إن تقييد القانون للحرية المطلقة ليس أمرا عنيفا، ولا يمثل اتجاهاً نحو الاستبداد، إنما هو اتجاه لفكرة الشمولية، أي وضع ضابط

شمولي يخضع إليه كل البشر، لا يستثني أحدا، الملاحظة التي يمكن البدء بها أن القانون يهيمن بشكل أن القانون يتحكم فينا ويضع الضوابط الأساسية في إعمال ردة فعل نحو الفعل البشري لان القانون هدفه هو إرساء إطار رسمي من الإلزامكما أن المصالح هي جزء لا يتجزأ من الغرض الأساسي للقانون

الانحراف الوضعي للقانون: إن انحراف القانون بهذه الطريقة ينصرف إلى طريقة وضع القانون والتي تظهر بشكل منحرف في القانون الوضعي أو ما يسمى بالتيار الوضعي، إن ما يميز التيار الوضعي بمختلف مدارسه هو موقفه المعادي للمثالية، للعقلانية وللطبيعة. هو يرفض التجرد الذي يميز الاتجاهات المثالية. كما يرفض مبدأ العالمية وفكرة أن يكون العدل كمفهوم جوهر القانون. يعتبر الوضعيون أنه لا يمكن تناول القانون إلا من زاوية معطيات خارج العقل والطبيعة

انحراف غاية المصلحة العامة في القانون: ثاني أنواع الانحراف القانوني يتشكل بالأساس عند وضع القاعدة القانونية وتلي بعدها مرحلة التطبيق العملي لهذا القانون، وهنا تظهر أكثر صور الانحراف والتي عبر عنها العديد من الفلاسفة، فيظهر النهب المشروع باسم القانون، أننا لا نحترم القانون لأن القانون لا يحترم نفسه، لأنه لا توجد عقوبة لمن يخالف القانون..وإذا حاول إنسان «قانوني» أن يطبق القانون فوجئ بمظاهرة اسمها: معلش..يا أخي معلش..يا سيدي معلش..خلاص يعني كل حاجة في البلد كويسة.

 وبس هيه دي اللي غلط ! وعبارات أخرى كثيرة تدل على منتهى الاستخفاف ومنتهى التخريب للقيم الإنسانية والقانون.. وفي لحظة واحدة يصبح القانون مجرد سور هزيل يعلو عن الأرض بضعة ملليمترات ندوسه من دون أن ندري به.. مع أن القانون يجب أن يكون سدا منيعا لا نجتازه..وإنما نقف عنده احتراما له..واحتراما لأنفسنا ولغيرنا من المواطنين..وحرصا على بقاء الكيان الاجتماعي لمصر.

فحماية المصالح متطلب مجتمعي، إن أهم مثال على هذا الهدف المهم هو حماية الملكية الخاصة، كمصلحة ضمن المصالح العامة للمجتمع. المصالح تحمى والأخلاق تبنى في القاعدة القانونية، لكن تبقى الإشكالية في مفهوم الأخلاق الذي يتم تأويله من مرجعية إلى أخرى، لذلك فالقانون الأخلاقي ليس نسقا واحدا أو تكتلاً ثقافيا واحدا، بل تختلف الأخلاق من زمن إلى آخر، ومن نظام اجتماعي إلى آخر، النتيجة

 أن القانون يتباعد بشكل مثير مع الأخلاق على عدة مستويات أهمها: الجزاء والهدف ومن حيث الشدة، القانون هو أداة ضيقة المدى مقارنة مع الأخلاق. والمثير في القانون أن الشركات الأجنبية ستأتي إلى مصر لتشييد مشروعاتها أو تشارك فيها، ولن تجلب معها التمويل اللازم، وإنما ستعتمد في النهاية على أموال البنوك المصرية، وهو ما يعنى أننا سنقدم لهم كل الأموال من مدخرات المصريين، والتي اقترضت من البنوك داخل مصر، وتستخلص المذكرة إلى أننا أمام ثلاثة مصائب سيقودنا إليها القانون وهى.. تسليم مفاتيح الحكومة للأجانب، وتحكم الأجانب في تقديم الخدمات وإدارة المرافق العامة، وضياع أموال ومدخرات المصريين.

