محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25–30)، ثم تطرقنا إلى تطور مفهوم الحرية في سبع عشرة مقالة منفصلة عن ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والحضارة الرومانية، والمفهوم الإيماني المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، والليبرالية الكلاسيكية، والليبرالية الاجتماعية، والليبرالية الجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيون، ومقالتي هذه عن “الحملة الفرنسية”.
كما أوضحنا سابقًا، نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية طيلة الاحتلال العثماني التركماني لمصر، وتخلف أساليب الحكم التي غلب عليها طابع الاستبداد والعنصرية وغياب البعد الوطني، وانعدام الحراك الاجتماعي، جُرفت الحياة الفكرية والثقافية لمدة ثلاثة قرون، وسادت حالة من الجمود والتخلف الحضاري، وبقيت أيدولوجيات العصور الوسطى ولم تبرح مكانها، فسادت “المدرسة الكلامية” في تعريف معنى ومفهوم “الحرية” الذي هو محور تلك الدراسة، وانحصر مفهوم الحرية في نفس المفهوم التقليدي للحرية الذي أوردناه في مقالتين سابقتين بعنوان “الحضارة الإسلامية” و “العصور الوسطى المصرية”، ولم ترد كلمة حرية في تراثنا لمصطلح مفرد أو مجرد إلا من خلال ثنائيات مثل الحر مقابل العبد، وحرية الإرادة مقابل الجبر، وقد نُوقشت تلك القضية في سياق الفعل الإنساني ومدى قدرة الإنسان في فعله، والمواقف المتباينة من القضية لدى الفرق الإسلامية المختلفة، كالجبرية الذين نفوا قدرة الإنسان تمامًا، وقالوا أنه كالقشة في مهب الريح لا يملك من أمره شيئًا، أو الأشاعرة الذين قالوا بالكسب وهو موقف وسط يجعل الفعل بين إرادة الله وإرادة الإنسان بمعنى أن حرية الإنسان محكومة ومحدودة بالمشيئة الإلهية، ثم المعتزلة الذين قالوا أن الإنسان يخلق أفعاله، وظلت هذه المواقف الثلاث تشكل الموقف الفكري السائد منذ ظهور الفرق الإسلامية في نهاية القرن الأول الهجري وحتى مجيء الحملة الفرنسية، أي بداية العصر الحديث، ورغم أن تلك الفترة في مصر والدول العربية كانت أفضل حالًا من نظيرتها في عصور الظلام الأوروبية، إلا أن التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته أوربا الغربية إبتداءً من عصر النهضة حتى مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر، أحدث تطورات جوهرية هائلة في مجمل الأوضاع الفكرية والفلسفية كما أوردناها سابقًا، في حين ظلت مصر ومعها بقية مستعمرات الإمبراطورية العثمانية في معزل عنها تمامًا، مما أدى إلى “الفجوة الحضارية” الهائلة التي أشرنا إليها في مقالتنا السابقة بعنوان “العثمانيون.. جذور الفجوة الحضارية”، مما يجعلنا نعتبر أن الحملة الفرنسية لم تكن صدام بين جيشين أو قوتين أو دولتين، بل كانت مواجهة بين حضارتين لعصرين متغايرين، بين حضارة العصور الوسطى وما تمثله من جمود وجهل وظلامية وتخلف وظلم واستبداد، وحضارة العصر الحديث وما تمثله من وهج حضاري من تطور وتقدم وحداثة، والتي أدت إلى اعلاء قيمة إعمال العقل والارتقاء من شأن الإنسان وحريتة، ومن هنا كانت نتيجة الصدام حتمية، وكانت الصدمة أكبر من جانب الشعب المصري الذي عرف الحضارة والتقدم والريادة الإنسانية منذ القدم، ولم يشهد طيلة تاريخة تلك الفجوة الحضارية الهائلة، واستطاعت مصر بعظمتها وسحرها أن تذيب كل الاحتلالات في مكنونها، وأن تصبغهم بطابعها، وتهضمهم ليختلطوا بمكنونها وتنوعها، ولكن الاحتلال العثماني لم يعرف لمصر معنى ولا قيمة، ولم يشعر أو يكترث بأنها إقليم مختلف له موروث حضارى وثقافى منذ قديم الأزل، محاولًا للمرة الأولى في التاريخ المصري هضمها وابتلاعها عن طريق تقزيمها و”عثمنتها”، مما جعل الكثير من المفكرين والمؤرخين وعلماء الاجتماع يعتبرونه الاحتلال الأسوء في تاريخ مصر على الإطلاق نيجة لتبعاته الكارثية التي مازلنا نجني ثماره العفنه حتى الآن.
منذ القرن السابع عشر بدأت إمبراطورية الظلام العثمانية في طور الضعف والإنحلال، وفى القرن الثامن عشر فى النصف الثانى منه عام 1768 قام “على بك الكبير” المملوكى وكان شيخ البلد بالانفراد بحكم مصر وطرد العثمانيين، وأعلن نيته الصريحة برجوع مصر مرة أخرى ولاية مستقلة كما كانت قبل عام 1517م وهو عام الاحتلال العثمانى لمصر، ولكن فشلت تلك المحاولة بعد 5 سنوات فى عام 1773 لأسباب متعددة، وكان ذلك ملمحًا هامًا من ملامح الضعف الشديد للامبراطورية العثمانية وأفول قوتها، وتشجيعًا للامبراطورية الفرنسية لتحقيق حلمها بالاستلاء على مصر تمهيدًا لإنشاء إمبراطورية في الشرق تكون قاعدتها مصر، وبذلك كانت الحملة الفرنسية على مصر عام 1789م.
