مفهوم “إستراتيجية التنظيم”

هل للتنظيم ضرورة لجماعة الإخوان وهل هو غاية أم وسيلة تحقق غاية؟

أسئلة إشكالية هامة يثيرها البعض دوما حينما يتعرض لشئون الجماعة وسر ثباتها وتوفيق الله لها في إحتيازها للمحن والهجمات التي مرت بها أو تتعرض لها على مر تاريخها الطويل.

وقد حاول مراقب محايد وباحث منصف هو الدكتور رفيق حبيب إيجاد إجابة حول هذا التسائل نعرض له هنا في مقدمة هذا البحث.

يقول الدكتور رفيق:

” أُسست جماعة الإخوان المسلمين منذ بدايتها، على أساس أنها تنظيم يقوم بالتنفيذ العملي لمشروع، وهي مرحلة تمثل انتقال فكر التجديد الحضاري من مرحلة الفكر والنخبة، إلى مرحلة التوسع الجماهيري والعمل المنظم،

وبهذا أصبح التنظيم هو الأداة الرئيسة لجماعة الإخوان لتحقيق المشروع الحضاري الإسلامي وأصبح التنظيم يمثل المؤسسة التي تحمل الفكرة وتطبقها عمليًّا، وتحمل مسئولية الوصول إلى الأهداف النهائية، بتحقيق الوحدة السياسية الإسلامية، وتحقيق النهوض الإسلامي، وتحرير كامل أراضي الأمة الإسلامية من أي عدوان خارجي.

لهذا أصبح للتنظيم دور مركزي في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، فهو المؤسسة الجماعية، التي تقوم بعملية حماية المشروع ونشره وتنفيذه على أرض الواقع”.

ومن هنا تأتي أهمية وحيوية فكرة “التنظيم” في منهج العمل الجماعي لدى الجماعة والتي أدرك أهمميتها مبكرا خصوم الدعوة .

وفي هذا يقول الدكتور رفيق حبيب”

أصبح التنظيم يمثل الخطر الأكبر في نظر خصوم المشروع الإسلامي؛ لأنه يمثل الأداة البشرية الجماهيرية لتحقيق المشروع، كما أصبحت حماية التنظيم ضمن أهداف الجماعة، بوصفه أداتها الرئيسة لتحقيق أهدافها،

ومن هنا تحول العديد من المعارك، لتصبح حول التنظيم نفسه، والذي يحاول خصوم الجماعة الحد من قدراته، والحد من قدرته على البقاء والاستمرار وأصبحت الجماعة تدرك ضمنًا أن بقاء التنظيم ضرورة، وتوسعته ضرورة أيضًا.

 

التنظيم وفكرة الإصلاح

ويبرز وجه آخر من أوجه ضرورة وأهمية التنظيم لدى الجماعة، في ارتباط فكرة ” التنظيم” بمنهج الإصلاح السلمي المتدرج، والقائم على القوة الشعبية، وهو المعلم الثابت في منهج عمل الجماعة لتحقيق مشروعها لنهضة الأمة وخدمة الإنسانية.

فعندما أسس الإمام حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين، وضع تصوره منذ البداية معتمدًا على الأمة، على أساس أنها صاحبة الدور الأول في تحقيق الوحدة والنهضة؛ ولهذا أصبحت الطاقة البشرية هي عماد المشروع، وأصبحت قوة الجماعة تنبع من قوة القاعدة الجماهيرية المرتبطة بالمشروع والمرتبطة بالجماعة.

 

ومن هنا ارتبط التنظيم بوصفه البناء البشري المنظم، بفكرة الإصلاح نفسها، فما دام الإصلاح يرتبط بوجود قاعدة بشرية مؤيدة للمشروع؛ لذا يصبح وجود القاعدة البشرية المنظمة، والتي تعمل على تكوين القاعدة الجماهيرية الأكبر، أمر ضروري.

