1525614_1384696948450925_1423039279_n

(6) الحضارة الإسلامية
ألقينا الضوء سابقًا على بريق شعار الحرية إبان الثورة المصرية (25 ـ 30)، ثم ولادة مصطلح الحرية، ثم تطور مفهوم الحرية في إطار تطور الحضارة الإغريقية باعتبارها أحد أهم روافد التفكير العقلاني الحر، ثم الحضارة الرومانية باعتبارها الجسر التاريخي والحضاري الأساسي الذي عبرت منه أوربا إلى مستنقعات العصور الوسطى، ثم المفهوم الإيماني للحرية في إطار الديانة المسيحية في طورها الأول، ثم تطرقنا إلى أوضاع الحريات في العصور الوسطى (قرون الظلام الأوروبية)، وذلك في ست مقالات منفصلة، ومقالتى هذه عن أوضاع الحريات في إطار الحضارة الإسلامية، التي مثلت ثورة إصلاحية كبرى على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية شديدة الظلم والقسوة والعنصرية والإستبداد التي سادت قبل الإسلام، والتي كانت امتهانًا لحريات المستضعفين والبسطاء، وإهدارًا لحرياتهم وكرامتهم الإنسانية، وساهمت في تحلل النظام القبلي بصورته البدائية، حيث لم تعد تلك العلاقات الاجتماعية صالحة آنذاك، وغير قادرة على الاستمرار، وتوفرت بذلك الظروف الموضوعية لولادة بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة أرقي وأنسب لزمانها، وهذا ما أدى إلى تقبل الرسالة المحمدية التي أتت لتلبي الحاجة إلى ذلك.
اعتمدت البيئة الإجتماعية العربية قبل ظهور الدين الإسلامي على نظام الرق، ولكن بسبب فقر البيئة الصحراوية لمقومات التطور الاقتصادي، وعدم وجود مجتمع بالمعنى الحقيقي للكلمة، اقتصر نظام الرق بصورة أساسية لأغراض الخدمة والأعمال الهامشية وبعض الأعمال الحرفية البسيطة، ولكنه لم يخلو من تبعات أي نظام اعتمد على نظام الرق، وذلك بحرمانهم من أي نوع من أنواع الحرية سواء العامة أو الخاصة، وانطوى نظام “المدينة القبلية” على نظام حقوقي وحيزًا من الحريات والمعايير والقيم التي تتأثر بدرجة رئيسية بطبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك، والتي أصبحت منسجمة ومبررًا للواقع السائد، وتشكلت الطبقات السائدة من النخب العرقية والأثرياء والفرسان وبعض النخب الأدبية النابغة، وشكلوا طبقة الوجهاء والتي يسمح لها بالمشاركة واحتقار القرار السياسي ضمن الوحدات العرقية التي تتألف منها، وظلت البقية الباقية وهي أكثرية الجماعة القبلية لا تملك حق المشاركة المباشرة، وبالتالي فهم يطيعون القرارات الصادرة من مجلس العشيرة أو رئيسها أو من مجلس المدينة (دار الندوة)، ومع صيرورة هذا النظام تولدت تمردات وثورات اجتماعية لم تستطيع تحقيق نقلات نوعية في طبيعة العلاقات الاجتماعية القبلية الصارمة، مثل ثورة صعاليك العرب التي انتشرت بشكل كبير على تخوم المدن القبلية وهددت بشكل مباشر مصالح الطبقات الثرية والسائدة، والتي اعتبرت ثورة على الظلم الاجتماعي والتفرقة العنصرية التي تنعدم معها أي نوع من الحريات العامة أو الفردية، مثل “طائفة الغرباء”، وهم أبناء الآمات الحبشيات السود ممن نبذهم آبائهم ولم يلحقوهم بهم لعار ولادتهم، وطائفة الخلعاء، الذين خلعتهم قبائلهم لكثرة تمردهم، وطائفة الصعاليك المحترفون، وهم الفقراء الذين احترفوا الصعلقة احترافًا وكان هاجس الحرية والكرامة الإنسانية هو محركهم للتمرد والصعلكة، فكانوا شعراءًا وفرسانًا يضرب بهم الأمثال في الشجاعة والمروءة والنبل، مما أنذر بأن النظام القبلي بصورته البدائية والقاسية لم يعد قادر على الاستمرار بنفس الأساليب، وكانت تلك من أهم عوامل تقبل الدين الإسلامي على أوسع نطاق، لإنه مثل ثورة إصلاحية كبرى، هدفها تشذيب الواقع القائم ووضع أسسًا جديدةً للأهلية حيث أدخلت جميع أبناء المجتمع في صلب الحياة السياسية وأوجد الإسلام مفاهيم الشورى والأخاء والمساواة والتكافل الاجتماعي محل العنصرية والاستبداد والانتماء العرقي، واعتبر ذلك نقلة اجتماعية نوعية في زمانها، وأرسى قاعدة