوة والثقة.

17 الموقف من إستخدام القوة.

تبني قوة العقيدة أولا ثم قوة الخلق والقوة البدنية وقوة العبادة وقوة المجتمع وقوة العلم ولا تستخدم القوة المادية للتغيير والإصلاح إلا في مكانها المناسب وبحجمها المناسب.

 

أما ما ثبتته الوقائع والأحداث فنذكر ما يلي:

1- صبر جميل على ألوان من التعذيب وصنوف من الإستئصال والنكايات لا نظير لها في التاريخ العربي الحديث على إمتداد سنوات جمر حامية طويلة من يوم إغتيال المرشد العام عام 1948 حتى اليوم حيث لم يدفعهم التعذيبل والسجن والتنكيل بهم لحمل السلاح في وجه نظام السيسي .

2- عمل علني بالكلية تقريبا من أسماء القيادات والمؤتمرات التي بلغ عددها 6 مؤتمرات عامة ( كان آخرها عام إغتيال المؤسس 1949 ).

والمخيمات السنوية وقوافل النظام الكشفي الذي تبنته الجماعة بالكامل فضلا عن نشر الدعوة في المقاهي والأماكن العامة.

3- مشاركة في العمل السياسي والإتصال بالحكومات والترشح لمناصب سياسية من مثل ترشح المرشد العام المؤسس عام 1942 للإنتخابات النيابية عن الإسماعيلية قبل إحجامه عن ذلك تحت إكراهات الإنجليز وحكوماته التابعة وتحالفات أخرى كثيرة سياسية وإنتخابية مع الوفد وغيره على مراحل طويلة من تاريخ مصر الحديث.

4- مباشرة العمل الإعلامي منذ أول يوم بجريدة تحمل إسم الجماعة

5- إغتنام مواسم الحج لنشر الدعوة وكذا المؤتمرات العربية الرسمية.

6- تبني الدعوة إلى تأسيس الجامعة الإسلامية التي تحولت من بعد ذلك إلى جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.( كانت الدعوة يومها إلى الجامعة الإسلامية ).

7- مشاركة في المظاهرات المقاومة للإحتلال الإنجليزي في مصر والمقاومة للإحتلال الصهيوني في فلسطين وجمع الأموال لفائدة الفلسطينيين المحتلين.

8- مراسلات كثيرة مع الحكومة إبداء للرأي وتوجيها ونصحا.

9- مفاوضات لبحث سبل المشاركة في بعض الحكومات من مثل حكومة صدقي باشا مثلا عام 1946. فضلا عن إتصال وثيق بين المرحوم التلمساني والسادات.

10- المشاركة في الإنتخابات المهنية والقطاعية والتأثير فيها ( الأطباء والمحامين وغيرهم) والإنتخابات العامة التي فازت فيها الجماعة عام 2005 ب88 مقعدا بعد كل ضروب التزييف والمنع.

11- الحوار مع الدوائر الأجنبية التي تريد معرفة مواقف الجماعة من مختلف القضايا.

12- المشاركة في الانتخابات النيابية والوصول الى رئاسة الجمهورية ومجلسي النواب والشعب ولكن تم الانقلاب عليهم سنة 2012.

 

أركان المنهاج الإصلاحي عند الاخوان:

1 حركة سلمية مدنية أهلية ديمقراطية.

2 حركة دعوية عامة وإسلامية سياسية جامعة.

3 حركة تعتمد التربية والتكوين والتأهيل من الفرد حتى الحكومة مرورا بالأسرة.

4 حركة عالمية تعمل على التحرير والوحدة العربية والتضامن الإسلامي.

5 حركة إصلاحية لا إنقلابية.

6 حركة تجديدية إجتهادية معتدلة بين محكمات الأصل ومقتضيات العصر.

7 حركة توفيقية تجمع الناس المختلفين.

8 حركة مستقلة تؤمن بالوطنية والعروبة دوائر ولاء ضمن دائرة الولاء الإسلامي العظمى.

9 حركة عملية ميدانية.

 

مختلف الأطوار التاريخية التي مرت بها الجماعة.

الطور الأول ( 1928 – 1934): طور التأسيس.

تميز هذا الطور بتلمس طريق الدعوة من لدن رجل عصامي جمعت شخصيته أكثر عناصر القيادة والريادة والمبادرة فكان يبث الوعي بالإسلام وبتحديات المرحلة بين الناس في المقاهي ثم أسس مع بعض إخوانه مسجدا وناد ليكون أول مقر للجماعة.

تميزت المرحلة بالهدوء لطبيعة الإسماعيلية في تلك الأيام مقارنة مع العاصمة القاهرة وبسبب أن الدعوة الدينية في تلك الأيام لا يرقب منها بث وعي سياسي أو فقه معاصر.

 

 

الطور الثاني ( 1934 – 1942 ): طور الإمتداد الشعبي.

ولكن بمجرد إنتقال المؤسس ومقر الجماعة إلى القاهرة عام 1934 حتى تغيرت الأحوال بدرجة كبيرة جدا.

القاهرة هي مقر الدمى المصرية التي يحركها الإحتلال الإنجليزي وهي عاصمة أكبر دولة عربية من نواح كثيرة مهمة جغرافيا وعمرانيا وتاريخيا، تتاخم الإنتداب البريطاني على فلسطين ولن تكون أي محاولة لتحويل الإنتداب إلى إحتلال مفروشة بالورود بسبب إنتقال الدعوة إلى القاهرة.

بعد عامين فحسب إشتعلت مقاومة الشهيد القسام في فلسطين أي عام 1936 كما كانت الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارا تستعد لأخذها حرب عالمية ثانية وعوامل دولية وعربية أخرى كثيرة ذات دلالات كبيرة ( سقوط الخلافة والثأر الحضاري المرتقب إلخ ..).

تولى الملك فاروق الحكم يومها وهو شاب عام 1938.

 

الطور الثالث ( 1942 – 1949 ): طور التأثير السياسي وبداية المحن.

يمكن القول أن إندياح الجماعة في أكثر المناطق المصرية كان بداية من عام 1942 أي 6 سنوات من بعد الإنتقال إلى القاهرة وكان معلوما أن المؤسس لم يكد يدع منطقة مصرية واحدة لم يزرها مهما كانت صغيرة أو نائية حيث إنتشرت شعب الإخوان إنتشارا عجيبا.

سعيا من الإحتلال الإنجليزي ودماه المصرية لحما ودما إلى تمديد أنفاسه نظمت إنتخابات عامة عام 1942 وقررت الجماعة خوضها

ومن المرشحين مؤسسها عن الإسماعيلية وهو أمر أثار رعب الإنجليز وبعد مفاوضات عسيرة جدا تنازل الرجل عن الترشح ولم تكن بعض المواقف الحزبية المصرية مرتاحة لترشح رجل معروف من مثل الإمام البنا.

كان الصراع الحزبي في تلك الأيام واضحا في أكثر من مستوى بين الإنتماء الوفدي ( المرحوم الشيخ الشعراوي مثلا) وبين الإنتماء الإخواني ( كما يروي ذلك الإمام القرضاوي في مذكراته).

تميز هذا الطور بالظهور السياسي القوي للجماعة: جماعة سياسية تحاور الحكومة وتراسلها وتلتقيها وتشارك في الإنتخابات وتنافس على البرلمان من جهة .. وجماعة مقاومة مقاومة فعلية على أرض فلسطين إنطلاقا من أرض محتلة أيضا أي مصر من جهة أخرى.

فضلا عن إنتخابات عام 1942 كانت هناك مفاوضات مع الجماعة للمشاركة في حكومة صدقي باشا عام 1946.

كل ذلك حدد هوية الجماعة حيال أبنائها والشعب المصري من جهة وحيال الحكومة والمحتل الإنجليزي والقوى الدولة المنتفذة من جهة أخرى.

فكان لا بد من مقاومة الجماعة لإقترابها من الخط الأحمر المعروف دوليا.

وكانت ضربة البداية بحل الجماعة من لدن رئيس الوزراء النقراشي باشا عام 1948 وتحديدا في الثامن من نوفمبر منه ( 8 نوفمبر 1948) وبعد ثلاثة أشهر بالتحديد سيغتال المؤسس ( 12 فبراير 1949).

وفي ديسمبر من العام ذاته إغتيل النقراشي وإتهم الإخوان بقتله.

 

الطور الرابع ( 1949 – 1954 ): طور التحول المصري وآثاره على الجماعة.

بدأ هذا الطور بإغتيال المرشد في 12 فبراير شباط من عام 1949. وبعد 3 سنوات فحسب كانت ثورة 23 يوليو تموز 1952 بزعامة محمد نجيب بمؤازرة من الإخوان الذين لم يشتركوا في حكومة الثورة مما أثار حفيظة جمال عبد الناصر الذي إنقلب على محمد نجيب ووضعه في الإقامة الجبرية حتى مات عبد الناصر نفسه وبدأت مرحلة الإستئصال الكلي من لدن عبد الناصر ضد الإخوان ملفقا ضدهم ما عرف بحادثة المنشية التي زعم أنهم كانوا يخططون لإغتياله فيها بالإسكندرية.

 

الطور الخامس ( 1954 – 1966 ): طور المحنة الأولى ونشوء إرهاصات جديدة.

بدأ هذا الطور بإعدام ستة من قيادات الإخوان وهم: عبد القادر عودة الفقيه القانوني والدستوري المعروف ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وهنداوي دوير وإبراهيم الطيب ومحمود عبد اللطيف.

ثم تلاحقت حملات الإستئصال بكل قسوة ووحشية بمثل ما ورد في مذكرات المساجين الناجين من سليمان طرة والسجن الحربي وغيرهما.

ومنها حملة أخرى أشد شراسة في عامي 1965 و 1966 وكان أبرز المعتقلين والشهداء المفكر المعروف سيد قطب الذي إعتقل أول مرة عام 1954 وقضى 10 سنوات في السجن ثم أفرج عنه بتدخل من الرئيس العراقي عبد السلام عارف ثم أعيد إلى السجن وأعدم في 28 أغسطس 1966.

كانت الناصرية في تلك الأيام رمز التحدي العربي والصمود والإباء في مواجهة العدو الصهيوني سيما في ظل التوازن الدولي ( الإتحاد السوفياتي وأمريكا).

كانت الناصرية في تلك الأيام منارة الثورات العربية ووقود الحراك العربي الثوري ومثابة الإنقلابات في العالم العربي من أحمد بن بلة في الجزائر عام 1962 بل حتى المنقلب عليه هواري بومدين حتى القذافي في ليبيا عام 1969.

ناصرية عابرة للقارة العربية ولها أصداؤها في العراق كذلك.

كانت الناصرية في تلك الأيام رمز الوحدة والقومية والهوية ومقاومة الإحتلال وليس العرب يومها سوى رجلين:

إما رجل مع عبد الناصر يوالي من يوالي ويعادي من يعادي أو رجل رجعي لا يوالي عبد الناصر.

وكان الخلاف بين بورقيبة وعبد الناصرمعروفا وله آثاره في تونس.

كان كل ذلك كفيلا وكافيا بغض البصر عن إنتهاك الحرمات البدنية ضد الإخوان حتى جاءت نكبة 1967 التي كفكفت من المد الناصري وطرحت بعض الأسئلة على نبي العرب الجديد وبعدها بثلاث سنوات فحسب رحل النبي.

كانت القومية العربية في تلك الأيام هي دين المثقف العربي وهي قومية روحها الإشتراكية الشيوعية المنتصرة في تلك الأيام أما جسمها فهو الإسلام الذي كان قابلا لأن تسكنه كل روح إلا الروح الإسلامية الصافية.

كما عرفت هذه المرحلة وما تلاها من مراحل نشوء تحالفات حزبية في مرات كثيرة سيما مع الوفد في المناسبات الإنتخابية إذ لم تتخلف الجماعة عن الإهتمام السياسي والمساهمة في رفع مناسيب الحريات قدر الإمكان تحالفا مع الشريك المناسب بالرغم من إستهدافها بحملات إستئصالية ضارية.

 

الطور السادس ( 1966 – 1973): طور إرتخاء القبضة الناصرية وظهور جديد.

ستشهد هذه المرحلة رحيل المسؤول عن محاولات إستئصال الجماعة بالحديد والنار وظهور خليفة له سمي يومها بالرئيس المؤمن ( محمد أنور السادات الذي تولى السلطة من بعد موت جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر من عام 1970). بادر الرئيس الجديد بإطلاق سراح الإخوان وشهدت المرحلة إلتئام شمل الجماعة أو من بقي منها حيا وبداية العمل الذي بدأه مؤسس الجماعة قبل عقود.

