أقول وبكل أسف أنه لا يزال بيننا من يحاولون اختزال كل المصائب والكوارث والأخطار والتهديدات التي تواجه المنطقة العربية في التهديد الايراني وحده , والي درجة أنهم لا يرون تهديدا آخر أكبر أو أخطر منه , فكل
المصائب التي حلت وما زالت تحل بنا تبدأ من ايران وتنتهي بايران , وانطلاقا من هذه الرؤية الأحادية لمصادر التهديد والخطر , وجهوا وما يزالون بوصلتهم السياسية في الاتجاه الخاطئ , ووضعوا امكاناتهم في غير المكان الصحيح الذي كان يجب أن توضع فيه , وكانت النتيجة هي أن هناك شعوب عربية تذبح , ودول تدمر , ومجتمعات عربية تتحلل وتتفكك وتضيع , وجيوش وطنية عربية تنهار , ودمار شامل يتهدد الجميع بسوء المصير . ما يزال هذا البعض مصرين علي ما بدأوه لا يريدوا أن يراجعوا أنفسهم فيه أو يتراجعوا عنه , وكأنهم علي صواب دائما , وغيرهم علي خطأ دائما . لا يستمعون الي نصيحة أحد ولا يعجبهم رأي أحد الا من يوافقهم الرأي . شبكة تحالفاتهم تتجه الآن الي أحد أهم مصادر الخطر علي أمن هذه المنطقة , الي قوة اقليمية طامعة ومتحفزة نعرفها كلنا , وهي قوة تجد فرصتها في ما يحدث في هذه المنطقة المنكوبة من فوضي ودمار كان لها نصيب وافر في احداثه . هذه هي القوة التي يضعون ثقتهم فيها , ويفوضونها بالدفاع عنهم تحت وهم أنها ستكون حليفهم الموثوق فيه في حربهم المقبلة علي ايران , وهو وهم لا أساس له من الواقع وتكذبه كل الشواهد , ولكن هذه هي مشكلتهم مع أنفسهم قبل أن تكون مع غيرهم . وأقول أنه لو أن هذه كانت هي القاعدة التي تبني عليها الدول علاقاتها , وخاصة مع دول الجوار , أي بالمقاطعة والانغماس ضدها في صراعات وحروب لا طائل من ورائها ولا نهاية لها الا بدمار أحد الطرفين , لما كانت هناك علاقة طبيعية واحدة بين دولتين في العالم : كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية , الصين واليابان , فرنسا وألمانيا , أمريكا وكوبا , أمريكا وروسيا , وأمثلة أخري كثيرة تفوق الحصر . كانت كلها علاقات عداء وصراع وحروب وتحولت الي علاقات تحكمها المصالح المتبادلة , وهي علاقات قابلة لأن تنمو وتكبر وتتطور وتأخذ أبعادا لم تكن متصورة في يوم من الأيام . وعلي ذلك أقول : أنه لا أمل في أن تهدأ هذه المنطقة وتسكت أصوات المدافع فيها ويستقر لها حال , اذا لم يتغير هذا النهج الخاطئ واللاعقلاني في التعامل بين دولها , ويتحول في اتجاه آخر من منطلق قاعدة أخري من الرؤي والحسابات تري الخطر وتحاول أن تتعامل معه من زاوية أوسع بكثير من الخطر الايراني وحده كما تفعل هذه المجموعة من الدول الآن , وأقول : لتكن ايران ما تكون بطموحاتها وتطلعاتها كقوة اقليمية كبيرة ولكن عليكم أن تعرفوا المداخل المؤدية اليها والتي يمكن أن تحقق لكم ولكل من حولكم نمطا طبيعيا من التعايش الايجابي معها بدلا من استنزاف الموارد وتبديد الطاقات واهدار الوقت في ما لا يجلب عليكم وعلي الجميع سوي الخراب والدمار الذي سوف يصيبكم شئتم أو أبيتم . أنتم لستم طرفا في حروب قبائل يمكن أن تستمر بكم مدي الحياة , ولكنكم طرف في علاقات دولية عصرية واسعة ومتشابكة ومتطورة لا تجدي معها مثل هذه الأساليب التي عفا عليها الزمن . حاولوا أن تنفتحوا علي من حولكم , وانسوا أن المال يمكن أن يشتري كل شيئ , وتفاعلوا بايجابية أكبر مع الظروف المحيطة بكم , وسوف تجدون في ما أقول الضمان الحقيقي لأمنكم الذي تبحثون عنه ويكلفكم الكثير ومع ذلك لا تجدوه . الأمن الحقيقي هو في التعاون وليس في الصراع والحرب وتدمير الطاقات واستنفار عداء من حولكم لكم . ليت هذه الرسالة تجد من يفهمها علي حقيقتها .