تحل اليوم (18 مارس) الذكرى السنوية الطيبة للثورة الشعبية التي اجتاحت المنيا وصعيد مصر ومصر كلها ضد الاحتلال الإنجليزي. وإذا كان الزعيم سعد زغلول كان مفجرها على مستوى الدولة، فإننا في المنيا لنا أن نفخر بابن دير مواس الدكتور خليل أبو زيد ورفاقه الذين قادوا المقاومة واشعلوا الثورة في المنيا واسيوط بل وامتدت الى كل ربوع صعيد مصر. وكانت دير مواس (موطن ثورة الدم والعسل) واحدة من أربع بلدان على مستوى مصر تحدت الإمبراطورية، بل وقتلت جنودهم، وكان المفجر الحقيقي لثورة الصعيد هو الدكتور خليل أبوزيد.
أنه ذلك الشاب الدكتور “خليل أبو زيد علي محمود حسن سالم” (1890 – 1919) الذي ارسله والده إلى إنجلترا عام 1910م (وعمره 20 عاما)، وعاد عام 1918م بعد أن حصل على الدكتوراة في علوم الزراعة من جامعة أوكسفورد، كواحد من أوائل المصريين الذين حصلوا على تلك الدرجة العلمية، ورفض كل الإغراءات لتوظيفه ضمن المواليين للمحتل البريطاني. والده العمدة الحاج “أبوزيد على محمود ” (كبير أعيان دير مواس ومؤسس عائلة أبوزيد). كان خليل ابو زيد، وفدي التوجه وأحد مؤيدي الزعيم سعد زغلول. لم يكد يمضي على وصول الدكتور خليل أبو زيد إلى مصر سوى أربعين يوما تقريبا، حينما أعتقل ونفى الإنجليز في 8 مارس 1919م سعد زغلول ومرافقيه. ثار الشعب المصري كله من شمال مصر لجنوبها ليس تضامناً مع سعد زغلول وأصحابه بقدر إحساسهم بأن سعد زغلول رمز للمصريين جميعاً في رغبتهم للتحرر.
عاد خليل من لندن وهو مفعم بأفكار الحرية والمساواة والعدل، مع رغبة في ضرورة مكافحة المستعمر، وأراد إن ينقل أفكاره لأهله ويبث فيهم الشعور بالوطنية ودفعهم لنشد التحرر. فبدأ يدير جلسات وطنية مهمة في سرايا والده العمدة كل يوم بعد صلاة العشاء، حول مقاومة الإنجليز وضرورة عودة سعد زغلول ورفاقه.
واتجهت أنظار الأهالي إلى ابنهم المثقف والثوري والقادم من بلاد الإنجليز، أن يتولى الدفاع عنهم وتبني آرائهم، حيث كلفوه وقتها بالتفاوض مع الإنجليز للإفراج عن الزعيم سعد باشا زغلول، لما عرف عن دكتور خليل طلاقته في التحدث بالإنجليزية وطلبوا منه مقابلة المندوب السامي البريطاني في مصر (الجنرال ريجنالد وينجيت) لطلب العفو منه في عودة سعد ورفاقه. مما دفعه للتحرك والقيام بتجميع وفد من اعيان الصعيد وبدأ بجولة في منفلوط وديروط، وتتابعت الأحداث وانتهت بقطع خطوط السكك الحديدية وإيقاف قطار الإنجليز في دير مواس. وقيام حشود الأهالي بقتل جنود الاحتلال بالقطار. ثم توالت الثورة في جميع مراكز المنيا ومدن وقرى الصعيد، وكل بلدان مصر المحروسة. جن جنون جنود الإمبراطورية وسعوا للانتقام وحاصروا دير مواس وقبضوا على العشرات.
تم محاكمة 91 مصرياً معظمهم من «دير مواس» والباقون من ديروط، وكانت التهم الموجهة إليهم أنهم في 18 مارس 1919م بديروط ودير مواس قتلوا أو ساعدوا على قتل بعض الضباط والجنود الإنجليز، وأنهم تجمهروا مسلحين بالنبابيت والعصي والطوب وأسلحة أخرى بقصد مهاجمة البريطانيين بالقطار عند وصوله دير مواس.
وفى محاكمة هزلية كالعادة تم إعدام كل من الدكتور خليل أبو زيد (بعد مضي بضعة أشهر فقط على قدومه من إنجلترا، كان عمره 28 عاما) وعبد الرحمن حسن ابن عمه في يوم 19 يونيو 1919م الساعة السادسة صباحاً مع 32 مصرياً في سجن أسيوط العمومي؛ حيث أقام الإنجليز 34 مشنقة في صفوف متراصة داخل ساحة السجن وأعدموا الجميع على المشانق في لحظة واحدة (منهم 16 من دير مواس)، وتم دفن 14 من هؤلاء الشهداء في مقبرة جماعية أمام الوحدة المحلية لمركز دير مواس .بينما تم تسليم جثة الشهيد الدكتور خليل أبو زيد وابن عمه عبد الرحمن لأسرتيهما ليتم دفنهما بمدافن العائلة وتم مصادرة أملاكهما، المدهش أن خليل وابن عمه عبد الرحمن ولدا معاً في يوم واحد عام 1890م وتم إعدامهما معاً في يوم واحد عام 1919م.