عرفت الجماعة للرجل عمله وعادت على جراحاتها الثخينة لعقا.

فعلت الجماعة منابرها الإعلامية التي نقلت صوتها ودعوتها إلى العالم العربي كله تقريبا إذ لم تكن تلك الأيام تشهد تضييقا كبيرا على الحريات الإعلامية بمثل ما نشهده اليوم لولا إندياح ثورة الإتصالات.

 

الطور السابع ( 1973 – 1981 ): طور إستثمار المحنة وإستئناف البناء.

إستغلت الجماعة مرحلة المصالحة مع السلطة وإنكفأت على نفسها تجديدا وتفعيلا وإنتشارا في مناطق عربية أخرى خارج مصر فضلا عن الكتاب الإسلامي الذي يعد الإخوان من أبرز فرسانه.

ظهرت الكتابات التي توثق الوحشية الناصرية ضد الإخوان في السجون وإنداحت شرقا وغربا بما جلب للجماعة ضربا من التعاطف في غياب حل إسلامي قومي أو وطني ينافس الحلول الإشتراكية أو الرأسمالية التي كانت تطحن المواطن العربي والمسلم.

كما أثمر بالتوازي مع ذلك فكر الشهيد سيد قطب – حتى لو لم يكن هو يقصد ذلك ظهور تفكير – جديد في الساحة الإسلامية..

تفكير نشأ من بين سياط الجلادين في زنزانات الموت المصرية.

تفكير كان يريد أن يبلغ رسالة فحواها: الصبر الإخواني على التنكيل والتعذيب والتشفي ليس حلا مقبولا.

أثمر ذلك نشوء جماعات أخرى من مثل الهجرة والتكفير وما يمكن أن يكون بالجملة والخلاصة المادة الخام أو خميرة الحركات الجهادية المعاصرة.

ثم كان إغتيال السادات المنظم في أثناء إستعراضه لفعاليات الجيش المصري فيما عرف بحادث المنصة في أكتوبر من عام 1981.

ساهم ذلك في تكريس مقولة هي: أفرج الرئيس المؤمن السادات عن الإخوان ليبرز من عباءتهم من يغتاله من بعد عشر سنوات فحسب من إخراجهم من السجون.

لم تكن مقولة ساذجة بل كانت مقولة ذكية.

ذكية في دلالاتها السياسية حتى لو قصد منها بعضهم الخلط الشنيع بين منهاجين في التغيير والإصلاح.

 

الطور الثامن ( 1981 2005 ): طور الهدوء ولعق الجراح ومواصلة البناء.

لم تكن فترة العسل بين الجماعة والسلطة طويلة رغم أنها كفيلة بإسترجاع الجماعة لأنفاسها وإلتقاط ما بدده عبد الناصر في السجون وخارج السجون.

وبإغتيال السادات تولى الحكم محمد حسني مبارك ليكون وليدا شرعيا لجمال عبد الناصر في عداوته للحريات وللحل الإسلامي وللإخوان بالتحديد ولكن في ثوب جديد فرضته التوازنات المستحقة من بعد زوال الدب الروسي الذي كان يحمي حركات التحرر العربية وغير العربية ومنها بعض دول ما سمي يومها بعدم الإنحياز.

كانت في تلك الأيام الإدارة الأمريكية أشد إنتباها لما يجري فيما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط حفاظا على أمن إسرائيل وكانت إستراتيجية الثعلب الأمريكي ( وزير الخارجية الذي وضع الإستراتيجية الخارجية الأمريكية لعقود طويلة هنري كسينجر) تقوم على أن حماية إسرائيل تمر حتما عبر التحكم في النبض المصري فكانت الإدارة المصرية في عهد المخلوع مبارك شرطي أمريكا لحماية أمن إسرائيل.

لم ينس أحد منهم أن دعوة المؤسس القديمة إنما تقوم على مقاومة الإحتلال وأنه قام فعلا بالمقاومة على أرض المعركة التي أعد لها الجهاز الخاص.

لم يشفع للجماعة ملازمتها الهدوء من بعد مجيء مبارك. سيما أنها قطعت على درب لعق الجراحات والبناء الداخلي أشواطا مهمة وأنها برزت مجددا قوة سياسية تنازع في النقابات المهنية عن جدارة وتفوز بأغلب المقاعد ( الأطباء والمحامين وغيرهم).

فظلت الغائب الحاضر دوما في السياسة المصرية والسياسة الدولية.

 

الطور التاسع ( 2005 – 2011): طور إستئناف الظهور السياسي والتأثير الإعلامي والمساهمة في ثورة فبراير 2011.

أهم حدث في المرحلة هو إقتحام الجماعة لإنتخابات برلمان 2005 التي فازت فيها بأكبر كتلة نيابية أي 88 مقعد لأول مرة في حياتها وحياة البرلمان المصري بالرغم من صنوف من التعتيم والتلجيم والتهميش والخنق والتزييف غير مسبوقة.

 

برزت الجماعة تقريبا لأول مرة قوة سياسية كبرى في مصر ولفتت إليها إهتمام الناس خارج مصر وإنتباه الدوائر النافذة في العام.

كان كل شيء في مصر وتونس والبلدان العربية التي تشهد ثورات طاحنة في هذه الأيام .. كان كل شيء يوحي بأن الحكومات المتهرمة في حالة سقوط مريع بالرغم من تلبسها بالجند والسلاح وأدوات القمع غير المسبوقة .. كان شيئ ما يغلي تحت السطح وفي العمق ولكن لم يتنبأ بتاريخ إندلاعه أحد لا من دوائر العداء ولا من دوائر الصداقة..

ثم كان الإخوان حاضرين في ميدان التحرير في أثناء ثورة فبراير 2011 .. كانوا حاضرين بقوة بسبب كثرة عددهم .. وقدراتهم الكبيرة على التنظيم والإدارة وغير ذلك.

اليوم كغيرهم من الحركات الإسلامية يبدو أنهم المستفيد الأكبر من الثورة المصرية.

 

الطور العاشر ( 2011 – 2012): طور العمل الحزبي ( الحرية والعدالة ).

هذا طور جديد بالكامل على الجماعة أي إنفصال الحزب السياسي عن الجسم الأم للحركة والجماعة.

هي تجربة اوصلت الجماعة الى موقع رئاسة الجمهورية بعد انتخابات رئاسية نزيهة تمت على دورين استطاع فيها الاخوان عن طريق حزب الحرية والعدالة من الحصول على الرتبة الاولى في كل الاستحقاقات البرلمانية والرئاسية وصار الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر وتم الانقلاب عليه من طرف الجيش المصري

وعادت قيادات الاخوان الى السجون والمعتقلات والمحاكمات والنفي الى الخارج ولكنهم اعتصموا بسلمية المنهج فلم يرفعوا السلاح في وجه الجيش المصري ومايزالوا صابرين في مسيرات يومية اعطت درسا سياسيا كبيرا في الدفاع عن الشرعية والنضال من اجل الحريات وكسر قوة الانقلاب بالسلم والاستمرار والاصرار .

 

سياسات الإخوان المسلمين:

السياسات هي المبادئ الحاكمة للعمل وما يرتبط بها من قواعد، لتترجم المنطلقات والتوجيهات إلى صيغ مرشدة لتوجيه مسيرة الحركة نحو الأهداف المعتمدة.

وتأتي قيمة السياسات من كونها معايير يقاس بها معدلات التنفيذ والإنجاز، كما أنها دليل لمتخذ القرار تبصره بالأولويات والأهداف المنشودة والموارد والمخصصات المتاحة والمتطلبات التي يجب توفيرها.

كما تعتبر السياسة مرشداً للتفكير والتقدير، وموجهة للسلوك، وهادفة للاتصال ومنهاجاً للعمل، ووسيلة لتحديد الإجراءات اللازمة لتحقيق الأهداف الموضوعة والمحددة.

 

إن المتتبع لكلام الأستاذ البنا حول سياسات الدعوة، يجد أنه قد تناولها في أكثر من رسالة وتحت عناوين مختلفة، ولقد اختارها بعد دراسة موضوعية للواقع الذي كان يعيشه في حينه.

ولهذا فقد جاءت هذه السياسات منسجمة مع اختياراته لمشروع النهضة الذي تقدم به للأمة.

وهذا ما ذكره –رحمه الله- معبراً عن بواعثه قائلاً:

“لعل من صنع الله لدعوة الإخوان أن تنبت في الإسماعيلية، وأن يكون ذلك على أثر خلاف فقهي بين الأهلين وانقسام دام سنوات حول بعض النقاط الفرعية التي أذكى نار الفرقة فيها ذوو المطامع والأغراض، وأن تصادف نشأتها عهد الصراع القوي العنيف بين الأجنبي المتعصب والوطني المجاهد، فكان من أثر هذه الظروف أن تميزت هذه الدعوة بخصائص خالفت فيها كثيراً من الدعوات التي عاصرتها” (04)(رسالة المؤتمر الخامس).

لذلك جاء اجتهاد البنا منسجماً مع هذا الواقع كما سنرى من خلال السياسات العامة التي وضعها لحركته آنذاك.

وعلى أساس الواقع الذي عاشه الأستاذ البنا كان اجتهاده بالنسبة للسياسات العامة للدعوة، والمتمثلة وفقاً له فيما يلي:

1-البعد عن مواطن الخلاف الفقهي.

2-البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان.

3-البعد عن الهيئات والأحزاب عند البدايات.

4-التدرج في الخطوات واعتماد المرحلية.

5-إيثار الناحية العملية على الدعائية والإعلانية.

6-التركيز على الشباب لأنهم سر نهضة الأمم.

7-الاهتمام بالقرى والمدن على حد سواء.

8-التوازن بين العقل والعاطفة، وبين الواقع والخيال.

9-عدم المغامرة والمقامرة وتوفير الجهود للعمل النافع والإيجابي.

10-عدم تجريح الهيئات والأشخاص (الابتعاد عن الهجوم الشخصي).

11-عدم الانجرار إلى معارك جانبية سواء أكانت شرعية أو حزبية.

12-الالتزام بدستور الوحدة الثقافية (الأصول العشرين).

ومن المفيد أن نلقي بعض الضوء على هذه المعاني الهامة من كلام الأستاذ البنا نفسه بإيجاز(05):

1- البعد عن مواطن الخلاف الفقهي.

أ- الخلاف في الفرعيات أمر ضروري وواقعي.

ب- العيب في التعصب والحجر على العقول والآراء.

2- البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان.

أ- لسد الذرائع، خوف ظنون الناس، (سد الذرائع).

ب- حتى لا يطمس لون الدعوة الصافي، (التميز).

ج- حتى لا يحاول أحد الاستغلال أو التوجيه، (الاستقلال).

3- البعد عن الهيئات والأحزاب عند البدايات.

أ- الابتعاد في فترة البداية وفي حالة الضعف.

ب- التنافر والتناحر لا يتفق مع أخوة الإسلام.

ج- الأولى التجنب والصبر على الحرمان.

د- محاورتهم عند اشتداد الساعد وصلابة العود.

4- التدرج في الخطوات واعتماد المرحلية.

أ- عموم الدعاية.

ب- كثرة الأنصار.

ج- متانة التكوين.

5- إيثار الناحية العملية على الدعائية والإعلانية.

أ- مخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء.

ب- الموازنة بين هذه النظرة وبين ما ورد في إذاعة الخير.

ج- نفور الإخوان من اعتماد الناس على الدعايات الكاذبة والتهريج.

د- خشية الإخوان من معاجلة الدعوة بخصومة حادة أو صداقة ضارة.

6-التركيز على الشباب لأنهم سر نهضة الأمم.

أ- الشباب هم أخصب المنابت للدعوات.

ب- المثابرة ومضاعفة الجهود لتأييد الشباب ومناصرته وعمله لدعوة الإخوان.

7- التوازن بين العقل والعاطفة، وبين الواقع والخيال.

أ- التوازن بين العقل والعاطفة.

ب- التوازن بين الواقع والخيال.

ج- الانسجام مع نواميس الكون.

د- المغالبة والاستخدام والتحويل والاستعانة بالسنن الإلهية.

ه- ترقب ساعة النصر.

هذه هي الخطوط الرئيسة للسياسات العامة التي وضعها الأستاذ البنا لحركة الإخوانن والدعوة لمبادئها، تنفيذاً لمشروع النهضة وإقامة الدولة النموذج.