الرضى (لا يحل مال امرء إلا بطيب نفس)، وحددت صلاحيات الحاكم أو السلطة قياسًا بما كان سائدًا قبل ذلك حيث يفقد الحاكم سلطته بمجرد خروجه على القانون (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وتعتبر حرية الفكر والاعتقاد من القواعد الأساسية في القرآن الكريم، ففي قاعدة أساسية صريحة بالنسبة للحرية الدينية أو حرية الاعتقاد في الإسلام يقول الله تعالى: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” صورة البقرة – 256، وذلك لأن إسلام المكره لا قيمة له في أحكام الآخرة، وقوله تعالى: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” صورة الكهف – 29، ولفت القرآن نظر نبينا الكريم إلى هذه الحقيقة “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” صورة يونس -99، وقوله تعالى: “فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ” صورة الشورى – 48، ومن هنا يتضح أن حرية الفكر والاعتقاد مكفولة في النص القرآني، وإتساقًا مع ذلك أقر النبي الحرية الدينية في أول دستور للمدينة، وذلك حينما اعترف لليهود بأنهم يشكلون مع المسلمين أُمةً واحدة، وأيضًا في فتح مكة حين لم يجبر الرسول قريشًا على اعتناق الإسلام، رغم تمكنه وانتصاره، ولكنه قال لهم: “اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء”، وعلى دربه أعطى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للنصارى من سكان القدس الأمان على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم، “لا يضار أحد منهم ولا يرغم بسبب دينه”، وقوله المشهور لوالي مصر عمرو بن العاص عندما تعدى ابنه على قبطي مصري وضربه، فقال له عمر بن الخطاب بعد أن رد للمصري حقه”منذ متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، وكفل الإسلام حرية المناقشات الدينية على أساس الموضوعية والمباديء السمحة، وذلك في قوله تعالى “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الـحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” صورة النحل – 125، وقوله تعالى: “لكم دينكم ولي دين” صورة الكافرون – 56، ويذهب البعض إلى أن ضريبة “الجزية” كانت تمييزًا في حق أصحاب الديانات الأخرى وإمعان في إذلالهم بعد استيلاء المسلمين على أراضيهم، ولكن في حقيقة الأمر إن الضريبة التي كان يدفعها غير المسلمين من اليهود والنصارى كانت تعفيهم من أداء فريضتين من الفرائض الواجبة على المسلمين وهما الجهاد والزكاة، فإذا أخذنا بعين الإعتبار ما كانت تمثله الحروب التي كانت شائعة في العصور الوسطى من تهديد حقيقي على حياة الإنسان، نجد أن الإعفاء من هذا الأمر لا يقدر بثمن، وقد ذهبت بعض المصادر إلى أن أفراد القبائل اليهودية والنصرانية ممن حاربوا في صفوف المسلمين قد أعفوا من أداء الجزية، مثل أهل الحيرة الذين كانوا يعتنقون النصرانية و كانوا يعيشون على حدود الدولة الإسلامية مع الروم، فعندما جمع هرقل الجيوش لحرب المسلمين الذين لم يقووا على حربه في هذه الفترة أمر الخليفة ولاته برد أموال الجزية إليهم، وبذالك تكون تلك الضريبة (الجزية) قد سقطت بمجرد تغيير الظروف التي أوجدتها، أما عن حرية أهل الذمة في ممارسة شعائرهم الدينية فصحيح أنهم لم يكونوا يتمتعوا بالحرية الكاملة في بناء الكنائس والتجارة إلا أنهم توفروا علي قدر معقول من الحرية في أداء فرائضهم الدينية، كما حافظت الدول الإسالامية المتعاقبة على الكنائس التي ظلت قائمة منذ قرون لكي تقام فيها شعائر المسيحيين، ومن ذلك نرى كيف أن استرجاع المسلمين للقدس على يد صلاح الدين لم يغير المعالم المسيحية للمدينة التي لا تزال قائمة حتى الآن، وقد يبدو هذا الأمر عاديًا إذا ما قارناه بالبيئة المتسامحة للديمقراطيات الغربية الحالية لكنه أمر عظيم بجانب تلك البشائع التي تمت تحت حكم الإقطاعيين والملوك الكاثوليك في خلال القرون الوسطى الأوروبية.
