يوجد ثمة إجماع على أن الثورة المصرية اندلعت على خلفية سوء الأحوال السياسية والاقتصادية للمصريين، بيد أن نتائج مسح القيم العالمي تشير إلى أن المصريين كانوا بشكل عام راضين عن حياتهم، دون أن يعنى ذلك بالطبع إنكار سوء الأحوال على مختلف المستويات. فالمصريون يتميزون بدرجة عالية من القناعة والرضا مهما يكن سوء أحوالهم.
ومن ثم، فإن التوقف عن مستوى رضاهم عن حياتهم لا يعكس بالضرورة المستوى الفعلي لأحوالهم من حيث جودتها. ومع ذلك، فإن ملاحظة تطور منحنى الرضا فيما قبل وبعد الثورة يظل مؤشرا قويا على مدى تأثير الثورة على المصريين.
فدرجة رضا المصريين قبل الثورة كان مرتفعا بشكل ملحوظ، والأهم أنه يظل أكبر بكثير من مستوى الرضا بعد الثورة، بل إن الشعور بعدم الرضا التام فيما بعد الثورة أعلى بكثير مما كان عليه خلال السنوات العشر التي سبقت الثورة تتعلق بموضوع قيم المصريين، وما حدث لها نتيجة ثورتي 25 يناير و30 يونيو، يكون من المنطقي القول إن الثورة كشفت عن ما حدث لقيم المصريين خلال العقود السابقة للثورة، كما أنها أدت إلى شيوع قيم جديدة لم تكن لتظهر دونما تلك الثورة.
ومن ثم، فإن الثورة تمثل معملا خصبا لعلم الاجتماع للتوقف عند ظاهرة تأثير الثورة على قيم المصريين. وقد تم بالفعل كتابة العديد من الدراسات حول ذلك الموضوع، فالقيم تلعب دوراً أساسيا في حياة المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن أنماطها المتعددة, وفى كل المراحل التاريخية التي تمر بها.
إذا كانت الثورة لم تغير من القيم الأساسية للمصريين، فمن الملاحظ أيضا أنها لم تغير كثيرا في السلوك السياسي لهم. فعندما سئل المصريون عن نيتهم المشاركة في مظاهرات سلمية، أكد 91.3 % قبل الثورة أنهم لن يشاركوا، بينما انخفضت النسبة قليلا جدا بعد الثورة لتصل إلى 89.4 %. وفى مقابل ذلك، ارتفعت نسبة من ينوون المشاركة في المظاهرات السلمية بشكل ملحوظ بعد الثورة، حيث ارتفعت من 1.5 % قبل الثورة لتصل إلى 6.8 %.
وبالقطع فإنه يمكن إرجاع ذلك إلى أن السؤال يدور عن المظاهرات السلمية وليس المظاهرات بصفة عامة، حيث تكوَّن لدى المصريين خلال السنوات التي أعقبت الثورة توجه سلبى إزاء فكرة المظاهرات لما يتخللها من أعمال عنف، ولكن بقت نسبة تأييد المظاهرات السلمية مرتفعة إلى حد ما مقارنة بما كان عليه الحال قبل الثورة، ولكنها تظل نسبة أقل بكثير جدا عما يتصوره الكثيرون عن المصريين بعد ثورتي يناير ويونيو.