الإخوان المسلمون

وفكرة الجهاد واستخدام القوة

الحديث عن استخدام القوة وموضوع الجهاد مهم وشائك في الوقت نفسه،

أما أهميته فتنبع من كونه الفريضة اللازمة الجازمة الماضية إلى يوم القيامة، فرضه الله تعالى على كل مسلم، ورغّب فيه أعظم ترغيب، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء، وتوعّد المخَلفين القاعدين بأفظع العقوبات.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من النفاق).

وأما صعوبة الحديث عن الجهاد، فتكمن في الهجوم السافر الذي شنه المستشرقون والمستغربون، القدامى منهم والمحدثون على الجهاد، وعلى فكرته وأهدافه، فالإسلام في رأيهم انتشر بالسيف، وأنه شريعة العدوان، وتفننوا في رسم صورة للمجاهد المسلم كلها رعب وفزع، فهو في رأيهم إنسان متوحش سلّ سيفه وتطاير الشرر من عينيه، وانحصر كل تفكيره في القتل والنهب، فبمجرد أن يرى غير مسلم، ينقض عليه، ويمسك بخناقه، فإما أن يقول: لا إله إلا الله، فينجو، وإما أن يضرب عنقه .

لقد تفنن الإعلام المعادي في إبراز كلمة [الجهاد]، ووضعها في إطار مقزز منفر ليصرف المسلمين عنها أولا، وليشوه صورة المسلمين وتاريخهم وأفكارهم عند الأمم الأخرى من ناحية ثانية.

هذا عن فكرة الجهاد التي شوهت لدى الرأي العام،

 

أما عن كيف ينظر الإخوان المسلمون إلى فكرة الجهاد وماهي صلة فهمهم بمفهوم الجماعات الإسلامية المسلحة التي تتخذ من الجهاد سبيلا إلى التغيير والإصلاح سواء تعلق الأمر بالجهاد ضد الاحتلال والاستعمار وهو مصدر اتفاق وانسجام فكري بين كل المسلمين سواء كانوا في جماعات إسلامية أم غير ذلك، والجهاد ضد الأنظمة التي لا تحكم بما انزل الله وهو مصدر ومحور الاختلاف والتباعد بين الجماعات الإسلامية ومنها جماعة الإخوان المسلمين.

وعود على بدأ حري بنا أن نحتكم في هذا الموضوع إلى ما جاء في رسائل الإمام حسن البنا منظر الجماعة الأول ومرجعيتها الفكرية بدون منازع.

بعض الناس يرى أن الجهاد هو القتال وحسب، ولكن الإمام البنا رحمه الله تعالى يرى مراتب أوسع للجهاد، فمن الجهاد حسب الإسلام في فهم الإمام البنا، التطلع إلى المجد والرقي والتنمية.

ومن الجهاد التفكير الجدي في علاج الهموم والمشكلات والتحديات،

ومن الجهاد أن يضحي الناس بالوقت والمال وبعض مطالب النفس،

ومن الجهاد في سبيل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ينصح الإنسان للمسؤولين.

ومن الجهاد في سبيل الله أن يكون الإنسان جندياً لله تعالى، وكذلك العمل على إقامة ميزان العدل، وإنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم لأننا نؤمن بأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو إمام جائر، وإن لم يوفق الإنسان إلى أي من ذلك كله، فعليه أن يحب المجاهدين وهذا من الجهاد العظيم كذلك.

يقول الإمام البنا في رسالة: “هل نحن قوم عمليون” وهو يخاطب الإخوان في أحد المؤتمرات:

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب:

أن يحملك هذا الهم الدائم على التفكير الجدي في طريق النجاح وتلمس سبيل الخلاص وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل وتتلمس فيها أوجه الحيل، لعلك تجد لأمتك منفذًا أو تصادف منقذاً، ونية المرء خير من عمله. والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب:

أن تنزل عن بعض وقتك وبعض مالك وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام وبني المسلمين. فإن كنت قائداً ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعاً ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كل خير، وكلا وعد الله الحسنى .

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب:

أن تأمر بالمعروف وأن تنهي عن المنكر، وأن تنصح لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، وما أهملوا التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر إلا خذلوا .

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب:

أن تكون جندياً لله تقف له نفسك ومالك لا تبقي على ذلك من شيء. فإذا هدد مجد الإسلام وديست كرامة الإسلام، ودوي نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام كنت أول مجيب للنداء وأول متقدم للجهاد .

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب:

أن تعمل على إقامة ميزان العدل وإصلاح شؤون الخلق وإنصاف المظلوم والضرب علي يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه. وفي الحديث (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).

ومن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله: أن تحب المجاهدين من كل قلبك وتنصح لهم بمحض رأيك، وقد كتب الله لك بذلك الأجر وأخلاك من التبعة .

وبعد فهذه بعض مراتب الجهاد في الإسلام ودرجاته، فأين الإخوان المسلمون من هذه الدرجات؟

انتهى كلام الإمام البنا .

 

استخدام القوة والثورة

تحت هذا العنوان تكلم الأستاذ البنا في المؤتمر الخامس فقال:

يتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمون أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟

وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟

ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني انتهز هذه الفرصة فأكشف اللئام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء. فليسمع من يشاء.

أما القوة: فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف”، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه ويناجي به ربَّه “اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”

ألا ترى في هذه الأدعية أن قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف.. ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف المال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر.

فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قوياً في كل شيء شعاره القوة في كل شيء؟

فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء، ولابد أن يعملوا في قوة.

ولكن الإخوان المسلمون أعمق فكراً وأبعد نظراً من أن يستهويهم سطحية الأعمال والفكر فلا يغوصوا إلى أعماقها ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها، فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك: قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما: قوة الساعد والسلاح.

ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فيكون مصيرها الفناء والهلاك.

هذه نظرة، ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام – والقوة شعاره – باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟

أم حدد لذلك حدوداً واشترط شروطاً ووجه القوة توجيها محدوداً؟

ونظرة ثالثة – هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء بالكيّ؟

وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟ أو من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟

هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه.

والثورة.. أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر جرّب حظه في الثورات فلم يجن منها إلا وزر ما تعلمون.

وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين:

إن الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا، وينتظرون بعد ذلك ثم يُقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمون ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح. وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال.

 

لقد حدد الأستاذ البنا في السطور السابقة طبيعة الجهاد وظروف الإعداد وقواعد وشروط استخدام القوة.

فهو رحمه الله يقر المبدأ مستنداً إلى الكتاب والسنة، ثم يضع ضوابط استخدامه فيما يلي:

أ-الإسلام ومبدأ الإعداد:

يقول الله عز وجل: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم) [الأنفال: 60]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف).

 

ب-متى تكون الجاهزية:

وهنا يحذر الأستاذ البنا من اللجوء إلى القوة.. قبل توافر شروطه، فيقول:

“أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح. ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً، وإنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال، مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك” (رسالة المؤتمر الخامس).

 

ج-القواعد والشروط:

ثم أشار بعد ذلك إلى شروط استخدام القوة إذ يقول:

ولكن الإخوان أعمق فكراً وأبعد نظراً من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا إلى أعماقها ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها” …

“وهل أوصى الإسلام – والقوة شعاره-باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟

أم حدد لذلك حدوداً واشترط شروطاً ووجه القوة توجيهاً محدداً؟ وهل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي؟

وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟”

(رسالة المؤتمر الخامس).

الإخوان المسلمون والعنف

بعد أن استطاع الإخوان المسلمون في مصر الوصول إلى الحكم من خلال النضال السياسي الدستوري الذي أفنوا حياتهم فيه ولم تصل أيديهم يوما إلى استخدام العنف على طول مسيرتهم التاريخية البيضاء، يعود البعض عبثا إلى السعي لاتهامهم بالعنف والإرهاب لمحاولة إلصاق ذلك بهم رغبة من بعض الفاعلين الإعلاميين والسياسيين في تضليل الرأي العام، وبالرغم مما صدر عن الجماعة من بيانات وتصريحات ومواثيق تدين العنف وتتمسك بسلمية التغيير والإصلاح الذي تؤمن به الجماعة وتعده ثابتا من ثوابتها..

القاصي والداني يشهد أن الانقلاب الأخير في مصر على الشرعية الدستورية كان غير قانوني وغير ديمقراطي وغير شرعي دستوري إلا أن بعض الأوساط ومنها الولايات المتحدة الأمريكية عرابة الديمقراطية في العالم ماتزال إلى اليوم تأخذ وقتها حتى تتمكن من توصيف ما حدث في مصر، وتتجنب إصدار المواقف رغبة منها في توفير هامش من الحرية لتمرير وصف الإرهاب والعنف بتيار واسع في مصر يقف اليوم في الميادين منددا بما حدث ..

وهذا لعمرى كما يقول الشيخ الدكتور القرضاوي من الاعتساف والتحريف، والظلم المبين الذى لا يخفى على دارس منصف

فالإخوان – من الناحية النظرية – لم يجيزوا استخدام القوة المادية إلا فى مجالات معينة، وبشروط واضحة، بينها الإمام البنا فى رسائله بوضوح كما فى رسالة المؤتمر الخامس وغيرها .

ومن هذه المجالات: مقاومة الاحتلال الإنجليزي لمصر والاحتلال الصهيوني فى فلسطين .

وقد اشترك الإخوان بالفعل فى قتال الصهاينة سنة 1948م فى حرب فلسطين وكان لكتائبهم دور مشهور، وبطولات قارعة رائعة وشهداء أطهار أبرار شهد لهم بها رجال كبار من قادة الجيش المصري وإن كان جزاؤهم بعد ذلك أنهم أخذوا من الميدان إلى المعتقلات .

كما كان لهم دور معروف غير منكور فى معارك القناة، حيث شارك شبابهم فى الجامعات والأزهر وغيرها، وكان لهم شهداء معروفون.

وكان لاستخدام العنف فى غير الميدان دور محدود قصد به ضرب المصالح الصهيونية والبريطانية ردا على المجازر الهائلة التي وقعت في فلسطين على أيدي العصابات المسلحة التي استباحت كل المحرمات .

فما عرف عن الإخوان أنهم قتلوا سائحا أو اعتدوا على قبطي، أو قتلوا امرأة أو طفلا صغيرا، أو شيخا كبيرا كما شاهدنا ما يفعله هؤلاء الوحوش الذين يذبحون الناس بأبشع الآلات وأشنع صور القتل ولا يتورعون عن قتل النساء والولدان والزراع والرهبان، ممن لا ناقة لهم فى حرب ولا جمل، لا نعجة ولا حمل!

فمن غير المقبول والمعقول: أن يلحق الإخوان بهؤلاء المفترسين.

وهناك حوادث معروفة من أعمال العنف منسوبة إلى الإخوان لها ظروفها وملابساتها:

ومن العدل أن توضح فى إطارها الزمنى فقد كان الاغتيال السياسي معروفا عند الوطنيين منذ اغتيال بطرس باشا غالى، وأمين عثمان وغيرهما وكان الرئيس السادات ممن أتهم فى مقتل أمين عثمان .

فمن ذلك: حادثة قتل القاضي الخازندار فى ظروف معروفة زينت لبعض الشباب المتحمس أن يقتلوا هذا القاضي، ولم يكن ذلك بأمر الأستاذ البنا ولا بإذنه أو علمه وقد استنكر وقوع هذا الحدث ومن الإنصاف أن يوضع الحدث في ظرفه الزمني، مقرونا بالباعث عليه، حتى لا يأخذ من حجمه، ولم يتكرر هذا من الإخوان قط ولم يفكروا فى أخذ ثأرهم حتى من القضاة العسكريين الذين حكموا عليهم أحكاما لا يشك إنسان موضوعي أنها قاسية ظالمة .

وبعد ذلك كان قتل النقراشي رئيس الوزراء والحاكم العسكري الذي يحمل تبعة ( حل الإخوان ) واقتيادهم إلى المعتقلات بالآلاف وتعرضهم للتعذيب والفصل والتشريد والتجويع، حتى الذين كانوا يقاتلون الصهاينة فى فلسطين نقلوا من الميدان إلى الاعتقال، فقام شاب من الإخوان بمساعدة بعض زملائه فى (النظام الخاص ) بقتله

وهو ما حاول الأستاذ حسن البنا الحيلولة دون وقوعه ولقي بعض الرجال المسئولين وحذرهم من أن يتهور بعض شباب الإخوان ويحدث ما لا تحمد عقباه فقالوا له بعبارة صريحة ماذا يفعلون؟ سيقتلون رئيس الوزراء ليكن إن ذهب عير (أي حمار) فعير فى الرباط!

