ألقينا الضوء سابقًا في مقالتين متصلتين، على الجذور الفكرية للوهابية، ثم تطرقنا لنشأة الحركة الوهابية في مقالتين متصلتين، ثم نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة عن نشأة وسقوط الدولة السعودية الثانية، ومقالتين متصلتين عن التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، ومقالتين متصلتين عن الدولة السعودية الثالثة، ومقالتنا هذه الثالثة عن “الأمة المصرية قبل الغزو الفكري الوهابي”..وكنا قد أوضحنا سابقًا تباين المسارين على جانبي البحر الأحمر، ففي حين اتخذ الكيان الوهابي مسلكًا تكفيريًا إرهابيًا وظلاميًا، وحرمت الوهابية تدريس العلوم الحديثة باعتبارها بدعة، وحاربت المبدعين والمفكرين والمبتكرين واتهمتهم بالذندقة والإلحاد، واتخذت موقفًا عدائيًا واستعلائيًا ضد الحضارة الحديثة بشكل عام، وقصرت التدريس على العلوم الشرعة وقيدت تلك العلوم بالمذهب الحنبلي وامتداده التيمي الوهابي التكفيري. وكرست الهيمنة البريطانية الشاملة على الكيان الوهابي الجديد (الدولة السعودية الثالثة)، وتفاعلت مع البريطانيين مجتمعيًا عن طريق عصابات الوهابية والوهابيون الجدد (الإخوان)، وتشاركت معهم في بسط شبكة المصالح الاستعمارية البريطانية في الوطن العربي والشرق الأدنى، وسعت لكتم أنفاس التحرر قدر استطاعتها على محيطها الإقليمي،وكرست العادات والتقاليد الاجتماعية البالية، وانتقصت من مكانة المرأة، وحجبتها عن التفاعل مع المجتمع والمشاركة في الحياة العملية والعامة، وشرعنت التفرقة الجنسية،واستوحلت مستنقعات البؤس والتخلف،واحتكرت الحقيقة باسم الدين، وحاربت الفكر والمفكرين وكفرتهم ووصمتهم بالزندقة،وأنكرت قيمة الوطنية والمواطنة، وانتهجت التفكير الغيبي وآمنت بالخرافات التي ورثوها من مرتذقة تلفيق وسبك الأحايث، واتخذت من الجهل والتخلف سبيلًا للحياة والتفكير داخل الكيان الوهابي الجديد خلال مراحل تكوينه المختلفة، مكرسة بذلك كل سوءات العصور الوسطى، مما جرف المجتمع في شبه الجزيرة العربية فكريًا وثقافيًا وسياسيًا وعلميًا وأخلاقيًا.. نجد أن الأمة المصرية الناهضة (رغم الاحتلال) تسلك كل الطرق وتبذل كل الجهود للحاق بمنظومة العلوم والآداب الحديثة، والسعي الدؤوب لمواكبة حضارة العصر الحديث، والسير في طريق التقدم والتطور، والاتصال بمنابع الفكر الحديث في الغرب. كما كانت الأمة المصرية تمهد لتفجر ثورة 1919م، كواحدة من أعظم الثورات الشعبية في تاريخ الشعب المصري، وإحدى أهم الثورات في التاريخ الإنساني، والتي أولجت مصر للقرن العشرين، لتستكمل بناء نهضتها التاريخية وتنجب جيلًا فريدًا من الساسة الليبراليين الثوريين بقيادة سعد زغلول (1859-1927م). كما أدى نشأة وتطور البرجوازية المصرية كما أوضحنا سابقًا إلى الزخم الفكري والثقافي والتنويري في هذه الفترة الهامة والحيوية من تاريخ بناء وعي ووجدان الشعب المصري، وإدراكه لذاته.فنشأ في مصر جيلًا وعظيمًا من المصلحين الاجتماعيين المستنيرين والتقدميين،وظهرت الكتابات والحركات الاجتماعية المطالبة بتغيير العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية البالية والمعوقة للتقدم والتطور، وكذلك تركيز الضوء على قضية تحرير المرأة والارتقاء بمستواها التعليمي ومشاركتها في بناء المجتمع، وهي امتداد لجهود رائد التنوير المصري رفاعه التهطاوي، وتبلورت هذه المفاهيم الاجتماعية الجديدة في شخصية قاسم أمين (1863-1908)، كما شهدت في تلك الحقبة التاريخية الهامة، كوكبة من أهم مفكري الأمة المصرية في العصر الحديث، مثل طه حسين الذي امتلك شجاعة الرد على الزعم الذي ينفي ويدمر انتماء أي إنسان لوطنه. كما انجبت مصر في تلك الحقبة التاريخية الهامة عملاق الفكر المصري والعربي “عباس العقاد”،واحمد طفي السيد، أبو الليبرالية المصرية، والكثير غيرهم. كما شهدت تلك الحقبة كوكبة من المفكرين والفلاسفة الذين ربطوا بين قضية التحرر الوطني وبين الحريات بمفهومها الواسع وقضية العدالة الاجتماعية، من أمثال سلامة موسى، وإسماعيل مظهر والكثير غيرهم.وازدهرت اتجاهات التفكير العلمي في مصر إبان نفس الحقبة، ونشط دعاة الدعوة إلى نبذ الخرافات واتباع الطريق العلمي سبيلًا للتقدم، عوضًا عن التفكير الغيبي،ويُعتبر المفكر والمصلح الاجتماعي شبلي شميل (1850-1917)رائدالدعوة إلى التفكير العلمي في مصر والوطن العربي.
