تشابكت أيادي قوات الأمن في شبه دائرة، لتصنع “كردونًا أمنيًا” حول منطقة “الرويعي” بوسط القاهرة، التي لاحت في سمائها سحابة من الدخان، انبعثت من الحرائق التي اشتعلت بالمنطقة، والتي استمرت لمدة تزيد على ست عشرة ساعة متواصلة، لتحرق مصانع وورشًا ومخازن، يستخدمها أصحاب المحال التجارية، والباعة الجائلون في العتبة لتخزين بضائعهم.
وبالرغم من أن مقر قوات الدفاع المدني والمطافئ، لا يبعد إلا خطوات قليلة عن منطقة اشتعال النيران، إلا أن القوات وجدت صعوبة في السيطرة علي الحرائق، التي امتدت لتصل لحوالي 6 عمارات في أماكن متفرقة بالمنطقة، والتي تعتبر سوقاً تجارية كبيرة لبيع مستلزمات الديكور والتشطيب، وهو ما استدعي تدخل “القوات المسلحة” التي دفعت بعربات إطفاء للمساعدة فى عملية الإطفاء، وإنقاذ سكان المنطقة التي حاصرتها النيران.
في وسط الركام وآثار الحريق وعربات الإطفاء، تجول رجال “النيابة العامة” للاستماع لشهادات الأهالي لمعرفة سبب الحرائق، التي تكرر اشتعالها في المنطقة، حيث سبق هذا الحريق المروع بأسبوع واحد، مساء يوم الأحد الماضي، اشتعال مبني شركة “صيدناوي”، الذي يبعد أمتارًا معدودة عن مكان الحرائق التي اشتعلت بالمنطقة، علي مدار يومين مساء أمس واليوم، وتم توجيه الاتهام وقتها للماس الكهربائي بالتسبب في الحريق.
الغريب فى الأمر- كما قال أهالي الرويعي- أن حوادث الحرائق التي وقعت في المنطقة، اشتعلت مساء يوم أحد، وهو يوم إجازة لجميع المحال التجارية بالمنطقة، كما أن ألسنة نيران الحريق الأخير امتدت لتصل لأماكن متفرقة بالمنطقة، وهو ما يثير الشكوك حول أن هذه الحرائق حدثت بفعل فاعل.
أصحاب المحال يقذفون بضائعهم من الشباك
أسفل عمارة “الأندلس” التي اندلعت منها الشرارة الأولي للحرائق، تناثرت أجولة مملوءة بالبضائع، وتوقفت عربات نقل لتحميلها ونقلها لمكان بعيد عن مصدر النيران، حيث جازف العاملون وأصحاب المحال التجارية، بالصعود للمبني واختراق النيران، وقاموا بجمع البضائع وقذفها من الشبابيك التي تطل علي جراج العتبة.
علي أحد الأجولة البلاستيكية المملوءة بالملابس، جلس المهندس سامي الشاهد، صاحب أحد المحال التجارية بعمارة الاندلس، وقد توجم وجهه وبدا عليه الحزن، وقد انشغل العاملون معه بتحميل البضائع التي تقذف من “الشبابيك”، علي عربات نقل، يقول الرجل الملتحي الأشيب وهو يشير علي المبني المحترق:”يوجد في هذا المبني ما يزيد على 200 ورشة ومحل تعمل في تجارة الجملة، بالإضافة لـ “فندق” سكني في الأدوار الأخيرة، وهو ما يرفع قيمة الخسائر التي تصل لملايين الجنيهات”.
يلتقط إيهاب سعد أحد العاملين بالمبني، وقد بدا عليه وجهه الإرهاب والتعب الممزوج بالحزن يقول:”الحريق الذي حدث قضاء الله ولكن ما يغضبني هو طريقة الإطفاء البطيئة، بالرغم من أن مقر الحماية المدنية لا يبعد إلا دقائق معدودة من المكان، وصلت سيارات المطافئ بعد ساعة ونصف الساعة من اندلاع الحريق”، انهي الرجل حديثه وقد ارتفعت أصوات الأهالي الغاضبة، بسبب الطريقة التي تم التعامل بها مع الحريق، مؤكدين أنه لولا تدخل قوات الأطفاء بالقوات المسلحة، لأتت الحرائق علي الرويعي والعتبة بالكامل.
بغضب شديد وانفعال أكد عدد من أصحاب المحلات أن “بيوتهم اتخربت”، خاصة أن المخازن والمحال المحترقة، كانت تحتوي علي كميات بضائع كثيرة، تم تخزينها استعدادًا لموسم رمضان والعيد، وهو ما يهددهم بالاستدانة والحبس، لأن معظم هذه البضائع أخذت من أصحاب المصانع بشيكات، المهددة أيضًا بالإغلاق بسبب عدم السداد.
بطول الشارع اصطفت أكثر من عشر سيارات إسعاف، حيث أكد المسعفون الذين تحدثوا لـ”بوابة الأهرام”، أن معظم الإصابات عبارة عن اختناقات، بسبب الأدخنة المتصاعدة وتم علاجها في موقع الحادث، وتم نقل عدد من المصابين للمستشفيات القريبة بوسط البلد لتلقي العلاج، وأرجعوا سبب عدم وجود حالات مصابة بالحرق، أن الحادث وقع في المساء والمحال مغلقة، وأن رجال المطافئ والدفاع المدني، كانوا حريصين علي إخلاء الأهالي والسكان، في الأدوار العليا بفندق” الاندلس” وفي المباني المجاورة، وهو ما أدي لعدم حدوث خسائر بالأرواح، بالرغم من ضخامة الحادث.