يقول الدكتور رفيق ” اتضح من اختيارات حسن البنا الأولى، أنه يرى أن الفكرة مهما كانت قويةً ومنتشرةً، لا يمكن لها أن تحقق الغايات النهائية لها، إلا إذا توفر لها الجهاز المنظم، الذي يعمل على نشر الفكرة وتحقيقها على أرض الواقع، فالجماهير ليست منظمة، وحركتها ليست منظمة أيضًا، لذا لا يمكن تنظيم حركة الجماهير، دون وجود حركة منظمة من تنظيم قوي، قادر على قيادة حركة الناس، حتى تصبح حركة منظمة وفاعلة.

ويضيف ” لهذا كانت كل رسائل حسن البنا إلى الإخوان المسلمين، ترتبط بقدرة التنظيم على الصمود، وقدرة أعضائه على دفع فاتورة الإصلاح، فالإصلاح ليس عمليةً سهلةً؛ لأنه تغيير لواقع قائم، لهذا كان حسن البنا يرى خطورة المرحلة التي تدرك فيها القوى الحاكمة حقيقة مشروع جماعة الإخوان المسلمين، وكان دائمًا يقدر أن في تلك اللحظة سوف تواجه الجماعة بعواصف عاتية، وهو ما حدث،

فالإصلاح عملية سلمية متدرجة، ولكنه في الوقت نفسه عملية تغيير للوضع القائم، بما يؤثر على القوى المستفيدة من الوضع القائم، ويحرمها من المكاسب التي تحققها من حماية الوضع القائم واستمراره، ولكل عملية تغيير ثمن،

وكان حسن البنا يرى أهمية وجود تنظيم يدفع ثمن الإصلاح، فبدون وجود فئة قادرة على دفع ثمن الإصلاح، لا يمكن تحقيق عملية الإصلاح والتغيير، رغم أن الانتصار النهائي للمشروع الحضاري الإسلامي، سيعتمد على قدرة الأمة على تقديم التضحيات، وليس التنظيم فقط.

الجماهير والتنظيم

إن العلاقة الجدلية بين التنظيم والجماهير في منهج الجماعة، تمثل حلقةً مهمةً في فهم كيفية مواجهة الجماعة للأوضاع القائمة، وطريقها لتحقيق أهدافها رغم العقبات،

فالجماهير هي القوة الحقيقية للمشروع الإسلامي في نظر الجماعة، ولكن الجماهير دون تنظيم، لا يمكن أن تحقق الغايات المرجوة، فالتنظيم هو الذي يمنح الجماهير القوة والتنظيم والعمل المرتب والمنهجي،

كما أن التنظيم هو الذي يسمح بتراكم النتائج والإنجازات.

والجماهير تحتاج للعمل المنظم حتى يتم تعظيم أثر حركتها، وتحتاج للعمل المنظم حتى تستطيع مواجهة العقبات التي تواجهها؛ لذا أصبحت الجماهير هي القوة الحقيقية في منهج الإخوان المسلمين،

وأصبح التنظيم هو الوسيلة الأولى والمركزية، التي تحقق قوة الجماهير.

يقول الدكتور رفيق ” من هنا أصبح التنظيم هو الأداة القائدة لحركة الجماهير المؤيدة لمشروع جماعة الإخوان المسلمين، والمؤيدة للمشروع الإسلامي عامة، فكل عمل يحتاج إلى قيادة منظمة ومدربة، وقادرة على التحمل والاستمرار وتحقيق التراكم في العمل، لذا أصبح التنظيم هو القيادة الجماعية للجماهير المؤيدة للمشروع؛

لذا أسس حسن البنا التنظيم بوصفه وعاءً لكل الأمة، يفتح أبوابه للجميع، ويحاول أن يضم الكل له، رغم اختلافاتهم الفرعية، على أساس أن تتوافق الأمة على مرجعيتها الأساسية، وتحمل قيمها الحضارية الإسلامية، ويصبح التنظيم تعبيرًا عن قاعدة واسعة من الأمة،

لم يكن حسن البنا يتوقع أن تصبح الأمة أو أغلبيتها أعضاءً في التنظيم، ولكنه كان يعمل من أجل توفير إطار جامع وواسع، لقطاع عريض من جماهير الأمة.

