قد يتعجب كثير من الناس حين يرون أن بعض الدول المغموره ، حديثة العهد على مسرح التاريخ مثل أمريكا وكندا واستراليا والبرازيل وغيرها ، هى التى تقود توجيه العالم اليوم في
مجالات البحث العلمى والاقتصاد الخ ، ويزداد تعجبهم أكثر حين يجدون دول الحضارة والعراقه ، مثل مصر وسائر العرب قد دخلوا في نفق مظلم ، بعد أن رجعوا بخفى حنين من كل اتجاه ومنحى ، ويتعجبون أكثر وأكثر حين يرون أن معظم الدول المتقدمة في العالم ، لم يكن لديهم مجتمعين ربع الثروات الطبيعيه ، التى تزخر بها دولة واحده من الدول العربيه كالنفط والحديد والنحاس والآثار ، أوحتى المورد الكونى الفريد المناخ الطبيعى ، فى أعظم بؤرة جغرافية على وجه الأرض ، وهكذا تبلغ علامات التعجب لديهم أمدا مريرا ، بأن هناك لوغاريتمات معقدة وغير مفهومه فما هى حقيقه الأمر اذن ، سأختصر المسافات في توضيح أبعاد هذا اللغز المحير لدى كثير من الناس في السطور التاليه ،، منذ فجر الخليقه وقد انفردت المنطقة العربية برمتها عن سائر مناطق العالم ، بخصائص كونيه فريده ، فقد حباها الله تعالى ثروات طبيعيه متعدده ، فائقة فى تكوينها ، ثمينة فى سعرها ، فكانت بمثابة الارث العظيم الذى لم يكن له نظير قط في سائر الكرة الأرضيه ، وقد كان هذا الارث العظيم مرادفا لتألق ونبوغ العرب وتسيدهم مقاليد التقدم في كافة ميادين الحياه ، وظلت انجازاتهم المجيده وابداعاتهم الفريده ، عنوانا للحضارة الانسانية قاطبه ، فظلت تهفو اليها القلوب وترنو اليها الابصار احتراما واجلالا ، ولكن سرعان ما انقلبت الأمور رأسا على عقب ، عشية سقوط الخلافة الاسلاميه مأسوفا عليها ، حيث بادر حكام الأقاليم الجدد بتوقيع بروتوكولات المساومة الخبيثه مع نظرائهم الساسه الغربيون ، في تطبيق خطة طويلة الأمد تنتهى بتدمير الثروتين الطبيعية والبشرية على السواء ، فى جميع الأقطار العربية من محيطها الى خليجها ، وهو ما قد حدث بالفعل فلم يعد لدى العرب حاليا أى تواجد في موازين القوى المختلفه ، بعد ضياع الثروات الطبيعيه وتقويض الثروة البشريه ، واذا كان من الواجب والضرورة هو الحفاظ على الثروات الطبيعيه ، فان الحفاظ على الثروة البشرية أشد وأبقى ، ولكن حكام العرب وعن بكرة أبيهم قد عبثوا بالاثنين معا ضاربين بكل القواعد والمعايير الأخلاقية والانسانية عرض الحائط ، وليس منى بافتراء ولا اجتراء ، فالأرقام والمعادلات والمقارنات والمفارقات ، بين العرب وسواهم هى خير دليل ، فبينا عمدت العديد من دول العالم على القيام بالتنمية البشرية قدر استطاعتها تعويضا لعدم امتلاكها للثروة الطبيعيه ، فكانت النتيجة الحتميه لذلك هى تحقيق التكامل في شتى مناحى التقدم والازدهار ، ففى الاتجاه العكسى قام حكام العرب والمسلمين بغير واحدة من الطرق ، باستخدام فائض الثروة الطبيعيه فى هدم الثروة البشريه ، ويا حمرة الخجل حقا لما آلت اليه أوضاع المنطقة العربيه ، وحدث ولا حرج فما كان حالنا اليوم لو أدرك هؤلاء الحكام الجهابذه دور التنمية البشريه فى تدشين حضارة عربية شامخه مستقله على نفس النسق الفريد للحضارات العربيه القديمه او حضارات الغرب حاليا ، لكنهم رغبوا بمحض ارادتهم في هذا المصير المحتوم ، والذى يعكس بون شاسع مأسوى بينهم وبين الآخرين على كل صعيد ، ويمكن أن نرى ذلك بجلاء في أكثر من مؤشر عبر الارقام والاحصائيات التاليه ، أولا من بين أفضل خمسين دولة فى مضمار التنمية البشرية على مستوى العالم ، كان نصيب العرب موقعين فقط خيث احتلت قطر المركز 36 ثم البحرين الترتيب 47 ، وبالنسبة للانفاق على تنمية وتطوير قاعدة البحث العلمى باعتبارها قاطرة التنمية الحقيقيه ، والمحك الرئيسى فى صراع الأمم نجد أن أفضل عشرين دوله على مستوى العالم فى هذا المضمار ليس من بينهم أى دولة عربيه ولا اسلاميه ولا حتى افريقيه ، وكان تصنيف مصر الرقم 45 فهى ليست بحاجه لدعم البحث العلمى ، لأن اهتمامها يصغى الى رعاية الفن والطرب والموسيقى والرياضه وما خفى كان أعظم ، ولنا أن نتخيل مأساه أخرى فى المقارنه بين العرب وغيرهم ، وتتعلق بالترسانة النوويه ، باعتبارها المحور الأول والدائم فى تأمين وتحصين الأمن القومى ضد أى عدوان خارجى ، فأين العرب من روسيا التى تمتلك نصيب الأسد من الرؤوس النوويه ولديها 18 ألف قنبلة نوويه ، و أمريكا التى بحوزتها 10500 رأس نوويه ، أو الصين صاحبة 400 قنبله نوويه ، وفرنسا التى بجعبتها 350 رأس نوويه ، وانجلترا التى تمتلك 200 قنبله ، والهند التى لديها 90 قنبله ، وكوريا الشماليه التى تهيمن على 18 قنبله ، وربما وجود باكستان ب48 قنبلة نوويه ، هو العزاء الوحيد للدول الاسلاميه ، أخيرا وليس بآخر ، لقد ظهر بجلاء شديد أهمية وقيمة العنصر البشرى اذا أحسن استغلاله فى وضع بصمات باهره ، من شأنها أن تغير مسار شعبا بأكمله من النقيض الى النقيض ، يا حكام العرب والمسلمين أعيدوا النظر فى مصير ثروتكم البشريه ، وتيقنوا بأن النهوض بها فريضة شرعية وحتمية واقعيه ، فلا ينبغى أن تظلوا على سفهكم هذا بوصفكم الثروة البشرية بالأنعام ، فانى لست بطامع في بلوغ المثاليه ، من جراء التنمية البشريه ، ولكن على أقل تقدير دراسة أبعاد التنمية البشريه بشكل برجماتى واقعى ، على غرار دول المركز على مستوى العالم ، عندئذ سوف تحدث انفراجه كبرى في قضايا التعليم والصحة والبطاله ، وبالحتميه سوف تجف منابع الجريمه ويسترد الاقتصاد عافيته ، وانظروا ماذا تمثل الثروة البشريه لدول الالحاد وعبدة الشيطان —- انتهى