وبينما كانت عصابات الوهابية تنشر الأفكار الظلاميةوالطائفية والمذهبية، وتدس مفاهيم البغض والكراهية،وتتخذ من التكفير منهجًا،وتقنن الإرهاب،وتعتمد كليًا على النقل، وتحارب استخدام العقل في الفقه والتشريع، وتناهض وتكفر شيوج التجديد والتنوير، وتغلق باب الاجتهاد في الدين، وتبيح دماء وممتلاكات وأعراض أصحاب المذاهب الأخرى بعد تكفيرهم، وخاضة أصحاب المذهب الشيعي، وذلك بما يخدم طموح واستبداد آل سعود وشيوخ الوهابية من آل الشيخ. كانت مصر تشهد مولدكوكبة من الشيوخ الأجلاء المستنيرين والمجددين الذين حملوا لواء التنوير، وساهموا بآرائهم وكتاباتهم وأنشطتهم في مسيرة التقدم والتطور الذي نشدته مصر طيلة النصف الأول من القرن العشرين، وفي مقدمتهم الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغي (1881-1945م)، وهوعالم دين إسلامى مصري كبير وفقيهَا ومفسرًا ومصلحًا ومجددًا ووطنيًا غيورًا، تتلمذ على يد الإمام الشيخ محمد عبده، وأخذ شهادة العالميه عام 1904م، وتولى منصب شيخ الازهر مرتين في 1928 و 1935م. وكان الشيخ المراغي معنيًا بقضية الإصلاح والتجديد، مترسمًا في ذلك خطى أستاذه محمد عبده، وقد إهتم الشيخ المراغي بإصلاح كل من الأزهر والقضاء، حيث كان إصلاح القضاء هو الاهتمام الشاغل للإمام المراغي لتحقيق العدل والإصلاح بين الناس، وكان يرى أن إصلاح القانون هو إصلاح لنصف القضاء، لذلك شكل لجنة برئاسته تكون مهمتها إعداد قانون يكون هو الركيزة الأساسية للأحوال الشخصية في مصر، وقد وجه الإمام المراغي أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد القانون بعدم التقيد بمذهب معين، حيث كان القضاة لايحيدون عن مذهب الإمام أبي حنيفة، الذي كان معمولًا به في ذلك الوقت، ولكن الإمام المراغي كان يرى بضرورة الأخذ بغيره من المذاهب إذا كان فيها ما يتفق مع المصلحة العامة للمجتمع، وكان مما قاله لأعضاء اللجنة: “ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان، فالشريعة الإسلامية فيها من السماحة والتوسعة ما يجعلنا نجد في تفريعاتها وأحكامها في القضايا المدنية والجنائية كل ما يفيدنا وينفعنا في كل وقت”، كما كان إصلاح الأزهر على رأس أولوياته، لذلك شكل فور توليه مشيخة الأزهر لجانًا لإعادة النظر في قوانين الأزهر، ومناهج الدراسة فيه، كما قدم قانونًا لإصلاح وضع الأزهر للملك فؤاد الذي كان مشرفًا على شؤون الأزهر آنذاك، إلا أن بعض حاشية الملك أوعزوا له بأن الشيخ المراغي يريد استقلال الأزهر عن القصر، فرفض الملك فؤاد القانون، وأعاده إلى الشيخ المراغي، فما كان من الشيخ المراغي إلا أن وضع القانون الخاص بإصلاح الأزهر في ظرف، واستقالته من مشيخة الأزهر في ظرف آخر، وطلب من الملك فؤاد حرية الاختيار، فقبل الملك فؤاد الاستقالة، ولكن الإضرابات عن الدراسة التي قام بها علماء وطلاب الأزهر، والتي استمرت أكثر من أربعة عشر شهرًا أجبرت الملك فؤاد على إعادة المراغي شيخًا للأزهر مرة أخرى، وقد دعا الإمام المراغي إلى ضرورة العمل على تحرير مناهج الأزهر من التقليد والتلقين في التدريس، والأخذ بالأساليب الحديثة، والتوسع في الاجتهاد، ودعا الطلاب إلى دراسة اللغات الأجنبية ليكونوا أكثر قدرة على استيعاب العلوم الحديثة والثقافات الأخرى، وقد شكل الإمام المراغي لجنة للفتوى داخل الجامع الأزهر تتكون من كبار العلماء تكون مهمتها الرد على الأسئلة الدينية التي تتلقاها من الأفراد والهيئات، كما شكل أكبر هيئة دينية في العالم الإسلامي، وهي جماعة كبار العلماء، والتي تتكون من ثلاثين عضوًا، واشترط الإمام المراغي في عضويتها أن يكون العضو من العلماء الذين لهم إسهام في الثقافة الدينية، وأن يقدم رسالة علمية تتسم بالجرأة والابتكار، وقد دعا الإمام المراغي للتقريب بين المذاهب الإسلامية والتقريب بين طوائف المسلمين، وبذل في سبيل ذلك بعض المحاولات منها إجراء محادثات مع علماء المذاهب الإسلامية في مختلف الدول، بهدف التوفيق بين المسلمين مهما اختلفت مذاهبهم وفرقهم، كما أثرى الشيخ المراغي المكتبة الإسلامية بالكثير من المؤلفات والتراجم، والتي اشتملت على برامجه الإصلاحية المتعددة، التي رأى فيها تكملة لمشوار أستاذه الإمام محمد عبده.