وقد استدعى الأستاذ البنا بعد مقتل النقراشي وحقق معه، ثم أفرج عنه إذ لم تثبت أيه صلة له بالحادث .

والحادثة الثالثة: محاولة نسف محكمة الاستئناف التي كانت تضم أوراق قضايا الإخوان، وهو الحادث الذى أغضب الأستاذ البنا كثيرا وجعله يسارع بإصدار بيانه الشهير الذى نشرته الصحف وفيه يقول: “هؤلاء ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين !”

والواقع أن الجماعة بعد حلها ليست مسؤولة عن هذه الحوادث لأنها ليست موجودة حتى تساءل، ولم يحدث بعد ذلك أي حادث عنف إلا ما كان من محاولة اغتيال عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية فى أكتوبر سنة 1954م، وهو حادث تكتنفه الشبهات من كل جانب، وقد شكك فيه بعض رجال الثورة أنفسهم مثل حسن التهامي .

ولو أخذنا الأمور على ظواهرها فليست الجماعة مسؤولة عنه ولم يثبت فى التحقيق أنها هي التي دبرته.

على كل حال، هذا تاريخ ولم يثبت بعد ذلك أن الإخوان استخدموا العنف من سنة 1954 م حتى اليوم رغم ما وقع عليهم من عسف وظلم وقتل علني لقادتهم بحكم القضاء العسكري، والتعليق على أعواد المشانق مثل الشهداء: عبد القادر عودة – محمد فرغلي – يوسف طلعت – إبراهيم الطيب، أو لشبابهم بحكم التحريش المثير داخل السجن كما فى حادث سجن طره الشهير الذى قتل فيها السجانون مسجونيهم علانية، وسقط ثلاثة وعشرون شابا من خيرة الشباب شهداء فى سبيل الله ولم يصنعوا جرما إلا أنهم طالبوهم بتحسين أحوالهم والسماح لذويهم أن يزورهم كبقية سجناء الدنيا .

وقد أعدم بعد ذلك: سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش ولم يريقوا قطرة دم واحدة، إلا ما قيل: إنهم كانوا ينوون كذا وكذا .

واقتيد الإخوان بعشرات الألوف إلى السجون والمعتقلات وعذبوا تعذيبا لم يسبق له مثيل .

ورغم توسط الكثيرين واحتجاج الكثيرين على إعدام سيد قطب لم يستجب عبد الناصر لهم وأصر على قتله .

وهناك الإخوان قتلوا تحت سياط التعذيب فى السجن الحربي بعد أن سهر عليهم الجنود القساة يتعاورون عليهم واحد بعد الآخر، كلما تعب هذا من الجلد والإيذاء أخذ عنه صاحبه، فمن هؤلاء المعذبين من تحمل جسده، وإن بقى طوال عمره يعانى آثار العذاب ما يعانى ومنهم من نفذت طاقته، وعجز عن الاحتمال فخر قتيلا بين أيدى هؤلاء الوحوش وهم لا يبالون .

وقد كان كثيرون يطالبون الإخوان أن يأخذوا بثأرهم من الضباط الذين اشتهروا بتعذيبهم مثل حمزة البسيوني قائد السجن الحربي الذي كان يقول فى صلف وغرور: لا قانون هنا: أنا وحدي القانون! بل تطاول بجرأة ووقاحة على مقام الألوهية، حين كان الإخوان يقولون تحت وطأة التعذيب: يا رب يا رب … فيقول متبجحا: أين ربكم هذا؟ هاتوه لي وأنا أحطه في زنزانة !!

هذا الطاغية تركه الإخوان ومن عاونه لقدر الله الأعلى، فسخر منه القدر حيث تحطمت سيارته في طريق الإسكندرية القاهرة وقطع جسمه أشلاء وقد عرف أهل القرية التي قتل أمامها ومزق شر ممزق: من هو صاحب السيارة، فكانوا يقولون: أخزاه الله لقي جزاء ما قدمت يداه .

المهم أن الإخوان لم يفكروا في الانتقام من ظالميهم، وتركوا الأمر لربهم ينتقم لهم إنه عزيز ذو انتقام وهو سبحانه يمهل ولا يهمل .

 

مسؤولية الإخوان عن جماعات العنف

ومن التهم التي توجه إلى الإخوان باستمرار وتلوكها الألسنة والأقلام: أن (جماعات العنف) ظهرت من تحت عباءتهم، مثل …. وغيرها من الجماعات التي اتخذت العنف نهجا لها وسبيلا لتحقيق أهدافها.

والحق الذي لا ريب فيه: أن بعض هذه الجماعات مثل (جماعة التكفير) تعتبر (انشقاقاً) على الإخوان وليس ( امتدادا ) للإخوان .

وقد بدأت بذور هذه الجماعة في السجن الحربي وانتهى بهم الأمر إلى ( تكفير الناس بالجملة) ابتداء بالذين يتولون تعذيبهم بلا رحمة، ثم من يأمرهم بهذا التعذيب من الحكام، ثم من يسكت على هؤلاء الحكام من الشعوب وقد اعتزلت هذه الفئة الإخوان في السجون، وكانوا لا يصلون معهم وقاموا بينهم وبين الإخوان جدل طويل، ورد عليهم مرشد الجماعة الثاني الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله في مقولات سجلها ونشرها بعد ذلك في كتابه (دعاة لا قضاة).

فكيف يعتبر الإخوان مسؤولين عن هؤلاء الذين انشقوا عنهم واتهموهم بأبشع التهم؟

إن هذا أشبه بمن يحمل أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه وزر جماعة (الخوارج) الذين كانوا جنودا فى جيشه ثم انشقوا عنه وخرجوا عليه ورموه بالكفر وتحكيم الرجال فى دين الله ثم تآمروا عليه وقتلوه غيلة رضى الله عنه؟

هل يقبل عاقل هذا المنطق الأعوج؟ أن يحمل المرء تبعة من يخرج عنه ويتمرد عليه، وينصب له الحرب والعداء؟

هذا ما تتبناه للأسف الشديد – أجهزة الإعلام المصرية والعربية وتردده ولا تمله، وما يكرره كتاب علمانيون أو ماركسيون يعادون الإخوان بل يعادون رسالة الإسلام .

(القرضاوي ص 295-296)

بيانات الإخوان المتكررة تدين العنف

في السنين الأخيرة أوضح الإخوان موقفهم من العنف بكل الصراحة والوضوح فى بيانات رسمية معلنة ومنشورة يدينون فيها العنف ويستنكرونه ويرفضونه بكل أشكاله وصوره،،أيا كانت مصادره وبواعثه، وذلك على أساس فهمهم لقيم الإسلام ومبادئه وتعاليمه

كما سبق أن أكد الإخوان مرارا على ضرورة إيقاف أعمال العنف المضاد، من منطلق وقاية البلاد من نزيف الدم الذي حرمه الله والحفاظ على المجتمع من الانهيار الاجتماعي والخراب الاقتصادي والذي لن يستفيد من ورائه إلا أعداء الإسلام وخصوم المسلمين .

لقد أدى الإخوان المسلمون دورهم بالنسبة لهذه القضية على أكمل وجه ممكن وبما تتيحه طاقاتهم وإمكاناتهم فعقدوا لذلك العديد من الندوات والمحاضرات والمؤتمرات واللقاءات العامة، وأصدروا البيانات والنشرات والكتيبات لتوعية المواطنين ( وبخاصة الشباب) وتنبيه الرأي العام لمخاطر العنف والعنف المضاد وأثره السلبي على أمن واستقرار مصر فضلا عن دورها الريادي تجاه أمتها العربية والإسلامية

كما أن الإخوان حالوا – من خلال التربية المستمرة والتوجيه المباشر للشباب – دون وقوع عشرات الآلاف منهم في براثن أعمال العنف، وكم لهذا آثاره وانعكاساته البعيدة المدى على تحجيم هذه الأعمال وعدم تناميها وانتشارها .

وقد ظهر للشعب المصري بل للعالم كله فى شتى بقاع الأرض ما تحمله دعوة الإخوان المسلمين من حكمة واعتدال وبعد نظر، وحرص على إسعاد البشر كل البشر ولم يحدث خلال الأزمات الماضية والحالية على كثرتها – والتي كان من الممكن أن تعصف بأمن الأوطان واستقرارها – أن استغل الإخوان أية فرصة لتصفية حسابات أو ممارسة أي عمل من أعمال العنف( ولو على المستوى الفردي) أو عقد اتفاقات أو تشجيع ممارسات من شأنها أن تضر بالصالح العام بل كانوا حريصين كل الحرص على أمن وسلامة وطنهم وهدوء واستقرار مجتمعهم وذلك من منطلق إيمانهم وحبهم إسلامهم والتزامهم بأصول دعوتهم

( بيان الإخوان بتاريخ 18 يونيو 1994)

وقد تعددت البيانات الصادرة عن الجماعة والتي تدين العنف، وتعبر فيها عن رأيها فى هذا الخصوص وقد قامت كل الصحف فى مصر الحكومية والحزبية بنشرها فى حينها إما كاملة أو مقتطفات منها، بحيث لم يعد فى مصر أحد يجهل رأى الإخوان فى هذه القضية. وكان من أبرز البيانات التي صدرت ذلك البيان الجامع الصادر فى 30 من ذي القعدة 1415 ه الموافق 30 من أبريل 1995 والذى جاء فيه:

“لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية: أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأساليب السلمية وحدها مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة والبذل السخي في جميع ميادين العمل الاجتماعي .. مؤمنين بأن ضمير الأمة ووهى أبنائها هما فى نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية والتي تتنافس تنافسا شريفا فى ظل الدستور والقانون وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر ولجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية ولكنه لا يتيح لهم أبدأ فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة. كما أنه يمثل شرخا هائلا فى جدار الاستقرار السياسي وانقضاضا غير مقبول على الشرعية الحقيقية فى المجتمع .

أما الذين يخلطون الأوراق عامدين، ويتهمون الإخوان ظالمين بالمشاركة فى هذا العنف والتورط فى ذلك الإرهاب متعللين فى ذلك بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء وأن تستوعب فى دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات ولا تكتفى بالمواجهة الأمنية – فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار على امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها فى المجالس النيابية والانتخابات التشريعية، واستبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة، ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذى لا سلاح غيره يجاهدون به فى سبيل الله (ولا يخافون لومة لائم) والأمر فى ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة ولكنه أمر دين وعقيدة يلقى الإخوان المسلمون عليهما ربهم ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)  الشعراء 88، 89.

شهادات المسؤولين للإخوان

ولعله من المناسب هنا أن نورد شهادات للمسؤولين الرسميين في مصر عن موقف جماعة الإخوان المسلمين من هذه القضية يثبت كذلك كذب كل ما يقال عنهم بعد ذلك:

تصريح الرئيس حسنى مبارك

فقد صرح الرئيس محمد حسنى مبارك لجريدة (لوموند) الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا سنة 1993 بتصريح نشرته الصحف المصرية وفى مقدمتها جريدة (الأهرام بتاريخ 1/11/ 1993 قال فيه:

“إن هناك حركة إسلامية فى مصر تفضل النضال السياسي على العنف وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح فى انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين “.

شهادة وزير الداخلية المصري

ولم يكن رئيس الجمهورية هو الوحيد من رجال السلطة الذي أكد انقطاع أي صلة للإخوان بالعنف والإرهاب، بل إن وزير الداخلية الحالي اللواء حسن الألفي في مؤتمره الصحفي الذي عقده ونشرت وقائعه بتاريخ 14 من أبريل سنة 1994 سئل عن علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية – وهما المنظمتان اللتان يتهمها النظام باستخدام العنف – فكان رده:

الإخوان جماعة لا يرتكب أفرادها أعمال عنف بعكس تلك المنظمات الإرهابية” (جريدة الجمهورية وجريدة الأهرام عدد 14/4/1994م).