والأمر ذاته يتضح أكثر بالنظر إلى استجابات المصريين على احتمال المشاركة في فعالية لمقاطعة أمر ما، حيث تشير النتائج إلى أن نسبة المشاركة تكاد تكون ثابتة بل وبزيادة طفيفة عما كانت عليه قبل الثورة، ومع أن السؤال عن المشاركة في إضراب لم يوجه قبل الثورة حيث لم يكن الأمر مطروحا، فإن النتائج تشير أيضا إلى أن نسبة من لا ينوون المشاركة في إضراب مرتفعة للغاية، حيث عبر 96.7 % من المصريين عن أنهم لن يشاركوا في أي إضراب. كانت هذه الأوضاع هي أساس إنتاج عدة انتفاضات مركبة معاً، انتفاضة جميع فئات المجتمع المصري الشعبية والوسطى وقطاعات الرأسمالية القومية غير الإخوانية، وانتفاضة جميع قواها الثورية والسياسية اليسارية والتقدمية والوطنية والقومية والليبرالية، دفاعاً عن مصالحها المباشرة وغير المباشرة، وهي أساس إنتاج انتفاضة أجهزة الدولة القضائية والتنفيذية والإدارية والأمنية والدفاعية والأيديولوجية الإعلامية والثقافية والدينية، دفاعاً عن تماسك دولتها ورفضاً “لأخونتها”، ودفاعاً عما تمثله من مصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، وكانت كذلك أساساً لانتفاضة القوى الثورية والشعبية، انطلاقاً من ضرورة الإطاحة بحكم الإخوان الذي تحول إلى عقبة أمام إمكانيات استعادة الثورة وتصحيح مسارها، والسير على طريق استكمال مهامها كثورة ديمقراطية شعبية،
تهدف إلى التخلص من نمط الدولة الفاشية الدينية بكل أبعادها ومخاطرها السياسية والثقافية كدولة للاستبداد باسم الدين، والتخلص من كل دولة استبدادية فاشية، وبناء نمط حداثي ديمقراطي جديد للدولة، هو نمط الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وفتح الباب للسير على طريق بناء مصر مجتمعاً جديداً مستقلاً، يقوم على ديمقراطية المشاركة الشعبية، والتنمية الوطنية الاقتصادية والسياسية المستقلة، والثقافة الديمقراطية العقلانية، ويقوم على الحرية والمواطنة، وحرية الفكر والإبداع والعدالة الاجتماعية.
يعتمد العقل البشري في حكمه على الأشياء على مفاهيم راسخة وأفكار مسبقة قد تكون ناتجة عن معتقد يؤمن به أو سلوك متعارف عليه أو تجربة شخصية سابقة. يجادل العقل نفسه عند رؤية أشياء لم يسبق له تجربتها ويدخل فيما يسمى بالاضطراب ويبدأ السعي الحثيث في البحث عن الحقيقة الغائبة معتمدا أولا على المعرفة المسبقة ومن ثم ربط (المفاهيم) ببعضها بعض. لكن في كل الأحول ستبقى المعرفة أو المفاهيم المسبقة أساس ( الفرضيات ) التي سيصل إليها العقل في نهاية المطاف، لكنها فرضيات جدلية إي أنها لم تصل لدرجة التحول إلى مفهوم متعارف عليه وهو ما يسهل على العقل عملية التغيير والتبديل لهذه النتائج حتى مرحلة الوصول إلى أكثر الفرضيات رجاحة واتزانا وثباتا.
تشكل الأخلاق جانبا مهما بل لا أبالغ أن وصفت الثقافة بكلمة الأخلاق فالثقافة تتبلور في النهاية في صورة سلوك يحكمه الحس الأخلاقي قبل أي شيء آخر. (“إنما الدين الخُلق”). الثورة المصرية هي أحد الظواهر الغير طبيعية والتي لم يألفها الشعب المصري وبذلك وباستنساخ ما قلته سابقا وفرضه على الحالة المصرية نجد أن مستوى التضارب في الأفكار يصل لمستويات قياسية لم يعهدها المجتمع المصري. ولذلك فإننا لا زلنا في مرحلة الفرضيات الغير ثابته والتي يسهل الانقلاب عليها في تظل تضارب الأفكار يضاف عليه عامل آخر وهو عدم ثبات الوضع الناشئ أصلا عن عدم ثبات الفرضيات في العقل الباطن.
الإخلاف والسياسة خطان متلازمان إن تقدم أحدهما على الأخر سيبدأ الأخر في التراجع. مما يزيد المسافة بين الخطان حتى نصل في النهاية إلى فراق وربما عدواه. في مصر تجربة مرة للأخلاق مع السياسة وللسياسة مع الأخلاق لكن الأكيد أن الفرضيات لا زالت تتبدل وتتغير ولم تصل إلى الثبات حتى الآن وما علينا إلا الانتظار لنرى كيف سيرجع المصريين تلازم المسارات بين أخلاقهم ومبادئهم وسياساتهم.
وقد ظهرت سلبيات كثيرة أثرت على المواطن المصري فأصبح يشعر انه جزيرة منعزلة مستقلة عن الوطن ويعانى من الوحدة وبات الأصدقاء والغرباء خصوماً في بعض الأحيان. ولتحقيق رؤية طموحة مثل الرؤية المستقبلية لمصر يجب طرح استراتيجية تعالج الخلل الراهن في منظومة القيم والتحول نحو منظومة جديدة من القيم الإيجابية الدافعة للتقدم وسط بيئة إقليمية ودولية صعبة وسريعة التغير و سوف يصاحب ذلك ارتفاع معدلات النمو والعدالة وانتشار تدريجي واسع لمنظومة من القيم الاجتماعية والأخلاقية الإيجابية القادرة على الانتقال بمصر من دولة نامية إلى دولة متقدمة متكاملة إقليميا ومندمجة عالميا.
