يحكي التاريخ سيره دون أن يدلك بأطراف أصابعه الخشنةفروات رؤوسنا، ولا يهتم إن أسدلت قصصه ستائر جفونناالتي أضناها السهر. يحكي التاريخ دون أن ينتظر شهقةالمفاجأة أو زفرة اليأس من حلوقنا اليابسة، ويمر دون
أنيلتفت إلى وجوهنا المكفهرة أو جباهنا المقطبة. يحكيالتاريخ لأن القص صنعته، ولا يهتم كثيرا إن استوعبناالدرس، لأنه يكرره في أوراقه الصفراء المغضنة مرةومرة وألف مرة. ودرسنا اليوم من ألمانيا التي سبقتنا إلىالتضخم بآلاف الفراسخ ثم عادت من هناك أقوى آلافالمرات.
لم تقتف ألمانيا أثر الأعداء، فلجأت على عكس اللدود فرنساإلى سياسة الاقتراض لتغطية نفقات الحرب العالمية الأولىبالكامل. كان فيلهلم الثاني واثقا من النصر، وكان يعول علىمغانم الحرب لتغطية ديونه، ولم يستمع إلى نصيحة الخبيرالاقتصادي الشهير جالمر شاخت الذي حذره من انهيارمحتمل للعملة المحلية (المارك). ولما جاءت الحرب بما لميشته فيلهلم، لجأ إلى حلول اقتصادية عاجزة أفقدت الماركما تبقى لديه من عافية.
كان الدولار قبل الحرب يساوي 4.2 ماركا، ثم ارتفعليعادل 7.9 ماركا بعد اندلاعها. وفي أعقاب الحرب، وبعدأن خرجت ألمانيا من ساحات المعارك تجر أذيال النكسة، لميستطع فيلهلم أن يسدد ديونه التي تجاوزت حدود المعقول،فلجأ إلى حيلة العاجز بالإفراط في طباعة أوراق نقدية لاتجد لها من الموارد ظهيرا. وبعد معاهدة فرساي، ترنحالمارك، وأصبح الدولار بثمانية وأربعين ورقة ألمانية لاقيمة لها، وذلك بحلول 1919 ميلادية.
وظل المارك يتراجع أمام الدولار حتى صارت الورقةالخضراء بتسعين ماركا عام 1921، ثم انهار المارك تماماليشتري الدولار ثلاثمئة وثلاثين ورقة منه. كانت الديونالمستحقة على ألمانيا حينها خمسين مليارا. وكان علىألمانيا تسديد ديونها بالعملة الصعبة، وهو ما اضطرالحكومة الفاشلة إلى طباعة المزيد من الأوراق التافهةلتتمكن من شراء البنكنوت الأمريكي، وهو ما عجل بدخولالمارك غرفة إنعاش وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة.
وهكذا، ظلت ألمانيا تدور في فلك خبيث، من طباعة أوراقنقدية لا قيمة لها إلى شراء عملة غير موجودة إلا فيأسواقها السوداء، حتى حدث التضخم الجامح الذي لم تجدمعه كافة الجراحات الاستئصالية المعقدة. وهكذا، وجدالألماني نفسه على رصيف واقع مؤلم، لا تطعمه الأناشيدالحماسية ولا تسقيه خطابات القائد اللاهبة. فجأة، أدركالمواطن المسكين أن محفظته المنتفخة عاجزة عن تحقيقالحد الأدنى من الأمان المادي، فضلا عن الرخاء الذيلطالما وعد به الإمبراطور فيلهلم. كان فقراء الألمان ينامونفوق أسرة من بنكنوت، لكنهم لم يكونوا قادرين على شراءرغيف خبز يهدئ من ثورات بطون أطفالهم الجوعى.
ولما عجزت الحكومة الألمانية عن تسديد ديونها نقدا،اضطرت إلى استخدام منتجاتها المحلية مثل الفحم بديلاللورق، لكن ذلك كله لم يجد نفعا، مما حدا بفرنسا وبلجيكاإلى احتلال الروهر، وهي منطقة صناعية في غرب ألمانيالضمان مستحقاتهما. وما زاد الطين اللازب بلة، قيام بعضالمواطنين الألمان في المنطقة الصناعية بالإضرابالجماعي عن العمل، مما سبب شللا تاما في مفاصلالاقتصاد الألماني، اضطرت معه الحكومة إلى طباعة مزيدمن الأوراق المالية، وهو ما أدى إلى وفاة حتمية للمارك،وانتشار نظام المقايضة لإتمام صفقات البيع والشراء بينالمواطنين.
كانت فرنسا عدو ألمانيا اللدود وقتها أكثر حكمة، فلم تشتطفي ثقتها بخوذات جنودها الصفر، ولم تلجأ إلى صناديق نقدأو لدول صديقة مادة يدها، وفضلت فرض ضرائب علىالدخل لتغطي نفقات الحرب، ولما خرجت من أتون المعركةمنتصرة، استطاعت أن تحقق رخاء غير مكذوب لم تعد به،لكنها كانت تخطط له في صمت. صحيح أن انتصار الفرنكعلى المارك لم يكن نهاية المطاف، إلا أنه كلف المواطنالألماني عقودا من الهوان كان باستطاعة حكومته تجنيبهإياه لو أنها اتبعت سياسة نقدية أكثر رشدا.
تتكرر دروس التاريخ، لكنها ليست أبدا مملة. لكن الكثيرينممن يهمهم الأمر قد انشغلوا ببرامج التوك شو والمسلسلاتالهندية والتركية عن تقليب وجوههم في سماوات الوعي،وتركوا مصائرهم نهبا للوساوس والمخاوف والقيل والقال.شغلتنا أموالنا وأهلونا عن النظر إلى الخلف أو التطلع نحوأي مستقبل، فصرنا مجرد تروس في آلة جهنمية تقودناجميعا نحو هلاك محتمل وشيك. وتبقى خلفية المشهد ترسمحلولا للمخلصين الباحثين عن الشعاع في النفق، لكن أينهم؟