واقتصر مفهوم “الحرية” في تلك المرحلة على المفهوم البدائي البسط، الذي يدل على الحالة المقابلة للرق، وكانت كلمة “حر” تعادل كلمة نبيل أو شريف، ولكن كان الإتجاه العام هو التعامل مع تلك الظاهرة التي كانت أساس النظام الإقتصادي والاجتماعي العالمي آنذاك، ولم يكن الإسلام متعاطفًا مع العبودية، بل حض على تحجيمه وتبغيضه قدر الإمكان، وهو إتجاة إنساني متعاطف ومتكافل وأقل قسوة وعدوانية تجاه العبيد قياسًا بما كان سائدًا قبل الإسلام، ورغم عدم تحريم الرق في الإسلام والذي لم يكن واردًا أصلًا في هذا الزمن لأسباب موضوعية وتاريخية كثيرة، فقد قام الرسول محمد (ص) والعديد من أصحابه بشراء وتحرير العبيد، واستفاد العديد من العبيد من الإسلام كما تحسنت أوضاعهم بالنسبة لما كانوا عليه في مجتمع ما قبل الإسلام، وتناولت الشريعة الإسلامية موضوع الرق بقدر كبير من التفصيل في القرآن والحديث، حيث ينظر إلى الرق على أساس أنه أمر استثنائي يمكن استخدامه في ظل ظروف معينة ومحدودة، فالأطفال من العبيد أو من أسرى الحرب فقط يمكن أن يصبحوا عبيدًا، كما أن الإسلام وضع قانون العتق من العبودية ليكون واحدًا من الأفعال الفاضلة العديدة المتاحة لتكفير الذنوب، ووفقًا للشريعة يمتلك العبيد بعض الحقوق على أساس إنسانيتهم، ولكن ظل المسلمون العبيد يتساووا مع الأحرار المسلمين في القضايا الدينية ويتفوقوا على غير المسلمين سواء كانوا أحرارًا أو عبيدًا.
غير أن النقلات السريعة في بنية النظام السياسي من سلطة القبيلة إلى (السلطة العالمية) التي تضم عددًا هائلًا من المواطنين وتمتد على رقعة جغرافية واسعة، أدت إلى بروز نظريتين بالنسبة لشرعية السلطة وما يتفرع عنها من نظام حقوقي، الأولى هي نظرية الشورى، والتي رأى أصحابها أن الشرعية ناشئة من اجتماع أهل الحل والعقد (المهاجرون والأنصار) فكل ما اقره هؤلاء فلله فيه رضى وبالتالي فهو ملزم لأبناء المجتمع بما في ذلك أهل الحل والعقد ممن هم خارج الإجماع المذكور، ولهذا فإن حصول إجماع تام غير ضروري، كما إنه لم يحدد نصاب مــعـيــن لهذا الـــرأي، ولا توجد ضوابط محددة يتم بموجبها تحديد الأهلية للانضواء في جماعة أهل الحل والعقد، كما إن هذا الرأي يرى ضرورة استخدام الإكراه مع الرافضين أو المعترضين، وهذا يعني أن نظرية الشورى تؤمن بسلب حق الاعتراض من المعارضين، غير أن هذه النظرية ألغيت بعد فترة قصيرة وتم تبني “نظرية التعيين”، فقد تم استبدال التشاور بين أهل الحل والعقد بأسلوب الوصية إذ أوصى الخليفة الأول للثاني وأوصى الثاني لعدد محدود من ذوي الأهلية لترشيح أحدهم أما بالنسبة للخليفة الرابع فقد أدى الانفجار إلى حمله إلى السلطة، ولكن فرض أسلوب التعيين نفسه في النهاية، بعدالتحول من الخلافة إلى الملك.