كانت الحملة الفرنسية على مصر حلقة من حلقات المد الاستعماري الغربي خارج حدوده القومية، من أجل فتح أسواق جديدة للمنظومة الرأسمالية الغربية بعد الثورة الصناعية، والتوسع في الإنتاج وتطوره من أجل المنافسة والاستمرار في السوق، فكان البحث والتنافس بل والصراع على الأسواق الخارجية طوق النجاة للرأسمالية الغربية التي ظهرت عيوبها الجوهرية وأصبحت على وشك الانهيار، وأيضا من أجل السيطرة على موارد تلك المستعمرات من المواد الخام والأولية الرخيصة اللازمة لعمليات التصنيع، مما أدى إلى الصراع بين دول مركز الرأسمالية الغربية من أجل تصدر مراكز الصدارة في منظومة الرأسمالية العالمية، وما أدت إليه من حروب طاحنة ودمار، وكانت تلك هي الأسباب الرئيسية لأغلب الممارسات الاستعمارية في العصر الرأسمالي الحديث، كانت بدايته الكشوف الجغرافية والاستيلاء على العالم الجديد وإبادة شعوب بأكملها مثل الهنود الحمر، وذلك من أجل نهب تلك المستعمرات، والحملة الفرنسية هنا هي حلقة هامة في هذا الإتجاه، فهي حملة عسكرية قام بها الجنرال نابليون بونابرت على مصر والشام (1798-1801م)، بهدف توفير رؤوس الأموال اللازمة لتطور واستمرار الرأسمالية الفرنسية وذلك عن طريق إقامة قاعدة في مصر تكون نواة لإمبراطورية فرنسية في الشرق من ناحية، وقطع الطريق بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند من ناحية أخرى، وذلك في إطار الصراع “الأنجلو فرنسي” الطويل على مصر، وأيضا لاستغلال مواردها في غزواته في أوروبا، ولعل من المهم أن يتم التعرف على تاريخ العلاقات بين مصر وفرنسا وخاصة منذ أن كانت مصر تحت السيادة العثمانية، إذ تؤكد الكثير من الوثائق مدى إهتمام فرنسا بمعرفة الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر قبل قدوم الحملة الفرنسية بفترة طويلة، ومن الجدير بالذكر أن مصر قد تعرضت لحملتين فرنسيتين قبل ذلك ولكنهما كانا في إطار غزوات الفرنج، عرفت الحملة الأولى بحملة الفرنج الخامسة، وكانت بقيادة “جان دي برس” ولكنها فشلت في عام 618 هـ – 1221م، وأما الأخرى فقد عرفت بحملة الفرنج السابعة، وكانت بقيادة الملك “لويس التاسع” ومنيت بهزيمة مدوية عام 648 هـ – 1250م وخرجت من مصر، إلا أن إحتلال مصر كانت رغبة قوية لدى فرنسا، وبقيت أملًا لسياستها وقادتها ينتظرون الفرصة السانحة لتحقيقها متى سنحت لهم، ولما بدأ الضعف يتسرب إلى الدولة العثمانية أخذت فرنسا تتطلع إلى المشرق العربي مرة أخرى، كما تظهر وثيقة شديدة الأهمية عن حلم نابليون بحفر قناة السويس وعدم إضاعة قطرة واحدة من ماء النيل إذا قيد له أن يحكم مصر طويلًا‏،‏ وأن يجعل من مصر قاعدة لإمبراطورية هائلة شرق السويس تمتد حتى إيران وأفغانستان‏ “فأنا لست أقل من الإسكندر الأكبر‏.‏ رغم حزني الشديد لأن الإسكندر غزا مصر في سن السادسة والعشرين بينما أنا في الثامنة والعشرين”، وقبل قيام الحملة الفرنسية على مصر، قدم “شارل مجالون” القنصل الفرنسي في مصر تقريره إلى حكومته في 9 فبراير 1798م يحرضها على ضرورة احتلال مصر، ويبين أهمية استيلاء بلاده على منتجات مصر وتجارتها، ويعدد لها المزايا التي ينتظر أن تجنيها فرنسا من وراء ذلك، وبعد أيام قليلة من تقديم تقرير مجالون تلقت حكومة فرنسا تقريرا آخر من “تاليران” وزير الخارجية، عرض فيه للعلاقات التي قامت من قديم الزمن بين فرنسا ومصر وبسط الآراء التي تنادي بمزايا الاستيلاء على مصر، وقدم الحجج التي تبين أن الفرصة قد أصبحت سانحة لإرسال حملة على مصر وفتحها، ودعا إلى مراعاة تقاليد أهل مصر وعاداتهم وشعائرهم الدينية، وكان من أثر التقريرين أن نال موضوع غزو مصر اهتمام حكومة الإدارة التي قامت بعد الثورة الفرنسية، وخرج من مرحلة النظر والتفكير إلى حيز العمل والتنفيذ، وأصدرت قرارها التاريخي بوضع جيش الشرق تحت قيادة نابليون بونابرت في 12أبريل 1798م، وتضمن القرار مقدمة وست مواد، اشتملت المقدمة على الأسباب التي دعت حكومة الإدارة إلى إرسال حملتها على مصر، وفي مقدمتها عقاب المماليك الذين أساءوا معاملة الفرنسيين واعتدوا على أموالهم وأرواحهم، والبحث عن طريق تجاري آخر بعد استيلاء الإنجليز على طريق رأس الرجاء الصالح وتضييقهم على السفن الفرنسية في الإبحار فيه، وشمل القرار تكليف نابليون بطرد الإنجليز من ممتلكاتهم في الشرق، وفي الجهات التي يستطيع الوصول إليها، وبالقضاء على مراكزهم التجارية في البحر الأحمر والعمل على شق قناة برزخ السويس.
