لم يذهب بان كي مون إلى الجحيم بعد، لكنه يستطيع بكل ثقة أن يؤكد أن حلب هي الجحيم. ولأن أهلالنار لا يستطيعون الفرار منها، يبقى الفارون من الشهباء رهائن أقدارهم المأساوية حتى وإن ركبواحافلات ترفرف عليها أعلام المنظمات والهيئات الدولية. فعلى بعد خطوات من الحدود غير الآمنة،ينتظرهم الموت في كل مكان، وكأنهم لم ينالوا منه ما يكفي طيلة سنوات ثلاث عجاف.
للجحيم سبعة أبواب، لكن عاصمة الحضارة ليس لها اليوم إلا باب واحد لا يؤدي إلى أي وطن.والخروج من حلب كما البقاء فيها، غير آمن لمن يحمل في قلبه مثقال ذرة من كراهية للنظام، أو رغبةفي إصلاح ما فسد في وطن شمله الحزن من أقصاه إلى أقصاه.
“أين المفر؟” تسأل الوجوه الروسية الكالحة عند الحدود اللزجة، فكل الوطن هلام، وكل ساكنيه ذر،والفراغ خارج مجرة الحزن برمودي بامتياز. لا أحد يضمن البقاء لأحد، ولا أحد يتدخل لحماية أحد.فقط، يمكنك أن تنتظر الموت الذي قد يأتيك من أي مكان قبل أن يرتد إليك طرفك. لن تستطيع حمايةطفلك وإن ضممت رأسه المضمخة بالدماء إلى صدرك العاري، ولن تضمن لابنتك البكر المروربغشائها من بين ميليشيات الموت.
لا تنشغل بلملمة بقايا من رحل دون وداع، فسوف تتكفل البراميل المتفجرة بدفن ما تبقى منهم تحتأنقاض الوطن. فقط عجل بالخروج بمن تبقى من ذويك، وودعهم عند كل نقطة تفتيش دون أن تنظرإلى عيونهم الباكية. “اليوم يوم الملحمة،” يقول بشار، و”اليوم لا رحمة ولا تراحم،” تردد أطلالالمدينة الخربة.
بضعة آلاف فقط استطاعوا الخروج من معسكر الموت، لكنهم رغم ذلك لم يصلوا إلى أي حدود. أماالباقون، وهم عشرات الآلاف من البائسين فلا ينتظرون الحافلات الموجهة بقدر ما ينتظرون الموت.تشغلهم فقط الطريقة التي بها سيذبحون عند أول شعاع. أما بعض الحرائر، فقد فضلن الانتحار علىالموت بين أفخاذ الملالي وأشياعهم، دون أن ينتظرن فتوى تجيز ذلك من ذوي العمائم الخاوية.
اليوم يستطيع نيرون أن برفع رأسه عاليا حتى يرى الدب الروسي بياض ترقوته، وهو يمر بين مدنهالمهدمة وشوارعها الخاوية بين صفين من أشاوس حرسه الثوري، ليعلن سيطرته على الخرابوانتصاره على شعب فر نصف سكانه خارج الحدود، وبقي أربعة ملايين من تعسائه في حاجة إلىإيواء عاجل.
يستطيع بشار اليوم أن يركل جماجم أطفال حلب بقدميه وهو يلوح بيديه ، لكن أحدا من أهالي أقدمعاصمة للتاريخ لن يرد عليه اليوم التحية لأن أحدا لم يبق في شرفته ليشرب قهوة الصباح أو ليسمعأغنية فيروزية عذبة، كما اعتادوا منذ عقود. اليوم يقف أربعة عشر مليون سوري، ستة ملايين منهملم يبلغوا الحلم، عند عرش المنتصر، وهم يمدون أياديهم في انتظار صدقة من هنا أو فضل نعمة منهناك. اليوم يحاصر الزعيم خمسة ملايين من شعبه، ويلقى عليه منّ البارود وسلوى البراميلالمتفجرة دون تمييز.
ينتصر بشار اليوم على ستة مليون مشرد من شعبه الذي لم يحلم سوى بالعيش والحرية والكرامة شأنهشأن كل الشعوب الحية. وشأنه شأن كل الطغاة، لا يسمع الرجل إلا دبيب قدميه فوق صفحات التاريخالسوداء. اليوم ينتصر الطاغية على الوطن، ويجد رغم كل ما خلف من حزن من يصفق عند أذنيه،ومن يتمسح بعتباته المقدسة. لكن المؤلم جدا، أن يرد العالم على ما يقترف الرجل وأعوانه من جرائمبحق الإنسان والإنسانية بصمت أشد صخبا من براميله المتفجرة في هزيع الليل الأخير.