في إبريل 1925م نشر الشيخ علي عبد الرازق كتابًا بعنوان “الإسلام وأصول الحكم” أحدث ضجة سياسية وفكرية كبرى في مصر آنذاك، وتركز موضوعه في أن فكرة نظام الخلافه غريبة على الإسلام، وليس لها أساس لا في المصادر ولا الأصول المعتمدة للإسلام وهى الكتاب والسنة والإجماع، بل هي مسألة دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية، ولم يرد بيان في القرآن، ولا في الأحاديث النبوية في التأكيد على وجوب تنصيب الخليفة أو اختياره:”فالتاريخ يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين، وينبوع شر وفساد”، وقد جاء الكتاب على ثلاثة فصول، الأول عن الخلافة والإسلام، والثاني عن الحكومة والإسلام، أما الثالث فكان عن الخلافة في التاريخ، فقال عبدالرازق: “الخلافة مصدر: تخلف فلان فلانًا إذا تأخر عنه، وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه. ويُقال خلف فلان فلانًا إذا قام بالأمر عنه، إما معه وإما بعده، وهي رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي (ص)”، ليدخل في تساؤلات مشروعة في ذلك الزمان واليوم وكل زمان، من نوع: “الخلافة هل هي خلافة الله أم خلافة رسوله؟”، طارحًا اجتهادات عقلية للإجابات: “أما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله، واُختلف في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم ومنع الجمهور منه، وقد نهى أبو بكر عن ذلك لما دُعي به”، ويشير عبدالرازق إلى تيارين في الأمة الإسلامية أحدهما يرى أن الخليفة يستمد سلطانه من الله، والآخر يؤمن أن الأمة هي مصدر سلطان الخليفة وهي التي تنصبه في موقعه.ويتضح من خلال وصف عبدالرازق للخليفة عبر التاريخ، مدى إدراكه المبكر لإشكالية ذلك الموقع، فهو يرى أن الخليفة كان ممكنًا بالبطش والقسوة، لا يأمن على نفسه، ولا يأمن منه المسلمون على أنفسهم: “يستحيل السلطان وحشًا سفاحًا وشيطانًا ماردًا إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته وتقويض كرسيه، وأنه لطبيعي فيه أن يكون عدوًا لدودًا لكل بحث علمي يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه أو يريح من تلقائه ريح الخطر ولو كان بعيدًا، ومن هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم ومعاهد التعليم، ولا شك أن أخطرها كان علم السياسة، ولذلك كان حتمًا على الخلفاء أن يسدوا طريقه ومنافذه أمام الناس”، ولا يربط علي عبدالرازق مسألة حفظ الدين بوجود خليفة، فيقول: “علمت مما نقلنا لك عن ابن خلدون أنه قد ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب، وفناء جيلهم، وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر ملكًا بحتًا، وليس للخليفة منه شيء، أفهل علمت أن شيئًا من ذلك قد صدع أركان الدين؟ وأضاع مصلحة المسلمين على وجه كان يمكن للخلافة أن تتلافاه لو وُجدت؟”، وانتقد علي عبدالرازق رغبة بعض فقهاء الدين في تعميم بساطة الزمن القديم على المسلمين اليوم، وقال:”إن الفقهاء إن كانوا قد أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحًا ما يقولون، من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع. مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية، لا ينتج لهم الدليل أبعد من ذلك، أما إن أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفون فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة”، وقال: “إنه قد جرى الخلط بين البساطة في الزمن القديم، وبين حداثة العصر الذي نعيشه اليوم، وكأنما يراد لنا أن نعود إلى عهود البساطة والفطرة، وكان (ص) أميًا ورسولًا إلى الأميين، فما كان يخرج في شيء من حياته الخاصة والعامة ولا في شريعته عن أصول الأمية، ولا عن مقتضيات السذاجة والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فلعل ذلك الذي رأينا في نظام الحكم أيام النبي (ص) هو النظام الذي تقضي به البساطة الفطرية. ولا ريب في أن كثيرًا من نظم الحكم في الوقت الحاضر إنما هي أوضاع وتكلفات، وزخارف طال بنا عهدها فألفناها، حتى تخيلناها من أركان الحكم وأصول النظام، وهي إذا تأملت ليست من ذلك في شيء، إن هذا الذي يبدو لنا إبهامًا