شهادة خبير الأمم المتحدة

كما أكد ذلك الخبراء والمختصون في هذا المجال وعلى رأسهم خبير الإرهاب الدولي المصري بالأمم المتحدة اللواء أحمد جلال عز الدين – والذي قام الرئيس مبارك بتعيينه عضوا بالبرلمان عام 1995 ضمن العشرة الذين يحق لرئيس الجمهورية تعيينهم – حيث صرح في مقابلة موسعة له عن (الإرهاب والتطرف) مع جريدة   ( الأنباء) الكويتية:

“أن الإخوان المسلمين حركة دينية سياسية ليس لها صلة بالإرهاب والتطرف”… وأن الإخوان في نظر عدد كبير من تنظيمات العنف يعتبرونهم متخاذلين وموالين للسلطة ومتصالحين معها.” (العدد 6560 من جريدة (الأنباء الكويتية) الصادرة في 13/8/114). ).

شهادة د . مصطفى الفقي

كما أن الدكتور مصطفى الفقي مدير مكتب الرئيس حسنى مبارك لشؤون المعلومات قد أعلن في مؤتمر الإدارة العليا بالإسكندرية:

“نحن نقبل نشاركه التيار الإسلامي المعتدل، والممثل في جماعة الإخوان المسلمين ومنحها الشرعية بشروط، أبرزها إعلانهم نبذ العنف ومقاومته علنا وقبول مبدأ الديمقراطية بكل صيغها وفى مقدمتها تداول السلطة والأحزاب والحوار”(صحيفي الوفد) المصرية في 1/11/ 1993) .

بين البنا وقطب:

الاتفاق والاختلاف

تحدثت في الحلقات السابقة عن فكر “الإخوان المسلمون” وكيف ينظرون إلى استخدام القوة والثورة والجهاد، والمؤسسات التي تتهم بتسويق وتعميم ثقافة العنف والإرهاب وأثبتنا من خلال الشهادات والتحاليل والكتابات والوقائع ان فكر الإخوان لم يحمل فيروس العنف والإرهاب،

وقد تحدثنا عن رحم فكر الإخوان ولم نتحدث عن فكر الاخوان هكذا مجزءا او مستندا الى كتابات مفكري الاخوان، بل ركزنا على ماقاله وكتبه الإمام حسن البنا رحمه الله لان رحم فكر الاخوان ومنطلقه ومرجعيته الاولى هو الفكر الوارد في رسائل الامام البنا رحمه الله، اما ما كتبه مفكري الاخوان ففيه فهم للأصل وليس الأصل،

ورغم حرص هؤلاء على شرح وتعميم محتوى رسائل الامام البنا الا ان بعض الكتابات اجتهدت وأعطت لنفسها الحق المطلق في شرح وتفسير فكر الامام البنا رحمه الله فانقسمت بين مدافع عن حرفية كلام البنا وبين مجتهد ومعدل ومطور لهذا الفكر وخصوصا في موضوع استخدام القوة والثورة والجهاد والعنف والارهاب والحزبية والتعددية والمرأة والفن وغير ذلك من الافكار والمواقف.

وكان ما كتبه المفكر الاسلامي الشهيد سيد قطب أبرز ما ملأ هذا الفراغ، فضلا على بروز جماعة داخل السجن تدعو الى التكفير في اول انحراف فكري على منهج الامام حسن البنا رحمه الله، ليقابل ذلك حزم كبير من المرشد الثاني للجماعة الاستاذ القاضي حسن هضيبي الذي واجه فكر التكفير بكتابه المشهور “دعاة لا قضاة” مفندا ان يكون الاخوان المسلمون يكفرون المجتمع وهو كتاب مرجعي في دفع تهمة التكفير عن جماعة الاخوان المسلمين.

ورغم ذلك فقد برز في الاعلام المصري مفردة جديدة في ساحة الاخوان المسلمين وهو الفكر القطبي (تجاوزا) في إشارة الى كتابات الشهيد سيد قطب وعلى رأسها (معالم في الطريق)

ووصل الامر بهؤلاء الى وصف ما كتبه الشهيد سيد قطب بالميلاد الجديد لجماعة جديدة داخل سجون عبد الناصر سموها التيار القطبي في جماعة الاخوان المسلمين ولاسيما سنة 1965، والصقوا بها كل الافكار التي تدعو الى تكفير وتجهيل (من جاهلية وليس جهل) المجتمع من خلال سرد مواقف سيد قطب من مفردة الحاكمية ووصف المجتمع بالجاهلي،

فهل فعلا هنالك مدرستان في جماعة الاخوان المسلمون واحدة تتبع فكر الامام حسن البنا واخرى تتبع فكر سيد قطب،

وما مدى الاتفاق والاختلاف بين المدرستين ان وجدتا، وهل هنالك علاقة فكرية بين افكار سيد قطب والجماعات الجهادية اليوم ومنها داعش؟

هل كان سيد قطب تكفيريًّا؟.. هل كان متطرفًا مُغاليًا؟.. وهل في كتاباته ما يحمل على تكفير مسلمي الزمن الحديث والمُعاصِر؟.. هل يتحمل سيد قطب مسؤوليَّة العنف الذي تبنَّته المجموعات الإسلاميَّة التي ظهرت في فترةٍ لاحقةٍ؟!..

ثم ما المشكلة بالضبط في الأفكار والرؤى التي طرحها سيد قطب؟!..

هل هي في الأفكار ذاتها؛ أم مجرَّد سوء تأويل فيها؟!..

هذه الأسئلة وغيرها كثيرًا ما كانت تُطرح في الأوساط السياسيَّة والبحثيَّة طيلة العقود الماضية، ولا تزال أفكار الشَّهيد سيد قطب مثارًا للعديد مِن النِّقاشات والسِّجالات، وخصوصًا في الفترات التي تشهد بعض الأعمال العُنفيَّة التي تُنْسَب إلى بعض الجماعات المحسوبة على تيار الإسلام السِّياسيِّ، أو تلك الفترات التي تشهد مُراجعات من نوعٍ ما من جانب بعض هذه الجماعات والتَّيَّارات. ولذلك؛ ظهرت الحاجة إلى إعادة قراءة تراث وأدبيَّات ومرجعيَّات هذه التَّيَّارات، على اختلاف ألوانها.

وتُعتبر المشكلة الرئيسية التي تواجه مسألة تقييم أدبيات وأفكار قطب، هي أنها مجتزئة من السِّياق التَّاريخيِّ لها، كذلك هي مجتزأة من فكر صاحب الظلال نفسه، بحيث إن الأفكار التي توصف بأنها تكفيريَّة أو تدعو إلى العنف جرت دراستها بشكل منفصل، وليس في إطار المشروع الفكري لسيد قطب بأكمله، وتم تقييمها بعد وفاته من دون مراجعته هو ذاته فيها.

ولقد فرضت الكثير من الاعتبارات السِّياسيَّة التي ظهرت في مصر في فترة السِّتينيَّات وما تلاها التعتيم على الكثير من النِّقاشات التي قام بها الكثير من العلماء ورموز الإخوان المسلمين مع قطب نفسه في أفكاره هذه، والتي أضافت الكثير من الإضاءات على أفكار قطب، وخصوصًا كتبه التي ثار حولها جدل كبير، مثل “معالم على الطَّريق” وبعض الطبعات من “في ظلال القرآن”.

ولقد جرت الكثير من المحاولات لفهم فكر قطب ورؤاه، ومحاولة تفسيرها؛ إلا أنَّ الجاد والرصين، وكذلك الأمين والمُحايد من هذه الرؤى ظل متناثرًا في بعض الأدراج أو في زوايا بعض الصحف والمواقع الخاصة بأصحابها.

وفي المقابل؛ ثارت الكثير من المعارك الفكريَّة بين المؤيدين والمعارضين لفكر سيد قطب، وتصدت أقلام من هذا الطرف وذاك لمعالجة أفكاره بالصورة التي تخدم طبيعة الاتجاهات العامة التي يقررون وضع كتب وأفكار قطب فيها.

فقد تحدث خلق كثير من علماء ومفكري الجماعة منهم من عمل على تفسير ماذهب اليه سيد قطب في كتبه (الظلال والمعالم) وحرص على ربطه بفكر الامام حسن البنا وراح البعض الاخر يخرج سيد قطب من فكر الجماعة الذي مرجعيته حسن البنا، ومنهم من نظر الى تجديدات سيد قطب تطوير لفكر الاامام حسن البنا وراح البعض الاخر يكتب عن ضوابط في فهم مواقف سيد قطب رحمه الله.

ولما كان النقاش والحوار بين قمم وقامات من مفكري جماعة الاخوان المسلمين، كان علينا ونحن نبحث الموضوع بين الاتفاق والاختلاف واثبات او نفي وجود مدرستين فكريتين ان نعرض لكل وجهات النظر المطروحة في الساحة، لان تراث الاخوان المسلمون هو تراث الامة ودراسته وفحصه ضرورة حتمية للتمييز بين الفكرة والخطة والموقف والظروف المحيطة ثم الخروج بتوليفة متوازنة تحرر الجيل الجديد من رواقات الاختلاف والأخطاء والإخفاقات التي حدثت ليسير من سار على بينة على اعتبار ان الذين نتحدث عنهم مجموعة من المجتهدين يخطؤون ويصيبون ولايملكون الحقيقة المطلقة.

سيد قطب وجماعة الإخوان المسلمون الانتماء والاجتهاد

يقول الاستاذ صلاح شادي في كتابه الشهيدان حسن البنا وسيد قطب: قد يعجب القارئ عن الشهيد حسن البنا، الذي أسس جماعة الإخوان المسلمين، وعن الشهيد سيد قطب رائد الفكر الإسلامى في هذه الجماعة، الذي أغنى تراثها وتراث الأجيال من بعده بذخائر مؤلفاته، حين يعلم أن كليهما ولد في سنة 1906 م، ونهلا من معين واحد، حين تخرجا من دار العلوم، ثم افترقا.. كل إلى طريق!!.

أما الأول، فذهب يبنى جماعة الإخوان المسلمين، وأما الثانى فذهب يضرب في دنيا الآداب، ويحلق في سماء الشعر، ويخوض في لجة الصحافة، ويبرز في ندوات الأدب والحب والجمال!!!.

ومن العجب ألا يجتمع أحدهما بصاحبه في دنيا الناس، ولكنهما التقيا في ركب الشهداء والصديقين، تحت راية واحدة هي راية جماعة الإخوان المسلمين، نحو هدف واحد هو إعلاء كلمة الله في الأرض.

وتعجب أكثر أن الشهيد سيد قطب قد كتب مؤلفه في “العدالة الاجتماعية في الإسلام” سنة 1948، وسافر إلى أمريكا قبل أن يعرف شيا عن جماعة الإخوان المسلمين!

وإنما كان يراها من ضمير الغيب ويأمل أن يشهد رجالها في دنيا الواقع.

ولهذا صدر كتابه هذا بقوله:

“إلى الفتية الذين ألمحهم في خيالى قادمين يردون هذا الدين جديدا كما بدأ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، مؤمنين في قرارة أنفسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين..

إلى أولئك الفتية الذين لا أشك لحظة أن روح الإسلام القوية ستبعثهم من ماضى الأجيال إلى مستقبل الأجيال في يوم قريب.. جد قريب”،

ولقد ظن الذين اطلعوا على هذا الكتاب أن المؤلف يقصد بهذه المقدمة شباب الإخوان المسلمين، في الوقت الذي لم يكن قد عرف شيئا عن هذه الجماعة وشبابها، فبادرت الحكومة المصرية يومئذ بمصادرة الكتاب وسحبه من السوق..!!

وكان الإخوان المسلمون وقتئذ في السجون والمعتقلات يصطلون بنير النقراشى الذي قتل في 28 ديسمبر 1948، وامتد بعده حكم إبراهيم عبد الهادى حتى 25 يوليو1949.

وكان تعليق الشهيد حسن البنا على هذا الكتاب حين قرأه: “هذه أفكارنا وكان ينبغى أن يكون صاحبها واحدا منا”

وتحققت آمال الشهيد حسن البنا.. بعد أن لقى ربه في 12 فبراير 1949 حين كان صاحب هذا الكتاب مريضا في إحدى المستشفيات الأمريكية، فلاحظ بهجة وسرورا يغمران من حوله الممرضات والمرضى فظن أن القوم في عيد، غير أنه ذهل حين سألهم عن سبب بهجتهم تلك فكانت إجابتهم: “لقد تخلصنا من عدو الغرب الأول في ديار الشرق.. لقد قتل حسن البنا !!.

ولقد وجهت هذه الحادثة تفكيره ورسخت عنده أن يكون عضوا في جماعة الإخوان المسلمين !!، وألا يكتفى بأن يكون كاتبا إسلاميا فحسب بل جنديا في كتيبة الإسلام.

