إذا كانت ثورة 25 يناير قد كشفت عن معادلة سياسية غير مسبوقة في المجتمع المصري قوامها ” مواطن جرئ في مواجهة نظام سياسي هش”، فإنها بالقدر ذاته أتاحت الفرصة على مدى عام كامل لإعادة وصف الخرائط السياسية والدينية
والمجتمعية التي أطلت برأسها في اعتصامات فئوية، ومليونيات سياسيه وانتخابات برلمانية. ولأن ” الركض السريع” لكافة القوى السياسية بعد الثورة حال دون التوقف لوصف الحالة المصرية، وفهم مكنوناتها، لذا واجهت الثورة بعض العثرات ثورة الخامس والعشرين من يناير استحوذت على اهتمام العالم كله وخاصة صانعي القرار في الدول الكبرى في عالم اليوم ، باعتبار أن مصر دولة محورية لها ثقلها الإقليمي ودورها على الساحة الدولية في قضايا ذات تأثير حيوي.
التحدي الأكبر الذي يجابه مصر حالياً هو البحث عن الطريقة المثلى للتحول من حالة الزخم الثوري إلى ديمقراطية آمنة، تكرس تحقيق الأهداف والمبادئ التي قامت من أجلها ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة، والتي قدم شباب مصر وشيوخها أرواحهم فداء تحقيق هذه الأهداف والطموحات لتعتلي مصر من جديد منصة الحضارة والتقدم
لاسيما على صعيد غياب آليات بناء الاتفاق السياسي بين القوى السياسية، وبالتالي الافتقاد لبناء رؤية جديدة للدولة المصرية “المريضة” التي التبس مفهومها لدى البعض بالنظام السياسي الأمر الذي جعل بعض القوى لا تفرق بين سقوط نظام وانهيار دولة راسخة بوظائفها الأمنية والتنموية.
أن التحول نحو الديمقراطية يجب أن يتم بهدوء وتروي ، أن الاضطرابات وعدم الاستقرار لا يوفران مناخا صحيا للانتقال السلس ، لان الأعباء التي تواجهها الحكومة ومؤسسة الرئاسة أعباء كبيرة وبالغة الخطورة ، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الظروف الداخلية والإقليمية التي تمر بالمنطقة . أن الشباب يقدرون الظروف التي تمر بها مصر ، وأنهم يرحبون بأي عمل يساعد علي الاستقرار والتحرك نحو الديمقراطية ، لان الشباب يطالبون بتغييرات جذرية لأن ثورة 25 يناير جاءت لتغير النظام ككل ببنيته التشريعية والقانونية وتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية ، أن المرحلة الحالية مرحلة حساسة يجب أن يتحلي الجميع فيها بالمسئولية الوطنية لان الشباب في تواصل دائم مع مؤسسة الرئاسة والحكومة بهدف نقل مطالبهم ووجهات نظرهم ورؤيتهم السياسية لمستقبل ثورتهم تأتى القاعدة الشعبية العريضة، وهى الرقم الأهم فى المعادلة السياسية برمتها، لتتخير بين الاستقرار والرضا بما هو قائم أيًا كان، أو الإصرار على استكمال الثورة التى لا تزال ناقصة حتى الآن، سواء كان هذا الاستكمال بالاحتجاج المباشر فى الشوارع، أو بالوقوف ساعات أمام طوابير الانتخابات، لاختيار وجوه أو برامج ثورية، حال تبلورها واكتمالها.
أ- تبني إسرائيل حساباتها على قاعدة التكامل بين التفكير الذاتي وتكييف التطورات، وذلك بما يتيح تحصين أمنها القومي، فما يهمّ إسرائيل هو أن تسود في مصر ظروف لا تنطوي على تغير الوضع الراهن الذي يمثل، في التصور الإسرائيلي، الحد الأدنى المقبول، وبالتوازي مع هذا التطلع يشدّد الإسرائيليون على ضرورة التحسّب للتطورات، والتعامل مع أي تغييرات في مصر بمصطلحات الأمن وامتلاك القدرة العسكرية التي يعتبرونها الضامن الأول لوجود الدولة واستمرار أدائها العام.
ب- تدرك دوائر صناعة القرار في الدولة العبرية بأن “المجابهة مع إسرائيل” لا تزال السيناريو المرجعي لخطط الجيش المصري وتدريباته، حتى بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ومن هنا عمدت إسرائيل، تحت عنوان “إدارة الأخطار” و”زيادة الجدوى”، إلى ترجمة الاحتمال الضئيل لانهيار حالة السلام مع مصر، وفي إثر التطورات على الساحة المصرية من المرجح أن تجري إسرائيل مراجعة عميقة لاستيعاب تأثيرات الثورة المصرية على أمنها القومي.
ت- قدرت إسرائيل بأن الأزمة في مصر غير مرتبطة بها بصورة مباشرة، وفي هذا السياق يمكن فهم تأكيد وزير الأمن الإسرائيلي إيهود براك في 28 شباط/ فبراير على عدم وجود أي تهديد فوري على إسرائيل نتيجة الثورة المصرية، لكن إسرائيل تقدر بأنه في حالة سقوط نظام مبارك، فإن أي نظام جديد في مصر سيسعى، وإن ظاهرياً، للمس بحالة “السلام” مع إسرائيل لإدراكه أن أحد عوامل النقمة على النظام السابق تمثلت في تحالفه مع الاحتلال الإسرائيلي، واشتراكه في حصار قطاع غزة.