أو اضطرارًا أو نقصًا في نظام الحكومة النبوية لم يكن إلا البساطة بعينها، والفطرة التي لا عيب فيها”. وأوضح أن زعامة النبي على العرب، لم تتأت من مكانته المدنية، لأنه تمكن من توحيد العرب على عقيدة جديدة فيقول: “كانت وحدة العرب كما عُرفت وحدة إسلامية لا سياسية، وكانت زعامة الرسول فيهم زعامة دينية لا مدنية، وكان خضوعهم له خضوع عقيدة وإيمان، لا خضوع حكومة وسلطان، وكان اجتماعهم حوله اجتماعًا خالصًا لله تعالى، يتلقون فيه خطرات الوحي، ونفحات السماء، وأوامر الله تعالى ونواهيه (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)”، ولكن هذا لم يحصل بعد النبي، فقد رحل من كان على علاقة بالسماء والوحي. ويضرب عبدالرازق المثل بحروب الردة: “لسنا نتردد لحظة في القطع بأن كثيرًا مما سموه حرب المرتدين في الأيام الأولى من خلافة أبي بكر لم يكن حربًا دينية، وإنما كان حربًا سياسية صرفة، حسبها العامة دينًا، وما كانت كلها للدين”، وبذلك حسم علي عبدالرازق لنفسه وللآخرين مسألة الخلافة بالقول: “والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد سياسية، كما أن تدبير الجيوش الإسلامية، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب، أو هندسة المباني وآراء العارفين”.
ويُعتبر الشيخ عبدالمتعال الصعيدي (1894-1966م) من أهم العلماء المتميزين والإمتداد الأبرز والأهم لأفكار ورؤى الإمام محمد عبده، فقد كانت جهوده تمثل مرحلة إبداع ذاتي ورؤية رحبة وتأصيل فكري جديد لقضية التنويروالحرية الفكرية والحرية الدينية في الإسلام، وحول قضية حرية الفكر والاعتقاد ذهب الشيخ الصعيدي إلى حق الإنسان في الإيمان بالله وفي حقه في النقوص عن هذا الإيمان، دون أدنى مسؤولية جنائية ولا اجتماعية تلحقه نتيجة ذلك، فكان جريئًا في مناقشة قضية الردة التي انتهى فيها لرأي واضح، وهي أن الجزاء فيها ديني فقط، أمره لله (سبحانه وتعالى) وأن ما جاء في القرآن عن الردة لا يستوجب القتل، وفند الآراء المخالفة، وانتهى إلى أن جزاء المرتد يكون أخروي فقط، أما في الدنيا فيُدعى للإسلام غير المسلم وفقط، كما أكد على أن الحرية والمساواة حق لجميع أبناء الوطن بغض النظر عن دينه أو اعتقاده.وهنا يفرق الصعيدي بين “حرية الفكر” و”الحرية الدينية”، وذلك أن حرية الفكر أوسع من الحرية الدينية لأن حرية الفكر تشمل ثلاثة أنواع من الحريات، وكل نوع من هذه الحريات له مجاله الخاص الذي لا يشاركه فيها نوع آخر. أولًا الحرية العلمية، وهي عبارة عن إطلاق سلطان العلم فوق كل سلطان، لأنه يعتمد في سلطانه على العقل، وقد خلق الله العقل ليميزنا به على جميع مخلوقاته، فإذا أهملنا الاعتماد عليه لم يكن هناك معني لخلقه فينا، وفعل الله سبحانه يتنـزه عن العبث، فكل ما خلقه له حكمته التي لابد من استعماله فيها، تحقيقًا لمعنى هذه الحكمة، وتنـزيهًا لفعله تعالى عن العبث، وبناءً عليه، فإنه لابد من الموائمة بين العلم والدين، ليعيش كل منهما بجانب الآخر مطلق الحرية موفور السلطان، ويتعاونا على سعادة الإنسان في دنياه وأخراه بدلًا من أن يتعارضا، فيقف كل منهما في سبيل الآخر، فيشقى الإنسان باختلافهما وتضطرب حياته بينهما. ومن الطبيعي أن يدعو الإسلام، الذي تقوم دعوته في الأساس على التفكر والنظر العقلي، إلى العلم، وذلك لأن التفكر نتيجة طبيعية للعلم والمعرفة، والغرض الذي من أجله يدعو الإسلام إلى العلم هو نفس الغرض الذي يدعو للتفكر، كما أن الغاية واحدة من الاثنين، فالعلم يُطلب لأنه يوصل إلى الإيمان بالله تعالى، والعلماء هم الذين يصلون به للإيمان وليس الجهلاء، وبناءً عليه فالعلم كالتفكر مطلوب لذاته، سواء أوصل الإنسان إلى الإيمان بالله أم لا، والإيمان عن طريقه يتم بحرية واختيار، وهما شرط في صحة الإيمان. والحرية والاختيار لا يتحققا إلا إذا أخذ العلم طريقًا مطلقًا، وسار فيه الإنسان على هدى العلم ومنهجه فقط، فإذا وصل الإنسان من خلاله إلى الإيمان بالله فبتوفيق الله، وإذا لم يصل فيه إلى شيء فإنه أدى المطلوب منه، ولا يصح إكراهه على شيء لأن الإكراه عكس الحرية والاختيار كشروط أساسية في العلم. كما أن الإسلام لا يقيد العلم بطريق معين ولا نتيجة معينة، لأن طلب العلم هدف في حد ذاته سواء وصل إلى