شهدت مصر ثلاثة مراحل في النهب الاقتصادي المنظم

الأولى .. تمت باسم الانفتاح الاقتصادي

     إن المضمون الذى نخلص إليه من استعراض تجربة الرأسمالية الخاصة فى ظل الثورة هو أنه حينما تم الإعلان عن سياسة الانفتاح الاقتصادى فى عام 1974، لم تكن الرأسمالية المصرية جاهزة أو مستعدة بالصورة التى تمكنها من أن تضطلع باحتلال دور رائد فى عملية التنمية. أما لأنها ببساطة لا تملك الأموال الكافية التى تمكنها من ذلك ، حيث قضت عمليات التأميم والمصادرة على رؤوس الأموال الخاصة ، أو لأنها ليس لديها الاستعداد للمخاطرة مرة أخرى. ولذلك اعتمدت الاستثمارات الخاصة فى بداية عملية الانفتاح على رؤوس الأموال الأجنبية ، أو المدخرات التى تكونت لمن هاجر من المصريين إلى الخارج. فى الوقت ذاته كان على الكثير ممن اتجهوا نحو القطاع الخاص بدء رحلة طويلة لجمع الثروة فى ظروف كانت ملائمة للغاية لتلك المهمة. ولقد استطاع قطاع عريض منهم تكوين ثرواتهم من مصادر قانونية بالعرق والكد والكفاح فى ظل المناخ المساعد. وهناك الكثير من قصص النجاح المبهرة ، تبرهن عليها الكثير من المشروعات الخاصة فى المدن الصناعية الجديدة.

 

غير أنه على الجانب الآخر، فان البعض قد استغل المناخ المشوه بالسياسات الاقتصادية غير المناسبة فى جمع الثروات بسرعة وبطرق غير قانونية أو غير شرعية. وتلك قصة أخرى أعتقد أن القارئ قد عايش الكثير من أحداثها. فقد ارتبط مناخ الانفتاح باتساع نطاق المعاملات التى كانت تتم بصورة خفية فيما سبق ، فأخذت تطفو على السطح بصورة سافرة. وقد مارس هذه المعاملات على نطاق واسع مجموعة من متربحين Profiteers  المناخ الانفتاحى غير المنضبط. ولقد شبه الرئيس الراحل أنور السادات أرباب الاقتصاد الخفى فى وقتها بالقطط السمان. ويعنى هذا الوصف أن السلطة قد بدأت تشعر بالنشاط الواضح للمتعاملين فى الاقتصاد الخفى. وان كان هؤلاء لم يتجاوزوا فى خطورتهم بعد الخطورة التى تشكلها القطط على أى مجتمع. غير أن هؤلاء يشتركون مع القطط فى نزعة الخطف،  وان كانوا قد أصبحوا سمانا من كثرة ما اختطفوا. إلا أن القطط السمان قد خضعت للمراحل التى وصفها دارون فى نظريته عن التطور ، وتحولوا من مجرد قطط إلى حيتان ، كما أصبح يطلق عليهم اليوم. وهو ما يعطى دلالة على مدى اتساع أعمال هؤلاء فى الاقتصاد الخفى. فقد اتسعت تجارة العملة الأجنبية ، وامتدت السوق السوداء للنقد الأجنبى لتعم كافة أرجاء مصر، بل وأصبحت الملاذ الأخير للبنك المركزى فى أوقات نقص السيولة الحادة من العملة الأجنبية. كما انتشرت مكاتب الاستيراد والتصدير ، والتى كانت تعد وقتها السبيل المضمون نحو الثراء السريع. كذلك فقد اتسعت تجارة السلع التمويينة ، مثل الدقيق والأسمنت وحديد التسليح والخشب ، وقائمة طويلة من السلع التى كانت تباع فى السوق السوداء ، إما لأنها مدعمة ، أو لان السوق تعانى من نقص حاد فى عرضها. كما ازدادت قروض البنوك غير المضمونة ، وازدادت أعداد المشروعات الوهمية ، وانتشرت لأول مرة  شركات توظيف الأموال ، والتى امتد نشاطها عبر أنحاء مصر بأكملها. كذلك فقد ازدادت عمليات الاحتيال على الأفراد وعلى الدولة بالدرجة التى جعلت منصب المدعى العام الاشتراكى من أهم المناصب فى الحكومة. وأصبحت أخبار من هربوا من أصحاب الملايين أعمدة شبه متكررة على صفحات الجرائد. كذلك فقد انتشرت عمليات التهرب الضريبى على نطاق واسع. وبصفة عامة فقد ارتبطت زيادة الدخول الناجمة عن الانفتاح بزيادة فى الطلب على السلع ذات مرونة الطلب الدخلية المرتفعة بالنسبة لبعض الأفراد مثل المخدرات بأشكالها المختلفة ، والتى اتسعت تجارتها على نطاق واسع. كذلك فقد استغلت القلة من موظفى الحكومة والقطاع العام ، إما تحت ضغط انخفاض المرتبات فى ظل ارتفاع مستويات الأسعار، أو بسبب غياب وازع الضمير لديها ، وظائفها فى تحقيق مكاسب ريعية لصالحها الخاص. هؤلاء وغيرهم من القلة المنحرفة شكلوا الأعمدة التى قام على أساسها الاقتصاد الخفى فى مصر. ومن هؤلاء من استمر يعمل في الاقتصاد الخفي. ومنهم من تمكن من غسيل أمواله وعاد إلى الظهور على السطح فى صورة شخصية محترمة ،  تحمل لقبا جديدا نسبيا على المجتمع المصري وهو لقب ” بزنس مان Business Man– رجل أعمال – “.