جرت الاستعدادات لتجهيز الحملة الفرنسية وكان قائد الحملة الجنرال نابليون بونابرت يشرف على التجهيز ويتخير بنفسه القادة والضباط والعلماء والمهندسين والجغرافيين، وعني بتشكيل لجنة من العلماء عرفت باسم لجنة العلوم والفنون وجمع كل حروف الطباعة العربية الموجودة في باريس لكي يزود الحملة بمطبعة خاصة بها، وفى يوم 19 مايو 1798 اقلع أسطول فرنسي كبير من ميناء طولون، ونجحت في احتلال الاسكندرية في 2 يوليو 1798م بعد مقاومة من جانب أهلها وحاكمها السيد محمد كريم دامت ساعات وتسلح المصريون بالعصي والبنادق القديمة في مواجهة الأساليب العسكرية الحديثة للفرنسيين، والأسلحة المتقدمة التي لم يراها المصريون من قبل، وظل يتقهقر ثم اعتصم بقلعة قايتباى ومعه مجموعة من المقاتلين، وأخيرًا أستسلم وكف عن القتال، وعزا الجبرتي هذه الهزيمه إلى حالة الجند السيئة بقوله “ولكن الجند متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، مختلفة آرائهم، حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في رئيسهم، مفترون بجمعهم، محتكرون شأن عدوهم، مرتبكون في رويتهم، مغمورون في غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم” ولم يكن بد من التسليم ودخل نابليون المدينة، وأعلن بها الأمان، ووجه نابليون في اليوم ذاته نداءً إلى الشعب المصري، وبسبب معرفتهم الجيدة لأحوال مصر آنذاك، وعلى نهج سلفهم “المحتلين العثمانيين”، استنسخ الفرنسيون التجربة العثمانية ولكن بطريقة هزلية، فاعتنق نابليون الإسلام وأصبح صديق وحامي الإسلام، وهذه رسالة نابليون بونابرت الذي دعاه المؤرخون المسلمون “الجنرال علي” إلى شعب مصر “بسم الله الرحمن الرحيم، لا اله الا الله وحده ولا شريك له في ملكه أيها المشايخ والأئمة… قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطا وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك فإن الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني.. أدام الله ملكه… أدام الله إجلال السلطان العثماني أدام الله إجلال العسكر الفرنساوية لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية”.
وفي مساء يوم 3 يوليو 1798م زحفت الحملة على القاهرة، وسلكت طريقين أحدهما بري وسلكته الحملة الرئيسية، وأما الطريق الآخر فنهري وتسلكه سفن الأسطول الخفيفة في فرع رشيد لتقابل الحملة البرية قرب القاهرة،‏ وقابلت مقاومة متفرقة من قبل أهالي البلاد، ووقعت في 13 يوليو 1798 م أول موقعة بحرية بين سفن المماليك والفرنسيين عند شبراخيت، وكان جموع الأهالي من الفلاحين يهاجمون الأسطول الفرنسي من الشاطئين غير أن الأسلحة الحديثة التي كان يمتلكها الأسطول الفرنسي حسمت المعركة لصالحه، واضطر “مراد بك” قائد المماليك إلى التقهقر إلى القاهرة، ثم التقى “مراد بك” بالفرنسيين عند منطقة إمبابة في 21 يوليو 1798م في معركة أطلق عليها الفرنسيون معركة الأهرام، ومرة أخرى واجه الفرنسيون هذا الهجوم بطلقات المدافع والبنادق والحراب المثبتة فقتل ألف وخمسمائة مملوك، وغرق كثيرون منهم في النيل في أثناء هروبهم الطائش، وفي 22 يوليو أرسلت السلطات العثمانية في القاهرة مفاتيح المدينة إلى نابليون مما يعني الاستسلام، وفي 23 يوليو دخل نابليون المدينة البهية من غير أن يواجه مقاومة، وبالرغم من أن القوات المصرية كانت كبيرة لكن تسليحها لا يضاهي التسليح الفرنسي الحديث، فلقيت هزيمة كبيرة وفر “مراد بك” ومن بقي معه من المماليك إلى الصعيد، وكذلك فعل شيخ البلد “إبراهيم بك”، وأصبحت القاهرة بدون حامية، ودخل نابليون مدينة القاهرة تحوطه قواته من كل جانب، وبهذا يكون قد استولى نابليون على أغنى إقليم في الإمبراطورية العثمانية.