الإيمان أم لا، كما أن الإسلام لم يقيد العلم بأنه ديني أم لا، ولكن جعله مطلقًا دينيًا أو دنيويًا، لأن كل منهما يكمل الآخر حسب الرؤية الإسلامية، والعلوم الدنيوية لا سلطان للإسلام فيها، وإنما السلطان للعقل فقط، حتى لا يكون هناك وسيلة لرجال الدين للوقوف في سبيلها باسم الإسلام، فيعوقها عن التقدم والنهوض، أو يفرض نفسه على رجالها بغير حق، لأنه لا شأن له بهم، فله مجاله ولهم مجالهم. ويستدل على ذلك بقصة تأبير النخل لما نهى عنه الرسول (ص) ثم عاد ووافق عليه بقوله: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، ويستلزم من هذا أن تكون دعوة الإسلام إلى العلم والتفكر والحرية العلمية مطلقة بلا قيود، حتى لا يكون هناك سلطان لغير العقل والعلم، ولا يخشى بأس حاكم أو رجل دين لأنه مجتهد مطلق السراح حتى ينهض بأمته في أي فروع العلم شاء دينيًا كان أو دنيويًا، ويكون قادرًا على الإبداع والتجديد. كما أكد الصعيدي أن الإسلام فتح باب الاجتهاد في الدين، فأعطى لدليل العقل سلطانه على دليل النقل، وذلك عند قيام الدليل العقلي القاطع على عدم إرادة ظاهر النص، وإذا لم يوجد الدليل العقلي القاطع لم يذهب إلى التأويل، ويبقي على ظاهر النص، لأنه الأولى في هذه الحالة، وذلك أن الظن العقلي لا يغني من العلم شيئًا، وجملة القول إن إخضاع دليل النقل لدليل العقل، فيه من الحرية العلمية كل ما تسعه هذه الكلمة من معنى، وما يعطي العلماء سلطة واسعة أمام الجامدين من رجال الدين، فلا يكون لأولئك الجامدين سلطان عليهم أصلًا، ولا يكون لهم أن يسلكوا سبيل التعسف معهم، وإنما هو قرع الدليل بالدليل، وما أضعف دليل الجمود أمام دليل التجديد.ولا يوافق الصعيدي على رأي متأخري الأشاعرة الذي يصفهم بالجامدين في قولهم: “إن التأويل إذا كان أعلم فإن تركه أسلم”، لأن التأويل إذا كان أعلم فهو أسلم، لأن السلامة مع العلم دائمًا.. ثانيًا الحرية السياسية، فقد تناول الصعيدي قضية الحرية السياسية كركن أصيل من أركان الحرية الفكرية، وحاول الربط بين الإسلام وقضايا الفكر السياسي والقانوني المعاصر، مثل أن الأمة مصدر السلطات، وحق الفرد في الاعتراض على الحكم، وحق الأقلية في المعارضة، وفي حديثة عن الحرية السياسية يتسائل الصعيدي، هل الأمة مصدر السلطات في الإسلام؟، ويؤكد أن الجواب على هذا السؤال يتوقف عليه نصيب الأمة ونصيب كل فرد من أفرادها في الحرية السياسية، ويرد بثقة وثبات بأن الأمة هي مصدر السلطات في الإسلام، ولها حق الاشتراك في تنصيب الحاكم الذي تريده، كما لها اختيار شكل الحكم الذي تريده جمهوريًا كان أو ملكيًا، وحق الأمة في هذا الحق لجميع أفرادها، ويترتب على هذا أنه إذا كانت الأمة هي مصدر السلطات كان حاكمها تحت سلطانها، ولم تكن هي تحت سلطانه، وتكون لها حريتها السياسية بأكمل معانيها، لأن هذا الحق في هذه الحرية كفله لها الإسلام، ولم تأخذه منحة من الحاكم لأنه لو منحة من الحاكم لم يكن حقًا صحيحًا حيث من حقه استرداد هذه الحرية إذا كان له حق منحها، ومن أجل هذا أراد الإسلام أن يجعل حق الأمة في حريتها السياسية حقًا طبيعيًا لا تستمده من حاكم إنما تستمده من كونها مصدر السلطات في الحكم وبهذا يصبح الحاكم تحت سلطتها وليس العكس، وعلى هذا الأساس قام الحكم الإسلامي في عهد النبي (ص) وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده، حيث تمثل تلك الفترة الحكم الصحيح في القرون القديمة للإسلام قبل استيلاء بني أمية على الحكم ومن تلاهم من بني العباس وغيرهم ولم تكن الأمة فيها مصدر السلطات، وإنما كان الحاكم المستبد هو كل شيء في الدولة وبيده وحده سلطاته كلها، ولم يكن للأمة معه حق في حريتها السياسية، ومما يؤكد أن الأمة مصدر السلطات في الإسلام القاعدة المجمع عليها عند أهل السنة على أنه يجب خلع الإمام متى جُرحت عدالته بفسق، أو عجزه بعلة ولا يرجى صلاحها، لأنه يستحيل استمرار مقاصد الإمامة، ويستشهد على كون الأمة مصدر السلطات، في فترة الحكم الرشيد التي شملت عهد النبوة والخلفاء الراشدين من بعده، بمشاورة الرسوللأصحابه في الغزوات وفي كافة شؤون الحياة السياسية، واستمر الأمر على ذلك المنوال في عهد الخلفاء الراشدين، فقام نظام الحكم على المشورة حتى عهد علي وخروج معاوية