بلغ بعض المثقفين ذروة رشدهم الفكرى والإلمامى بالمنحى التاريخى ، عند حدود الدولة العباسية فى معرفة عدد خلفائها ، واستمطر كثير من العوام الدرجة المنتهاه من سحائب الوعى ، باختزال جُل التاريخ الإسلامى ، عبر الدراسات المدرسية والجامعية ، والدراما التليفزيونية، فى شهامة المعتصم بالله باغاثة المرأة التى استنجدت به ( وامعتصماه ) ، وكذلك هارون الرشيد الذى كان يحجُ عاماً ويغزو الآخر ، وأبى جعفر المنصور المؤسس الحقيقى للصرح العباسى ولاسيما مدينة بغداد ، ولم يعلم هؤلاء ولا أولئك أن جُل تاريخ الدولة العباسية ، التى مكثت فى الأرض مركزاً لقيادة الإسلام وتوجيه الأمصار والولايات ، لستة قرون متصلة ، إنما فى خلفائها الستة الأوائل ، هذا من حيث الذيوع واللمعان ، أما من حيث جاذبية التأثير على الأمدين ، فما لهارون الرشيد منازعٍ ولا نظير، وله القدح المعلى فريداً ، أما بقية أقرانه فقد لطخوا ثياب الإسلام المطهر ، بمعتقدات فلسفية تنزل من قدسية النص الشرعى ، وتجعل العقل واصياً محضاً ، على أحكام السماء وتطبيقاتها على الأرض ، بلوثة الفكر المعتزلى الذى اعتنقه الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق بالله تباعاً ، مغررين بالعلماء الربانيين ، ونال أحمد بن حنبل من تعذيبهم فى محنة خلق القرآن قسطاً وفيراً ،،،
ولا غرو ولا جرم أن تتراءى لى الدولة العباسية بقرونها الستة ، فى ديباجة أبى فراس الحمدانى ( يا حسرة لا أكاد أحملها – آخرها مزعج وأولها ) ،،،
فكان آخرها عصفاً ذميماً باجتياح تترى مصبوغ بخيانة شيعية ، وأولها محنة خلق القرآن ، وأوسطها فتن وقلاقل من كل حدب وصوب ، وما لمقدمات نشأتها من إستئصالٍ لشأفة الأمويين منا ببعيدة ،،
فى ظل هذه الأهوال الكارثية ، تجافت أقلام المؤرخين ، عن إنصاف أصحاب الحق وأهل الفضل فى ستر جسد الدولة العباسية فى أحلك فتراتها ،،
أفى الناس من يسمع فى السلاجقة ؟
أفى الناس من يسمع فى الزنكيين ؟
لقد شاءت قدرة الله العليا ، لبقاء الخلافة العباسية ، قبل الزوال المبكر من مسرح التاريخ ، لما وهبها أسرة مسلمة حق الإسلام ، إنها دولة السلاجقة السامقة ، التى أنقذت سمعة الخلافة العباسية من حتمية الزوبان السريع فى خبرية كانت ، لما قضت على البويهيين فى العراق وايران ، وكذلك وقفت بالمرصاد إلى الدولة العبيدية الشيعية ، الزاحفة من مصر ، ببراعة ومهارة شديدتين للقائد طغرل بك ، فماذا قالت كتب التاريخ عن طغرل بك ؟
وماذا ذكر المؤرخون عن ابن أخيه ووريثه فى حكم السلاجقة ، ذلكم البطل المغوار ألب أرسلان ، أعظم حكام السلاجقة مطلقاً ، الذى استطاع أن يفتح آسيا الصغرى وأرمينيا وجورجيا ، بمعاونة وزيره نظام الملك ، أحد أعظم وزراء الإسلام حقاً ، وإن كنت أرى غرابة اسمه هو الآخر لدى المعاصرين ،،،
