ألقينا الضوء سابقًا على المفهوم التقدمي للاستقلال الوطني في مقالتنا الأولى بعنوان “الثورة والاستقلال الوطني”، ثم تطرقنا إلى نشأة الأمة المصرية قبل التاريخ في مقالة بعنوان “أهل مصر.. أمة قبل التاريخ”، وعصر الأسر الفرعونية في ثلاث مقالات بعنوان “الدولة الفرعونية القديمة”، و”الدولة الفرعونية الوسطى”، و”الدولة الفرعونية الحديثة”، ومقالتين عن “مصر البطلمية”، ومقالتين هذه عن “الاحتلال الروماني”، ومقالتي هذه عن “العصر القبطي والقومية المصرية 1-2”.

إن البطالمة الذين حكموا مصر من الإسكندريه من حكم  بطليموس الأول حتى حكم  كليوباترا السابعة، تمصروا وتفرعنوا واحترموا العادات والتقاليد والثقافة المصرية ولم يتم  فرض ديانة أو لغة على المصريين، وحاولوا الدمج ما بين العقائد  المصرية واليونانية لاسترضاء المصريين واليونانيين، وانسجم المصريون والبطالمة على هذا الدمج الذى ظل حتى عام 30 قبل الميلاد عندما غزا الرومان مصر وقضوا على الدولة البطلمية واحتلوا مصر وحولوها من مملكة مستقلة لولاية رومانية يحكمها نائب عن الامبراطور الرومانى، الذى أهتم  بجمع اكبر قدر من الضرائب ونقل  المحاصيل والحبوب إلى روما، وطبق القوانين الرومانيه على المصريين، وبذلك فقدت مصر استقلالها الذي دام لآلاف السنين بلا انقطاع، ولم تعد تملك من أمرها شيئًا، كما أدت الإصلاحات والتغييرات التي أحدثها الاحتلال الروماني إلى استنزاف مصر لصالح الإمبراطورية الرومانية، فرغم عمليات التنمية العالية والازدهار الاقتصادي الذي صاحب ذلك إلا أن العائد كان يذهب إلى روما مركز الإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى التخمة المستغلة داخل الوطن والتي تكونت في الأساس من الحاكم الروماني وحاشيته وكبار التجار والمستثمرين وقادة الجهاز البيروقراطي الضخم، ورغم ازدهار المدن المصرية الكبرى، إلا أن ذلك لم يصاحبة تطور المدن والبلدات المصرية التي مثلت الأغلبية السكانية من المصريين والإغريق الذين نزلوا إلى مرتبة المصريين، ولم تحدث أي عمليات تنمية للسكان الأصليين، ومارس الاحتلال الروماني أبشع الطرق لنهب مصر وإذلال شعبها كما أوضحنا سابقًا. وفي هذه الفترة  كان سكان مصر يتشكلون من ثلاث طوائف رئيسية هم المصريون، واليونانيون، واليهود، وبطبيعة الحال كان عدد اليونانيين واليهود بالنسبة لعدد المصريين صغيرًا جدًا، لكن رغم ذلك منح لهم الرومان مزايا كثيرة لم يمنحوها  للمصريين وأنشأوا لهم محاكم خاصة أضاعت حقوق المصريين في المنازعات القانونية مع اليونانيين واليهود. وقد استمر الحكم الرومانى لمصر بشكله اللاتينى والبيزنطى 670 عامًا وانتهى بالغزو العربي لمصر عام 640م.