لوصول إلى هذه الرؤية يجب العمل على تنمية العنصر البشرى القادر على المحافظة على قيمه الأصيلة والإيجابية والقادرة على تحقيق الرؤية المستقبلية لمصر ، حيث تحتل تنمية الموارد البشرية المكانة الأولى بين متطلبات التقدم لاى دولة، والمدخل الأساسي لتحقيق رؤية مستقبلية وطموحة لها ويتطلب تنفيذ تلك الإستراتيجية تضافر كافة قطاعات المجتمع الحكومي والمدني ووعى جماهيري ودعم سياسي، كما يتطلب أساسا ماديا يضمن تأمين حاجات الإنسان الأساسية، ويحميه من الحاجة، ويسد عليه منابع الفساد والإفساد، ويصون كرامته بالعمل والعدل والحرية. لستُ ممّن يحبُّون استباق الأحداث، والتكهن بالقادم؛ لأنّ لكلّ شخص منّا قدرات يستطيع من خلالها قراءة الواقع والمستقبل. لستُ من أولئك الذين يظنون بأنفسهم الظنون؛ فيعتقدون أنّ رؤاهم تتحقّق بحذافيرها! لكنني شخص أحبّ كثيراً قراءة الواقع دون أجندة ما، أو تحليلات تُفسد على المعجب لذّة الحلم، وتعطي الناقم فرصة الشماتة وحبّ التطاول على أشياء قد لا يؤمن بها فيحاربها من باب أنّه لا يحبّها! في مصر ـ على سبيل المثال ـ فقدت الأخلاق المصريّة شيئاً من امتيازها الذي كانت تحظى به في أماكن كثيرة كنتَ تذهب إليها قبل الثورة! لن أطيل الحديث في الإنسان المصري قبل الثورة وبعد الثورة؛
لأنّ هذا استباقٌ غير مقبول لثورة لم تنتهِ بعد! ولأنّ الإنسان المصري يمثِّل في داخلنا وثقافتنا رموزاً باهرة الروعة والجمال، لكنّني أتجاوز هذا الحلم إلى شيء بدا غير مستساغ بالنسبة لي، فحين أحاول قراءة فَهْم بعض الناس هناك للثورة باعتبارها حريّة مطلقة أنت فيها تملك كلّ شيء (الرأي والحقيقة والحقّ)، أجد أنهم ينسون أنّ حقوقَ الآخرين واجبٌ الالتفات إليها باعتبارها حقوقاً مشروعة! بين السّماء والأرض ـ
ـ بعد الثورة الكثير من لباقتها ولياقتها، فلا تكاد تطير إلاّ وتغيب عنك الابتسامة المصرية والحفاوة والضيافة، وهذا إيحاء غير مباشر بأنّ الثورة لم تكن فتحاً بقدر ما كانت تحوّلاً سلبياً غير مقبول! ليست المشكلة هنا في الثورة باعتبارها خياراً شعبياً، لكنّ المشكلة تكمن في فَهْم بعض النّاس في مصر للثورة.. ليست الثورة خلاصاً من رجل أو نظام فقط، بل هي تحوّل حقيقي إلى الإنسان بوصفه الملاذ الذي به تتحقّق الأحلام والتطلعات! إلى الآن لم تحدث عمليّة التحوّل تلك التي بشّرنا بها كثيرون، وإن كان الوقت سابقاً لمثل هذه الأماني والأحلام.. لكنني أجزم بأنّ الصعوبة الكبرى تكمن في مراعاة الإنسان مفهوم الثورة! الوعي بالواقع أهمّ ما يُبحث عنه اليوم في مصر وغيرها؛ لأنّ الرحلة بعيدة وتحتاج إلى شيء من العقل! بين السّماء والأرض يمكن لمصر أن تعطي الانطباع الأمثل لها بعد الثورة إن فعلت ما يجب في الإنسان ولا شيء غيره! كغيرها من الثورات والأحداث الجلل التي يمر بها العالم
—