ومن معه من أهل الشام عليه، فيما لا يطعن في إمامته لأنهم كانوا قلة وكان مؤيدًا بموافقة الأغلبية عليه، وجاء مقتل علي بيد أحد الخوارج وهو يصلي الفجر، فأخلى لأولئك الخوارج الجو لمعاوية بجهلهم حتى أخذ الحكم بالسيف، بعد أن كان يؤخذ باختيار الأمة، ويقوم على أساس أنها مصدر السلطات كلها، وقد سن هذه السنة لمن أتى بعده من ملوك المسلمين، ويترتب على هذا الحق باعتبار أن الأمة مصدر السلطات، حق الفرد في الاعتراض، ويترتب على أن الأمة هي مصدر السلطات، أن كل فرد من أفرادها له الحق في هذه السلطة، فيُؤخذ رأيه في تنصيب الحاكم، ويكون له حق الاعتراض على ما يرى الاعتراض عليه من نظام الحكم بحرية تامة، سواء كان مصيبًا في اعتراضه أو مخطئًا، لأنه غير معصوم من الخطأ، فإن أصاب فهو مأجور، وإن أخطأ فهو معذور، استنادًا إلى حديث الرسول:“إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”. وكان حق الفرد في الاعتراض على الحاكم قائمًا حتى في عهد النبوة، رغم إتصاله بالوحي السماوي، وكون أغلب الأحكام منتقاة عنها، لدرجة أن الاعتراض على النبي في بعض أحكامه كان يتجاوز أحيانًا حق الاعتراض المقبول، ويجاوزه إلى الإتهام والطعن في الذمة، فلا يكون رد فعل النبي (ص) إلا إظهار ألمه من هذا الطعن في ذمته، ولا يتجاوز إلى أخذ الطاعن بعقوبة دنيوية ترهب غيره أن يقع في مثله. وذلك لأن أخذ الناس بالإرهاب يزرع في نفوسهم الجبن، ولا يجرئهم على نقد الحكام، ومن ثم يستنيمون لظلم حاكمهم، فيحصل ما يحصل من الفساد في الحكم.ومن النماذج العملية على هذا الحق في عهد النبي اعتراض بعض الصحابة على توزيعه كما حدث في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، فقسمها النبي بين أربعة نفر وهم عيينا بن بدر، وأقرع بن حارس، وزيد الخيل، وعامر بن الطفيل، وقال رجل من أصحابه: “كنا نحن أحق من هذا من هؤلاء”، فلما سمع النبي ذلك قال “ألا تؤمنوننى وأنا أمين من في السماء، يأتنى خبر السماء صباحًا ومساءً”، فقام رجل وقال يا رسول الله “أتقي الله، فقال (ص) له: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ثم ولى الرجل، فقال خالد ابن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال له: لا، لعله أن يكون يصلي، فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال له: إنى لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم.فهذا رجل قد تجاوز حقه السياسي في الاعتراض المقبول، إلى اتهام النبي بالخيانة، ومحاباة أولئك الأربعة من صناديد العرب، وكانوا حديثوا عهد بالإسلام، وكان عطائه لهم تأليفًا لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم، لما كان لهم من طمع قديم في المال، وهذا من حسن السياسة في الدنيا، ليكونوا شوكة للإسلام لا شوك عليه.وقد جاز الاعتراض على النبي كحاكم من قبل الأفراد رغم إتصال الوحي به لأن النبي كان مجتهدًا في بعض الأمور التي لم ينـزل عليه فيها وحي، وهذا الحق بالاجتهاد يشمل أمور دينية ودنيوية معًا، وأنه وهو المعصوم يجوز عليه الخطأ فيما يجتهد فيه، فيجوز من الأفراد الاعتراض على بعض أحكامه، اعتمادًا على أنه يجوز أن يكون من اجتهاده لا من طريق الوحى، وعلى أنه يجوز أن يكون أخطأ فيه، فيكون لهم حق تنبيهه إليه، ويكون لهم في هذا الحق من الحرية، ما يكونون فيه قدوة حسنة لمن بعدهم من المسلمين، لتكون أمة حرية لا عبودية، وتسن سنة حسنة في وجه الطغيان والاستبداد حيثما كان، لأن الإسلام جاء رحمة للعالمين. كما يترتب على حق الفرد في الاعتراض على الحاكم باعتبار أن الأمة هي مصدر السلطات، حق الأقلية في معارضة الأكثرية، ويكون للأقلية الحرية التامة في حق الاعتراض على الأكثرية المناصرة للحكم القائم، وهذا الحق مثل حق الفرد في الاعتراض على الحاكم سواء بسواء، فالفرد اكتسب هذا الحق باعتبار أن الأمة مصدر السلطات في الإسلام، فله نصيب من ذلك مما لها في ذلك لأنه فرد منها، وكذلك الأقلية أفراد من الأمة فيجب أن يكون لهم نصيب في ذلك أيضًا، وقد وجدت هذه الأقلية الممثلة للمعارضة في الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول، فجماعة عبد الله بن أبى سلول من الأوس والخزرج، الذين كانوا مخلصين له وتظاهروا بالدخول في الإسلام على أن يمثلوا دور المعارضة، كلما سنحت الفرصة لذلك، لعلهم يستطيعون التأثير في الأغلبية فيرجعون لوضعهم القديم، وكانت تبدو منهم معارضة سافرة للحكم، وحينما تفشل نتيجة كياسة النبى وإخلاص أصحابه يتبرأ هؤلاء المعارضون من أفعالهم، فيقبل النبي منهم ذلك، ولا يؤاخذهم على شيء من معارضتهم، لإيمانه بحق المعارضة في الحكم، حتى لو لم تكن مخلصة له، لأن ذلك أفضل من أخذ الناس بالكبت والقهر.