وكما أوضحنا سابقًا، نجح الجيش الروماني في السيطرة على أراض واسعة تمتد على اتساع البحر الأبيض المتوسط وجزء كبير من أوروبا الغربية، ضمت هذه الأراضي العديد من المجموعات الثقافية المختلفة، متراوحة بين البدائية إلى المتطورة. وكانت مقاطعات شرق المتوسط بصفة عامة أكثر تحضرًا وتطورًا اجتماعيًا، حيث سبق لها أن خضعت للإمبراطورية المقدونية وللثقافة الهيلنستية. بينما كانت المناطق الغربية لا تزال ريفية وأقل نموًا، وغير موحدة تحت سلطة واحدة ثقافية أو سياسية، وفي عام 330م أسس الإمبراطور قسطنطين “القسطنطينية” باعتبارها روما الثانية على موقع بيزنطة والتي كانت في مركز جيد على مفترق طرق التجارة بين الشرق والغرب. وفي عام 364م قسم الامبراطور فالنتينيان الأول الإمبراطورية إلى قسمين غربي وشرقي، ووضع نفسه على السلطة في الغرب وشقيقه فالنس في الشرق، وتباينت مصير المنطقتين بشكل كبير على مدى عدة قرون لاحقة. وكانت الإمبراطورية الشرقية “البيزنطية” تضم عند تقسيم الامبراطورية الرومانية قبيل وفاة الإمبراطور ثيودوسيوس الأناضول بآسيا واليونان وجزر بحر إيجة وأرمينية وآسيا الصغرى والشام والجزيرة الفراتية السورية ومصر وبرقة.

كان النصف الشرقي من الإمبراطورية الرومانية أقل عرضة للهجوم الخارجي، ويرجع الفضل في ذلك إلى موقعها الجغرافي، حيث تقع القسطنطينية على مضيق البوسفور، وكان من الصعب للغاية اختراق دفاعات العاصمة، بالإضافة إلى ذلك، كانت الإمبراطورية الشرقية على الحدود المشتركة بالكثير مع دول أوروبا، كما استفادت كثيرًا من مركزها الإداري القوي والاستقرار السياسي الداخلي، فضلًا عن ثروتها الكبيرة مقارنة مع الدول الأخرى في الفترة المبكرة من القرون الوسطى، وكانت قادرة على بذل المزيد من الجهد للسيطرة على موارد الإمبراطورية الاقتصادية لتكون أكثر فعالية على حشد القوى البشرية الكافية لمكافحة غزو الأباطرة الشرقيين. ونتيجة لهذه المزايا، مرت الإمبراطورية الرومانية الشرقية بأشكال مختلفة والمعروفة باسم الإمبراطورية البيزنطية أو بيزنطة، وكانت قادرة على البقاء على قيد الحياة لعدة قرون بعد سقوط روما. وعدت بيزنطة نفسها الوريثة الوحيدة للإمبراطورية الرومانية القديمة، وحاولت فرض سيطرتها على كل الأراضي التي كانت تابعة لروما، والتي أصبحت جزءً من العالم المسيحي. ومع كل ما أظهرته بيزنطة من تعلق بصلاتها التاريخية بروما القديمة، ومع كل ما أبدته من تقليد للمؤسسات السياسية الرومانية القديمة، فإنه مع مرور الأيام كان يبدو واضحًا أن هذه الدولة تكون لنفسها شخصية مستقلة، لها معالمها المميزة عن الإمبراطورية الرومانية، ويتضح ذلك في مجالات الثقافة واللغة والدين، كما كان للتطور الاقتصادي والاجتماعي أثره في خلق أطر تنظيمية جديدة، حتى أنه في أواخر حياة هذه الدولة أصبحت هناك هوة عميقة بينها وبين سالفتها الرومانية. ولا بد في إطار هذا الحديث العام عن الإمبراطورية البيزنطية من تحديد المحطات المهمة في تاريخها، فإلى جانب كونها استمرارًا للإمبراطورية الرومانية، فقد حدث تغيران هامان في المرحلة البيزنطية من تاريخها هما، أولاً انكماش حدودها، إذ لم تعد تشمل جميع البلدان المحيطة بالبحر المتوسط، والأراضي الواقعة بين بلاد ما بين النهرين والمحيط الأطلسي، كما كان الحال في السابق، وثانيًا دخول المسيحية دينًا وحيدًا عوضًا من خليط الديانات التي كانت موجودة في السابق. فقد أصدر الإمبراطور قسطنطين في عام 313 مرسومه الشهير الذي سمح بممارسة العبادات والشعائر المسيحية علنًا بعد أن كانت تمارس في السر من قبل أتباعها، وفي نهاية القرن الرابع قام الإمبراطور تيودوسيوس الكبير بإكمال خطوة قسطنطين، وأصدر قراره بجعل المسيحية الدين الوحيد المسموح به في الإمبراطورية وعد كل ما عداه كفرًا وهرطقة تستوجب الموت.