كان للحرية الدينية النسبية في المجتمعات العربية والإسلامية مقارنة بعصور الظلام الأوروبية في نفس الحقبة التاريخية، أثر ايجابي في تطور تلك المجتمعات خلال العصور الإسلامية المتلاحقة، فقد وحدت الفتوحات الإسلامية العرب وأسست الإمبراطورية الإسلامية العربية الواسعة التي امتدت في ذروتها من الأندلس غربًا إلى أطراف الهند والصين شرقًا في أوائل القرن الثامن الميلادي، بينما امتد نفوذ العرب أبعد من ذلك، وسادت روح العلم تماشيًا مع تشجيع القرآن على العلم والتعلم والتفكر، وكذا أحاديث رسولنا الكريم (ص) الممجدة للعلم والعلماء مثل قوله “حبر العالم مساو لدم الشهيد”، حيث شملت أوجه التطور والتحديث مختلف ميادين الحياة مثل علوم الطب، والاقتصاد، والفلك، والرياضيات، والكيمياء، وعلوم الحيوان، وصناعة السفن، وعلوم البحار، والبصريات، والهندسة، والأحياء، والتلوث، وأدوات التنمية الاساسية في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، والفلسفة، والترجمة، والأدب، والفن، والعلوم الإنسانية، وغيره، وفي ظل الخلافة العباسية أسس الخليفة المأمون مؤسسات خاصة للتعلم وترجمة الكتب اليونانية وغيرها، جذبت إليها العلماء على اختلاف جنسياتهم وأديانهم، ومن هذه المؤسسات “بيت الحكمة” الذي أُنشأ في بغداد عام ٨٣٠ ميلادي، وكرس لتطوير وتعميق الأعمال المجمعة من الحضارات الصينية والفارسية والمصرية وشمال أفريقيا والإغريقية واليونانية والإسبانية والصقلية والبيزنطية، وشهدت الحضارة العربية الإسلامية سعيًا محمومًا للتعلم في تلك الفترة المعروفة بالعصر الذهبي للإسلام، فحمل المسلمون لواء المعرفة في العالم عدة قرون، توصلوا فيها إلى معارف ونتائج جديدة، لم يعرفها معاصروهم من الأمم إلا عنهم، الأمر الذي جعل الحضارة الإسلامية باعتراف الغربيين أعظم حضارة شهدها العالم في العصور الوسطى، وتأسست مدن حضارية كبغداد والبصرة والقاهرة والأندلس وفاس، كما شيدت المؤسسات التعليمية المثيرة للدهشة في ذلك الحين، كالمستشفيات العامة، والمصحات النفسية، والمكتبات العامة، والمراصد الفلكية، والجامعات، حيث أنشأت جامعة القيروان في عام ٨٥٩ ميلادي، وهي أقدم جامعة في العالم طبقًا لكتاب “جينيس للأرقام القياسية”، وجامعة الازهر التي تأسست في القاهرة في القرن العاشر الميلادي، وكانتا تمنحان شهادات أكاديمية متنوعة من بينها شهادت جامعية عليا، كما كانت مراكز ثقافية جذبت إليها المثقفين المسلمين والمسيحيين واليهود نتيجةً للتسامح الديني الموجود, الأمر الذي ساعد في خلق جو ملائم للتعلم والدراسة، ولم يكتف حال المدن بهذا فحسب، بل ركز العرب على حرية التعبير, وقد امتدح الكتاب الاجانب مثل (آدم متز)، مستوى الحرية الدينية في ظل الدولة الإسلامية قائلاً : ” لم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة، بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحضروا مواكبهم وأعيادهم في دور عباداتهم ويأمروا بصيانتها …”، ويـضيـف ( متز) : “قضت الضرورة أن يعيش اليهود والنصارى بجانب المسلمين، فأعان ذلك على خلق جو من