في اليوم الثاني لدخوله القاهرة وهو الموافق 25 يوليو 1798 م أنشأ نابليون ديوان القاهرة وهو ديوانًا استشاريًا من تسعة من كبار المشايخ والعلماء ويرأسه الشيخ عبد الله الشرقاوي، لحكم مدينة القاهرة، وتعيين رؤساء الموظفين، وكان الغرض من مجلس القاهرة هو تفعيل الحياة المدنية بالمفهوم الحديث ومشاركتها جنبًا إلى جنب مع الإدارة والسلطات الحاكمة في البلاد، وهو أحد الأفكار الهامة التي صاحبت الثورة الفرنسية من ضرورة تفعيل دور المجتمع والمشاركة المجتمعية في الإدارة والحكم، وهو قائم على أفكار المفكر وعالم الاجتماع “چان چاك روسو” ونظريته المعروفة باسم نظرية العقد الاجتماعى والتي تقوم على أن العلاقة بين الإدارة والشعب تقوم على وجود عقد افتراضى بين الشعب من ناحية والحاكم والإدارة، التي من مقتضياتها زيادة المشاركة المجتمعية في الإدارة والحكم، وبالتالى فقد كانت المجالس النيابية هي إحدى المقتضيات الأساسية والمفردات الدارجة بشكل أساسي والتي واكبت الفترة إبان الثورة الفرنسية وما واكبها من أفكار وحراك فكرى وسياسى في فرنسا وفي كثير من دول العالم فيما بعد، ومن القاهرة أصدر أوامره بأن تدار أمور مصر عن طريق دواوين عربية مكونة من المشايخ والعلماء يكون لها رأيًا استشاريًا للإدارة، لتعاون الإدارة في الحكم وهو انعكاس للأفكار الفرنسية والتي واكبت الثورة الفرنسية وكان لها صدى كبير في فرنسا في حينه واستمر فيما بعد وكان بداية المشاركة المجتمعية في الحكم في فرنسا والعالم، ومنع جنوده من السلب والنهب وحمى حقوق الملكية الموجودة والذي تثبته عشرات الرسائل والأوامر بإعدام المجرمين وقطاع الطرق في القاهرة،‏ وأيضا إعدام جنود فرنسيين ثبت إجرامهم في حق الأهالي‏، وجلس مع الزعماء المحليين واعترف باحترامه للشعائر الإسلامية وإعجابه بالفن الإسلامي، وشهد ألا إله إلا الله، أصبح نابليون بونابرت حاكمًا مسلمًا اسمه “بونابردي باشا”، وأطلق عليه اسم “علي نابليون بونابرت”، وكان يتجول وهو مرتدي الملابس الشرقية والعمامة والجلباب، ويتردد إلى المسجد في أيام الجمعة ويسهم بالشعائر الدينية التقليدية بالصلاة، وطلب مساعدة المسلمين له ليعم الرخاء والازدهار مصر.
في 13 يوليو سنة 1798 هاجم الأسطول البريطاني السفن الفرنسية في خليج أبو قير واستطاع تدميره لتفوق البحرية الإنجليزية وتمرس واحترافية البحارة البريطانيين، وعندما وصلت أخبار هذه النكسة الكاسحة إلى نابليون في القاهرة أيقن أن فتحه لمصر غدا بلا معنى، فالمغامرون المرافقون له قد أحيط بهم الآن برًا وبحرًا وما من سبيل لوصول العون الفرنسي إليهم، وأنهم سرعان ما سيصبحون تحت رحمة أهل البلاد المعادين، والبيئة غير المواتية، وفي 22 أكتوبر عام 1798 قام سكان القاهرة بثورة على الفرنسيين فأمر نابليون بقمع الثائرين، وتخلى نابليون لفترة عن دور الفاتح المتسامح، فأمر نابليون بأن تقوم المدافع الموجودة على جبل المقطم بضرب القاهرة فدكت متاريس وتحصينات الثوار ثم أمر بضرب الأزهر لكونه مركز الثورة ودخلت الخيول الفرنسية الأزهر الشريف وقتل الجنود كل من وجوده أمامهم وتم حرق الكتب وبعد أن رأى شيوخ الأزهر هذا الوضع الكارثي توسلوا إلى نابليون حتى يأمر بوقف القمع فوافق.
عندما سمع نابليون أن العثمانيين يعدون جيشًا لاستعادة مصر صمم على مواجهة التحدي فأعد ثلاثة عشر ألفا من رجاله إلى الشام، وانطلق في 10 فبراير سنة 1799 واستولى على العريش وأتم عبور صحراء سيناء، وتجدر الإشارة إلى رسالة تهنئة بتاريخ ‏26‏ فبراير‏1799‏ تحت رقم‏4262‏ من نابليون للجنرال مينو‏ علي قيامه بإلقاء خطبة الجمعة كمسلم في مسجد غزة في أثناء حملته علي الشام‏ ويقول له‏ “إن أفضل الطرق للحفاظ علي السلم في مصر هو تبني عقيدة الإسلام أو علي الأقل عدم معاداتها واجتذاب ود شيوخ الإسلام ليس فقط في مصر بل في سائر العالم الإسلاميي”، وفي 7 مارس استولت الحملة الفرنسية على يافا بعد أن استطاع المهندسون العسكريون الفرنسيون احداث ثغرة في أسوار المدينة، وفي 18 مارس وصلوا إلى مدينة عكا شديدة التحصين، وفي 20 مايو بعد أن قضى الفرنسيون شهرين أمام أسوار المدينة وتكبدوا خسائر فادحة، أمر نابليون بالعودة إلى مصر، وذكر نابليون عام 1803 لمدام دى ريموسا “لقد مات خيالي عند عكا، لن أسمح لها أبدًا بالتداخل معي مرة أخرى”.
منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها جيوش بونابرت أرض مصر اشتعلت نار المقاومة ضد الغزاة ولم تخمد طوال السنوات الثلاث التي قضتها الحملة الفرنسية في مصر، فمنذ البداية انهزمت قوات الحامية العثمانية وغادرت البلاد، كذلك فشل أمراء المماليك بقيادة مراد بك وإبراهيم بك في التصدى للحملة، وأصبحت القاهرة والدلتا خالية من أية قوات نظامية يمكنها التصدي لحملة بونابرت، فانتقل عبء المقاومة إلى الشعب المصري الذي حُرم من حمل السلاح لقرون طويلة، وقد تصور القائد الفرنسي المظفر أن انتصاره على العثمانيين والمماليك سيكفل له استقرار الأمور في مصر، أو على الأقل في القسم الأكبر منه، ونشرت الحملة الفرنسية منشورها على أهالي مصر وهو المنشور الذي سجل نصه المؤرخ المصري عبدالرحمن الجبرتي “جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة بثلاث ساعات من المواضع التي يمر بها عسكر الفرنساوية، فواجب عليها أن ترسل للسر عسكر من عندها وكلاء كيما يعرف المشار إليه أنهم أطاعوا، وأنهم نصبوا علم الفرنساوية الذي هو أبيض وكحلي وأحمر. وكل قرية تقوم على الفرنساوية تحرق بالنار، وكل قرية تطيع العسكر أيضًا تنصب صنجق السلطان العثماني محبنا دام بقائه”، وقال “ريبو” أحد مؤرخي الحملة الفرنسية في هذا الصدد ” كان الجنود يعملون على إخماد الثورة بإطلاق الرصاص على الفلاحين، وفرض غرامات على البلاد، ولكن الثورة كانت كحية ذات مائة رأس، كلما أخمدها السيف والنار في ناحية ظهرت في ناحية أخرى أقوى وأشد مما كانت، فكأنها كانت تعظم ويتسع مداها كلما ارتحلت من بلد إلى آخر”.
وأخيرًا وبعد أن تيقن الاحتلال الأسبق (العثمانيون) من تهاوي فرص الفرنسيين للاستيلاء على مصر، شكلوا جيشًا عثمانيًا لطرد الفرنسيين من مصر، وفي 11 يوليو أنزلت مائة سفينة على ساحل خليج أبي قير فخرج نابليون من القاهرة متجهًا شمالاً على رأس أفضل جنوده وانقض على الجيش العثماني ودارت معركة أبي قير البرية في 25 يوليو 1799م فألحق به هزيمة منكرة حتى إن كثيرين من العثمانيين فضلوا الاندفاع إلى البحر ليموتوا غرقى بدلًا من مواجهة الفرسان الفرنسيين المندفعين بعنف، ومن الصحف الإنجليزية التي أرسلها سيدني سميث إلى نابليون علم أن التحالف الأوروبي الثاني قد طرد الفرنسيين من بروسيا (ألمانيا حاليًا)، وأعاد الاستيلاء على إيطاليا كلها تقريباً من الألب إلى كالابريا، إن صروح انتصاراته كلها قد انهارت عبر سلسلة من الكوارث من الراين وبو إلى أبي قير وعكا، والآن من خلال هزائم مخزية وجد نفسه وجيشه الذي هلك جانب كبير منه وقد حوصروا في ممر يحيط به الأعداء، حيث يمكنهم محق الفرنسيين في غضون وقت قليل، وفي نحو منتصف شهر يوليو تلقى من حكومة الإدارة أمرًا كان قد أرسل له في 26 مايو، مؤداه أن يعود إلى باريس فورًا، فصمم على العودة إلى فرنسا، ونظم نابليون الأمور العسكرية والإدارية في القاهرة وعين “كليبر” المعارض ليكون على رأس ما تبقى من حلم فرنسا في ضم مصر إليها ويعود نابليون إلى فرنسا رغم الحصار البريطاني (ليشق طريقه إلى السلطة، وليعزل القادة المخطئين الذين سمحوا بضياع مكاسبه كلها في إيطاليا بهذه السرعة)، أما كليبر فعندما علم بتكليف نابليون له بقيادة الحملة غضب غضبًا شديدًا فقد كانت الخزانة خاوية، وكان عدد الجنود الفرنسيين يتناقص يومًا بعد يوم وكذلك معنوياتهم، بينما أهل البلاد المقاومون يزدادون قوة ويتحينون الفرصة للقيام بثورة القاهرة الثانية في 2 مارس 1800، وكان من الممكن في أي وقت أن ترسل بريطانيا بمشاركة العثمانيين قوات عسكرية إلى مصر يمكنها بمساعدة أهل البلاد إجبار الفرنسيين على التسليم، وكان نابليون يعلم ذلك كله ولم يكن يستطيع تبرير مغادرته مصر إلا بالقول إنه مطلوب في باريس ولديه أمر بالعودة، علي أن أشد هذه الوثائق إثارة هي الوثائق الأخيرة التي وقعها قبل رحيله عن مصر‏،‏ ومنها وصيته للجنرال كليبر رقم‏ 4758‏ بتاريخ‏ 22‏أغسطس‏ 1799‏ ثم وثائق أخرى تثبت أنه كان ينوي بعد عودته إلي فرنسا إرسال تعزيزات وجيش جديد لمصر‏، لكن استسلام مينو في الإسكندرية في يوليو‏ 1801‏ وتوقيع اتفاقية التسليم مع الجيش البريطاني بمساندة العثمانيين وخروجهم بكامل عدتهم من مصر على متن السفن الإنجليزية ، قضي نهائيًا علي حلم نابليون.