كان المسيح يهوديًا من إسرائيل وقد ولد أثناء عهد الإمبراطور أغسطس وأُعدم في عهد الإمبراطور تيبريوس، وكانت المسيحية أساسًا حركة إصلاحية داخل اليهودية ولكن رسالة المسيح حققت نجاحًا محدودًا بين الشعب اليهودي، ولذا سرعان ماتم توجيهها إلى العالم اليوناني الرماني آنذاك، الذي رحب بها ووجد فيها تصحيحًا وإتمامًا للفلسفة الإغريقية الرومانية، وبذلك إلتقت أفكار الشرق الدينية بعلم العالم الإغريقى الروماني وفلسفته. لكن الواقع أن رسالة المسيح قد حققت تقدمها الكبير الأول بين جموع المحرومين والفقراء في العالم الروماني، لقد كانت المسيحية كما عبر عنها المسيح في الرسالة البسيطة لعظة الجبل هي “وعد للمحرومين” في هذا العالم المرهق الذي هزته الحروب والغزوات وتصارع المذاهب والأفكار وواجبات الدولة المرهقة، فوجد في قصة حياة المسيح وفي قصة استشهاده الملاذ والوعد بالخلاص. لم يدعو المسيح إلى “يهوه” إله إسرائيل بل دعى إلى إله كل العالم (أبونا الذي في السماوات) وبشر بمملكة للضعفاء والمحرومين في السماء وما كان أكثرهم في العالم الروماني. وأعلن أنه المسيح الذي بشر به أنبياء إسرائيل فانقسم اليهود إزائه فريقين، فريق آمن به وبدعوته وبكونه المسيح آخر أنبياء إسرائيل ومخلصها وفريق آخر أنكر ذلك، وهنا بدأت السلطات الرومانية تنتبه إلى حركته وتخشى من تداعياتها في فلسطين وأخيرًا اجتمع رأي الفريقين (اليهودي والروماني) على القضاء عليه فتم تدبير القبض عليه وصدر حكمًا بإعدامه على أساس تهمة ادعاء ملك إسرائيل وكانت تهمة خطيرة، إذ كان الإمبراطور الرومانى هو الملك الوحيد على العالم الرومانى، وتم تنفيذ الحكم في عهد الإمبراطور تيبريوس كما تشير سجلات الدولة الرومانية. وقد تجمعت في قصة المسيح كل ثقافة العالم  القديم اليهودية والمصرية والفارسية والإغريقية ووفرت لها البيئة الرومانية ثم البيزنطية التى شملت كل أقاليم البحر المتوسط سبل الانتشار السريع.

وصلت المسيحية إلى مصر في القرن الأول الميلادي، حيث يُروى أن القديس مرقس قد حضر إلى مصر بنفسه وأنه قد بشر بالدين الجديد في الإسكندرية في اواسط القرن الأول الميلادي، ولكن دلائل ظهور المسيحية في مصر بدأت تتضح منذ القرن الثاني الميلادي فقط، حيث ظهر في هذه الفترة نشاط وكتابات مسيحية هامة منها نص على أوراق البردي من إنجيل القديس يوحنا يرجع إلى النصف الأول من القرن الثاني وكذلك نص من إنجيل مسيحي غير الأناجيل الأربعة المعروفة (لوقا، ومتى، ومرقص، وحنا) لعله إنجيل برنابا المصري. وقد أضيف إلى الأناجيل الأربعة المعروفة فصول من أعمال الرسل وهم تلاميذ المسيح أثناء تبشيرهم برسالته في العالم الروماني خاصة بولس وبطرس. ومثل ذلك التراث الديني ما عرف بعد ذلك باسم “العهد الجديد” تمييزًا له عن تراث إسرائيل الديني القديم والذي