يقولون أن الإنسان لا يكتمل إلا بعد أن يتزوج بنصفه الآخر، و قد حدث الأمر بهذه الطريقة في عائلة عبدالرحمن ثابت، حيث تزوج والدي بوالدتي واعتبر كل منهما الآخر نصفه الآخر ثم أنجبا طفلتين فـأصبحت عائلة تمثل كيانا واحد كل فرد فيها يمثل بعضها و لم نعرف سوى أن نبتسم
معا دوما، لكننا لم نعرف طعم الألم و البكاء إلا بعد أن فقدنا أهم جزء في الكل المربع وهو بعضها الأهم، بكاء بعضنا لبعضنا على بعضنا الذي فقدناه ربما هون الحزن على بعضنا البعض لكننا مانزال مفجوعين و لأول مرة نذق طعم الكارثة. هكذا قالت *مناهل بعد وفاة والدها عبدالرحمن ثابت…
حين ولدت كنت كرة من الصوف و لكنه كان فاخرا جدا، الأيام كانت إبر للحياكة و ما تخبئه الأيام هو طلبات تهتم بها الإبر و تصنعها مني أنا “كرة الصوف” لكن ماذا سيبقى مني بعد أن ينتهي الصوف؟
سألت والدي الذي أخبرني بهذه الحكاية فقال: عندما ينتهي الصوف ستصبحين شفافة كنقطة ضوء ترتقي عنان السماء…
قالت مناهل: و أنت أين ستكون؟
قال: أنا أيضا سأكون بالقرب منكِ، لكن ضيائي ليس بقدر ضيائكِ..
ابتسمت مناهل: إن لم تكن معي هناك فالسقوط أفضل إلى عالم البشر و الظلام.. “قالت مناهل”.
ماذا صنعت الأيام من الصوف الفاخر؟ تسائلت مناهل بعد أن شعرت بأن ما استهلكها طوال حياتها لم يكن بقدر ما استهلكها في هذا الحدث “موت والدها”..
قالت: لقد كان والدي يخفف عني في كل يوم بقدر ما تستهلكني إبر الأيام لتصنع مني ما أنا عليه اليوم، المرض زادني ضياءا، لكني لم أشعر به في أي يومٍ إلا بعد أن مرض والدي و رحل…
قبل أن يتركني والدي ويرحل قال:
سأنتظركِ هناك في الأعلى فلم يتبق معي من الصوف شيء يبقيني على قيد الحياة و لا أريد أن أشتري لي صوفا يجعلني أحتمل المزيد من آلام الحياة و لكني سأرحل مطمئنا عليكِ فلديكِ ما يكفي من الصوف الفاخر الذي ما ان تنتهي الأيام من استهلاكه حتى تكون قد صُنعت منه بُردة المجد و الخلود التي ستزيد من بهاء البشرية..
*مناهل هي الدكتورة مناهل عبدالرحمن ثابت ابنة الفقيد عبدالرحمن ثابت رحمه الله.

