محمد زكى
على مدار نصف قرن تقريباً، مضت الدبلوماسية العمانية، مرتكزة على ثوابتها بمد جسور الصداقة مع العالم، وإقامة العلاقات الحسنة والمتكافئة مع الدول المحبة للسلام، ملتزمة بالمواثيق الدولية ومبادئ الأمم المتحدة، وانتهاج الطرق السلمية لحل النزاعات، بما يخدم الأمن والاستقرار العالمي.
وكحلقة اتصال سياسي مُستمر مع كافة الأطراف؛ حافظت عُمان على سياستها المتوازنة؛ فلم تنجر يوما إلى تبني موقف انفعالي تؤيد به طرفا أو تعادي به آخر، فكانت ضمانة ناجعة لتوجه حكيم وعنوان دائم لصناعة القرار السياسي الذي يُتيح فرصاً مُتعددة للاختيارات الصائبة المتأنية التي تُتخذ بعد دراسة وتدقيق ومُراجعات وافية؛ حتى باتت عُمان دولة مُؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي، ترتقي بموقعها ودورها المحوري تدريجيًّا، مرجعاً ومركزاً يقصده زعماء العالم للمشورة، وأخذ الرأي القائم على الحياد الإيجابي والاستقلال في القرار.
فالموقف العماني من الملف السوري كما يراه الكثيرون، هو موقف كان ولا يزال محل احترام كبير، ومنذ بداية الحرب اتخذ العُمانيون موقفا متوازنا في زمن تخلى عن فيه الكثيرون عن سوريا. الدور العماني، الملتزم بالحياد الإيجابي خلال الحرب السورية تمثل في الوقوف على مسافة واحدة من جميع أطراف النزاع، والسعي لإيجاد حلول سياسية وسلمية للأزمة، ولم تقطع عُمان علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وكانت الدولة الخليجية الوحيدة التي أبقت سفارتها في دمشق مفتوحة طوال فترة الحرب.
وبدا الموقف العربي تجاه الحكومة السورية في التاسع عشر من ديسمبر 2018 ينحو منحى جديد، فأعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق بعد سنوات من قطع العلاقات الدبلوماسية، ثم ما لبثت أن صرحت مملكة البحرين استمرار العمل في سفارتها بسوريا، واستقبل مطار الحبيب بورقيبة الدولي بتونس أول رحلة جوية قادمة من مطار دمشق الدولي بعد توقف دام لأكثر من سبع سنوات، كما أبدت الأردن استعدادها لإعلان عودة علاقاتها مع النظام السوري قريبا.
وكان وزراء الخارجية العرب قد اتخذوا في الثاني عشر من نوفمبر 2011 قرارا بتعليق مشاركة سوريا في اجتماعات مجلس الجامعة العربية، وبالتالي عزلها دوليا إلا أن سلطنة عُمان رفضت قطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق.
المتتبع للخط الإعلامي العُماني في تناوله للأزمة السورية يقف احتراما لعدم تبنيه تشكيل اتجاهات، وصورة ذهنيـة سلبية عن سوريا أو السوريين عبر ربط السلوك السياسي للنظام بالأفعال المجرمة قانونا. إن مواقف السلطنة ومنهاج سياستها الثابت الذي لا يحيد بات واضحا للجميع حتى أصبحت مسقط تجمع الأضداد وتحظى بثقة جميع الأطراف السورية.
وفي معرض تقييمه للعلاقات المتواصلة مع سلطنة عُمان، قال الرئيس السوري بشار الأسد “أن مسقط كما فعلت مع إيران بداية الثمانينيات، ومع العراق مطلع الألفية الجديدة لم تقطع أيضا علاقاتها مع سوريا خلال أحداث السنوات السبع الماضية، رغم القطيعة العربية والإقليمية والدولية، لأن لدى السلطنة فهما أعمق لما يحدث في سوريا وأبعاد الحرب الدولية التي شنت عليها”.
وخلال زيارته لسلطنة عُمان في مارس 2018، بدعوة من يوسف بن علوي بن عبدالله، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، أشاد وزير الخارجية السوري، بمواقف السلطنة الداعمة لسوريا في مختلف المحافل العربية والدولية، ومنذ اندلاع النزاع السوري قبل سبع سنوات، وهي ثاني زيارة للمعلم تم الإعلان عنها إلى السلطنة منذ اندلاع النزاع في سوريا عام 2011 بعد زيارة مماثلة في العام 2015، ومباشرة بعد زيارته إلى طهران.
حيث ناقش المعلم مع المسؤولين العُمانيين تطورات الملف السوري والمنطقة وبما يعكس أهمية دور عمان كوسيط للسلم في سوريا منذ اندلاع أزمتها قبل 7 سنوات، حيث واصلت السلطنة العمل على تقريب وجهات النظر بين فرقاء المنطقة لإيجاد حل سياسي للوضع في سوريا، كما استعرض المعلم مع أسعد بن طارق آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون العلاقات والتعاون الدولي والممثل الخاص للسلطان قابوس العلاقات الثنائية المتطورة وأهمية استمرار التواصل الوثيق بين البلدين، حيث أكد بن طارق أن “سوريا على حق والحق ينتصر دائما:، ومؤكدا “حرص عمان على وحدة وسيادة سوريا واستقرارها”.
ومن هنا فإن الدعوة العربية الآن لعودة سوريا لحضن الجامعة العربية، تؤكد وبجدارة صدق الرؤية العُمانية في أن سحب عضوية سوريا من الجامعة العربية كان خطأ كبيرا، ويبدو أن العالم العربي بات يعي الآن أهمية إعادة سوريا إلى الأسرة العربية.
فعُمان تحظى بحضور مؤثر وصوت مسموع لقيادتها عربيا ودوليا، فقد وصف موقع “ستراتفورد” الأمريكي، الذي يعنى بتحليل المعلومات الاستراتيجية سلطنة عُمان بالقول: “السلطان قابوس حافظ لعمان على دور ريادي في المنطقة يجنبها الصراعات؛ هو دور الوسيط الذي يملك علاقات جيدة مع كل دول العالم، لا ينحاز لطرف على حساب الآخر أبدا”.