أصبح يُعرف منذ ذلك الحين باسم “العهد القديم”، وشكل التراثان معًا ما أصبح يُعرف باسم “الكتاب المقدس”. والأناجيل في كل الأحوال هي سيرة حياة المسيح وتتفق في معظمها على الخطوط العامة وتختلف في بعض التفاصيل فقط. ولقد كان للظروف الدينية والفكرية التي سادت الإسكندرية في ذلك الوقت تأثيرًا إيجابيًا كبيرًا على نشر الديانة الجديدة بسبب المناخ الفلسفي الذي ساد الإسكندرية في ذلك الوقت وظهور الدعوة الغنوصية التي كان أصحابها ينكرون الديانات القديمة ويميلون إلى الإعتقاد في فكرة إلهية تتمثل فيها المثل الدينية الرفيعة دون التقيد بدين معين، تمامًا مثل الحركة الحنيفية التي ظهرت في الحجاز قبل ظهور الإسلام مباشرة. وفي وسط ذلك المعترك العنيف من المذاهب والفلسفات والأديان المختلفة من ناحية واضطهاد الدولة والتزاماتها الثقيلة من ناحية أخرى شقت المسيحية طريقها وأصبح لها في الإسكندرية مركزًا ورئيسًا ومدرسة تعليمية لتدريس تعاليمها حوالي نهاية القرن الثالث الميلادي. ومن الإسكندرية انتشرت المسيحية إلى جميع أنحاء مصر وبعد ذلك أصبحت ديانة الأغلبية المصرية. ولقد كان من شأن تلك الروح الفلسفية للإسكندرية أن تكون ذا تأثير قوي على المفكريين اللاهوتيين المسيحيين الأوائل الذين عاشوا وعملوا في الإسكندرية بحيث اشتهرت كنيسة الإسكندرية في أنحاء عالم البحر المتوسط بأكاديميتها التعليمية المسيحية وبالمعرفة الإنجيلية والفلسفية لأساتذتها. وقد اشتهر من بين صفوف مؤسسي تلك المدرسة التعليمية عالمان سكندريان يرجع إليهما الفضل في إرساء القواعد الأساسية للعقيدة المسيحية وهما كليمنت السكندرى (160-215م) وتلميذه أوريجن (185-253م)، وقد أنتج أوريجن بشكل خاص مجموعة من المؤلفات التي تركت أثرها على تاريخ الفكر المسيحي كان أشهرها هو عمله الكبير في اللاهوت التأملي المنهجي المعنون باسم (في المبادئ الأساسية). وهكذا ساهمت مصر في التراث المسيحي منذ البداية، كما أصبحت بعد ذلك مركزًا لأكبر الحركات اللاهوتية تاثيرًا في تاريخ الكنيسة المسيحية مثل الدعوة الآريوسية التي تُنسب إلى آريوس أحد رجال الدين في الإسكندرية والذي كان قد صاغ أراءً مستقلة اختلفت عن العقائد السائدة في المسيحية آنذاك ودخل في صراع عنيف مع الأسقف إسكندر أسقف كنيسة الإسكندرية في ذلك الوقت. وقد تعلقت آراء آريوس الجديدة بالعلاقة بين الأب والإبن في الثالوث العقيدي الموحد في العقيدة المسيحية إذ كان يرى أن الإبن لا يمكن أن يكون مساويًا للأب لأن الأب قديم ودائم بينما الإبن جديد وذو بداية أي أنه مخلوق وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون الابن إلهًا مثل الأب. وقد صدمت هذه الآراء كثيرًا من رجال الكنيسة في الإسكندرية الذين كانوا يؤمنون بأن الابن مثل الأب قديم ودائم وأنهما من طبيعة واحدة.