ومع مرور الوقت، أصبح التنظيم يُواجه بالعديد من القوى الأخرى التي تختلف معه، فصار يمثل مسارًا أساسيًّا في التيار الإسلامي، وليس كل التيار الإسلامي، وأصبح يمثل البديل الأكثر شعبيةً بين الجماهير، مع غيره من القوى الإسلامية، وظل التنظيم يمثل الأداة المركزية لحشد الجماهير وتحريكها من أجل المشروع الإسلامي، ليصبح عنوانًا للجماهير المؤيدة للمشروع الإسلامي.

 

أهمية تقوية وتحصين التنظيم

في ضوء ما سبق يمكن فهم أسباب اهتمام الجماعة بالحفاظ على التنظيم، فهو يمثل الأداة الرئيسة لتحقيق المشروع، وأي ضعف يلحق بالتنظيم يصيب المشروع في مقتل؛ لأنه يهدد بتراجع المشروع على أرض الواقع، حتى وإن لم يتراجع كفكرة يؤمن بها قطاع واسع من الناس.

يقول الدكتور رفيق ” الاعتماد على الطاقة البشرية، جعل التنظيم هو النواة التي يرتكز عليها مشروع جماعة الإخوان المسلمين، وهو الركيزة التي تساهم في بقاء المشروع رغم كل التحديات والعقبات؛ ما جعل الجماعة تضع في أولوياتها الحفاظ على التنظيم، وأصبحت حماية التنظيم من ضمن الوسائل الضرورية للحفاظ على المشروع، والحفاظ على القدرة البشرية القادرة على تحقيق غايات المشروع.

من هنا جاء الترابط بين التنظيم والغايات التي أسس من أجلها، وليس صحيحًا أن التنظيم أصبح أهم من الغاية أو أهم من الأمة، لأن التنظيم دون الغاية التي أسس من أجلها، ينفرط عقده،

فالغاية هي التي توحد التنظيم، بل إن حماية التنظيم تتم من خلال ربطه بغاياته العليا، وإبعاده عن الاختلاف في القضايا الفرعية، حتى يتم تحصين التنظيم ضد الآفة الشائعة في الجماعات والأحزاب، وهي آفة الخلاف والفرقة، وهو ما يؤدي إلى التشدد أحيانًا، في أمور التنظيم، وفي مواجهة الأفكار التي تثير الخلاف.

فجماعة الإخوان المسلمين، تعمل من أجل الغاية العليا، وترى أن أهمية النقاش حول الفروع والأساليب ترتبط بالظرف المناسب لها، وتحاول ربط المسار الفكري والمنهجي للجماعة بما تحقق على أرض الواقع، فلا تستغرق نفسها في قضايا قبل أوانها.

وفي المقابل سنجد أن التيارات غير الإسلامية، والنظم الحاكمة والدول الغربية، تحاول حصار الجماعة بالعديد من الأسئلة حول مختلف القضايا؛ ما يجعل الجماعة أحيانًا مضطرة للدخول في التفاصيل التي ترى أنها أصبحت ملحةً.

ويحذر الدكتور رفيق حبيب من منزلق آخر يحاول خصوم الدعوة دفعها إليه فيقول إن ” حصار الجماعة بالأسئلة، يهدف أيضًا إلى تخليق تيار داخل الجماعة يشق صفها أو يدفعها للمرونة بأكثر مما ينبغي؛ ما يجعل الجماعة محاصرة بمحاولة شق الصف، وفي نفس الوقت تواجه العديد من القضايا التي تتطلب اجتهادًا جديدًا ومرونة عملية، وتصبح الجماعة في كثير من الأحيان، محاصرة بين رغبتها في التجديد، وخوفها على التنظيم؛ ما يجعل الجماعة تركز على وحدة الصف، ووحدة الغايات العليا، التي قامت من أجلها.

