عظُمت المأساة الاقتصادية على الكاهل الجمعي المصري، حكومةً وشعباً، وتفاقمت أزمة العُملة الوطنية ، نتيجة الاعتماد الكلي على الواردات، وانكماش حجم الصادرات، واتسعت هُوة الدّين الخارجي اتساعاً مضطرداً، وتسلل اليأس بأشباحه إلى أوصال الأكثرية، فأصاب الوجوه بالتمعر الشاحب، والتصدع اللاهب …
وبدت الصورة قاتمة، تؤرق الجيل الصاعد، من مستقبل يكتنفه الغموض، يزداد معه هاجس الرتابة من الانزلاق في مهب الريح …
نقطة ومن أول السطر
أي نظام سياسي معاصر مهما كانت يقظته ومرونته في ترسيم الأبعاد التخطيطية والرقابية، حتماً سوف تعتريه بعض العقبات والسقطات، غير أن ثمة قواسم مشتركة ثابتة، في أبجديات العلوم السياسية ، وهي استرعاء واستجداء فقه الأولويات ترتيباً وتنفيذاً، في مشوار الألف ميل، برغبة طامحة ونزعة جامحة نحو التنمية المستدامة… في إطارين رئيسيين !!
الموارد المتاحة ومحاور التنمية أو خطة الموازنة وميزانية الإنفاق …
اعتسفت السلطة المصرية القائمة طريق الاصلاح الاقتصادي، بالانزواء عن موارد الدولة الحية والخصبة ، وتقشرت في أطراف الدولة لا في عمقها، بإنشاء دولة ديكورية زخرفية على أنقاض الدولة الحقيقية، التي ينخر في جذورها جرثوم الاهمال ، وتقتحمها آفات البطالة ويُمزق أوصالها سرطان الإدمان، وتُغبر سمائها غيوم العشوائيات ( حيص بيص ) .. وكان من الأولى والأجدى تطوير الدولة الأم، دون الانجراف لحوافها، والاستغراق الزمني والمادي في عمل بنية سُفلية لم ترتق بعد إلى اصطلاح البنية التحتية، المتعارف عليه في تدشين المستشفيات والمصانع والمدارس والجامعات ، ناهيك عن البناء الفوقي إنسان ونبات وحيوان..
حققت السلطة الحالية رقماً قياسياً، في الاقتراض الخارجي، إذ اقترضت ثلاث مرات وفي طريقها للقرض الرابع، وكان توظيف هذه القروض في مسار واحد لا عوج عنه، وهو الإسراف في عمل ترسانة خرسانية ، مع إغفال صريح لكافة محاور التنمية الفعلية ….
لن نذهب بعيداً، بل نستملح صفحة الأمس القريب، عندما اقترض مبارك في كل عهده الثلاثيني قرضين اثنين فقط ورفضٍ مطلق للقرض الثالث.. ولم تبدو على المواطن تبعات أو ترهلات من جراء هذه القروض، وإن بدت فهي نسبية لا قسرية …
نتاج قروض مبارك وجل حكوماته ، هي التوسع في مضمار الإنشاء والتعمير، عبر سياسة الإنماء للمدن الجديدة ، التي قادها حسب الله الكفراوي، والتي لبت طموح قطاع كبير من الفقراء والشباب، وأبرزت عن العاشر من رمضان و6 أكتوبر والشيخ زايد و15 مايو والعبور وبرج العرب الجديدة والصالحية الجديدة والسادات والنوبارية.. مع تنمية موازية مقننة في قطاع الطرق والاتصالات ومترو الأنفاق …
وكذلك تطوير ولو جزئي في مضامين الطاقة والزراعة والسياحة، وإن كان الإغفال للتعليم والصحة، كحال سابقيه ولاحقه ….
ونزولاً للواقع المكلوم والمأزوم، كيف السبيل إذن ونحن على أعتاب غرق محقق، تتداعى له الأنحاء المصرية كافة، في الحضر والريف، اقتصاد مهلهل، ناجع عن نرجسية السلطة الحاكمة، التي لا تكترث لغلواء الحرث والنسل، مع شبح الديون المتراكمة المثقلة بأحمالها ؟
أنُصّدر كباري وحجارة وخرسانة لجلب عملة صعبة؟ أم نصدع للتضافر الجمعي في وحدة بنائية تكاملية، تقوم على توارد الأفكار والرؤى بين أهل الاختصاص في مناحي التنمية ؟
الحراك المزعوم ب11/11 ليس حلاً ولا مطمحاً ، سيُمزق الدولة مجدداً ؟
ويُكدر سلمها ويفضي بها إلى المجهول ؟
وليس جمال مبارك بفرس الرهان الرشيد، أو فلتة الزمان السديد ؟
مصر الأم تترقب لحظة تريث كاملة واعدة، لخروج آمن من براثن التيه، غيرةً على مقامها التاريخي والريادي والحضاري ….