بطبيعة الحال انقسم المصريون إزاء الديانة المسيحية لطائفتين، طائفة المسيحيين وطائفة اتباع الدين المصري التقليدي الذين استمروا على دينهم، ومع مرور الوقت زادت أعداد المسيحيين وقلت أعداد المصريين من اتباع الدين المصري التقليدي، وكان ذلك في أغلب الحالات بسبب الاقتناع بالدين الجديد، وفي بعض الأحيان بسبب ضغوط من الأقباط الذين اعتنقوا المسيحبة. واستمرت المسيحية تنتشر في مصر وتوغلت حتى أقصى الصعيد الذي كان دائمًا بؤرة القومية المصرية، وهو ما تبينه برديات نجع حمادى التي اُكتشفت عام 1930م، حيث أوضحت أن المسيحية في العصر الذي كتبت فيه البرديات كانت متوغلة في مصر. ومع حلول القرن الثاني الميلادي أصبح هناك خليط من الديانات في مصر، الديانة المصرية، والديانة اليونانية، والديانة الرومانية الرسمية، والديانة الموسوية، والديانة المسيحية الجديدة. ومع آواخر القرن الثاني الميلادي أصبحت مراكز عبادات الديانة المصرية القديمة جزر وسط بحر مسيحي. وفي هذه الفتره ظهر إنجيل للمصريين وتأسست كنيسة في الإسكندرية برئاسة الأسقف المصري ديمتريوس (189 – 231)، وبعدها بقليل تأسست في الإسكندرية مدرسة اللاهوت (الديدسقلية) في مواجهة جامعة البطالمة والمدارس الموسوية التي عاشت بفضل الفيلسوف فيلون السكندري، وأشرف على مدرسة اللاهوت الديسدسقلية مصريون تشربوا من منابع الثقافة الهيلنستية مثل بنطائيوس الذي تحول للمسيحية واكليماندس الذي درس الشعر والفلسفة الهيلينية. وفي سنة 202م في عهد الامبراطور سبتيميوس ساويرس بدأت أول موجات الاضطهاد ضد أقباط مصر، فأُقفلت مدرسة اللاهوت لفترة وعندما أُعيد فتحها أشرف عليها مفكرون مسيحيون كبار مثل اوريجانوس الحكيم تلميذ اكليماندس واستمرت مدرسة اللاهوت مفتوحة حتى اوائل القرن الرابع عندما بدأ عهد الاضطهادات الكبرى المعروف بعصر الشهداء الذي استشهد فيه بطريرك الأقباط بطرس الاول (300-311) الذي عرف باسم “خاتم الشهداء”. ومنذ بداية القرن الثالث انتشرت المسيحية في مصر بشكل واسع خاصة في الصعيد الأعلى والصعيد الأوسط (الفيوم والبهنسا)، وفُتحت كنائس على رأسها مطارنة يأخدون أوامرهم من رئيسهم في الإسكندرية، و كلما زاد اضطهاد الرومان كلما زاد التفاف المصريين حول دينهم الجديد، واستمرت مقاومة الأقباط بعد اضطهادات ساويرس في بداية القرن الثالث الذي نُكل فيها بالأقباط تنكيلًا رهيبًا، واضطهادات كاركلا في عام 211 الذي اصدر قوانين بصلب الأقباط المعارضين ورميهم للوحش المفترسة وذبح أعداد كبيرة من أقباط الإسكندرية، واضطهادات مكسيمينوس سنة 235 التي عُذب فيها أعداد هائلة من الأقباط حتى الموت واضطر في عهده البطريرك ياروكلاس إلى الهروب من الإسكندريه، واضطهادات دكيوس التي بدأت بمرسوم سنة 250 وعُذب واُستشهد فيها الآلاف وانتشر الحزن والفزع في نواحى مصر، واضطهادات ديوقليسيانوس سنة 303 وفاليريوس ودازا والكثير غيرها، حيث استشهد أعداد كبيرة من الأقباط، وآخرين تم تعذيبهم وسُجنوا واُستعبدوا في معتقلات المحاجر في سيناء والبحر الاحمر، واستمر الوضع على هذا الحال، الرومان يضطهدون الأقباط والأقباط متمسكون بالمسيحية. وفي التاريخ القبطى عُرفت فترة اضطهاد الامبراطور ديوقليسيانوس للأقباط باسم “عصر الشهداء” وتاريخ جلوسه على عرش روما في 29 أغسطس 284م أصبح بداية للتقويم القبطي الذي اُستخدمت فيه الشهور التي كان يستخدمها المصريون في عصر الأسرات الفرعونية، وهي الشهور التي يستخدمها الفلاحون المصريون حتى اليوم لحساب المواسم الزراعية. وقد دام عصر الشهداء عشر سنوات متواصلة من الترويع والتنكيل والقتل راحت ضحيته أعداد ضخمة من الأقباط يقدره البعض بحوالي 840.000، ويقال إن عدد الأقباط في نهاية هذا العصر هبط من عشرين مليون لعشرة مليون. وبغض النظر عن دقة هذه الأرقام فهي على أي حال توضح حجم الاضطهاد والمعاناه التي عاش فيها الأقباط. وبذلك نجد أن الأمر لم يكن مجرد تمسك بدين جديد لكنه أيضًا كان تمسك بالقومية المصرية في مواجهة المحتلين، واستمر هذا الوضع حتى عام 313م عندما أصدر الإمبراطور قسطنطين الأول مرسوم ميلانو الذي سمح بحرية العبادات في نواحي الإمبراطوريه الرومانية.