التسامح لم تكن تعرفه أوروبا في القرون الوسطى …” ، ويقول (غولد تسيهر) : “إن المؤمنين بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة كاليهود والنصارى والزرادشت، كان بوسعهم أن يتمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية، وكان من آثار تلك الحرية النسبية أن احتوت مكتبة قرطبة في الأندلس على ستمائة ألف كتاب بما فيها كتب يونانية مفقودة في الغرب، وهذا أدى إلى تسمية قرطبة “جوهرة العالم”، وكما كان يوجد في مكتبة القاهرة ما يقارب مليوني كتاب، ويقال إن مكتبة طرابلس في لبنان كانت تحوي على أكثر من ثلاثة ملايين كتاب قبل أن يتم تدميرها على يد غزوات الفرنجة (الحملات الصليبية)، ومن المدهش أن هذا العدد من الكتب تجاوز عدد كل الكتب الموجودة في أوروبا في ذلك الوقت، حيث ملكت أبرز جامعة فرنسية وهي “السوربون” حتى أواخر القرن الخامس حوالي ألفين وخمسمائة كتاب فقط، ولعل تدهور الإقبال على قراءة الكتب في الغرب حدث بسبب انتشار الأمية انتشارًا ساحقًا لعدم وجود كتب مكتوبة باللغات المحلية المحكية، كما ساهمت الحرية الدينية إبان الحضارة الإسلامية في ظهور حضارة ثقافية مترابطة الأبعاد، فنبغ العلماء العرب والمسلمين في كافة المجالات مثل، مثل دراسات وأبحاث الكندي والرازي وابن الجزار والتميمي وابن النفيس والبيروني والجاهز وابن سينا والإدريسي وابن باجه وعمر الخيام وابن زهر وابن طفيل وابن رشد وعلي بن حزم الأندلسي والفرغاني والبتاني وابن الهيثم والكثير غيرهم، وكان التوصل لصناعة الورق حدثًا محوريًا في تلك الفترة، لقد ظلّت صناعة الورق سرًا حافظ عليه الصينيون، اكتشف العرب هذا السر من أسرى حرب بعد معركة (تالاس) في عام ٧٥١ ميلادي، وتأسست مئات المحلات المكرسة لنسخ الكتب على نطاق واسع وصناعتها للمكتبات المزدهرة، وانتقل سر صناعة الورق إلى (فاس) وبعد ذلك إلى (الأندلس) في العصر الأموي ومن هناك إلى أوروبا في القرن الثالث عشر الميلادي، كما أن علماء المسلمين هم الذين حافظوا على التراث العقلاني الإغريقي والروماني القديم، هذا التراث الذي لم يكن غائبًا عن عقول الغرب فحسب، بل أٌهمل ذكره في العلوم الغربية على وجه الإجمال، أما بالنسبة لحركة الترجمة فقد عثر العرب على العديد من المخطوطات والكتب في إمبراطوريتهم التابعة للشعوب التي هزموها أو تفاعلوا معهم، ومن أهمها العثور على التراث اليوناني الذي ظل حيًا في بيزنطة والإسكندرية وإنطاكية وصقلية، وإن معظم النصوص التي أبقى عليها العرب في فتوحاتهم الإسلامية كانت مكتوبة في اللغة السريانية وليس في اللغة اليونانية الأصلية، وهذا ما مهد الطريق إلى ترجمة هذا التراث إلى العربية في مؤسسات مثل بيت الحكمة السابق الإشارة إليه، وترجمت هذه الكتب بعد ذلك إلى اللغة اللاتينية وغيرها، مما استفادت منها أوروبا، ومن الحق أن غرب أوروبا لم يتعرف على هذا التراث القديم إلا عن طريق حركة الترجمة التي قام بها المترجمون المسلمون والعرب، وبذلك نجد أن الحضارة الإسلامية ارتكزت على الحضارات الأخرى لتكتسب حضارتها عن طريق الترجمة كما أوضحنا.