وكان من نتائج الحملة الفرنسية على مصر إدراك المصريين أنهم مختلفون عن حكامهم المحتلين، الذي لا هم لهم سوى خدمة مصالحهم واستغلال مصر والمصريين، كما أيقظت الحملة لدى المصريين الإحساس الوطني والشعور بالهوية المصرية، وقيم الحرية والثورة التي جعلت المصريين يثوروا للمرة الأولى على الوالي العثماني ويخلعوه ويعينوا مكانه “محمد على” بأنفسهم ليكون حاكم على مصر لأول مرة في تاريخه، حيث أعتبر إعادة الوعي والهوية للمصريين على المستوى الإنساني والوطني أهم إنجاز للحملة الفرنسية، وتعرف المصريون على الحضارة الغربية بمزاياها ومساوئها، كما تعرف المصريين على الأفكار والمفاهيم الفرنسية الجديدة التي انتقلت إلى مصر، مثل مفهوم الجمهورية، ومبدأ حق الجميع وتكافؤ الفرص، ومبدأ إنشاء حكومة محلية لإدارة شؤون البلاد، كما عرف المصريون بعض الإنظمة الإدارية عن الفرنسيين ومن بينها سجلات المواليد والوفيات وتسجيل الزواج وتصريح السفر والنظام الصحي، وكذلك نظام المحاكمات الفرنسي، وإدخال بعض الصناعات الحديثة، وتحسين نظام الري، ومحاولة الاصلاح التعليمي، وتنظيم المساطر القانونية والمحاكم الحديثة، وإنشاء خدمات البريد والمواصلات، كما شاهدوا الجيشوش والأسلحة الحديثة وغيره.. أما النتائج العلمية فتمثلت في كتاب وصف مصر حيث رافقت الحملة الفرنسية مجموعة من العلماء في شتى مجالات العلم في وقتها، أكثر من 150 عالما وأكثر من 2000 متخصص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين الذين رافقوا الحملة، من كيميائيين وأطباء وفلكيين إلى آخرة، وكانت نتيجة لمجهودهم هو كتاب “وصف مصر” وهو عبارة عن المجموعة الموثقة وتضم 11 مجلدًا من الصور واللوحات مملوكة لمكتبة الإسكندرية و9 مجلدات من النصوص من بينها مجلد خاص بالأطالس والخرائط أسهم بها المجمع العلمي المصري وقام هؤلاء العلماء بعمل مجهد غطى جميع أرض مصر من شمالها إلى جنوبها خلال سنوات تواجدهم وقاموا برصد وتسجيل كل أمور الحياة في مصر آنذاك وكل مايتعلق بالحضارة المصرية القديمة ليخرجوا إلى العالم 20 جزءً لكتاب وصف مصر وتميز الكتاب بصور ولوحات شديدة الدقة والتفاصيل، كما تشتمل هذه المجموعة على صور ولوحات لأوجه نشاط المصري القديم للآثار المصرية وأيام الحملة نفسها التاريخ الطبيعي المصري بالإضافة إلى توثيق كل مظاهر الحياة والكنوز التاريخية والفنية والدينية المصرية وتسجيل جميع جوانب الحياة النباتية والحيوانية والثروة المعدنية آنذاك، ويعتبر هذا الكتاب الآن أكبر وأشمل موسوعة للأراضي والآثار المصرية كونها أكبر مخطوطة يدوية مكتوبة ومرسومة برسوم توضيحية فتميزت بالدراسة العميقة للدارسين والأكاديميين الذين رافقوا نابليون فيما نشر الكتاب بين عامي 1809-1829، وقد أصدرت مكتبة الإسكندرية نسخة رقمية من هذا الكتاب “وصف مصر” على أقراص مضغوطة، كما فكر الفرنسيون في حفر قناة السويس، حيث اقترح علماء الحملة توصيل البحرين الأحمر والمتوسط فيما يعرف الآن باسم “قناة السويس”، ولكن الفكرة لم تنفذ وذلك بسبب اعتقاد خاطئ وقتها بان البحر الأحمر أعلي في المستوي من البحر المتوسط حتى نفذ ديليسبس الفكرة لاحقًا، كما تم اكتشاف حجر رشيد الذي ساعد في فك رموز اللغات المصرية القديمة (الهيروغليفية – الهيراطيقية – الديموطيقية) ومعرفة اسرار الحضارة الفرعونية.. وتمثلت النتائج السياسية في لفتت الحملة الفرنسية على مصر أنظار العالم الغربي لمصر وموقعها الإستراتيجي وخاصة إنجلترا، مما كان لهذه النتيجة محاولة غزو مصر في حملة فريزر 19 سبتمبر 1807م الفاشلة على رشيد بعد أن تصدى لها المصريون، ولكنهم تمكنوا من ذلك في عام 1882م.