في بدايات العصر القبطي طور الأقباط وسيلة أخرى لمقاومة المحتلين الرومان، وهي “المقاومة السلبية” التي ظهرت على شكل النسك والرهبنة، وقد عرفت الديانة المصرية القديمة الاعتكاف والنسك في الصحراء المتاخمة للوادي، وظهورها في مصر في القرن الثالث الميلادي لم تكن بالشيء الجديد. ويُقال أن أول دير قبطي في مصر تأسس على أيدي فرونتينوس سنة 151م في وادي النطرون، ولكن المؤكد أن الرهبنة تأسست في القرن الثالث عندما خرج الأنبا بولا من الصعيد إلى لصحراء واعتكف هناك للتعبد والصلاة. بعد الأنبا بولا ظهر في الصعيد أيضًا القديس المعتكف المشهور أنطونيوس، والأنبا باخوم مؤسس الرهبنه الجماعيه (رهبنة الشركه الكينوبيتيه)، كما كان الأنبا شنودة أشهر من عادوا الديانة المصرية القديمة وارتبط اسمه بهدم الآثار المصرية القديمة. والتف آلاف الاقباط حول حركة الرهبنة ولم يكونوا جميعًا قديسين أو صالحين متدينين، فكان من بينهم مواطنون من عامة الشعب هربوا من أحكام قانونيه، أي أنهم هربوا من القوانين الظالمة التي كان يمارسها الرومان على المصريين في المحاكم الخاصة (المختلطه) وغيرها مثل جُماع الضرائب والوالي الروماني وأعوانه. وقد لجأ هؤلاء الأقباط للرهبنة في صحارى مصر كوسيلة للاحتجاج والمقاومة السلبية للمحتلين الرومان. وفي هذه الفترة تأسس الدير الأبيض بجوار سوهاج، وتجمع الرهبان الأقباط جنوب وادي النطرون عند دير السريان ودير الأنبا بشوي حاليًا، وفي شماله في صحرة شهات. وقد قامت في مصر ثلاث انواع من الرهبنة، رهبنة النساك الذين يعيشون في الاديرة، ورهبنة الزهاد الذين يختلون بأنفسهم في الصوامع الصحراوية والجبلية، ورهبنة المتبتلين الذين يعيشون إثنين أو ثلاثة مع بعض في المدن ويمتنعون عن الزواج. واشتهر موضوع أديرة مصر في العالم المسيحي وأصبح الأجانب يأتون إلى مصر لمشاهدة الأديره، وكان من ضمنهم روفينوس والقديس أرسانيوس والأنبا باسليوس الذي أنشأ الرهبنة في اليونان ومن النساء من نبلاء الدولة الرومانية الشرقية والغربية باولا وملانيا التي أتت إلى مصر مع القديس جيروم (هير ونيموس). ومن مصر انتشرت فكرة الرهبنة والأديرة. فكانت الرهبنة من إبداع المصريين وتجاوزت آثارها حدود مصر للعالم الخارجي. كما أصبح الرهبان أثناء العصر البيزنطي بمثابة الجيش الروحي وحتى الفعلي لبطريرك الكرازة المرقسية في الإسكندرية، فكلما ذهب البطريرك إلى المجامع التي كانت عادة تنعقد في آسيا الصغرى بأمر امبراطور بيزنطه لمناقشة أركان العقيدة المسيحية ومشاكلها، كان البابا القبطي يأخد معه الرهبان وجماعة اسمها البارابولاني (صبوات) لكي يظهروا تأييدهم له في خارج مصر ويهتفوا له في حالة تشبه المظاهرات كمؤيدين لزعيم الوطنية المصرية ولم يكن البابا في هذا الزمن مجرد رئيس ديني لطائفة دينية ولكن كان رمزًا لمصر وللقومية المصرية.

