مشاهدة أفلام العنف لا يمكنها بمفردها جعل الناس ميَّالِين للعنف، غير أنه سيكون من الخطأ رفض تلك الدراسة ببساطة بسبب ما شابها من قصور. فليس بإمكان أي تجربة مفردة أخذ جميع المتغيرات في الاعتبار دفعة واحدة، تمامًا مثلما لا يمكن لأي فيلم الإمساك بكل الأبعاد الهامة للسينما.
يعتقد علماء النفس أن التعرض للإعلام يوفِّر مجموعة من الصور والنماذج السلوكية التي تظل هاجعة إلى أن يَطْرَأ موقف وثيق الصلة يتوافق مع تلك التهيئة. ومن هنا، فإن التعرُّض المتكرِّر لمشاهد مشاجرات الحانات لا يدفع الناس بالضرورة إلى ارتياد الحانات بحثًا عن المشاجرات. لكن، إذا حدث أن تعرَّض هؤلاء الناس للتهديد أثناء وجودهم في إحدى الحانات، فإنهم يكونون مهيئين سلفًا لكيفية التصرف في مثل هذا الموقف. ومن ثم، فإنهم قد يتصرفون بعدوانية، حتى وإن كانوا غير واعِين بمصدر التأثير الذي يتصرفون بموجبه.
ففي أواخر العشرينيات، تمخَّضت الأبحاث في مجال التأثير النفسي للأفلام عن سلسلة من الكتب تحمل عناوين من قَبِيل «الأفلام والسلوك» و«الأفلام والجنوح والجريمة» (عن المراهقين في إصلاحيات الأحداث). ورغم أن تلك الكتب لم توجِّه اتهامات شاملة، فإنها أثارت مخاوف حول المخاطر المحتمَلة للأفلام. شهدت الأبحاث حول تأثيرات الأفلام مرحلة أخرى بالغة الثراء في الستينيات، دون أي علامات على التراجع. فقد أصبحت حقلًا بحثيًّا شاسعًا، يضم الآلاف من المقالات والكتب. وبمرور الوقت، تحوَّلت بؤرة الإهتمام من الأفلام إلى التليفزيون قبل أن تنتقل، في السنوات الأخيرة، إلى ألعاب الفيديو والكمبيوتر. وبسبب هذا التوسع المتزايد في نطاق البحث، أصبحت تلك الأبحاث تُعرَف باسم «تأثيرات الإعلام»،«الإغواء اللاشعوري». ولأن الجزء الأكبر من السلوك البشري يمكن تجسيده في الإعلام، فإنه من الممكن نظريًّا أن يستطيع الإعلام التأثير على أي سلوك بشري.
فالجُمهُور المتبلِّد المشاعر يتحوَّل بفعل التعرض للتكنولوجيا إلى حَشْد من الموتَى الأحياء؛ مشاهدون غافلون مُسمَّرون أمام شاشات تُبقِي عليهم في حالة من المتعة السلبية، والتضليل المعلوماتي، والحرمان من دفء العلاقات الإنسانية (حبكة فيلم «ماتريكس» بصفة أساسية). وثمة مجموعة أخرى من السيناريوهات نذكر منها المخاوف من أن يَجعَل الإعلام الناسَ حَمْقَى، وأنانيين، ونرجسيين، وغير ذوي نفع، و/أو ضعفاء؛ أيْ مجتمعًا من الكُسَالَى.
ومن ثم، إذا كانت للإعلام آثار سلبية، فالواجب يحتِّم تناول ومعالجة ما قد ينجم عنه من أضرار. فبعض الباحثين في تأثيرات الإعلام يَرَوْن أن مسئوليتهم تحتِّم عليهم المساعدة في التعامل مع المخاوف الاجتماعية. أما مَن ينتَقِدون تلك الأبحاث، فلدَيْهم مخاوف من القيود التي قد تُفرض على تدفُّق المعلومات والصور والأفكار في مجتمع حُرٍّ. وبقدْر ما يكون هناك نزاع بين الرغبة في تحسين الظروف الاجتماعية من جهة، والحذر من تقديم حلول متعجِّلة غير ناجحة قد تكون لها نتائج غير متوقَّعة من جهة أخرى، يظل هذا الجدل ظاهرة صحية.
القضية الأوسع هي نوع التأثير الذي تُمارِسه الأفلام على عالم الواقع. فمِن الواضح أن الأفلام تثير مشاعرنا وتستهلك وقتنا وأموالنا، لكنْ هل لها تأثير بالفعل على الطريقة التي يشعر ويفكِّر بها الناس بعد مغادرتهم دُور العرض؟ وإلى جانب كونها أشياء يستمتع الناس بمشاهدتها والحديث عنها، «هل الأفلام لها أهمية فعلية؟» أعتقد جازمًا أن الإجابة نعم. أو على الأقل، بعض الأفلام مُهِمَّة لبعض الناس لبعض الوقت. فالعمليات النفسية— الإدراك، والاستيعاب، والتفسير — هي الوسائل العقلية التي تؤثِّر بها الأفلام على حياة الناس.
وقد قام مراهق بإضرام النار في صديقه كمحاكاة لمشهد مثير في فيلم «الأحمق» (جاك آس). وثمة عدد لا يُحصَى من الجرائم ارتبطت أيضًا بالأفلام؛ فإضافة إلى محاولة اغتيال ريجان على يد جون هينكلي، وواقعة إطلاق النار في كولمبين، ثمة مجموعة من الوقائع سيئة الذكر تشمل: نساءً يُضرِمْنَ النار في شركاء حياتهن الذين كانوا يسيئون معاملتهن؛ وذلك بعد مشاهدتهن الفيلم التليفزيوني «الفراش المحترق» (The Burning Bed).