ويتضح من ذلك أن الحضارة الإسلامية لم تكن اختراعًا اسلاميًا خالصًا، فالحضارة تنتقل بين الأمم بفعل إختلاف التطور التاريخي للأمم، وقدرتها على تواصل التطور الاقتصادي والاجتماعي من مراحل اجتماعية قديمة إلى مراحل جديدة تولد من رحم الأنظمة القديمة، أي عن طريق التناسخ والتناقل بين حضارة أفلت وشاخت ولم تواكب التطور التاريخي وحضارة صاعدة استكملت عناصرها الموضوعية والتاريخية والذاتية وانتقلت إلى مرحلة تاريخية جديدة أتي زمانها، فكل حضارة هي قاعدة للحضارة التالية لها، والأكيد أن المسلمين والعرب لو لم يجدو قاعدة فلسفية وفكرية فيما وصل اليهم من علوم الأمم التي غزوها والتي يتاجرون معها وكذلك كتب الفلاسفة الإغريق واليونان وغيرهم، لما وصلو هم كذلك لتشييد الحضارة الاسلامية العظيمة، فتلك حضارة “ميزوبوتاميا” في العراق التي شهدت ولادة القانون والعلمانية معًا قبل ستة آلاف سنة من الاسلام، وحضارة الفراعنة في مصر التي مازالت تحير العلماء اليوم قبل أكثر من أربعة آلاف سنة من بداية الإسلام، وكذلك تلك الحضارات من أمريكا إلى اسيا، فمن تطور الطب لدى الصينيين، إلى تطور العمران لدى البيزانطيين والرومان الذين شيدوا أطول الطرق آنذاك لتؤدي إلى روما، وحضارة المدينة لدى اليونان حيث أسسوا الديمقراطية قبل آلاف السنين واكتشفوا العدد، وكذلك أسسوا لعلم المنطق والفلسفة وكانت بلادهم زاخرة بالفكر الحر وبالعطاء الفلسفي والفكري والعلمي وبالنقاشات الهامة التي مازالت تؤثر علينا الى اليوم كفكرة “الديمقراطية”.
ودائمًا ما تبدأ أي حضارة بالسقوط عندما يبدأ المعبد الديني يتحول إلى سلطة قهرية على الأفراد، فيسيطر على عقول مفكري المجتمع، ويحد من إبداع الفنانين اللذين هم ضمير المجتمع، فيصاب المجتمع بالتجريف الفكري والثقافي، وتبدأ شمس الحضارة فيه بالأفول وهذا بالتحديد ما وقع للحضارة الإسلامية حيث بدأ رجال الدين يتدخلون فيما لا يعنيهم ويحاولون تحريم الفكر الحر والإبداع والتفكير المنطقي وراحوا يجرون أفراد الشعب نحو رفض المفكرين فكتب أبي حامد الغزالي كتاب “تهافت الفلاسفة” وحرم فيه الفلسفة والفكر الحر فرد عليه ابن رشد بكتاب “تهافت التهافت” دفاعًا عن الفلسفة والفكر الحر وانتهت بكتب ابن رشد محروقة بسبب التطرف الذي بدأ يتصاعد في تلك الفترة، وراح بعض رجال الدين يحرمون العلوم والفنون والإبداع فبدأت الحضارة الإسلامية تتسارع بأول خطواتها نحو الانهيار، وعندما تكون حضارة ما في آخر شموسها تستعد حضارة جديدة لأخذ المشعل، فبعد انهيار الحضارة الإسلامية بزغت الحضارة الأروبية وانطلقت من حيث ما انتهى رواد الحضارة الاسلامية مثلما هم أيضًا انطلقو من حيث انتهت الحضارات التي سبقت الحضارة الإسلامية وهكذا تنتقل الحضارة من أمة الى أمة عبر الزمن عن طريق مايسمى بالتناسخ أو التناقل الحضاري، حيث تسافر الحضارة بعيدة باحثة عن مناخها الذي يوالمها و تستطيع العيش فيه، فالحضارة تحتاج لحرية فكرية وفردية وتنوع ثقافي وتقبل للاختلاف لكي تشع وتشرق، وبمجرد أن تبدأ شموع الحرية تنطفأ ويبدأ أكسجين الفكر الحر يتناقص تفقد الحضارة قدرتها على المضي قدمًا في تلك الأمة فترحل إلى الأمة الأخرى التي بدأت فيها عوامل الحضارة تبزغ شيئًا فشيئًا، وقد انتقلت العلوم والفنون العربية إلى غرب أوربا عن طريق معابر ومراكز حضارية متعددة ومتنوعة، وهو ما سنلقي عليه الضوء لاحقاً.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.