 

التنظيم والحزبية

يتناول الدكتور رفيق في بحثه القيم جانب آخر يتعلق بحرص الجماعة والإما المؤسس على بناء ثقافة تنظيمية صحية وفعالة لخدمة ودفع مشروعها الحضاري، حيث يقول:

” حاول حسن البنا من البداية تشكيل تنظيم ليس فيه من صفات الحزبية شيء؛ لأنه كان يرى وقتها ما في الحزبية من سلبيات، تعوق عمل الأحزاب، وتفرط في مصالح الوطن، وتلك كانت وما زالت مهمةً شاقةً، فالجماعة تحاول الحفاظ على نمطها الخاص، بوصفها وحدة جماعية مترابطة حول غاية، ومتميزة بأعلى درجات إنكار الذات، في حين أن المجال السياسي المحيط بالجماعة يتميز بخصائص أخرى، غلب عليها الصراع والخلاف والتمزق.

من هنا أصبحت الجماعة تقاوم أمراض الحزبية، وتحاول تأكيد طبيعتها كجماعة دينية متماسكة، لها غايات يضحي الكل من أجلها، وأصبحت قيادات الجماعة تركز على أخلاقيات العضو، في مواجهة كل محاولات الضغط على أعضائها، حتى يتمسك العضو بطابع خاص، يتميز بالعمل الطوعي، والقدرة على التضحية ودفع ضريبة العمل من أجل الأمة.

من هنا نفهم لماذا تحاول الجماعة تمييز نفسها، وتحصين أفرادها ضد تقليد ما هو سائد من منافسة حزبية داخل التيارات والتنظيمات الأخرى، خاصةً أنها ترى أن التنافس على المقاعد والمناصب، يؤدي إلى جعل الجماعة مثل الأحزاب التي يرتبط أعضاؤها بها من أجل المصالح؛ ولهذا تتشدد الجماعة في مسألة تربية العضو، ويصبح العضو المنضبط هو القادر على الحفاظ على أمن التنظيم داخليًّا، وكل هذا يؤدي إلى ظهور الجماعة في صورة الجماعة المنضبطة، ويجعل لها صورة التنظيم الصارم.

 

وكان لهذا الإلهام الذي وفق الله تعالى الإمام المؤسس لبناء الجماعة عليه، أكبر الاثر في اجتيازها لكافة الصعوبات من بعد بعد توفيق الله لها وتثبيته أبنائها.

يقول الدكتور رفيق حبيب” الحقائق على الأرض، تكشف أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل تنظيمًا من أكثر التنظيمات انضباطًا، ولكن أحيانًا ما تحدث مشكلات أو أزمات، ولكن التنظيم يظل قادرًا على البقاء والاستمرار، رغم كل ما يتعرض له.

وفي ظل الضغوط التي تواجه الجماعة، يصبح من الصعب تحقيق التوازن بين المرونة الداخلية والانضباط الداخلي، وعندما تواجه الجماعة خطرًا، فهي تلجأ إلى الانضباط الداخلي، وتؤجل أي جدل داخلي يمكن أن يسحب من رصيد تماسكها، وهكذا يظل من أهداف الجماعة الأساسية تحصين التنظيم ضد أي مخاطر يتعرض لها، قد تؤثر على تماسكه، أو تعرضه للانشقاق.

 

هل أصبح التنظيم غايةً؟

يقول الدكتور رفيق ” تلك واحدة من الجدليات المهمة في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، فالتنظيم بالنسبة لها لم يصبح غاية في حد ذاته؛ لأنه لو أصبح الغاية، ما قدمت كل هذه التضحيات من أجل الحفاظ عليه، فهو في كل الأحوال وسيلة، ولكنه الوسيلة الأساسية التي لا يمكن للجماعة الاستغناء عنها، ومن هنا حدث الخلط بين الاهتمام المتزايد بالتنظيم، ودور ومكانة التنظيم في مشروع جماعة الإخوان المسلمين، ولكن الجماعة في المقابل، تحاول الحفاظ على غايتها، وهي تحقيق الوحدة والنهضة الإسلامية، وعلى وسيلتها المركزية، وهي التنظيم.