والثانية باسم توظيف الأموال

ودخل عالم توظيف الأموال العديد من الأباطرة أمثال أحمد الريان، الذى ذاع صيته فى ثمانينيات القرن الماضى، وتم اتهامه فى قضايا توظيف أموال، وقيل إنه حول نحو 3 مليار ونصف دولار إلى بنوك أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وقضى 21 عامًا خلف القضبان، وكذلك أشرف السعد، رئيس مجلس إدارة شركة السعد للاستثمار وتوظيف الأموال، الذي أحيل إلى محكمة الجنايات سنة 1993 بتهمة عدم إعادته 188 مليون جنيه للمودعين إلى أن ظهر، أحمد المستريح الذي تردد اسمه كثيرًا فى الآونة الأخيرة حتى أصبح لقب “المستريح” يطلق على كل من نصب على المواطنين بأسم توظيف الأموال بدلا من الريان.. واستطاع المستريح جمع أموالًا طائلة بلغت 200 مليون جنيه بعد إيهام ضحاياه باستثمارها فى السيارات وكروت الشحن والعقارات، ولجذب ضحاياه أقنعهم بحصول المودع على أكثر من 100% من قيمة المبالغ، التى يودعها قبل نهاية العام الأول ولإحباك مؤامراته أوهم ضحاياه بأنه على علاقة قوية بقيادات مهمة بالدولة وامتلاكه العديد من الشركات والعقارات على خلاف الحقيقة، لإقناعهم بتسليمه المبالغ من أجل استثمارها فى مشروعاته مقابل حصولهم على 11% شهريا من قيمة المبالغ التى يدفعونها، شهريا وهكذا استطاع “المستريح”، ان يجنى اموالًا طائلة فى فترة قصيرة، ووصل عدد ضحاياه – وفقًا للتحريات الأولية لرجال المباحث – إلى أكثر من 500 مواطن.

والثالثة، باسم الخصخصة

التجربة في مصر أسفرت عن واقع مختلف، حيث لا يزال القطاع الخاص عاجزا عن الوفاء بمتطلبات التنمية في مصر. فمع مرور نحو ربع قرن على بدء برنامج الخصخصة المصري، تعاني مصر من معدل بطالة مرتفع كان قبل ثورة 25 يناير بحدود 10% بينما كان معدل الفقر 22%. ووصل معدل البطالة الآن إلى 13% بينما ارتفع معدل الفقر إلى 26%.ولم تتغير أجندة القضايا والمشكلات الهيكلية للاقتصاد المصري من عجز مزمن بالموازنة والميزان التجاري، وميزان المدفوعات، وزيادة الدين العام (المحلي والخارجي)، وتراجع معدلات أداء الخدمات العامة في التعليم والصحة، وكذلك تدني كفاءة سوق العمل التي احتلت فيها مصر المرتبة 137 من بين 140 دولة شملها مؤشر التنافسية في عام 2015. وحسب البيانات المنشورة على موقع وزارة المالية والمنقولة عن الجهاز المركزي للمحاسبات، عن كيفية التصرف في حصيلة الخصخصة حتى نهاية يونيو 2006، تبين أن هذه الحصيلة بلغت 50.049 مليار جنيه، تم تحصيل 48.148 مليار جنيه، وأن بقية المبلغ مستحق بأقساط على المشترين.

المرحلة الرابعة وهى النهب باسم قانون “قانون شراكة القطاع الخاص في البنية الأساسية”.

وقد وافقت الأغلبية بمجلس لشعب علي قانون مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية بعد أن حذر النواب من سيطرة القطاع الخاص الوطني والأجنبي علي البنية الأساسية والمرافق العامة وطالبوا بأن تكون للحكومة اليد العليا في تقرير السعر بعيدا عن الاحتكارات. وقال النواب المستقلون  حينا ذاك أن الحكومة لا تستجيب لأي تعديلات يقدمها أحد النواب المستقلين, وان الحكومة تستغل الأغلبية الميكانيكية لأعضاء الحزب الوطني المنحل في تمرير القانون كما هو بدون تعديلات.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.