بيد أن معدَّلات جرائم المحاكاة قد تكون أكبر بكثير حتى مما تبدو. فقد أظهرتْ إحدى الدراسات أن ربع المراهقين المحبوسين الذين شملتْهم الدراسة حاولوا ارتكاب جريمة محاكاة مرة واحدة على الأقل. إنَّ المحاكين واعون بتأثير الأفلام عليهم إلى حدِّ أن بوسعهم أن يُشيروا إلى الفيلم الذي استلهموا منه أفعالَهم بأنه مُلهِمُهم. غير أنهم يُعانون، في الوقت نفسه، من نقص فادح في التأمُّل النقدي واختبار الواقع.
مرتكبي مثل تلك الأفعال/الفظائع الحمقاء يعانون بوضوح من قصور ذهني، أو أخلاقي، أو تنموي سابق على مشاهدتهم للفيلم. ففي حالة أغلبهم كانت ثمة عوامل، مثل التنمُّر في المدرسة، والمشاكل النفسية، وإهمال الوالدين.
إن الأبحاث التي أُجريت على تأثير العنف في الأفلام تفوق من حيث الكم تلك التي أُجريت في أيِّ مجال آخَر. فإن الأبحاث تركَّزت بصورة لا تقارَن على تأثير العنف على سلوك الأطفال؛ مما يعكس الشعور العام بأن الصغار أكثر هشاشةً؛ ومن ثَمَّ أكثر عرضةً للتأثُّر بالإعلام من البالغين.
فإن هؤلاء الذين شاهدوا نماذج للسلوك العنيف من البالغين (سواء في العالم الواقعي أو في الأفلام) قاموا بعدد من الأفعال العنيفة أكثر كثيرًا من أقرانهم الذين لم يشاهدوا تلك النماذج. أضِف إلى ذلك أن بعض الأطفال الذين شاهدوا تلك النماذج قاموا بمحاكاتها بمنتهَى الدقة، إلى حدِّ ترديد نفس العبارات . خاصةً عندما لا يتم معاقبة تلك السلوكيات. يحدث هذا التأثير على مستوى المحاكاة المباشرة.
فالتأثير الذي تمارسه الأفلام على سلوك الأطفال ليس عملًا من أعمال السِّحْر؛ حيث إن محاكاة نماذج السلوك في العالم الواقعي تُنتِج الأثَرَ نفسَه. واتساقًا مع نظرية التعلُّم الاجتماعي، يزعم باندورا أن الفيلم هو مجرد شكل واحد من بين أشكال عِدَّة للتعلُّم عن طريق الملاحظة. وثمة دراسة طولية واسعة النطاق قامت بمراقبة سلوك مجموعة من الأطفال على مدار ٢٠ عامًا، ووجدتْ أن الأطفال في سِنِّ الثامنة، الأكثر مشاهدةً لبرامج العنف في التليفزيون، يكونون أكثر عرضةً للتورُّط في جرائم خطيرة (مثل القتْل، والاغتصاب، والاعتداء، والسرقة) عند بلوغهم سِنَّ الثلاثين. ومن الممكن أيضًا أن تكون هناك عوامل أخرى أثَّرتْ في سلوكهم؛ على سبيل المثال، يمكن أن يؤدِّي نقص الإرشاد الأبوي إلى اختيارات مشاهَدة غير ملائمة وقلة احترام القانون. فأي سلوك في عالم الواقع يخضع لتأثير عوامل عديدة.
كما أن تأثير الصور ذات المحتوى الجنسي على سلوك المشاهدين من الموضوعات التي تَحظَى باهتمام بحثي كبير؛ حيث يأتي في المرتبة الثانية مباشرةً بعد العنف. فكلاهها يتناول موضوعات تثير قلق ومخاوف المجتمع، غير أن التمثيلات الجنسية يبدو أنها أكثر إثارةً للقلق مقارنةً بالعنف. فمعظم آباء وأمهات المراهقين لديهم مخاوف من احتمال قيام أبنائهم بالانخراط في ممارسات جنسية أكثر من قلقهم من احتمال ارتكابهم جرائم عنف.
استكمالًا لثالوث الجنس والمخدرات والعنف، اهتمَّ الكثير من الأبحاث بدراسة تأثير الإعلام على تعاطي المواد المخدِّرة، خاصةً التبغ والخمور. يتمتع التدخين وتعاطي الخمور بتراث ممتدٍّ في أفلام هوليوود، وكثيرًا ما يُستخْدَمان بهدف التعبير عن التمرُّد والسلوكيات الخطرة. وينشأ القلق من أن مثل تلك السلوكيات لدى البالغين قد يكون لها تأثير على الأطفال والمراهقين.
ومن ناحية أخرى، فإن مَن ينتقدون الأبحاث الخاصة بتأثيرات الإعلام، وأغلبهم ينتمون لحقل الإنسانيات، لديهم شكوك كثيرة حول إخضاع البشر للدراسة العلمية، لا سيما الخبرة الفنية. فهم يُقدِّرون وسائل البحث من قبيل التحليل النصي ودراسات الحالة لما تتميز به من عناية بالتفاصيل والتعقيدات والتنويعات والسياقات. وفي المقابل، ينظرون إلى التجارب المعملية باعتبارها محاولات غير طبيعية لفرض تعميمات فضفاضة على عملية تلقِّي منتجات الإعلام، في ظل تعقيد التجارب بفعل ما تتضمَّنه من عوامل جمالية وثقافية وشخصية. وأحيانًا ينتقل هؤلاء النقَّاد على نحو أسرع ممَّا ينبغي من الإشادة بتفسيرٍ تقدِّمه إحدى الدراسات إلى رفضها جملةً وتفصيلًا.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.