عندما أُجلت الحملة عن مصر فى سبتمبر 1801م، تركت فراغًا سياسيًا كبيرًا، فكانت هناك قوى متصارعة ومتربصة للوصول إلى السلطة فى مصر والسيطرة عليها، فأراد العثمانيون المجروحون بعد فشلهم في الدفاع عن مستعمراتهم رجوع مصر مرة أخرى لحظيرتهم، وإثبات شرعية حكمهم عليها بشتى الطرق لإثبات قوتهم المزعومة، فكانوا الأسرع والأقوى نوعًا ما فما لبثوا أن ولى السلطان العثمانى محمد خسرو باشا واليا على مصر كأول والي عثمانى لمصر بعد جلاء الحملة وأخذ يباشر عمله فى يناير 1802 واستمر لمدة عام ونصف.. وثانيا المماليك المتعطشون للسلطة المسلوبة منهم سابقا بواسطة الاتراك العثمانيين، ولكنهم ظلوا على انقسامهم القديم وجعلوا من انفسهم مجالًا لاستقطاب القوى الخارجية المتنافسة على مصر بغباء سياسى وسذاجة وجهل.. وكانت هناك قوة خارجية تتربص بمصر وهى إنجلترا خاصة بعد أن أدركت أهمية موقع مصر الإستراتيجى كما أوضحنا سابقًا، وظلت مصر فى أولويات اهتماماتها العسكرية والاقتصادية حتى تحين الفرصة والظروف الدولية، فبعد سنوات أرسل “ماكنزى فريزر” بحملته المشهورة 1807 ولكنها فشلت ولكن نجحت أخيرًا عندما احتلت مصر رسميًا فى أواخر القرن فى سبتمبر 1882.. والقوة الرابعة هي الشعب المصري بقيادة العلماء والمشايخ، التي بدأت تتبلور وتتشكل في ظل وجود الحملة الفرنسية، وأصبح لها صوت مسموع فى مصر بعد أن مرت بخبرات خاصة واشتركت فى مقاومة الغازى الأجنبى لأول مرة وكان لهم دور بارز فى اخراجهم واحراجهم أيضا، وساعد ضعف المماليك والعثمانيون وتنافسهم المستمر على ازدياد نفوذ العلماء فكان لهم أبرز الأثر فى الفترة اللاحقة ودور حاسم فى هذا الصراع المرير فى الداخل والخارج أيضا طمعًا فى ارض الكنانة .
أثار غزو نابليون لمصر وانتصاره الكاسح على حكام مصر آنذاك تساؤلات عديدة لدى المصريين حول السبب وراء هذا الوهج الحضاري والتقدم العلمي على الشاطيء الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، فى حين ترزح فيه شعوب شاطئه الجنوبي تحت وطأة التخلف والظلم والجهل، فرغم مرور قرنين على حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام (1798-1801)، لم يكف المؤرخون والمفكرون باختلاف انتماءاتهم المعرفية والفكرية عن دراسة حيثيات وطبيعة الحملة الفرنسية وتأثيرها على أحوال ومستقبل مصر والعالم العربي، فينفي البعض وجود أية آثار إيجابية للحملة ويجزمون بأنها كانت مجرد حملة عسكرية استعمارية مقرونة بحكم عسكري عنيف، انتهت بفشل تام بعد أن استمرت ثلاث سنوات، مضت كلها بين الحروب والثورات والاعتقالات والمظالم والتعسف، بينما يرى البعض أن حملة نابليون قد أثرت في حياة مصر وأحوال الشرق العربي عمومًا تأثيرًا عميقًا، أدى إلى انقلاب حقيقي ونهضة فعلية، حيث كانت خطوة بالحضارة إلى الأمام، وأن مصر بعد الحملة خرجت بوجه آخر غير وجهها العثمانى الذى كان موجودًا قبل الحملة نظرًا للصدمة الحضارية التى أحدثتها الحملة للشعب المصرى الذى كان يعيش فى عزلة تامة عن الأحداث فى أوروبا بموجب الحكم العثمانى العسكرى الصارم الذى كان يحرم ويجرم الإتصال بالغرب حتى الاجتهاد فى الدين وانغلاق الولايات على أنفسها، وبالتالى لم يتقبل المصريون أدوات الحكم والإدارة العثمانية السابقة نظرًا لتفتحهم وتطلعهم إلى العالم المحيط بآماله وعلومه وثقافته فالحملة كانت النافذة التي أطل الشعب منها على العالم، فمعظم الباحثين يحددون تاريخ دخول الحملة عام 1798مصر على أنه تاريخ انتهاء حقبة مصر العثمانية، رغم أن جل الأحداث السياسية بمصر بعد خروج الحملة متعلقة بالأساس بالدولة العثمانية صاحبة السيادة الشكلية على مصر، وأن مصر خرجت من حظيرة الدولة العثمانية فعليًا ورسميًا عام 1914 أى بعد قرن ويزيد ولكن هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الحضارية فإن الحملة الفرنسية عبرت بمصر من العصور الوسطى الى العصور الحديثة، رغم حدوث مشكلة ازدواجية الفكر والثقافة للمصريين التى نعانى منها إلى اليوم، كما كان الغزو الفرنسي أول تحد استعماري أوروبي تعرضت له مصر في العصر الحديث لذلك أيقظ هذا الغزو الشعب المصري من سبات طويل قضاه في ظل السيطرة العثمانية وأشعره بشخصيته المميزة، ومنه شعوره الوطني الذي تمثل بثوراته المستمرة ضد الحكم الفرنسي وقارب بين فئاته المختلفة، وكان للغزو الفرنسي تأثير واضح على بناء المجتمع المصري واتجاهاته الفكرية التي ظهرت أثارها واضحة فيما بعد، إذ ضعضع الغزو البنيان الاجتماعي القائم آنذاك.
