الأسطورة هى حكاية خيالية، وهى خيط باهت من التاريخ أضيف إليه أطنان من الخرافات. ولكل شعب أساطيره الملحمية، مثل «الإلياذة» و«الأوديسيا» فى اليونان، و«جلجامش» فى العراق، و«المهابهاراتا» فى الهند.. أما فى مصر، فعندنا أساطير جديدة تتحدى «إيزيس وأوزوريس»، وهى مجموعة من «أساطير الآخرين» التى نُسلم لها أنفسنا دون تفكير، وعلى سبيل المثال فحسب، ولدواعى المساحة، أتحدث سريعاً عن أربع أساطير تساعد فى ترسيم حدود العقل المصرى المشبّعة خلاياه بها.
أسطورة 1: «الثبات على المبدأ».. المبدأ هو الغاية التى يجب أن تكون والقانون الذى يُستحسن اتباعه، وهو نقطة انطلاق التفكير الإنسانى لوضع إطار حاكم للصواب والخطأ.. ويخلط المصرى بشدة بين المبدأ والموقف. فالثانى هو مجرد رد فعل ونتيجة، صريحة أو ضمنية، تنشأ عن مقدمات معلوماتية.. وتتغير المواقف بشكل عام كاستجابة لعملية تواصل، تنشأ عنها معلومات جديدة يترتب عليها إعادة التقييم (تأييد شخص ما أو رفض منتج معين هى مواقف وليست مبادئ). ومن لا يعيد تقييم مواقفه كل فترة، بناءً على معلومات ووقائع، مع الاحتفاظ بمبادئه، هو كائن جامد غير حى لا أمل فى تطوّره (الأمر يشبه إعجابنا ببعض الروايات حين نكون صغاراً، ثم نكتشف أنها ركيكة للغاية حين نكبر وتزيد معارفنا).
بالمناسبة، حتى المبادئ ذاتها قد تتعدل أحياناً بفعل صراعها مع بعضها، فمبدأ الوفاء للوطن مثلاً قد يطغى على مبدأ الأمانة؛ فأنت ستقوم، بمنتهى الرضا، بعملية تضليل للعدو أو حتى سرقته، فى إطار عملية تجسّس (نموذج «أحمد الهوان» الشهير بـ«جمعة الشوان»).. وفى المقابل لن تكون فى نظر أهلك كاذباً أو لصاً، بل بطلاً.
أسطورة 2: «فلان غير متخصص».. وهو أكليشيه يرفعه أحدهم حين يعجز عن الرد بالحجة على شخص ما، وبهذه الجملة قدر عالٍ من التدليس؛ فحكمة العقل ومنطق الأشياء لا يحتاجان إلى متخصص، أما الأمور التقنية الدقيقة فهى تحتاج إليه. أما وإن صدرت عن غير متخصص، فهى تظل فى حاجة إلى ردود وليس إلى الطعن فى شخص قائلها.. تلك الأسطورة ابتدعها ورعاها رجال دين ممن يتحدثون فى كل شىء ويخلطون الملفات، ثم يرفضون أن يتحدث أى إنسان بمنطق فى أمور دينية، لأنهم ببساطة لا يعرفون كيف يردون عليه (رحم الله فرج فودة).
أسطورة 3: «لكل بلد خصوصيته».. الخصوصية تكون فى الجانب الثقافى والحضارى، أما أمور مثل غياب الحريات والفقر والجهل والمرض والقمع والقهر والتأخر، فكلها لا تقع فى نطاق الخصوصيات، بل فى حدود الفساد. والطريف أن من يُردّدون تلك الأسطورة عندنا لا مشكلة لديهم فى استجلاب أحد الأنظمة الغربية ومحاولة «تركيبها» عنوة على واقعنا غير المواتى، فيشبه الأمر محاولة زراعة الصبار فى بلاد الإسكيمو (راجع نظام «الجودة» فى التعليم، الذى تحول عندنا إلى عملية كبرى لتستيف الأوراق).
أسطورة 4: «ده كلام نظرى»، أو «فلان قارى له كلمتين».. النظرية أصلاً تخدم التطبيق، فلا قيادة سيارة مثلاً دون معرفة قواعدها.. وتلك الأسطورة تأتى فى إطار عام من احتقار للقراءة والثقافة، ويحاول بها البعض تبرير كسله وفشله فى التطبيق.. لا فائدة من العلم إذا لم يلازمه التطبيق، ولا أمل فى تطبيق غير مستند إلى علم.
المصدر: أساطير مصرية يجب هدمها