وهكذا عرف الشهيد سيد قطب دعوة الإخوان المسلمين، وبدأ يعمل لا بقلمه فحسب ولكن بكيانه كله وطاقاته الخلاقة في التنظيم ووجدانه النابض بالحياة ليحكم شرع الله في الأرض.

ويرى المرحوم صلاح شادي أن كتب الشهيد سيد قطب لا غنى بعضها عن الآخر، ولكن إذا أردنا تلخيص معطياته للأمة الإسلامية في مجال الحركة.

استطعنا أن نجدها في كتابيه “في ظلال القرآن” و “معالم في الطريق”، فما عجز عن نشره في مضمون التحرك الإسلامى في الكتاب الأول استطاع بعد ذلك أن يقدمه في كتابه “المعالم”…

ولعل الشهيد سيد قطب يعرض لنا طرفا مما أراد أن يقدمه للناس في كتابه الظلال، وأنت تقرأ له في مقدمة الطبعة الثالثة قوله:-

“لقد عشت أسمع الله –سبحانه وتعالى- يتحدث إلى بهذا القرآن أنا العبد القليل الصغير.. أى تكريم للإنسان هذا التكريم العلوى الجليل، أى رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أى مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟..

وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التى تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة.. أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال.. وأعجب ما بال هؤلاء الناس؟

ما بالهم يرتكزون في الحمأة الوبيئة، لا يسمعون النداء العلوى الجميل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه..؟

عشت أتملى في ظلال القرآن.. ذلك التصور الشامل الكامل الرفيع النظيف للوجود، لغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنسانى وأقيس إليه التصورات الجاهلية التى تعيش فيها البشرية، في شرق وغرب وشمال وجنوب، وأسأل.. كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن في الدرك الهابط، في الظلام البهيم، وعندها ذلك المرتع الذكي، وذلك المرتقى العالي، وذلك النور الوضئ..

وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله.. ثم أنظر.. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية، والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريدة التى تملى عليها، وبين فطرتها التى فطرها الله عليها، وأقول في نفسى، أى شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى الجحيم؟

يا حسرة على العباد.. وعست في ظلال القرآن الكريم.. أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود، أكبر من حقيقته، وأكبر في تعدد جوانبه، إنه عالم الغيب والشهادة، لا عالم الشهادة وحده…

 

ويتابع الأستاذ صلاح شادي:

فلا نستطيع أن نترك مجال الحديث عن كتاب “الظلال” وكاتب “المعالم” بدون أن نعرض لما توهمه البعض فيما أورده الكاتب الشهيد.. في هذين الكتابين من أنه كفر المسلمين بمعاصيهم إذا لم يعملوا في صف الجماعة التى ينتمى إليها، والحركة التى يعمل للإسلام من خلالها، وأنه عد المجتمعات المعاصرة في ديار الإسلام مجتمعات جاهلية أفرادا وحكاما وأنظمة…

 

ويرد الأستاذ يوسف العظم في كتابه عن الشهيد سيد قطب، على هذا الوهم في فهم الجاهلية التى ورد ذكرها في هذين الكتابين فيقول:

“لقد وردت كلمة الجاهلية في عطاء سيد قطب عند الحديث عن الفهم والأنظمة والأخلاق التى تهيمن على “المجتمع الجاهلى اليوم” كما سيطرت على المجتمع الجاهلى الأول، ولم يورد الشهيد كلمة الجاهلية في حق الأفراد ما يفهم منه تكفير الناس أو إخراجهم من ربقة الإيمان…

كما وردت كلمة الجاهلية في بعض المواضع لدى الشهيد بمفهوم التخلف في الفكر والخلق والقيم وأساليب الحياة يقول:-

“ولابد أن نبادر فنبين أن التشريع لا ينحصر فقط في الأحكام القانونية كما هو المفهوم الضيق في الأذهان اليوم لكلمة التشريع – فالتصورات والمناهج والقيم والموازين والعادات والتقاليد.. كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه، وحين يصنع الناس –بعضهم لبعض- هذه الضغوط- ويخضع لها البعض الآخر منهم في مجتمع لا يكون هذا المجتمع متحررا، إنما مجتمع بعضه أرباب وبعضه عبيد –كما أسلفنا- وهو –من ثم مجتمع متخلف- أو بالمصطلح الإسلامى.. جاهلى”.

وإن للجاهلية مفاهيم متعددة ومعانى كثيرة، فما بال قوم يحملونها على معنى الكفر البواح دون سواه، إذ أن للكفر نفسه مفاهيم متعددة ومعانى كثيرة، فما بال قوم يصرون على أن تحمل على معنى الشرك وعبادة غير الله؟!

ثم يستطرد المؤلف يوسف العظم فيقول:

“هذا هو الفهم السليم لفكر الشهيد، وهذه هي دعوة الإسلام التى دعاها –يرحمه الله- وما سوى ذلك فلغو وضيق أفق ومرض ولا يستقيم مع مفهوم الإسلام في الإصلاح ودعوته في بناء الأنفس والمجتمعات”.

وحول هذا الفهم يرد الأستاذ محمد قطب شقيق الشهيد سيد فيقول:-

“لقد سمعت الشهيد يردد أكثر من مرة قوله: نحن دعاة ولسنا قضاة إن مهمتنا ليست إصدار أحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله، لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي وهو التحاكم إلى شريعة الله.

فضلا عن أن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا، ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس، فلسنا دولة وإنما نحن جماعة مهمتها الدعوة لتبيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم”.

 

ونحن في هذه النبذة عن الشهيد سيد قطب لا نستطيع الإفاضة في الرد على ما قيل عن خروج أفكاره عن مشكاة الشرع، فإن ما دعا الشانئون إلى هذا الخطأ هو تعريفه لمعنى التوحيد بأنه تصديق سلوكى وشعورى عما نطقه اللسان، فاستنتجوا أنه يعنى الحكم بالكفر على من كذب سلوكه قوله.. وهو أمر لم يرد في حسبانه بإطلاقه هكذا بهذه الصورة:

 

سيد قطب والمدرسة الاخوانية

مع كل احتكاك سياسي بين جماعة الاخوان المسلمين في مصر والنظام السياسي المصري تثور اعلاميا قضايا الاتهامات المجانية التي تتهم فيها الجماعة بالارهاب والعنف والتكفير من طرف رموز العلمنية في مصر عبر وسائل الاعلام المختلفة التي تربط بين تصرفات الاخوان في مصر وبعض ممثليها في بعض البلدان الاسلامية أو من كانوا بالامس من الاخوان المسلمين أو يتعاملون معم، ويكون دائما فكر سيد قطب رحمه الله في قلب النقاش والحوار والاتهام، وتنشط قيادات الجماعة في حملات الرد الفكري بين نافي ومؤكد لافكار سيد قطب رحمه الله،

وبعد الهجمة المركزة على كتابات سيد قطب وارتباطها بجماعة الاخوان المسلمون نستعرض هنا رأي الدكتور محمد عبد الرحمن عضو مكتب الارشاد للاخوان في مصر يدافع عن المرحوم سيد قطب ويبرؤه من تهم التكفير والعنف:

ينبغي على مَن يحكم على كتابات الشهيد سيد قطب أن يستخدم الأسلوب العلمي المحايد، وأن يتجرد من أي انحياز نفسي يكون متأثرًا بموقفه من التيار الذي ينتمي إليه، أو متحاملاً على شخصه وذاته، أو شاعرًا بالغيرة منه.

إن أي كاتب إذا أردنا أن نحكم على آرائه أو نستوضحها لا يكتفي بمجرد قراءتنا وفهمنا لبعض ما كتب وإنما يكون هذا من خلال أسلوب علمي محدد يحقق مبدأ “التثبت والتبين”.

  1. إما أن يكون بمناقشته فيما كتب واستيضاح ما يقصد.
  2. وإذا كان غير موجود، فننظر إلى سلوكه وآرائه العملية، لنفهم في ضوئها مقاصده ومعتقداته.
  3. وكذلك أن ننظر في كلماته كلها ولا نجتزأ منها سطورًا.
  4. وإذا كان الكاتب قد سطَّر آراء ثم رجع عنها بعد ذلك وأعلن عدم رضائه، فلا ينبغي أن نحاسبه عليها بعد ذلك، مثلما فعل الشهيد عندما أعلن عن عدم رضائه عن كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” وأن به بعض الأخطاء وسيحاول إعادة كتابته، وكان هذا الكتاب في بداية توجهه الإسلامي وقبل التزامه بجماعة الإخوان المسلمين.
  5. كذلك علينا ألا نحاسبه فيما فهمه بعض الناس عندما طالعوا كتاباته وإنما ماذا كان يقصد وما هو فهمه؟

فهل كان الشهيد يكفر الناس حكامًا ومحكومين؟

وهل كان يصف هذه المجتمعات بالجاهلية، أي بالكفر والخروج عن الدين؟

وهل كان ينتهج منهج العنف والانعزال؟

إننا إذا طبقنا المنهج العلمي في الدراسة والتقييم لوصلنا إلى نتيجة قطعية بالنفي لهذه الاتهامات.

لقد كان الخطأ في حقيقته عند هؤلاء الذين أرادوا أن يفهموا فهمًا معينًا ويحملوا باقي كلامه على هذا الفهم رغم أن حياته العملية وأقواله وكتاباته ومَن عاشوا بالقرب منه تقطع بابتعاده عن هذه المفاهيم.

أو نجد البعض يقفون عند بعض الألفاظ ذات الدلالة الأدبية ويجردونها عن سياقها ولا ينظرون إلى أن الكاتب كان أديبًا ولا يقصد المعنى الذي ذهبوا إليه مطلقًا.

كان مقصد سيد قطب بكلمات الجاهلية: القيم والمفاهيم، وليس الأشخاص أو الناس في المجتمع، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر- رضي الله عنه- عندما أخطأ مرةً “إنك امرؤٌ فيك جاهلية”.

وما ذكره هو من لفظ الحاكمية وضحه في أماكن أخرى، حيث يقصد بها تأكيد المرجعية لشرع الله وضرورة تطبيقه، وما ذكره عن انتساب الناس للإسلام بحكم شهادة الميلاد هو كلام عام ذكره غيره من العلماء الذين سبقوه ولم يتهمهم أحد بادعاء التكفير.

كان رحمه الله يستخدم الكلمات البليغة الأدبية لتوضيح رأيه وللدفاع عن الإسلام، ولم يكن بصدد إصدار أحكام، فهذه لها أصول ولها أهلها من علماء الشريعة، ولم يدع هو ذلك في يومٍ من الأيام.

وحول حديثه عن الجهاد، لم يخرج عن قول علماء الأمة عن شرح نوعي الجهاد: “جهاد الدفع” و”جهاد الطلب” أي الغزو في سبيل الله ولم يدع أنه سيتكلم عن الأحكام الفقهية والشروط الشرعية المتعقلة بذلك وإنما كان يتحدث عن المبدأ والمفهوم.

 

ويواصل الدكتور محمد عبد الرحمن في توضيح بعض كلمات وآراء سيد قطب فيقول:

أ) ففي كتاب “المعالم” الذي اشتهر بأن فيه تلك الرؤية التكفيرية الانعزالية نجده في آخر صفحات الكتاب يتكلم عن الجاهلية والتعامل معها: “ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها، ولا في شيء من أوضاعها ولا في شيء من تقاليدها مهما يشتد ضغطها علينا، إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية.

إن ضغط التصورات الاجتماعية السائدة، والتقاليد الاجتماعية الشائعة ضغط ساحق عنيف.. لا بد أن نثبت أولاً، ولا بد أن نستعلي ثانيًا، ولا بد أن نرى الجاهلية حقيقة الدرك الذي هي فيه بالقياس إلى الآفاق العليا المشرقة للحياة الإسلامية التي نريدها.

ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننزوي عنها وننعزل، كلا.. إنما هي المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع، والصدع بالحق في مودة والاستعلاء بالإيمان في تواضع.. ”

(كتاب معالم في الطريق ص 176)

 

ب) ومن أقواله التي نقلت عنه:

“إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله؛ لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي وهو التحاكم إلى شريعة الله” (من كتاب أعلام الحركة الإسلامية لعبد الله العقيل ص 652).

 

ج) كان الشهيد يرفض فرض الإسلام من أعلى على الناس، أو يستخدم العنف والقوة داخل المجتمع، وإنما السبيل للالتزام بالإسلام وإقامة الحكم الإسلامي، هو إيقاظ القلوب وتفهيم الناس وبناء القناعات الصحيحة لديهم.