النيابة تحقق وشكوك بتدبير الحادث.
في الطريق للوصول لأماكن التي لا تزال مشتعلة، بداخل منطقة “الرويعي”، وقف عدد من الموظفين بشركة “صيدناوي” التابعة للدولة، يتابعون ما يحدث من خلف الأبواب الحديدية، ولا تزال آثار الحريق الذي اندلع الأسبوع الماضي بالمبني ظاهرة، يقول أحدهم :”مساء الاحد الماضي فوجئنا بمن يخطرنا باشتعال مبني الشركة من الخارج، وتمكنت قوات الحماية المدنية من إخماد الحريق ووقف امتداد النيران لداخل الشركة”.
السرعة التي أخمد بها الحريق أوقفت تمدد النيران لداخل الشركة، ولكن وقوع الحريق في مساء يوم إجازة، وتكرره في الأسبوع التالي أثار شكوك وظنون أهالي “الرويعي”، من أن الحادث وقع بفعل فاعل، خاصة أن الحريق تم بنفس الطريقة.
في قلب منطقة المشتعلة، تجمع عدد كبير من الباعة وأصحاب المحال التجارية، لمتابعة عمليات الإطفاء التي تقوم بها قوات “الحماية المدنية”، وقد تصاعدت الأدخنة من كل مكان، وتحول لون المباني المحترقة للأسود، وامتلأت الأرض بالركام والمياه، وهو ما أدي لصعوبة التحرك والمرور، وهو ما أدي لتدخل “بلدوزرات” الحي لإزالة الركام وفتح الطريق.
في وسط هذا الجو المبلد تحرك وكلاء “النائب العام”، لتجميع شهادات الأهالي ومعاينة مكان الحادث، أحد شهود العيان من أهالي المنطقة، أكد في حديثه لرجال النيابة، أن الحادث وقع في الساعة الحادية عشرة مساء يوم الأحد، واستمر لما بعد عصر اليوم التالي الاثنين، مشيرًا إلي أن الحريق بدأ في عمارة “الاندلس”، ثم امتد بسبب سرعة الرياح للجهة المقابلة التي تبعد عنها حوالي 20 مترًا، وبعدها وصلت لعدد من المباني في الشوارع الخلفية المجاورة.
قبل أن ينهي حديثه قاطعه بانفعال عدد من أهالي المنطقة، مؤكدين امتداد النيران بهذه السرعة من مبني لآخر في توقيت واحد مشيرين إلى وجود تدبير لإشعال النيران في المنطقة، خاصة أن الحرائق امتدت لتصل لأكثر من 6 مبانٍ، وأدت لحرق مبانٍ ومحلات بالكامل، وهددت بوقوع كارثة بشرية لولا تدخل قوات الحماية المدنية لإنقاذ سكان العمارات، الذين حاصرتهم النيران والأدخنة المتصاعدة، وهو ما أدي لاصابة عدد كبير منهم بالاختناق.
أنهي فريق النيابة عمله، في حين استمر رجال الحماية المدنية، في الصعود والهبوط علي السلالم المتحركة للوصول لمصادر النيران ومحاصرتها بخراطيم المياه، في هذا الجو الملبد المغلف بسحابة من الدخان، وقف رجل خمسيني من أهالي المنطقة، وهو يقول بنبرة عالية ويشير إلى أعمدة الإنارة :”هذه الأعمدة هي السبب في اشتعال الحريق، حيث يستخدمها الباعة في الانارة”، يشير الرجل إلى الأسلاك الخارجة من أعمدة الانارة، والتي تحولت للون الأسود.
ولكن ما قاله الرجل لم يأت علي هوي معظم الأهالي الغاضبين، الذي تجمعوا لمتابعة عمليات الإطفاء والانقاذ، التي تقوم بها قوات الحماية المدنية، حيث ارتفع صوت أحد الشبان وهو يتساءل بغضب:”إذا كان الحريق بسبب ماس كهربائي، لماذا امتدت النيران للشوارع الخلفية في توقت واحد”، أخذنا هذا الشاب إلي شارع “العسيري” وهو شارع خلفي، يؤدي إلي ميدان العتبة وشارع بورسعيد، وقد أتت النيران علي ممر كامل بداخله وبعض المحال الأخري.
انشغل رجال الإطفاء في محاربة ألسنة اللهب والدخان المتصاعد بخراطيم المياه، وقد صعد بعضهم علي السلالم المتحركة للوصول للأدوار العليا التي وصلت إليها النيران، وفي وسط كل ذلك تجمع أصحاب المحال أمام بضائعهم المحترقة وقد بدت عليهم علامات الحزن والحسرة، وهم يقولون “بيوتنا اتخربت حسبنا الله ونعم الوكيل”.
https://www.youtube.com/watch?v=Q57uuCjvhdA
المصدر :- الاهرام
https://www.youtube.com/watch?v=Q57uuCjvhdA
https://www.youtube.com/watch?v=oP4HoW6Lgl8