ستظل نظرتى للتاريخ الإسلامى محكومة بالتعقل والكياسة ، منزوعة من الهوى والضحالة ، مبلغ التلاوة فيه من ميكرسكوبٍ فاحصٍ ماحصٍ دقيق ، ومرآة التبصر فى دوراته وحقباته هى المرآة العادلة ، لا هى مقعرة ولا هى محدبة ، أقول هذا لشرود أكثر الرواة والمؤرخين عن الحياد المطلق ، بما يمثل تجريداً عن السرد المنمق ومروقاً فى طمس الحق ،،،
ولما كانت الخلافة الأموية نهباً لهذه الأقلام المسمومة ، بدت جُل أحداثها المنطبعة فى قرائح العوام ، محصورة فى بطش الحجاج بن يوسف ، ومروق عبدالملك بن مروان ، ومن قبلهما تشويهاً لمقام معاوية رضى الله عنه وابنه يزيد ، واعتبار كل منهما قرصاناً متربصاً بالحكم ، وواصياً على الخلق والورى فى سائر المشرقين والمغربين ،،،
ونظراً لضآلة عمر الخلافة الأموية ، التى كان مكوثها فى الأرض تسعين سنة فقط ، بما يمثل عمر رجلاً أو رجلين ، فكان الحديث عنها كلأً مباحاً ، ليخلصوا بدايتها ونهايتها فى مثالية عمر بن عبدالعزيز رحمه الله ، عظيمها الأوحد وحاكمها المتفرد ،،،
وهى ليست دولة معاوية رضى الله عنه ، الذى دعا له رسول الله ( اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به ) ، ولا دولة ابنه يزيد قائد أول جيش يغزو مدينة قيصر بنص حديث رسول الله ( أول جيشِ من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ) ، ولا هى دولة عبدالملك بن مروان الخليفة العبقرى ، وبنوه الفاتحين المجيدين ، الوليد وسليمان ، ولا هى دولة الحجاج بن يوسف الثقفى ، الذى استقدم نصر بن عاصم لتشكيل المصحف الشريف ، والذى حمى حظيرة الخلافة من الخوارج والمبتدعين والمارقين ، بسيفه القاطع ولسانه المانع ، وإن كانت له مثالب وهنات،،
لقد أنجبت الخلافة الأموية أعلاماً وتيجاناً ، فاتحين عظاماً ، شهداءً كراماً ،،،
أعلم أن أكثركم لا تعرفون البتة عن المهلب بن أبى صفرة ، والى خرسان الحكيم ، وقائد الفتح العظيم ، لجرجان وطبرستان ، والذى حارب الخوارج تسعة عشر سنة دون كلل ولا ملل ، ذلك الرجل الذى اقترنت باسمه وجبة المهلبية ، اذ قال له الحجاج يوماً ( يا بن أبى صفرة ، من فتوحات الأرض ونشر الإسلام ، إلى فتوحات الشهية بوجبة المهلبية ، ثم أتبعها بضحكة مدوية )
كذلك تفخر بنى أمية بفارس بنى مروان والجرادة الصفراء ( مسلمة بن عبدالملك ) الذى لم يتطلع للخلافة كبقية إخوته ، بل كان شغوفاً دءوباً على الجهاد وفتوحات الأرض ، وله فى ذلك القدح المعلى ، بعد أن توقفت حركة الفتوحات لبعض سنوات ، من وفاة المؤسس العظيم معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه ، فغزا مسلمة القسطنطينية وفتح الصقالبة ، مقتدياً بأثر خالد بن الوليد فى شدة البأس ورباطة الجأش ،،،
وفى تاريخ الخلافة الأموية كذلك ، بزغ نجم قتيبة بن مسلم الباهلى رحمه الله ، ذلك الفاتح العظيم لأسوار الصين وسمرقند وخوارزم وبخارى وفرغانة ، الذى نال الحسنيين معاً ، نصر الفتح وشرف الشهادة فى سبيل ربه عام 96 هجرية عن عمر ناهز ال48 سنة ،،،
كذلك أسدل التاريخ ستائر الحجب على رجل من عظماء الدولة الأموية كلية ، أفى القوم من يسمع فى الجراح بن عبدالله الحكمى ، إنه الحركة الدائبة فى شريان الجهاد الأموى ، ويكأنه مفطور على قتال أعداء الإسلام ، كان أهلاً لثقة الخلفاء تترى ، ولاه عمر بن عبدالعزيز على خرسان وسجستان ، وولاه يزيد بن عبدالملك على أرمينيه وأذربيجان ، وأدناه منه الحجاج معيناً اياه نائباً له على البصرة ، سجلت له صفحات البطولة ، قتاله لعبدالرحمن الأشعث صاحب أخطر ثورة فى تاريخ الخلافة الأموية قاطبة ، وكيف قتله فى معركة دير الجماجم عام 701م ، وهو فاتح أرمينية والقرم والقوقاز وما يليها ، وظل جهاده معيناً لا ينضب ، وكأنه أحرص الناس على الشهادة فى سبيل الله ، ذلك أنه لما قاتل الترك والخزر فى معارك متتالية ، ظفر بالشهادة فى سبيل الله فى يوم من أعظم أيام الله حقاً ( معركة مرج أردبيل عام 730م ) ، واحدة من أشرس معارك التاريخ الإسلامى ، التى أبلى فيها الجراح بن عبدالله الحكمى أعظم بلاء ، ومعه 25000 مسلم فقط ضد 300000 ألف من العدو ، وظلت هذه الموقعة مضرب مثل لكل يوم عصيب ، بقولهم ( ليلة كليلة الجراح ) و ( يوم كيوم الجراح ) ، وكذلك نهر الجراح وجسر الجراح موقعين رئيسيين لهذه المعركة ،،،
لله در الخلافة الأموية التى فتحت العالم فى تسعين سنة فقط ، قياساً بغريمتها العباسية التى عاشت ستمائة سنة ونيف ، ناقمة على انجازات بنى أمية فى السلف ، وأيم الله إن الخلافة الأموية التى مكثت تسعين سنة فى المشرق ، وأحياها عبدالرحمن الداخل فى الأندلس ، هى ثانى أعظم دولة فى التاريخ الإسلامى ، بعد دولة الراشدين وقبل دولة العثمانيين —-
البقية فى المقالات القادمة —