بعد أن استقرت المسيحية في مصر، حلت الكنيسة محل الديانة الرسمية القديمة في تمثيلها للقومية المصرية، تمامًا كما كانت مصر في وقت ضعفها في العصور الفرعونية تلتف حول كبير كهنة “آمون – رع ” في طيبة، كل القوى الوطنية في العصر القبطي التفت حول رئيس الكنيسة المصرية “بابا وبطريرك مدينة الإسكندرية، وبلاد لوبيا، والمدن الغربية الخمسة، وإثيوبيا، وكل أرض مصر، أبو الأباء، أسقف الأساقفة، الحواري الثالث عشر، قاضي العالم”. وبذلك أصبح الرهبان الأقباط القوة المصرية الوحيدة في مصر التي يمكن أن توازي قوة بطريرك الإسكندرية، وكانوا يمثلون زعماء الشعب بدرجة أكثر بكثير من الأساقفة. كما استخدم البابا كيرلس السكندري الرهبان والصبوات ضد يهود الإسكندريه المقربين من الموظفين الرومان وقاموا بطردهم في غضون يوم واحد من أحيائهم الكبيرة في الإسكندريه لضواحي المدينة، وهم الذين هاجموا أستاذة الفلك والرياضيات هيباتيا بنت الفيلسوف ثيون وأحرقوها في صحن الكنيسة. ويرجع العنف الذي انتشر في تلك الفترة على عكس ما كان عليه الحال ايام اكليمندس وأريجانوس وغيرهم من المتفقهين في الفلسفة الهيلينية، إن القومية المصرية أصبحت أكثر اندفاعًا ضد كل شيء دخيل على مصر وكل ما يمثل هذا الدخيل على أرض مصر فلسفة او غيرها. ويقول كريستوفر داوسون في كتابه “أصول أوروبا”، إن الرهبنه المصريه نتاج أصيل للمسيحية المصرية، وإنها جمعت ما بين حكمة الأنبا مقار والأنبا باخوم وروحانياتهم، وتعصب الرهبان والصبوات الذين قتلوا هيباتيا وأحدثوا اضطرابات دموية في شوارع الإسكندرية.

وفي عام 451م التأم المجمع الخلقيدوني الشهير، وعلى إثره انشطرت كنيسة الله الواحدة الوحيدة إلى قسمين أحدهما غربي والآخر شرقي، القسم الأول يضم كنيستي القسطنطينية وروما وهما يقران بقرارات المجمع السابق الذكر. ولكون الملك في هذا القسم عُرفت الكنيسة فيه باسم الكنيسة الملكانية “نسبة للملك”، وأما القسم الشرقي فرفض الاعتراف بقرارات هذا المجمع وبالتالي اضطهده الملك. وكان يضم كنيستي الإسكندرية وأنطاكية ثم تضامن معهما الأرمن والأحباش وكنيسة مار توما في الهند، ومن هذا التاريخ توثقت العلاقات أكثر فأكثر بين هذه الكنائس، ولاسيما الإسكندرية وأنطاكية اللتين تعرضتا لنفس الآلام والمضايقات من أباطرة القسطنطينية المؤيدين لمجمع خلقيدونية. فظهر في هذه الفترة قديس عظيم ومجاهد رسولي كبير هو القديس مار يعقوب البرادعي (500-578 م) الذي اشترك في رسامته البابا ثيؤدسيوس السكندري الثالث والثلاثون في القسطنطينية عام 543م مع البطريرك الأنطاكي، الذي من شدة تمسكه بالإيمان المستقيم وكثرة جهاده ونشاطه الواسع أطلق الخلقيدونيون اسمه على شعبي الكنيستين السريانية والقبطية وصاروا يعرفون لفترة طويلة باسم “اليعاقبة” نسبة لهذا القديس العظيم... وللحديث بقية.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.