تناول الصعيدي الشق الثاني من الحرية وهو الحرية الدينية، باعتبارها حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، فلا سلطان لأحد من الناس عليه فيما يعتقده، فهو حر في أن يعتقد ما يشاء أو لا يعتقد في شيء أصلًا، كما أن له الحرية في إذا اعتقد في شيء أن يرجع عن اعتقاده، و له أن يدعو من يشاء إلى اعتقاد ما يعتقده في حدود ما تبيحه حرية الاعتقاد من الدعوة إلى ما يعتقده بالتي هي أحسن، فليس لأحد الحق في استعمال القوة معه في دعوته إلى عقيدته، ولا حق استعمال القوة معه في إرجاعه إلى عقيدته إذا إرتد عنها، وإنما هي الدعوة بالتي هي أحسن في كل الحالات، وإذا لم يكن لأحد حق استعمال القوة معه، فليس له أيضًا حق استعمال القوة مع غيره، حتى يتكافأ الناس في هذا الحق، ولا يمتاز فيه واحد بشيء دون الآخر، وإنما هي حرية مطلقة لكل الأشخاص، وحرية مطلقة لكل الأديان، وحرية مطلقة في جميع الحالات على السواء. والحرية الفكرية في مأمن من العقاب الدنيوي، مالم يصل إلى شيء من التعسف والإعنات، وذلك أن الجزاء الدنيوي الطبيعي الذي سنته الشرائع السماوية والقوانين الوضعية شرعت العقاب الدنيوي لردع الجرائم التي تفسد المجتمع كالقتل والسرقة لتطهير المجتمع منها، وتقليل الشرور بفرض عقوبات دنيوية رادعة.وتبدو سعة أفق الصعيدي وانفتاحه على جميع المذاهب والمدارس الإسلامية، دون موقف مسبق، حينما يستشهد برأي الجاحظ والعنبري من المعتزلة، بأنه لا إثم على المجتهد مطلقًا، وإنما الإثم على المعاند الذي يعرف الحق ولا يؤمن به استكبارًا، فالمجتهد المخطئ غير آثم عند هذا الفريق من المعتزلة حتى لو أداه اجتهاده إلى الكفر الصريح، وذلك لأن تكليفه بنقيض اجتهاده يُعد تكليفًا بما لا يطاق، وهو ممتنع عقلًا وشرعًا، وهو أقرب إلى روح الشرع من موقف الجمهور الذي يرى إمكانية التكليف بما لا يُطاق عقلًا وشرعًا، فموقف هذا الفريق من المعتزلة منسجم مع قوله تعالى في سورة البقرة آية 286 “لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ”، فالتكليف بما لا يُطاق ممتنع عقلًا وشرعًا بنص الآية، ومذهب هذا الفريق من المعتزلة ظاهر في نفي الإثم مطلقًا عن المجتهد المخطئ بمقتضى دليلهم السابق، ولكن بعض المتكلفين حاول ربط هذا الرأي وتقييده، بالمسائل الخلافية بين الفرق الإسلامية، مثل نفي رؤية الباري تعالى، ومثل القول بخلق القرآن، فلا يدخل فيه ما هو من الكفر الصريح، ولكن هذا خلاف مذهب هذا الفريق كما هو ظاهر، وقد استدل الجمهور لمذهبهم بإجماع المسلمين قبل ظهور هذا الفريق من المعتزلة، على وجوب قتل الكفار مطلقًا، وعلى أنهم من أهل النار مطلقًا، وهذا دون تفرقة بين المعاند وغير المعاند، ولو كانوا غير آثمين لما جاز قتالهم، ولما كانوا من أهل النار، ودليل الجمهور مبنى على شقين، الشق الأول مبني على مذهبهم في وجوب قتال الكفار على كفرهم، وهذا المذهب باطل لقوله تعالى في سورة البقرة آية 256 “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”، وكل آيات القتال في القرآن ظاهر في أن قتالنا للكفار مسبوق بقتالهم لنا، فنحن ندافع عن أنفسنا فنقاتلهم على قتالهم لنا، ولا نقاتلهم على كفرهم، أما الشق الثاني من دليل الجمهور فيه مصادرة على المطلوب، لأن أصل النزاع بين هذا الجمهور وهذا الفريق من المعتزلة، في كون الكفار غير المعاندين آثمين ومن أهل النار، أو غير آثمين ولا من أهل النار، ودعوى الإجماع في هذا لا قيمة لها، لأنه لا يستند على دليل، والدليل قائم عند هذا الفريق من المعتزلة، على أن الكفار غير المعاندين غير آثمين، ويعد مثل هذا الرأي مهمًا في قضية حوار الحضارات والتقريب بين الشعوب على اختلاف أديانها، ويجعل الخلاف في أصول الأديان كالخلاف في فروعها، إذ يعذر فيه من لا يعاند في الفروع، فينجو كل منهم من عذاب الآخرة لعذره في خلافه، وبهذا تتغير نظرة أهل كل دين إلى غيرهم تغيرًا تامًا، وذلك حيث ينظر كل منهم للآخر، كما ينظر أهل كل دين إلى أنفسهم عند اختلافهم في الفروع.