تعد منطقة طابا من أهم نقاط الحدود المصرية و هي النقطة الفاصلة بين مصر و فلسطين و خلال القرن العشرين سواء في مطلعة شهدت طابا أزمات كبري مما يستلزم معه معرفة الموقع الجغرافي لطابا و طابا تقع علي رأس خليج العقبة إلي الجنوب
الغربي من أم الرشراش ، و في تقرير القائم بأعمال المعتمد البريطاني في القاهرة إلي حكومته في لندن مع بداية عام 1906 جاء وصف طابا بأنها ” نقطة تقع علي الساحل الغربي لخليج العقبة علي بعد خمسة أميال عن طريق البحر علي رأس الخليج و هي تقع داخل الحدود المصرية بثلاثة أو أربعة أميال و طابا نقطة هامة لقرب الأبار منها كما إنها تتحكم في الممرات التي يمكن الدخول منها إلي سيناء كما إنها تتحكم في طريق غزة ، و أما منطقة العقبة فهي منطقة تقع بأعلي الطرف الشمالي لخليج العقبة و هي ملتقي لحدود عدد من الكيانات هي مصر و السعودية ثم شرق الأردن.
ترجع جذور الأزمة كما يروي اللورد كرومر قي تقريره عن أزمة طابا عام 1906 إلي الإضطرابات التي شهدتها شبه جزيرة سيناء عام 1905 فقد قام البدو بغارات عديدة و قد تفاقمت الأمور بهذا الشكل بسبب التأخر في تنفيذ القانون اثناء النزاعات بين القبائل فنتيجة لذلك تم إرسال مستر ( جينجز براملي ) الذي يجيد التحدث باللغة العربية باللهجة البدوية كما انه ملم تمامًا بعادات البدو لتسوية الخلافات القائمة و بالفعل نجح في تسوية ما يقرب من أربعين قضية خلال فتره قصيرة،و أما عن أهم العوامل التي شجعت السلطان العثماني علي المضي في الأزمة فنجد إنه خلال الفترة بين عامي 1892 و 1906 كانت الأوضاع في مصر و الأوضاع الدولية بصفة عامة تسير لصالح الدولة العثمانية الأمر الذي حذا بالقائمين علي السلطة فيها علي العودة إلي إثارة مسألة خليج العقبة و سيناء من جديد فعلي الصعيد الداخلي في مصر فقد كانت الساحة معدة تمامًا لتحرك عثماني ضد الاحتلال البريطاني حيث شهدت تلك الفترة نمو الحزب الوطني بصورة كبيرة و كانت ميول زعيمة مصطفي باشا كامل موالية للسلطان العثماني و الجامعة الإسلامية و تنادي بهذه الميول جريدة الحزب (اللواء) و علي المستوي الإقليمي إزدادت في تلك الفترة عملية مد خطوط السكك الحديدية داخل الدولة العثمانية وكان من المخطط له المد من معان إلي العقبة و كان من االمرغوب فيه ألا يهدد هذا الفرع أي خطر أجنبي قريب ، لذلك كان المطلوب أن يتم زحزحة هذا الخط إلي اقصي ما يمكن غربًا ، و كان هذا الخطر يتمثل في الوجود البريطاني في سيناء تبعًا لوجودة في مصر بالإضافة إلي ما وصل السلطات العثمانية من مساندة بريطانيا لثوار اليمن ضد الدولة العثمانية و كانت التقارير الصادرة من القاهرة إلي استنبول خلال صيف و خريف 1905 كانت تؤكد علي حدوث ذلك – علي الرغم من نفي اللورد كرومر ذلك رسميًا في تقريره لعام 1906- و علي الصعيد الدولي نجد أن المانيا قد بدأت تظهر كقوة اسعمارية منافسة للتحالف الاستعماري الفرنسي الإنجليزي ، و تبدأ نذر الأزمة حين ظهر مقال في جريدة اللواء بتايخ 9 ديسمبر 1905 نبه فيه كاتبه بأن ” سلطات الاحتلال البريطاني تعد سيناء لأعمال حربية مهمة و ابتدأت نظارة الحربية في أواسط عام 1905 في وضع تصميمات هذه الأعمال ” و بعد ذلك في 17 ديسمبر من العام نفسه كتب والي سوريا إلي استنبول بأن الحكومة المصرية بالاشتراك مع سلطات الاحتلال قررت بناء ثكنات عسكرية في المنطقة فيما بين العقبة و القسيمة و في المقابل قام المعتمد البريطاني بالاستعانة بالسير (براملي ) و ارسله إلي شبة جزيرة سيناء للتحري عن مدي صحة التقارير التي وصلت إلي القاهرة عن نية السلطان العثماني مد فرع سكة حديد الحجاز من معان إلي العقبة و أما عن موقف السلطات المصرية فقد تقدمت الحكومة