تقرير-محمد عيد
رغم أن موافقة لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون الحكومة بتعديل بعض أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب وقانون الجنسية المصرية، لا يتعدى كونه خطوة أولى نحو الاتجاه لتقديم تيسيرات للمستثمرين الأجانب الراغبين في العمل
بمصر، بالإضافة إلى تصريح المتحدث باسم الحكومة السفير أشرف سلطان، بأن “منح الجنسية للأجانب مقابل ودائع دولارية مازال محل بحث، ولم يصل إلى شكله النهائي”، إلا أن حالة الجدل بشأن القرار سواء في الأوساط الاقتصادية، أو السياسية، أو حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنتديات الحوار المختلفة، تؤكد أن الأمر أكبر من فكرة الحاجة الاقتصادية الماسة إلى سيولة نقدية من العملات الأجنبية، يقدرها البعض بصورة أولية بنحو ١٠ مليارات دولار، بينما يذهب البعض الآخر إلى تقديرات متفائلة للغاية تصل إلى نحو ٥٠ مليارا دولار.
والحقيقة أن الموقف إزاء التوجه لمنح الجنسية مقابل ودائع بالعملات الأجنبية لفترة معينة، يثير انقساما واضحا بين فريقين، كل منهما يقدم حزمة من الدلائل على صحة موقفه، فالفريق المؤيد للتوجه الحكومي بشأن التسهيلات التي ستمنح للمستثمرين الأجانب، سواء في الإقامة أو الجنسية، يرى أن هذا الاتجاه ليس “بدعة” مصرية، بل هو تقليد معروف ومعمول به في العديد من الدول حول العالم، فهناك أكثر من 11 دولة حول العالم وضعت قوانين من شأنها تحسين الاقتصاد بمنح الجنسية أو الإقامة التي تسبق الجنسية للمستثمرين، فهناك النمسا التي يستلزم الحصول على جنسيتها استثمار 10 ملايين دولار، فيما يبلغ سعر الحصول على الجنسية في قبرص 6,2 ملايين دولار للأفراد، وأستراليا 5 ملايين دولار للإقامة، ومن بعدها الجنسية..وفي هونج كونج يمكن الحصول على الجنسية الصينية باستثمار 1,3 مليون دولار فأكثر. أما الجنسية في جزر القمر فتساوي استثمار 50 ألف دولار.. وفي الدومينيكان يمكن الحصول على الجنسية مقابل إيداع 100 ألف دولار، وفي باراجواي تتطلب فتح حساب بنكي بـ 5 آلاف دولار، والبرازيل استثمار 65 ألف دولار، وبلغاريا استثمار 512 ألف يورو، ومالطا 1,5 مليون إلى مليوني دولار.
ولعل أحدث الدول التي انضمت إلى هذا الاتجاه كانت تركيا، التي دخل قانون منح الجنسية التركية للمستثمرين الأجانب في البلاد، حيز التنفيذ، في الخامس من الشهر الجاري، وتتيح تعديلات قانون المواطنة التركية منح الجنسية التركية للمستثمرين الذين يشترون عقارًا بقيمة مليون دولار؛ بشرط عدم بيعه لمدة 3 سنوات، كما سيتم منح الجنسية للأجنبي الذي يوفر 100 فرصة عمل للمواطنين الأتراك.
ويؤكد فريق المؤيدين أن القانون يتماشي مع المصالح المصرية وليس به أي عوار يؤثر علي الأمن القومي بل داعم له في الشق الاقتصادي، وأن منح الجنسية حال طلبها من الأجنبي المقيم في مصر بوديعه لمدة 5 سنوات ليست حتمية، إنما جوازية، حيث يتم منح الجنسية لهذا الأجنبي إذا انطبقت عليه شروط الجنسية ووافقت الأجهزة المختلفة علي منحه إياها.
في المقابل يذهب الفريق الرافض لهذا التوجه إلى التأكيد أن تلك القرارات تمثل “اختزالا مخلا” للجهود التي ينبغي بذلها لجذب الاستثمارات، وأن تحقيق التدفق الاستثماري لا يكون بـ“بيع الجنسية” – إن جاز التعبير- إنما بتقديم حوافز حقيقية تجعل ظروف العمل وتحقيق عائد مرتفع على الاستثمار مغريا لمجيئ المستثمرين.
بينما فكرة منح الجنسية للمستثمرين مقابل ودائع نقدية لن تحل أزمة الموارد الدولارية لأنها تبقى مجرد “مسكنات” مرهونة بإرادة المستثمر نفسه، الذي يقرر الخروج في أي وقت لا يجد الإقامة في مصر ذات نفع له، وبالتالي فإن الحل الأنسب هو تضافر الجهود لتعزيز مناخ الاستثمار، وزيادة معدلات الإنتاج والصادرات وبحث عودة الروح إلى السياحة المصرية.
كما يشير هذا الفريق الرافض إلى أن المسألة تحتاج إلى تدقيق كبير من جانب الجهات الأمنية وانتقاء للمستثمرين، دون فتح الباب على مصراعيه أمام أي مستثمر يأتي بأموال مجهولة المصدر بهدف الحصول على الجنسية المصرية، فكيف يمكن التأكد من أن الأموال الداخلة الي مصر “نظيفة” وليست مسروقة من أموال الشعوب الأخري، أو ناتجة عن أنشطة محرمة دوليا مثل تجارة المخدرات والأسلحة ؟!
إضافة إلى ذلك، يرى الرافضون أيضا أن الجنسية المصرية قد لا تمثل إغراء كبيرا لدى الكثير من المستثمرين الحقيقيين، لأنها لا تتيح على سبيل المثال اعفاء من الحصول على تأشيرة عند الدخول للعديد من دول العالم، كما يحدث مع جنسيات أخرى كالولايات المتحدة والدول الأوروبية والأسيوية، وبالتالي فلن يأتي للحصول على الجنسية المصرية إلا بعض الهاربين من دول مجاورة تشتعل بالحروب الأهلية والصراعات، سيما في ظل ارتفاع أعداد هؤلاء بصورة كبيرة تصل – بحسب بعض التقديرات- إلى نحو ٥ ملايين شخص، وهو ما يمثل عبئا أمنيا بالغ الخطورة.