فيقول رحمه الله.. “ولا بد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة، وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية مَن يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة تربية إسلامية صحيحة.. وعدم محاولة فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تحكم به..”

(جريدة المسلمون، من مقالة بعنوان لماذا أعدموني؟ ذكرت كلمات وكتابات له).

د) وها هو الشهيد يصف المجموعة التي تولى تربيتها عام 65، عندما تم اعتقاله تمهيدًا لإعدامه: “لقد اتفقنا على مبدأ عدم استخدام القوة لقلب نظام الحكم وفرض النظام الإسلامي من أعلى؛ لأن المطالبة بإقامة النظام الإسلامي وتحكيم شريعة الإسلام ليست هي نقطة البدء، وإنما هي نقل المجتمعات ذاتها إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة، وتكوين قاعدة إن لم تشمل المجتمع كله، فعلى الأقل تشمل عناصر وقطاعات تملك التوجيه والتأثير في اتجاه المجتمع كله إلى الرغبة والعمل في إقامة النظام الإسلامي”.

(كتاب شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر- المستشار سالم البهنساوى ص 237، وكتاب العبقري العملاق سيد قطب ص83 للأستاذ إبراهيم منير).

ه) وعندما سُئل في التحقيق- وكانت إجاباته من منطلق أنها شهادة للتاريخ؛ حيث كان متأكدًا أنه سيصدر عليه الحكم بالإعدام، سأله المحقق: هل ترى أن هناك فرقًا بين المسلم المنتمى لجماعة الإخوان وغير المنتمى لتلك الجماعة؟

كانت إجابته المدونة في الأوراق:

“الذي يميز الإخوان أن لهم برنامجًا محددًا في تحقيق الإسلام فيكونون مقدمين في نظري على مَن ليس لهم برنامج محدد..”

ثم سأله المحقق:

س: فلم التمييز بين أفراد هذه الجماعة وبين المسلمين قاطبةً وهم جميعًا أصحاب عقيدة وأهداف وبرنامج؟

أجاب: التمييز- في رأيي- ليس تمييز شخص على شخص، ولكن فقط باعتبار أن الجماعة ذات برنامج، وأن كل فردٍ مرتبط بهذا البرنامج لتحقيق الإسلام عمليًّا، وهذا هو وجه التمييز في رأيي”.

فلم يكن رحمه الله حتى آخر يوم في حياته يعتقد أو يظن أن المسلمين أصبحوا داخلين في نطاق الكفر بل يثبت لهم الإسلام.

وأيضًا يتضح أن الشهيد لم يذهب مطلقًا في رؤيته أن ينتقي مجموعة من الأفراد ينعزل بهم عن المجتمع بحجة أنه جاهلي ليقوم بتربيتهم ثم القفز بهم على السلطة، فها هو يقرر بوضوح أن الطريق هو تربية أفراد المجتمع وتفهيمهم وإقناعهم القيم والتصورات الإسلامية وكيفية الالتزام الصحيح بها، وأن يشمل ذلك جيلاً بأكمله، فإن لم يكن المجتمع كله فعلى الأقل نسبة كبيرة فيه تصبح هي الغالبية وتملك التأثير فيه.

وقد كانت رؤيته لمجموعة الشباب في 65، أنهم خطوة على الطريق ضمن البداية التي يجب أن تستمر وتتسع لتشمل جيلاً بأكمله.

 

س) وفي تعريفه الجاهلية، وكما ذكر بالمعالم: “المجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يُطبق فيه الإسلام ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه وسلوكه ونظامه وشرائعه.. “في ظلال القرآن ج 2 ص37.

وفي موضع آخر يحدد قصده منها: “إنها تعلن العلمانية كمنهج في التشريع، وحتى الحياة كلها، وبعضها وضع القوانين من عند نفسه تخالف شرع الله، وقال عنها: هذا شرع الله” إ. ه.

فهو هنا يشير إلى حكم عام وليس حكمًا على أشخاص أو مجتمع معين، كما أنه يقصد بكلامه من يقول للناس أن هذا شرع الله، وهو متأكد أنه ليس كذلك بل من عند نفسه. وما ذهب إليه الشهيد هنا، يتطابق مع ما قرره علماء المسلمين.

 

ص) ويظهر بوضوح أن أقوال الشهيد سيد قطب، عن الجاهلية، وعن الكفر لا تعني الأفراد، بل تتعلق بجاهلية السلوك والمناهج والقيم والتصورات، وبكفر التشريعات والأحكام المناقضة للإسلام. بل إنه في المسألة إثبات الإسلام يرى أن النطق باللسان بالشهادتين كافٍ لذلك.

يقول في الظلال في تفسير آية ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء: الآية94): “يكتفى الإسلام هنا النطق بكلمة اللسان، فلا دليلَ يناقضها. “إ. ه أي أنه يقول بإسلام مَن نطق بالشهادتين دون انتظار لامتحانه.

كما أنه في حديثه أحيانًا يتكلم عن جاهلية العقائد، وفي موضعٍ آخر عن جاهلية السلوك، وهناك فرق كبير بينهما.

ومن أقواله: “أنه فيما يختص بالفرد يكون الاحتكام إلى عقيدته وخلقه، وفيما يختص بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كلها” إ. ه.

والشهيد يقر ويعترف بإسلامية الأفراد في داخل مجتمعاتنا، أما الأنظمة التي توجه حياة الناس والعادات والسلوكيات والمفاهيم والأخلاق في المجتمع، فهي محل كلامه، وهي التي وردت النصوص الشرعية بوصفها بالجاهلية وبالنفاق وبنفي الإيمان الكامل أحيانًا عنها. “كتاب العبقري العملاق سيد قطب ص 78 للأستاذ إبراهيم منير”.

ع) كان يرفض فكرة تجزئة القبول بالاحتكام للإسلام في جزئية، ورفضهم الاحتكام إليه في أجزاء أخرى من قضايا المجتمع، وهناك فرق فقهى واضح بين رفض مبدأ القبول بالاحتكام إليه وبين الضعف في التنفيذ مع وجود القبول والرضى.

كان رحمه الله ينادى بالرؤية الشمولية، ومن أقواله في ذلك: “والذين يصرخون اليوم طالبين منع المرأة من الانتخاب باسم الإسلام أو منعها من العمل باسم الاسلام، أو إطالة أكمامها وذيلها باسم الإسلام، ليسمحوا لي مع تقديري لبواعثهم النبيلة أن أقول لهم: إنهم يحيلون الإسلام هزأةً وسخريةً؛ لأنهم يحصرون المشكلة كلها في مثل هذه الجزئيات.

إن طاقتهم كلها يجب أن تنصرف إلى تطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية بأن يسيطر على نظام المجتمع وقوانين الدولة، وللتربية الإسلامية بأن تسيطر على المدرسة والبيت والحياة، يجب أن يأخذوا الإسلام جملةً وأن يدعوه يؤدي عمله في الحياة جملةً، فهذا هو الأليق لكرامة الإسلام، وكرامة دعاة الإسلام” (راجع كتاب العبقري العملاق ص 67، للأستاذ إبراهيم منير).

 

شهادات مَن عاشوا مع سيد قطب والتقوا به من الاخوان:

(الشهادات التي وردت كانت من هؤلاء الأساتذة الكرام الذين عايشوه ولم تكن فردية بل تواترت عبر العديد من الأفراد، ولكن نذكر فقط أسماء من سمعنا منهم مباشرة):

أ) لقد حدثت مناقشات وأسئلة له من كثير من إخوانه عندما أشاع البعض أنه يكفر المجتمع ويصفه بالجاهلية.

حدث هذا ممن كانوا معه في قفص المحكمة أثناء التحقيقات، وفيمن التقى به داخل مستشفى السجن، بل إن قيادة الإخوان كلفت الأستاذ عمر التلمسانى عندما كان سيلتقى به لسؤاله المباشر عن ذلك وعاد وهو يحمل إجابة واضحة منه، بنفي الشهيد أنه يكفر أحدًا أو يقصد بجاهلية المجتمع تكفير الناس (شهادة أ. جمعة أمين).

ب) إن كتاباته قبل طباعتها كان يقرأها كبار الإخوان ومنهم الأستاذ الهضيبي وأقروا ما فيها ولم يجدوا فيها ما فهمه البعض واتهمه به (شهادة أ. جمعة أمين ود. محمود عزت).

ج) لقد تواترت عشرات الشهادات ممن عاصروه وسألوه مباشرةً، فأكد رأيه الواضح وأنه لا يكفر أحدًا، بل وصف مَن فهموا ذلك- أي ما فهموه من تكفير المجتمعات- أنهم لم يفهموا وأساءوا الاستخدام فقال: لقد حُملت كتبي وآرائي على حمارٍ أعرج..” (شهادة د. محمد بديع، ود. محمود عزت).

ه) شهادة الداعية زينب الغزالي، عندما سألته مباشرةً عام 1964م عندما زارها في منزلها عن إشاعة أنه يكفر الناس لأنهم لم يفهموا الإسلام، فاستغرب هذا القول، وبيَّن أن فهمهم هذا خاطئ لما كتبه، وأنه سيوضح هذا ويرد عليه في الجزء الثاني من “المعالم”. (حوار مجلة المجتمع الكويتية 1982م، ص 85 كتاب العبقري العملاق).

ض) شهادة أ. عمر التلمساني في كتابه ذكريات لا مذكرات:

“.. وما أراد الشهيد الأستاذ سيد قطب في يومٍ من الأيام أن يكفِّر مسلمًا”، “.. إن كثرة ترداده “للمتجتمع الجاهلي” لم يقصد بها تكفير المجتمع، ولكن تشديد النكير على الظلمة والطغاة والمستغلين والمشككين، وهو أسلوب تعرفه اللغة العربية..”.

“والذين يعرفون الشهيد سيد قطب ودماثة خلقه وجمّ أدبه، وتواضعه ورقة مشاعره، يعرفون أنه لا يكفر أحدًا..”

“.. هذا موجز مقتضب للمبادئ التي قام عليها كتاب معالم في الطريق وقد كان لي شرف الاطلاع عليه قبل طبعه ونحن في مستشفى ليمان طرة” إ. ه (وراجع أيضًا كتاب العبقري العملاق).

ط) شهادة الأستاذ سيد نزيلي (من قيادات الإخوان في 65):

“أنه- يقصد الشهيد سيد قطب- لم يتهم عامة المسلمين بالكفر، وكان يصلي خلف الإمام العادي، وكان يأكل ذبائح المسلمين، ويؤثر عنه في سجنه أن سُئل: “هل أنت تُكفِّر عامة المسلمين؟” فقال: كيف أكفر عامة المسلمين وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وحب الدين متغلغل في وجدانهم وقلوبهم..”، ثم نادى على سجينٍ من أرباب الإجرام والمعروفين بالشراسة وسوء الخلق، وقال له: يا فلان إذا قابلك رجل ولعن دينك ماذا يكون موقفك؟ فقال هذا السجين: أقتله، فاستشهد سيد قطب بذلك في أن للإسلام قدسيةً واحترامًا في نفوس حتى الذين يُخيل إلينا أنهم أبعد ما يكونون عن الإسلام بأعمالهم..” أ. ه.

ويقول أيضًا الأستاذ سيد نزيلي: “.. نحن الجيل الذي تربَّى على فكر سيد قطب لم نلحظ هذه الدعاوى التي تتهمه بالتكفير، وهو لم يطلب منا ذلك في الكتابات التي كان يرسل بها إلينا ويربينا عليها نحن جيل 65، نحن كنا نعيش بإسلامنا بين أهلينا ومجتمعنا ولم يخطر على بالنا أننا متميزون بأي شيء عن غيرنا من المسلمين”.

ويقول: “وسيد قطب لم تكن كتاباته لانعزال هذه الفئة، بل كان يطلب من الشباب أن يندمجوا مع المجتمع حتى يغيروا هذا المجتمع”. إ. ه.

“.. وقد انتهيت بعد لقائي بإخواني واستجلاء حقائق الأمور إلى: أننا لم نكفر مسلمًا ولم نعلم من الأستاذ سيد قطب أنه يأمرنا بالتكفير أو الانعزال عن المجتمع أو المفاصلة الشعورية التي يفهمها البعض خطأ بمعنى الانعزال”. إ.ه ( ص78، 88، 89 من كتاب البعقري العملاق).