بطلب إلي السلطان لتعيين لجنة من الأتراك و المصريين لتحديد التخوم بين سيناء و سوريا و لكن لم يحرك السلطان ساكنًا و بدلاً من الرد علي مصر ارسل الباب العالي للسفارة البريطانية في استنبول في 12 يناير 1906 رسالة يشكو فيها من أن ضابطًا انجليزيًا علي رأس قوة من الجيش المصري قد أقامت معسكرًا بالقرب من العقبة علي طريق غزه و اعلن عن نيته في إقامة مراكز حراسة بها و طالبت بسحب هذه القوة و في نفس اليوم ارسل السير (اوكونز) الي القاهرة ليستعلم عن هذه الواقعة ، و لكن جاءت التقارير التي ارسل يستعلم عنها اللورد كرومر لتؤكد قيام قوة عسكرية عثمانية باختراق منطقة رفح و قيامها بإزالة عمودي الحدود من مكانهما و تقدمت في الأراضي المصرية لمسافة و أقامت نقاطًا عسكرية و ذكرت المقطم في عددها الصادر بتاريخ (7 ابريل 1906) أن الحكومة المصرية علمت ذلك من رسالة نشرها مدير مكتبها بالعريش بينما ذكرت الأهرام فيما بعد ( 19 يناير 1917) أن الذي كشف حادثة تغيير الحدود الفاصلة بين مصر و فلسطين هو نائب القنصل البريطاني في غزة ،و يُذكر أيضًا ان المواطن أسعد أفندي عرفات هو الذي أبلغ السلطات بقيام الأتراك بخلع أعمدة الحدود ، بالإضافة إلي إزالة أعمدة التلغراف المصرية و استبدالها بأعمدة تركية ، و عندما اقترح الخديوي تشكيل لجنة مصرية تركية لتعيين الحدود ساند الفكرة الإنجليز و تقرر إيفاد أحمد شفيق باشا في 11 أبريل عام 1906 و معه ملف بصور جميع المكاتبات و الوثائق المتعلقة بمسألة طابا و قد وعد الصدر الأعظم بأن تجري الدولة العثمانية اللازم لإنهاء الأزمة أما موقف السفير الإنجليزي فإنه يعكس وجهة نظر حكومته في ضرورة إخلاء طابا أولاً منالجنود العثمانيين ثم البدء في التفاوض لتخطيط الحدود و عاد أحمد شفيق باشا إلي مصر صفر اليدين دون التوصل لحل المشكلة ،و عندما رأت الحكومة البريطانية التعنت العثماني في مسألة تشكيل لجنة لوضع الحدود قررت تأمين المراكز المصرية علي الحدود و بناء علي ذلك تم إرسال قوة مصرية صغيرة (تتكون من 50 رجلاً يقودها الضابط المصري سعد بك رفعت ) لمقابلة السير براملي الحدود و احتلال طابا بالإضافة إلي” نقب العقبة و القطَار” و عند وصول الحملة وجدت أن قوات تركيا قد سبقتها لاحتلال هذه النقاط و منعًا لحدوث صدامات فقد صدرت الأوامر بتراجع الحملة المصرية علي بعد أميال قليلة من جنوبي طابا ثم تطور الأمر أكثر عندما أرسل الصدر الأعظم برقيات شديدة اللهجة للخديوي و ثم تقدم العثمانيين لاحتلال المزيد من المراكز و منها نقب العقبة و القَطار و هما مركزان يتحكمان في في الطريق بين السلاسل الساحلية و شبة جزيرة سيناء و كذلك وصول مزيد من الإمدادات العسكرية إلي العقبةو استمر التعنت العثماني خلال المفاوضات سواء مع الخديوي أو مع السفير البريطاني في الاستانة فعلي سبيل المثال أعلن المجلس العسكري في استنبول الذي انعقد لبحث مسألة الحدود التركية – المصرية أن ” الأرض موضع النزاع ليست من ضمن الأراضي الممنوحة لمصر بمقتضي الفرمانات و اعتذر عن طرح مسألة الحدود ” و حتي عند محاولة حل الخديوي للأزمة وفقًا لفرمان 1892 تم إرجاع تفسير الفرمان إلي أن سيناء لا تدخل ضمن الأراضي المصرية، فعندما أرسل الخديوي عباس برسالة إلي الصدر الأعظم يحتج فيها علي ما ورد فيها علي التقاير العثمانية التي تذكر عدم أحقية مصر في سيناء بأكملها كما ورد في البرقية أيضًا تأكيد الخديوي علي أن برقية الصدر الأعظم جواد باشا في 8 أبريل 1892 و علي أثر هذه البرقية وصل رد يفيد بأنه قد تم التصريح للإدارة المصرية بإنشاء نقاط حراسة عسكرية علي طريق الحج بين العقبة و الوجه و بما أن هذه الأماكن لم تدخل في خريطة التحديبد المصرية