ث- أكدت الثورة في مصر على “الضائقة الاستراتيجية” لإسرائيل في الشرق الأوسط، وذلك بعد تراجع حلفها الاستراتيجي مع تركيا بسبب الاعتداء على أسطول الحرية أواخر أيار/ مايو عام 2010، ومن هنا ترى إسرائيل بأنه لا يمكنها فعل شيء غير الأمل بأن تولّد الأزمة حكومة مصرية مستقرة مخلصة للسياسة الخارجية التي تبنتها الحكومة السابقة، بما في ذلك اتفاق “السلام”، والعلاقات مع إسرائيل والصلة بالغرب.
ج- تضمنت التقديرات الإسرائيلية سيناريو “متطرفاً”، مفاده أنه إذا ما جرت الانتخابات كما يريد الأمريكيون، فإن معظم الاحتمالات تصب في أن “الإخوان المسلمون” سيفوزون بالأغلبية، وسيمثلون الجهة الأبرز في النظام القادم، وعليه فإن اتفاقية “السلام” الإسرائيلة- المصرية ستتضرر نتيجة هذا التحول.
ح- في أعقاب الثورة المصرية دعت أصوات مؤثرة في إسرائيل إلى تبني تفكير مغاير عن النظام الإقليمي ومكانة إسرائيل فيه، كما دعت إلى أن تُكيِّف السياسة الخارجية الإسرائيلية نفسها مع واقع يكون فيه مواطنو الدول العربية، وليس فقط حكامها والدوائر المفربة منهم، مؤثرين في رسم سياسات بلدانهم وتوجهاتها، وتمثل هذه الدعوة شكلاً من أشكال الواقعية السياسية، ذلك أن إسرائيل تأمل على الدوام استمرار الأوضاع العربية على ما هي عليه من تراجع في الحياة الديموقراطية والحريات السياسية وحقوق الإنسان، ويعبر عن هذا الموقف تصريح لوزير الأمن إيهود براك في 28 شباط/ فبراير بأنه” لا يرى أي فرص لنشوء ديمقراطية كاملة في العالم العربي خلال الأعوام القريبة”، ومع ذلك، فإنه يرى بأن الحديث يدور عن توجه إيجابي للتطور، وللحصول على حقوق إنسان إلى جانب حقوق الأقليات والنمو الإقتصادي.
خ- إن الصراع العربي-الإسرائيلي سيكون أمام منعطف جديد؛ لأنه، ولأول مرة في تاريخ الصراع، ستكون إسرائيل في مواجهة تحول ديموقراطي عربي جدي، بما يعنيه القول من إمكانية تقديم نموذج سياسي عربي ينافس إسرائيل ويصارعها ضمن أدوات تفوقها ومعاييرها التحديثية نفسها، وقد جربنا مع إسرائيل كل المنطلقات، وأبرزها أننا في صراع حق وباطل، فقد حصرنا المواجهة في المستوى العسكري، وهو ما لم نجربه بشكل صحيح حتى الآن، والصراع العربي- الإسرائيلي هو أيضاً صراع تخلف وتقدم، والسر في الحالين هو حداثة النظام السياسي، وكيفية إنتاج الشرعية وقواعد تداول السلطة.
جاءت الثورة لتحدث قطيعة مع أحادية اللون تلك. فالميدان وشوراع الثورة تميزت بالتعدد والتنوع. جاءت لتضيف قيماً جديدة في احترام الجسد والمساحة العامة، بل يمكن الدفع بأن حركة الثورة تدور حول الجسد واحترامه وعدم مهانته وحول استعادة الفضاء والمجال العامين من سطوة الدولة. كما جاءت كاسرة لثنائية الإسلاميين / والحزب الوطني والعسكر. وعلى الرغم من الانتكاسة الحالية للثورة، فإن تلك الثنائية قد تهلهلت. ومن غير المتوقع أن تنكسر ثنائية وهيمنة عاشتا وتوغلتا لعقود في سنوات قليلة، حيث من الطبيعي أن يحصل تأرجح بين العسكر والإخوان، وبين شبكاتهما الزبونية.
فتلك مثلت بنية المجتمع القديم الراسخة، كما مثلت قيماً مغرقة في الرجعية والمحافظة والاستبداد. انطلقت الثورة من تنظيمات شبكية معادية لتراتبية السلطة وهيمنة البنية على القيمة والفرد، كما هي تحاول الحفاظ على التعدد الهوياتي، أي أنها تفاوض الهويات في صراع بناء غير قائم على نفي وجود الآخر والاستحواذ والهيمنة. وكان هذا أحد أهم خطوط المعركة مع الإسلاميين وجماعة الإخوان المسلمين. وعبرت معارك الثورة عن خمسة خطوط من الصدام والتفكيك لمنظومة السلطة وهي:1- التنوع والتعدد 2- الجسد وتفكيك منظومة الأمن القديمة 3- المجال والفضاء العام وإعادة صوغها بما يتناسب مع تطلعات الحرية والانعتاق 4- المرأة وحق الوجود والمساواة وعدم انتهاك حقوقها في المجالين العام والخاص 5- العدالة الاجتماعية ونمط جديد من الإنتاج بما يواكب التحرر والتقدم الاقتصادي وبناء منظومة جديدة للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة.

التعليقات