ما أعظم صنيع ألب أرسلان للإسلام والمسلمين ، لما هزم البيزنطيين وأسر قائدهم أورليانوس الرابع ، فى أحد أيام الله المزهرة ( معركة ملاذكرت عام 1071م ) ، ذلك اليوم العظيم ، الذى سطر فيه ألب أرسلان إحدى أجمل وأعظم ملاحم النصر فى التاريخ كله ، بديباجة صدق يافعة ( إننى أقاتل محتسباً صابراً ، فإن سلمت فنعمة من الله عزوجل ، وإن كانت الشهادة فهذا كفنى ، أكملوا معركتكم تحت قيادة ابنى ملكشاه ، ثم ربط ذيل فرسه بيده وفعل العسكر مثله ، ولبس البياض وقال إن قتلت فهذا كفنى ،،،
ومن صلب ألب أرسلان جاء ابنه ملكشاه ، الذى لم يتغير عن والده قيد أنمله ، فقد استطاع أن يُعلى راية المسلمين فى جميع بلاد ما وراء النهر ، والعراق والشام ، بولعه للجهاد فى سبيل الله ، فلا أحد يفرى فى ذلك فريه ، نسيج وحده ، رابط الجأش ، مرفوع الرأس ، ومن عظيم سجاياه أيضاً ، إنشائه لكلية الإمام الأعظم فى بغداد ، بكل ما لها من نهضة علمية حضارية ترنو إليها الأبصار ،،،
هذه دولة السلاجقة العظيمة التى غض التاريخ عنها طرفه ، تلك التى جاهدت وفتحت وشيدت ، وأنقذت الخلافة العباسية ، ولم تتمرد عليها بل رفعت رايتها من بعد راية الإسلام العظمى ،،،
ثم جاء دور الحديث عن الدولة الزنكية ، وما أدراك ما بنى زنكى ، دولة تنامت فى التوسع من بعد الصغر ، فى كل مدر ووبر، ورثت جهاد السلاجقة ، بانصهار كامل فى نسيج الخلافة العباسية أيضاً ، ويُعزى لعماد الدين زنكى أولاً الفضل فى تشريع ملحمة الجهاد ضد الصليبيين والبيزنطيين فى آن ، فقد أذل الصليبيين حق الذل والمهانة ، لما انتزع منهم أول إمارة صليبية يؤسسونها فى الشام ( إمارة الرها ) ، وكيف تشفوا منه بعدئذ بالتحالف المشبوه مع الشيعة المارقة ، ليقتلان سوياً رجلاً يقول ربى الله والإسلام دينى ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيى ورسولى وقدوتى فى الجهاد ،،،
قُتل عماد الدين زنكى مأسوف عليه ، وترك من بعده ابناً عظيماً لا يُشق له غبار ، بحراً فى العلم والجهاد والبطولة لا تكدره الدلاء ، ما أجمل خاتمة مقالتى بنور الدين محمود ، أحد عظماء الإسلام بالكلية ، ليث الإسلام الجسور ، وسادس الخلفاء الراشدين ، وقاهر الصليبيين ، ومحرر الديار والثغور العربية والشامية من دنسهم ، وماحق الفاطميين من مصر قبل أن يضمها إلى حظيرة الفتوحات المكتسية بالمذهب السنى ، وله فى شغف الجهاد والمروءة مآثر لفظية ساطعة منها ( والله إنى لأستحى أن يرانى الله مبتسماً ، والمسلمون محاصرون بالفرنج ) وقوله ( لن أستظل بسقف حتى آخذ بثأرى وثأر الإسلام ) ،،،
هذا هو نور الدين محمود رحمه الله ، الذى جاءه رسوله الله فى الرؤية ليغيث قبره من مكيدة نبشه بأيدى الفرنجة ونصارى العرب ، ليلبى نداء رسول الله غيرة وحمية وفزعاً ، شاددٌ الرحل من الشام إلى المدينة المنورة ، ضارباً بسيف الإسلام القاطع رقاب هؤلاء ، حامياً عرض رسول الله وقداسته وعظمته وشرفه الإنسانى والنبوى ، أقولها والقول لى ( نور الدين محمود فى ميزان الدولة العباسية والإسلام ) رفعت الأقلام وجفت الصحف — البقية فى المقالات القادمة