ظ) شهادة العالم الجليل الشيخ محمد عبد الله الخطيب، حيث ذكر أنه زار الأستاذ سيدًا في الفترة القصيرة التي خرج فيها من السجن عام 1964م، وأنه زاره في بيته يوم جمعة، فوجده عائدًا من صلاة الجمعة مصليًا وراء إمام المسجد، وحكى لي أحد الإخوان أنه رأى الأستاذ سيدًا يصلى خلف أحد المسجونين الجنائيين في فترة محبسه”. اه.

فهل يعقل أن الأستاذ يحكم بالكفر على عموم الأفراد والمجتمعات ثم يصلى وراءهم؟ (ص 94 من كتاب العبقري العملاق).

ك) شهادة الأستاذ إبراهيم منير، والأستاذ أحمد كنزي (من شعبة عابدين بالقاهرة)؛ حيث إنهما وهما في السجن عام 1963م وصل إليهم من بعض الإخوان أن الأستاذ سيد يقوم بوضع كتاب عليه اتفاق من الجماعة هو (معالم في الطريق) وأن على الإخوان جميعًا خارج السجون قراءته.. وعندما اشتد المرض على الشهيد سيد قطب تم نقله إلى مستشفى قصر العيني، فتحايلنا على زيارته كل يوم جمعة- أسبوعيًّا تقريبًا- لنسمع منه ونستفسر، ولم نسمع منه على الإطلاق أنه يعنى بالجاهلية تكفير الناس، ولم نسمع منه قولاً بكفر الحكام، ولم نسمع منه أن العزلة الشعورية عن الناس تعني مقاطعتهم والعيش في الكهوف والجبال وتجنب العمل في وظائف المجتمع، ولكنه كان يركز على إحياء معانى الإيمان في قلوب الأمة، ويعنى بالجاهلية جاهلية السلوك وليست جاهلية الاعتقاد.. وهذه شهادة بما علمت ألقى بها الله عز وجل: أنى لم أسمع منه خلاف ما قلت. اه. (ص7 كتاب العبقري العملاق للأستاذ إبراهيم منير)

ويقول أيضًا الأستاذ إبراهيم منير:

“صرح الشهيد أكثر من مرة وفي أكثر من موضع أن من رغب في معرفة.. إننا دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم”. (ص 81 العبقري العملاق).

ع) بل إن شقيقه الأستاذ محمد قطب يؤكد أنه سمعه أكثر من مرة يقول: “.. نحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس، فضلاً عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم”. (ص80 كتاب العبقري العملاق)

ل) أشاعوا عنه أنه يدعو إلى المرحلية في الأخذ بالأحكام الشرعية، وأننا في المرحلة المكية، فنأخذ حكمها الشرعي من حيث وجوب الهجرة وعدم إلزامية الأحكام التي وردت بعد ذلك.. إلخ وهذا لم يذهب إليه الشهيد من قريب أو بعيد، فهو لم يكن يتكلم عن المرحلية في الأحكام الشرعية، وعندما سُئل: هل نحن في المجتمع المكي أم المجتمع المدني؟ أجاب: “نحن في سنة كذا وقد كمل الإسلام ولن ينقص. اه.

وأما حديثه عن المرحلية فكان متعلقًا بالحركة الجهادية ووسائل الدعوة. (من شهادة أ. صبرى عرفة أحد قيادات 65)

وقد يسأل البعض: هل نحن بحاجة إلى مثل كتابات الشهيد سيد قطب في هذه المرحلة الآن؟ الإجابة القاطعة تكون بنعم؛ حيث ما زالت الأمة تواجه حملة شرسة ضد قيم الإسلام، وتواجه محاولات من قوى عالمية للسيطرة عليها واحتوائها، وفي ظل عولمة الإعلام ووصوله بكل الأفكار والشبهات إلى الجميع تقريبًا يصبح التحصين ضدها والقوة في الدفاع عن قيم وأحكام الإسلام والتميز بها أمرًا لازمًا، وهو ما تقدمه كتابات الشهيد وغيره من العلماء المجاهدين، وبالتالي يجب الاستفادة من كتابات الشهيد في ظل الضوابط التي أشرنا إليها.

هل تولى سيد قطب القيادة والتوجيه لمجموعة 1965 ؟

هل كان قيام سيد قطب رحمه الله بالإشراف على تربية وتنظيم وتوجيه شباب الدعوة في 1965م يعتبر خطأً حركيًّا وخارجًا عن سياسة الجماعة، أو سبب ضرر لها وانتكاسة؟

إن من يقول هذا الكلام لم يفهم دعوة الإخوان، ولم يعرف قواعد الإسلام ومبادئه، فمقياس الخطأ والصواب أو الضرر والفائدة لا يكون بالهوى الشخصي، وإنما بالرجوع لأحكام الشرع ومبادئ الدعوة إلى الله.

إن العمل والدعوة للإسلام في مناخ مناوئ له فريضة لازمة، وسيكون له تضحيات كالقابض على الجمر، وإن هذا هو واجب الدعاة وورثة الأنبياء مهما لاقوا من أذى.

فما قام به الشهيد ومن معه من شباب هو أداءٌ لواجب الدعوة وللأهداف التي آمنوا بها وبايعوا عليها.

إن قبوله قيادة الشباب في هذه الفترة وهو حديث الخروج من السجن يعاني من سوء الحالة الصحية وضيق المورد المالي، وذلك كي يربيهم على الإسلام، ويبعد بهم عن طريق العنف والانتقام، وقد أفادوا جميعًا بذلك، كان هذا يمثل قمة الثبات والتضحية وكسرًا لحاجز الخوف.

كما أن حركتهم هذه، وإن لم تشمل جميع الإخوان، حيث كانت في بدايتها؛ إلا أنها كانت في إطار المؤسسية، وتحت علم قيادة الجماعة وموافقتها، وما شهادة بعض أفراد الجماعة بعكس ذلك، إما لعدم علمه أو لخلطه في الأمر بين منع القيادة أية تجمعات للشباب تنتهج منهج العنف أو تسعى لرفع السلاح، وبين تأييدها للقيام بالتربية وحمل الدعوة.

كما أن قيام هذه الفئة المؤمنة وإقدامها على الحركة بالدعوة والتجميع والتربية وأمامهم مناخ السجون والاعتقالات والتعذيب من نظام طاغٍ لا يعرف قانونًا؛ كان في ذاته يشكل انتصارًا معنويًّا للإيمان والعقيدة التي ارتفعت وتسامت فوق كل ذلك، وتجاوزت الخوف مما سيحدث لها من بطش.

كما أن هذه الحركة المباركة لشباب 65 كانت ردًّا عمليًّا على بطش النظام، وأنه لم يستطع أن يُخضع الجماعة أو يُرعب أبناءها أو يوقف مسار دعوتها، وكانت صوتًا معارضًا قويًّا لهذا النظام في حين سكت الجميع وخضعوا له مما أحرق كبد النظام غيظًا، فكان بحق مفخرة في تاريخ دعوة الإخوان المسلمين، ونذكر عندما ذهب أحد الإخوان للأستاذ الهضيبي وقتها يشتكي من حركة هؤلاء الشباب بالدعوة والتجمع قال له: أو ليس قعودك عن الدعوة والعمل لها إضرارًا لها؟ (من شهادة الدكتور محمد بديع).

 

يوسف العظم :

بين سيد قطب والامام البنا

بقى أن نقدم مقارنة بين عطاء الشهيدين حسن البنا وسيد قطب للإسلام وللحركة الإسلامية، فلا مجال للمفاضلة بين الرجلين، إذ أن الشهيد سيد قطب يقول ويشهد للإمام حسن البنا بالأستاذية، ويعترف له بفضل السبق إلى ميدان العمل والبناء.

وما خطر بباله أن يأتى اليوم الذي يرضى فيه الرجل لنفسه أن يقدم على الإمام الشهيد، البنا، العبقرى في أى مجال.

مجالات البناء والعطاء، وهذا ما أورده الشهيد سيد قطب في كتابه “دراسات إسلامية” حيث تحدث عن البنا وعبقرية البناء، ويحسن أن نورد هنا ما سجله الأستاذ يوسف العظم حول هذه المقارنة في كتابه عن الشهيد سيد قطب فيقول:-

يمضى الشهيد على طريق الأدب أولا والفكر ثانيا والالتزام بأمور الدين والفرائض ثالثا، بينما بدأ حسن البنا حياته ملتزما بروح الدين وتكاليف الشرع، حتى إنه أنشأ وهو مازال على مقاعد الدراسة جمعية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر”

وإذا كان حسن البنا قد انصرف إلى الأنفس يدعوها إلى التطهر، والقلوب يدعوها إلى التآلف،

فقد انصرف سيد قطب ابتداء إلى العقول يدعوها إلى الاستنارة والتبصر والتدبر والنظر فيما حولها وما يراد بها من مكر الأعداء وتآمر الدخلاء الذين يحملون أسماءنا وينطقون الحروف العربية كما ننطقها في حياتنا اليومية مساء وصباحاً.

لقد انصرف حسن البنا لجمع الشباب وتوعيتهم وتنظيمهم حول صفاء العقيدة وشمول الإسلام وصلاحيته للحكم ومعالجة شئون الحياة مستمدا من الكتاب والسنة قواعد أساسية عامة أقيم عليها تنظيم الجماعة.

أما سيد قطب فقد لقى جيلا منظما، وشبابا متوثبا، وجماعة واعية فراح يعمق مناهجها ويبلور أهدافها وغاياتها وفق أحكام الإسلام متخذا من القرآن الكريم منطلق منهاجه حتى صار رجل الفكر الأول ليس في الجماعة وحدها بل في العالم الإسلامى كله.

 

كان البنا مهندس الجماعة وبانيها، وكان سيد قطب نبعها الثرى بزخم فكرى نير، وعطاء من نور الإيمان، يقدمه منهاج حركة ومنهاج حياة، لجماعة عملت منذ وجدت بتطبيق شرع الله في الأرض، واستئناف الحياة الإسلامية رغم كل الظروف القاسية والمؤامرات المريبة التى لا ترحم.

 

لقد كان حسن البنا البذرة الصالحة للفكر الإسلامى، وكان سيد قطب الثمرة الناضجة لهذا الفكر المستنير.

ولئن كان الشهيد سيد قطب قد زرع في كل بيت كتابا ينير العقل وفكر تهتدى به الأجيال

فقد زرع الشهيد حسن البنا في كل ميدان رجلا وفي كل حقل داعية يعطى المثل الحى على أن الإسلام حسن تحمله القلوب الصادقة في الصدور العامرة يحيلها أقباسا وضيئة، ومشاعل على الدرب، وعنا وين على البذل والعطاء..

لتكون كلمة الله هى العليا أبدا، وجند الشيطان الخاسرون إلى بوار..

لقد قدر للرجلين أن التقيا في عام الولادة.. وأن يلتقيا في ساح الشهادة، بأن يسقط كل منهما على يد طاغية أرعن وجندى من جند الشيطان..

والرجاء في رحمة الله كبير بأن يغمرهما بفضل منه وأن يجمعهما في مستقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

الفصل الخامس والأخير من هذا الكتاب جاء بعنوان “صراع السلطة والمعرفة”، وتضمن مداخلة واحدة جاءت في صورة دراسة أو مقال تحليلي بعنوان “صراع السلطة والمعرفة في المجتمع العربي.. “معالم في الطريق” نموذجًا”، للكاتب والباحث السوري الدَّكتور رضوان جودت زيادة.

وفي هذه الدراسة تناول زيادة الظروف التي نشأت في إطارها جماعة الإخوان المسلمين، وكيف تطورت، كما قدم قراءات في فكر قطب من زاويةٍ مغايرةٍ تختلف عن النظرة التقليدية لسيد قطب من كونه أديبًا أم فقهيًا، فيقول زيادة: إن قطب كان مفكرًا ليبراليًّا أكثر من كونه مفكرًا إسلاميًّا، وإنَّ الكثير من أفكاره استقاها، وخصوصًا في الجانب الاجتماعي، بحسب زيادة، من مدارس فكريَّة أخرى مختلفة، من بينها الماركسية والليبراليَّة.

كما يؤكد زيادة الفكرة المحوريَّة التقليديَّة التي أكدها المجموع العام للمفكرين الذين قدم الكتاب إسهاماتهم، حتى ممَّن اتهموا قطب في أفكاره، وهي أنَّ الظروف والملابسات التي مر بها قطب والحركة الإسلاميَّة بوجهٍ عام في تلك المرحلة، كانت وراء ظهور مثل هذه الأفكار.

ألهمنا الله وإياك الرشد وهدانا سواء السبيل …

آمين

والله أكبر ولله الحمد

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.