فالجماعة ترى أن التضحية بالتنظيم، يعني التضحية بالأداة التي تستخدمها لتحقيق المشروع الذي تتبناه، وليس للجماعة من أداة أخرى،

كما أنها ترى أن التنظيم هو الأداة المناسبة لعملية الإصلاح السلمي المتدرج، وهو الأداة المناسبة لعمل يعتمد على التأييد الجماهيري، ويصبح التنظيم بالنسبة للجماعة مثل التأييد الجماهيري لمشروعها، فهي لا يمكن أن تستغني عن التأييد الجماهيري؛ لأنه الركيزة التي تبني عليها مشروعها، فمن خلال تأييد الجماهير ينتشر المشروع، وكلما وصلت الجماهير المؤيدة للمشروع إلى الأغلبية، أصبح من الممكن بناء المشروع وفرضه على أرض الواقع.

فأصبح التنظيم هو الجماهير المنظمة المؤيدة للمشروع، وهو الجزء القوي من الجماعة، وهو الذي يدفع ضريبة الإصلاح، ويحمل عبء الاستمرار في التبشير بالمشروع الذي تحمله الجماعة.

وهنا قد تبدو الصورة، وكأنَّ التنظيم قد توحَّد مع الهدف، والصحيح أن الجماعة ترى أن التنظيم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الهدف، فإذا ضحت به، تكون قد ضحَّت بالهدف نفسه.

والصحيح أيضًا، أن الجماعة ترى أن الإصلاح يحتاج لقوة بشرية، ولا يمكن بناء تلك القوة البشرية دون التنظيم؛ لذا يصبح التنظيم هو مصدر القوة لبناء المشروع، وهو الوسيلة التي تحقق الغاية، ودونه لن تتحقق الغاية.

 

إشكالية اخرى

بجانب هذا حرصت الجماعة على حل إشكالية أخرى قد يثيرها البعض بين مفهوم الوطن ومفهوم الجماعة، في تربية أبنائها وتحديد المفهوم الصحيح لها

فالوطن في منظور الجماعة وعاء يتسع لجميع من فيه… المؤمن والكافر… المسلم والمسيحي … اليميني واليساري…المتفق معي والمختلف…

أما الجماعة فليست وطنا، وهي بالطبع لا تتسع للجميع، فالجماعة تتسع فقط للمؤمنين بمبادئها، والملتزمين بقراراتها.

كما أن هناك فرق أيضا بين الجماعة كمؤسسة وتنظيم وهيكل إداري، وبين الجماعة كفكر وثقافة ودعوة وتيار.

فالجماعة إذا كانت كفكرة وثقافة ومنهج إصلاح هي ملك للأمة جميعا وليست للتنظيم فقط، فإنه إذا ما تحدثنا عن الإخوان كهيئة ومؤسسة وتنظيم فالأمر يجب أن يكون مختلفا تماما،

فللمؤسسة نظم ولوائح وأدبيات وهياكل شورية وإدارية منتخبة لها الحق في دراسة كافة الأمور المطروحة على الساحة واتخاذ قرارات بشأنها ترى فيها مصلحة للجماعة أو للوطن، وعلى الجماعة أن تتحمل مسئولية وتبعات قراراتها، وعلى أعضاء التنظيم جميعا الالتزام بقرارات هذه الهيئات “المنتخبة” مع الحق الكامل في إبداء الرأي والنصيحة بل والاعتراض على بعض القرارات ولكن في إطار الضوابط الأخلاقية والتنظيمية التي “تعارف” عليها التنظيم وصارت من سمته ومن أدبياته ، وإلا لا تكون الجماعة جماعة ولا التنظيم تنظيماً،

