عبدالرحيم حشمت عسيري

رغم أن النائب توفيق عكاشة الذي تم إسقاط عضويته من البرلمان بالأغلبية منذ عدة أيام .. كان إعلاميا معروفا ، وعضوا بارزا في عدة دورات برلمانية سابقة .. إلا أن سطوع نجمه بهذه الكيفية اللافتة بدأ منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 م الشعبية الخالدة .. التي تعتبر بلا أدنى مبالغة البداية الحقيقية لميلاده كشخصية عامة مثيرة للجدل والشفقة معا .. سواء اتفقنا مع أسلوب عمله ، أو اختلفنا على طريقة أدائه .. وسواء تعاطف البعض معه في محنته ، أو هلل البعض الآخر فرحا لإسقاط عضويته .


الحقيقة أن المتابع للشأن العام في مصر خصوصا بعد ثورة 25 يناير لا يحتاج وقتا طويلا حتى يكتشف أن توفيق عكاشة تم استغلاله على مدى السنوات العديدة الماضية .. من قبل بعض المؤسسات الرسمية لتوصيل رسائل بالغة الأهمية .. تارة لجموع الشعب ، وتارة أخرى لجهات معينة ، في أوقات محددة ، لخدمة مشاريع سياسية ، وقرارات سيادية معينة .. تصب في نهاية المطاف في المصلحة العليا للدولة المصرية .. كما استغلته أيضا أوساط حزبية مختلفة ، وتيارات سياسية متناحرة ، وشخصيات اقتصادية مشهورة ما زالت متهربة من سداد ضرائب مستحقة بالمليارات أنفقت علي عكاشة ملايين الجنيهات كما اعترفت هذه الشخصيات أكثر من مرة ونشر ذلك إعلاميا بالصوت والصورة .. من أجل توصيل رسائل شديدة الخصوصية ، لتشويه الخصوم المزاحمين لهم في إرساء المناقصات ، أو تخويف المنافسين لهم في عقد الصفقات ، أو الإسهام في نشر الإشاعات ، أو الترويج لهم في الانتخابات .
ولأن توفيق عكاشة شخصية ريفية ساذجة ، وإمكانياته المعرفية محدودة ، وملكاته المهنية شبه معدومة ، لذا كان يخوض في المسكوت عنه بلا خجل أو تحفظات ، ويخلط بغباء مهني واضح الحقائق الثابتة بالخرافات .. وبأسلوبه العبثي الهابط الذي يحسده عليه الشوارعية وأصحاب العاهات .. تحول إلى ظاهرة يمكن أن نطلق عليها (الإعلام الشعبي) ، فأثر بشكل أو بآخر في تشكيل الرأي العام ، وساهم إلى حد كبير في نشر الوعي الجماهيري ، ومكنه أسلوبه الذي لا يمت بأية صلة للذوق العام أو الصحافة أو الإعلام .. من الوصول بسرعة فائقة إلى قلوب وعقول أمثاله من العوام ، ومن ثم القيام بالمهام التي أوكلت له بنجاح كبير منقطع النظير .
لكن المشكلة الحقيقية التي واجهت من استخدموا توفيق عكاشة على مدى السنوات الماضية .. على اختلاف مشاربهم ، وتفاوت مراكزهم ، وتباين أهدافهم ، وتنوع مقاصدهم .. تكمن في أنه إنسان زئبقي لا يمكن الإمساك به ، أو الوثوق فيه ، أو الاعتماد عليه ، أو الاعتراف بدوره بالرغم من أهميته .. ذلك لأنه ببساطة شديدة خارج السيطرة تماما ، وبالتالي من السهل جدا انفلاته من قبضة مستخدميه ، ومن ثم توريطهم ، أو بيعهم ، أو الانقلاب عليهم ، أو الترويج لأجندات خصومهم وهذا ما وقع فعلا على الأرض قبل أن يغيب عكاشة عن المشهد .. ذلك لأنه يفتقر إلى الحد الأدنى المطلوب توافره في مجال العمل الإعلامي من معايير الانضباط والاتزان ولعل هذا يفسر الحكمة من حرص تلك الجهات التي تزوده بالمعلومات على التعامل معه عن بعد بحذر شديد ، والتنصل منه إذا لزم الأمر ، بل والتخلي عنه في أحلك الظروف ، والاعتراض العلني على أدائه الهابط وأسلوبه الهمجي .
أما الكارثة العظمى فهي أن توفيق عكاشة مع مرور الزمن .. نسي أنه مجرد أداة في يد أصحاب النفوذ ، وأرباب المصالح من المؤسسات والأفراد ، وتجاهل تماما بغبائه المعهود ، أن دوره معد مسبقا ، ومتفق عليه كليا ، والهدف منه مرسوم .. بعدما أصيب بجنون العظمة ، ووقع في شرك الغرور .. فتصور بأنه (مفجر ثورات) وزعيم ، وصدق المسكين بأنه نابغة زمانه وخبير ، وتوهم بأن الهبل الذي يقدمه للمشاهدين يعتبر حكم ومواعظ ونظريات تدرس للبشرية حول العالم في كبرى الجامعات .. والطامة الكبرى أن المذكور أعلاه هاجم المملكة العربية السعودية الشقيقة – ملكا وحكومة وشعبا – وتوقع لها الانهيار والزوال في غضون سنتين من الآن ، وقبل أن يولي ويحرمنا من إيقاع صوته الرومنسي تطاول على الرئيس عبدالفتاح السيسي .
تمكن جنون العظمة من شخصية عضو مجلس النواب توفيق عكاشة بدرجة غير عادية .. جعلته ينسي دوره المعروف فتصور في لحظة تقمص لا إرادية .. أن بإمكانه الضغط على مؤسسات الدولة المصرية ، ومن ثم اللعب معها على المكشوف .. فتفتق ذهنه الصبياني عن فكرة مقابلة سفير الكيان الصهيوني والتباحث معه بلا أية صفة رسمية في إحدى أهم القضايا القومية .. متجاوزا بذلك جميع الموانع والخطوط والحواجز ، ومعرضا حقوق الدولة للضياع والمخاطر .. فما كان من مجلس النواب إلا أن حوله إلى لجنة للتحقيق معه فيما نسب إليه ، وفي النهاية أصدر المجلس قراره التاريخي بإسقاط عضوية توفيق عكاشة بالأغلبية .. وهو قرار نهائي غير قابل للطعن عليه حيث من المعروف أن البرلمان سيد قراره .. فالثابت طبقا لنصوص المواد الدستورية أن القرارات البرلمانية لا تخضع لرقابة السلطة القضائية .. لذا يعتبر هذا القرار بكل ما تحمله الكلمة من معنى ترجمة عملية على أرض الواقع لمبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة الحاكمة .. لكن ألا يفهم من هذا القرار أن مجلس النواب عازم على تطهير نفسه بنفسه .. من هذه النماذج السوقية التي أساءت للشعب ونوابه تحت قبة أول برلمان في الشرق الأوسط كله ؟ .
يعتبر البرنامج اليومي الذي كان يقدمه توفيق عكاشة على قناته الفضائية .. من حسن حظ أهالينا البسطاء للتخفيف عنهم في ظل هذا البئس والغلاء .. والذي استطاع بطريقته الهزلية أن يحوله من برنامج سياسي إلى فقرة فكاهية مسلية لجميع أفراد العائلة المصرية .. فقرة كوميدية فاقت في ظرفها ، وخفة دمها العديد من العروض المسرحية وهو ما ستفتقده الأسر المصرية التي اعتادت على مشاهدته بعدما أغلق العكش فضائيته .

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.