ونتيجة لكل ما تقدم نشأ تيار فكري جديد استوحى أفكاره من الثقافات والعلوم الغربية نتيجة الانفتاح على الغرب في أعقاب الحملة الفرنسية، حيث جرى التعامل المباشر مع الغرب من خلال الوفود والبعثات الدراسية بعدما اكتشف المصريون والعرب الفرق الهائل بينهم وبين الغرب الحديث منذ الحملة الفرنسية على مصر، واكتشاف وجه جديد للحضارة الغربية الحديثة لم يكن للمصريين والعرب عهد به من قبل، كما عبر عن ذلك عبدالرحمن الجبرتي في تاريخه وهو يحدثنا مبهورًا مما رآه في المعهد العلمي الفرنسي من تجارب على يد العلماء الفرنسيين المصاحبين للحملة، وهذا الموقف الذي عبر عنه الجبرتي ترك أثره في المجتمع المصري الذي شعر بضرورة الخروج من أقبية العصور الوسطى، كما إطلع بعض علماء مصر مثل الشيخ حسن العطار (1776-1835)، الذي يعتبر أول مشايخ الأزهر إنبهارًا بالحضارة الغربية، وكان قريبًا من علماء الحملة الفرنسية المكلفين بدراسة مصر ومناخها وتاريخها وطبغرافيتها، وإطلع على بعض المفاهيم الجديدة كالحرية والمساواة والديمقراطية والأمه ونحو ذلك من الشعارات التي جاءت بها الثورة الفرنسية، وأطلق العطار في مطلع القرن التاسع عشر صيحة الفزع قائلًا “إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ماليس فيها”، وتوثقت العلاقة بينه وبين محمد علي بعد رحيل الحملة الفرنسية، وأصبح محط ثقته وأحد الركائز التي يعتمد عليها محمد علي في مشروعه الحضاري الجديد القائم على الحضارة الغربية، وكان حسن العطار يبث في تلاميذه ومنهم رفاعه الطهطاوي ضرورة التغيير في أوضاع الأمة ونقل الحضارة الغربية، ثم جاءت الفرصة عندما رشح رفاعه الطهطاوي (1801-1873) بناءً على طلب محمد على، ليكون إمامًا للبعثة ونبهه لضرورة تغيير مجتمعنا وضرورة أن يعي ويعرف الجديد والحديث في المجتمع الفرنسي، كما طلب منه طلبًا خاصًا وهو “تدوين كل ما يراه أثناء الرحلة التي استمرت سنوات”، وقد وعى الشيخ رفاعه نصيحة شيخه وأستاذه العطار فأقبل بشغف ونهم على العلوم والمعارف رغم أن مهنته كانت محددة كمرشد ديني للطلاب الذين ذهبوا للدراسة لدراسة العلوم العلمية، التي رأى محمد علي حاجته إليها في بناء مجتمع حديث، فكانت الوفود لجامعات أوروبا لدراسة هذه العلوم العلمية، التي لم يكن هناك مفر منها لأن المجتمع كان بحاجة ضرورية للتواصل الحضاري لتكون نواة معرفية يبني عليها تقدمه، كما كانت الحملة الفرنسية الملهمة لما قام بها محمد علي فيما بعد، فقد ادرك محمد على هذا الامر جيدًا واستغله ايضا فى تأسيس دولته الحديثة عندما امسك بزمام الحكم فى 1805، فبالرغم من استبداده السياسي وأخطائه إلا أنه استطاع تحقيق نهضة حضارية غير مسبوقة وتقترب من الإعجاز في حجمها ومغزاها، رافقها نهضة ثقافية وفكرية بريادة جمال الدين الأفغاني، أوجدت المفاهيم والرؤى العصرية، ومنها المفهوم الحديث “للحرية” والذي أخذ في التطور بمراحل متعددة، وسوف نلقي الضوء عليه تباعًا إبتداءً من مقالتنا القادمة.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.