ثمّة بعض الاصطلاحات الشرعية تستشكل على السواد الأعظم من أمة اقرأ المعاصرة ، أو بمعنى أكثر دقة ، لا ترقى إلا قواميسهم المعرفية ، ويكأنها لا محل لها من الإعراب ، وإذا ذكرت لهم كلمة جهاد ، وضعوا أصابعهم فى آذانهم ، واستغشوا ثيابهم ، وولوا مدبرين ، ولا غرو فى ذلك لطالما بنيت أطوارهم الفكرية على طول الخط الزمنى على نبذ الجهاد ، واعتباره وثناً واثماً متلاصقين بحمل السلاح ونشر الإرهاب والتعدى السافر على عباد الله فى المشرق والمغرب ،،،
ولا تثريب على أن أخوض فى مضمار الجهاد فى سبيل الله ، بعد أن انفرط عقد الأمة ، وضربت عليها الذلة والمسكنة ، وصارت حوثاً بوثاً ، باخعة نفسها فى ظلمات القومية الدامسة ، ورجسات الأنوية المارقة ،،،
وقبل أن أدلف إلى ثنايا المقال وايضاح ماهية الجهاد فى سبيل الله الحقة ، وددت التلويح هاهنا أن الذى استشاطنى غضباً ، وجعلنى شذراً مذراً ، هو ما يحدث لإخوانى وأخواتى المسلمين والمسلمات ، المستضعفين والمستضعفات ، فى مشارق الأرض ومغاربها ، كمسلمى الإيجور من كفار الصين ، ومسلمى الروهيجنا من كفار بورما ، ومسلمى كشمير من كفار الهند ، وما مسلمى فلسطين منهم ببعيدين،
بادىء ذى بدء —
الجهاد فى سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام ، هكذا قال سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم ، وقوله كذلك كما جاء فى سنن أبى داوود ( سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله ) وهنالك الكثير من الأحاديث الأخرى التى تحتم على مشروعية الجهاد ، فضلاً عن قرآن رب العالمين ، فعن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال قال النبى صلى الله عليه وسلم ( رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله ) وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( والذى نفسى بيده لوددت أن أقتل فى سبيل الله ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ) ومن شرف الجهاد كذلك ما جاء فى مسند أحمد وسنن الترمذى والبيهقى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه ( مقام أحدكم فى سبيل الله ، خير من عبادة أحدكم فى أهله ستين سنة ، أما تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة ، جاهدوا فى سبيل الله ، من قاتل فى سبيل الله فوق ناقة وجبت له الجنة )
ينقسم الجهاد فى سبيل الله إلى خلتين رئيسيتين هما ( جهاد الدفع وجهاد الطلب ) وقد حث عليهما الإسلام ، واعتبارهما صنوانان لا يفترقان ، وإذا كان جهاد الطلب يمثل فرض كفاية ، فإن جهاد الدفع يمثل فرض عين على الأمة أيما كلفها الأمر ، أما إذا تخلت الأمة عن الاثنين معاً ، كحالتها المعاصرة فتلك ثالثة الأثافى ،،،
وفى تاريخ الأمة الإسلامية ، بزغ ملمح الجهاد المزدوج فى سبيل الله دفعاً وطلباً ، مرات وكرات ناصعات بهيجات ، فى مسارين متلازمين لم يتباعدا قيد أنمله ، تستعصى المساحة الكتابية على سردها ، وإن جزمت أن آخرها كانت فى عهد سلطان الهند الأعظم ( أورنك زيب عالمكير 1685 م – 1707م ) الملقب ببقية الخلفاء الراشدين ، وهو بحق آخر من طبق الجهادين فى سبيل الله معاً ، فى كل نواحى الهند وما حولها ، وبموته تهاوت الأمة شيئا فشيئا ، وظل الجمع بين جهاد الدفع والطلب نادراً جداً ، وكاد السلطان عبدالحميد الثانى رحمه الله أن يزاوج بينهما ، لولا أنه أبتلى بأرتالاً من الخائنين والزنادقة فى داخل وخارج الدولة العثمانية ، الذين تربصوا به الدوائر ، وبتعالى صيحات القومية وتهكم العدوان الخارجى الصليبى واليهودى معاً ، بدءاً من القرن الثامن عشر فصاعداً ، انتكست الهوية الإسلامية فى الضمير الجمعى ، إلى مرامى الحنين والأنين للأرض ، لا لرابط العقيدة والغيرة على الإسلام ونصرة أخوة الإسلام ، وفى ذلك قال تعالى ( وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله ، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ، واجعل لنا من لدنك ولياً ، واجعل لنا من لدنك نصيراً النساء 75 ) وقوله تعالى ( وليعلم الذين نافقوا ، وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ، يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم ، والله أعلم بما يكتمون آل عمران 167 ) فمحيا جهاد الطلب بالكلية ، وانحصر جهاد الدفع فى رجل واحد كل عقد أو رجلين على الكثرة ، ويلوح فى أفقى هنا الغازى محمد ملا ، الذى رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى منامه ثلاث مرات ، يأمره بالجهاد ضد الروس ، وكذلك رفيقه الإمام شامل رحمه الله ، المجاهد الشيشانى وصقر القوقاز العظيم ، الذى أذل روسيا فى حروب القوقاز ، والذى رصدت روسيا 45 ألف روبل روسى للإيقاع به ، والذى كتب للجنرال الروسى ( كم كانت سعادتى حين علمت أن رأسى تساوى عندك هذا الثمن الضخم ، ولكنك لن تكون سعيداً حينما أخبرك أن رأسك بل رأس القيصر ذاته ، لا تساوى لدى كوبيكاً واحداً ، فالروبل الروسى يساوى 100 كوبيك ) ، ومع تباشير القرن العشرين حتى اليوم تباعدت صور جهاد الدفع ، ولم يظهر حاكماً مسلماً يدفع دنس الكفر عن حياض المسلمين غير الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله ، ورجب طيب أردوغان حياه الله ، فضلاً عن روح المقاومات الجهادية الفردية المتباعدة ، للعلماء الربانيين والغيورين المسلمين ، كعمر المختار ، وعز الدين القسام ، وأمين الحسينى ، ومن غريب المفارقات أن آخرهم هو عثمان أوغلو التركستانى الشرقى ، الذى لقب بعثمان باتور ( الثائر القوى ) الذى قاوم كفار الصين وروسيا عشر سنوات ، قبل أن يعدم مأسوف عليه عام 1951م …..