بالفرمان الصادر لمحمد علي باشا فقد وُجد من الضرورة إعادة هذه المناطق لولاية الحجاز ، مما دفع اللورد كرومر بأن يقوم بإقناع وزير الخارجية البريطاني و مجلس الوزراء بضروة القيام بتصرف للحفاظ علي مكانة بريطانيا و حماية المواصلات الإمبراطورية و كانت النتيجة توجية إنذار صارم إلي الباب العالي و تذكر المصادر في مقر المعتمد البريطاني إنه كان من أشد المتحمسين للقيام بعمل عسكري ضد الدولة العثمانية باعتبار أن ذلك ” سيعيد أمجاد الإمبراطورية البريطانية ” ،فرفع السير (اوكونوز) السفير البريطاني في الاستانةإنذارًا نهائيًا بتاريخ 3 مايو إلي إجابة مطالب بريطانيا خلال عشرة أيام و هذه المطالب هي إخلاء طابا و عودة عساكر رفح إلي حدهم و إعادة عمودي الحدود في رفح إلي حدهما مع توجيه الأوامر إلي الأسطول بالتوجه نحو الدردنيل و الإستيلاء علي الجزر التي في الطريق الواحدة تلو الأخري فكان ذلك بالإضافة إلي تخلي ألمانيا عن مساندتها علي الرغم من أن المانيا كانت قد حرضت السلطان علي المضي في الأزمة دافعًا لقبول بنود الإنذار و أمر السلطان بعودة عساكر رفح إلي مواقعهم و خروج العسكر العثماني من طابا و إعادة نصب أعمدة الحدود في أماكنها السابقة ،و كان أول رد فعل عثماني تجاه الإنذار البريطاني أن أرسل السلطان العثماني مندوب له في اليوم التالي للإنذار إلي السفير البريطاني برسالة يؤكد فيها علي إحترامة لبرقية (8 ابريل 1892) و علي الموافقة العثمانية لبنود الإنذار و قد حاولت أن تحصل علي اعتراف بريطاني بسيادة السلطان العثماني علي مصر و لكنها لم تنجح ، مما دفع بريطانيا إلي استمرار التلويح باستخدام القوه و صدرت الأوامر باستمرار بقاء الأسطول البريطاني في وضع الاستعداد لأي عمل متوقع ،و بناء علي هذا تم تشكيل لجنة تحديد الحدود و صدر أمر من الباب العالي إلي المندوبين العثمانيين في العقبة أن يتعاونوا مع من تنتدبهم مصر لتعيين الحدود ،و أما عن أهم العوامل الطبوغرافية التي اهتم بها كلاً من الجانب المصري و التركي فنجد ان الجانب المصري قد تمسك بالخط المستقيم الذي يمتد باتجاه جنوبي شرقي من رفح إلي أم الرشراش لما وجده من إتفاقه مع خط تقسيم المياه و لما وجده من توافر مصادر المياه قرب هذا الخط التي لو كانت واقعة في شرقه لمكنت الأتراك من حشد قواتهم للإنقضاض علي مصر و الجانب التركي قد سعي ما في وسعة الجهد للمشاركة في بعض مصادر هذه المياه غير أن الإعتبار الإستراتيجي الذي برزت أهميته بشكل أكبر من خلال التحركات التركية كان تأمين العقبة علي الطرف الجنوبي من الخط الذي يتم تعليمه بحكم موقعها الحاكم علي رأس الخليج و بحكم أن بها مركزًا عسكريًا كبيرًاو بحكم مشروعات مد فرع من خط سكة حديد الحجاز التي كانت قائمة عل قدم وساق و التي كان مقررًا أن يصل أحدها إلي العقبة قادمًا من معان ، وعند توقيع الإتفاقية طالب المندوبون المصريون بتحرير الإتفاقية باللغة الفرنسية بينما أصر الأتراك علي تحريره باللغة التركية لكونها اللغة الرسمية للمراسلات الرسمية بين السلطان و الخديوي و من ثم فقد تم تحرير النص التفاوضي بالغة التركية ثم تُرجم من التركية إلي الإنجليزية بواسطة أعضاء الوفد المصري .
و حاولت بريطانيا ضرب التحالف الذي نشأ بين أعقاب الأزمة بين الخديوي عباس حلمي الثاني و الحركة والوطنية سواء باستخدام القوة أو بمساندة القوي المتعاونة مع الاحتلال من كبار الملاك بالإضافة إلي هذا أنه يرجع الفضل لحادثة طابا في شحن مشاعر الشعب المصري ضد بريطانيا و ليس ضد تركيا فبريطانيا تعاملت مع مصر أثناء الأزمة إنها مستعمرة من مستعمراتها في ظل كراهية البلاد للإحتلال لدرجة رفضه لكل ما يأتي به و لو كان فيه الخير لمصر)