ومن الظلم للجماعة أن تتحمل مسئولية وتبعات قرارات اتخذها بعض أفرادها دون الرجوع لمؤسسات القرار في الجماعة، وهذا أمر متعارف عليه في كل التنظيمات المدنية والليبرالية  سواء كانت سياسية أو غيرها، فلا يجوز في حزب سياسي مثلا أن يتصرف الفرد بخلاف ما استقر عليه الحزب كتنظيم، ولذلك رأينا حزب العمال في بريطانيا يطرد النائب جورج جالاوي من عضوية الحزب لأن آراءه ومواقفه صارت مغايرة للموقف الرسمي للحزب، وايضا قيام حزب الوفد في مصر بتجميد عضوية أعضائه الذين نزلوا انتخابات المرحلة الثانية في مجلس الشعب 2010 بالمخالفة لقرار الحزب بالمقاطعة، وهذا ما يعرف في الحياه الحزبية ب”الالتزام الحزبي”، وهو من واجبات الحياة الحزبية ولكنه في الجماعات الدعوية أوجب، إذ أن الجماعات الدعوية تقدم نموذجا أخلاقيا انضباطيا قلما يوجد في عالم السياسة، كما أن أي أخطاء لمنتسبيها تتعرض لتكبير مجهري عالٍ ثم تنسب للدعوة ذاتها،

ومن ثم كان لزاما أن يكون الالتزام التنظيمي في الجماعات الدعوية أقوى وأشد، وليس في ذلك تعارض مع سماحة الإسلام أو قبول الرأي الآخر، فليس معني السماحة “تسييح التنظيم” وأن يفعل كل واحد ما يشاء ثم “يشرب” التنظيم تبعات هذا كله،

وإنما السماحة داخل التنظيم أن يقول الجميع رأيه بحرية ومسئولية، وأن يطرح الرأي والرأي الآخر داخل المؤسسة، ثم يتم نقاش داخلي حولها، ثم يتم اتخاذ القرار النهائي الذي يكون ملزما لكافة أفراد التنظيم،

وعلى الأفراد أن يكون لديهم من “السماحة” وقبول الرأي الآخر ما يجعلهم يلتزمون بالشورى التي اتفق الجميع على أنها  “ملزمة” وهذه إحدى تبعات الانتماء التنظيمي،

وهو ما يجعل العمل الجماعي أشق من العمل الفردي، وتبعاته أكبر في الوقت ذاته، لأن ثمراته في النهاية تكون أعظم ولا شك.

فإذا ما ضاق التنظيم على بعض الدعاة، ولم يستوعب كل طموحهم الحركي والعملي، أو ضاق الفرد ذرعا بتبعات التنظيم ولم يتحمل مسئوليات العمل الجماعي، فلا مانع إذا من خروجهم “من” التنظيم دون خروجهم “عليه”، أي يبقوا حراساً للفكرة ودعاة لها من خارج أطرها التنظيمية، دون تجريح في مؤسساتها وقيادتها، أي أن الفرد لو ترك “التنظيم” سيتبقى له في الانتماء “للفكرة” متسع يستطيع أن يمارس من خلاله الدعوة والحركة دون أن يورط التنظيم في مواقف وتصرفات لم يدرسها أو يقررها، أو درسها وقرر غيرها،

وهنا يجب على التنظيم أن يتقبل ذلك بصدر منشرح دون تشنج أو تخوين أو تشكيك، وأن يكون لدى الجماعة من السماحة وسعة الصدر أن تستوعب هؤلاء ولا تعاديهم، وألا تنظر إليهم على أنهم خونة أو معادين، وإنما هم “رسل فكرتها” وحاملوا منهاجها حيث ذهبوا، وفي ساحة العمل متسع للجميع، ويبقى التعاون للخير والمصلحة بين إخوان الفكرة وإخوان التنظيم قائما،

وقديما قال الإمام البنا: كم منا وليس فينا وكم فينا وليس منا.

ولكن ليس من المقبول أن يبقى الفرد في التنظيم بينما مواقفه وتحركاته انفرادية، فلكل جماعة الحق في أن تحدد مواقفها ورؤاها، وفق مصالحها ومبادئها أو ما تراه مصلحة للوطن وقتية أو دائمة.

وليس عليها أي التزام أدبي بمساندة أي فرد فيها يتبنى قرارا شخصياً لم تقرره المؤسسات الشورية أو القيادية المنتخبة.

ألهمنا الله وإياك الرشد وهدانا سواء السبيل …

آمين

والله أكبر ولله الحمد

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.