وهذا يدعم نظرية الحوار والتقريب بين الشعوب على اختلاف أديانها، ويذلل أكبر عقبة تعترض السلام بين الشعوب، وتقف حجرة في تناسي أحقادهم، وتبادل الود والمحبة فيما بينهم، وهذا الاجتهاد الديني الأصيل، يعد أساسًا إسلاميًا لتقارب ديني عام، وسلام عالمي بين الشعوب والأديان، وبذلك نجد أن الشيخ الصعيدى اهتم بقضية الحرية بجميع جوانبها على اعتبار أنها حق إلهي للإنسان لا يحق لأحد أن يصادر حريته في الفكر والتعبير، ولا أن يكرهه على اعتقاد أو رأى، ولا أن يصادر حقه في الاعتراض والنقد.
كما شهدت مصر في تلك الحقبة شيوخًا أجلاءً مستنيرين مثل الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (1893-1963م)، الذي عمل على القضاء على الخلافات بين المذاهب الإسلامية بإدخال دراسة المذاهب في الأزهر، وأشتهر بفتوى جواز التعبد بمذهب الشيعة الاثنى عشرية حيث قال: “إن الإسلام لا يوجب على أحد من اتباعه اتباع مذهب معين بل نقول: إن لکل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلًا صحيحًا والمدونة أحکامها في کتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبًا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره، أي مذهب کان، ولا حرج عليه في شيء من ذلك. وثانيًا إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعًا کسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما کان دين الله وما کانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالکل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس اهلًا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات”.وفي غضون ذلك نشأ تيار فلسفي، بريادة الإمام الأكبر شيخ الأزهر مصطفى عبدالرازق (1885-1945م)، مجدد الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، ويعد الشيخ مصطفى عبد الرازق رائد المدرسة الفلسفية الإسلامية في مصر المعاصرة، وأول أستاذ جامعي يقوم بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، حيث كانت تُدرس من قبل في الجامعة المصرية من خلال الدرس الاستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأنكر أي دور للعقل المسلم في تطوير الفكر الفلسفي عامة، حيث قدم الشيخ مصطفى عبد الرازق رؤية جديدة، تقوم على تلمس نشأة التفكير الإسلامي الفلسفي في كتابات المسلمين أنفسهم قبل أن يتصلوا بالفلسفة اليونانية ويدرسوها دراسة وافية، ودعا إلى تدريس علم الكلام والتصوف في أقسام الفلسفة، وإلى البحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، ورأى أن الاجتهاد بالرأي هو بداية النظر العقلي، ومن ثم فإن علم أصول الفقه ليس ضعيف الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد الذي هو علم الكلام. ودحض الشيخ مصطفى عبدالرازق مزاعم المستشرقين وعلى رأسهم “رينان” من أن العقل الإسلامي من الناحية البيولوجية غير قادر على إنتاج فلسفة يُعتد بها، لأنه يميل إلى البساطة والوحدة ويرفض التعدد والتركيب، ودحض الشيخ عبد الرازق هذا، مؤكدًا على المكانة الرفيعة التي يتبوأها العقل في الإسلام، من خلال دراسته للنظر العقلي في الفكر الإسلامي، مدعمًا بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وتحليله لمكانة الرأي في الفكر الإسلامي.. وهكذا نجد أن الأمة المصرية سلكت طريقًا مغايرًا تمامًا لمسلك الكيان الوهابي التكفيري والإرهابي والظلامي، في شتى المجالات، الأمر الذي لو نما وترسخ لكان من شأنه أن يؤدي إلى عدد من التمايزات الاجتماعية، الضرورية لتأسيس مستقبل حديث وتنويري بالفعل.ولكن ما حدث أن أخذ هذا المسار منحنى تنازليًا عقب تسلل الفكر الوهابي إلى مصر، وتغلغله في دروب وشعاب المجتمع المصري، وداخل مفاصل المؤسسات المصرية، بشكل لم يحدث له مثيل من قبل، مما أوهن كيان الأمة المصرية، وشتتى قواها، وأضعف فاعليتها، و أصدأ هويتها، وأذبل قوميتها، وأوجد ظواهر اجتماعية وسياسية وثقافية وفكرية سلبية وغريبة على الأمة المصرية. وهو ما سنأتي إليه لاحقًا بشيء من التفصيل.