ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25-30)، ثم تطرقنا إلى ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والرومانية، والمفهوم المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى

المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، وكل من الليبرالية الكلاسيكية، والاجتماعية، والجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيين، والحملة الفرنسية، ولحظة الوعي المصرية الأولى، ومرحلة التأصيل الفكري للحرية، ومرحلة الزخم الفكري، ومقالتي هذه عن “التيار الاشتراكي العلمي”.

كما أسلفنا، أدت نشأة ونمو البرجوازية المصرية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى ولادة التيار الليبرالي بمدارسه المتعددة والمتنوعة، وكذا أدت نفس الظروف إلى بزوغ طبقة عاملة حديثة من خلال التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المصري، والقضاء المتنامي على علاقات السخرة في الريف والمدن، وهيمنة سوق العمل الرأسمالي المتزايدة، حيث شكل الفلاحون المعدمون في الريف الرافد الأول للطبقة العاملة المصرية، إضافة إلى عمال الطوائف وخاصة بعد إنهيار نظام الطوائف المهنية، وكذا تدفق آلاف العمال الأجانب على مصر في أوائل القرن العشرين بسبب الظروف القاسية في أوروبا الجنوبية آنذاك، وكان لهؤلاء العمال الأجانب دورًا بالغ التأثير في تطور ونمو الحركة العمالية لما حملوه معهم من مفاهيم عن الحريات الخاصة والعامة والنقابية، وخبرات نقابية وسياسية وثقافية من بلدانهم، جعلت منهم قيادة طليعية للحركة العمالية المصرية في بداية تشكلها، وتركز نشاطهم في رفع الأجور، وتخفيض ساعات العمل، وتحسين شروط العمل القاسية، والمطالبة بالإعتراف بنقاباتهم وحقها في التفاوض بإسمهم، ونظموا العديد من الإضرابات من أجل ذلك، وكان أشهرها الإضرابات التي قام بها عمال الترام والسكك الحديدية وإضراب عمال شركة قناة السويس في مايو ويونيو عام 1919م، والتي مهدت لتفجير ثورة 1919م، وواكب تلك التطورات ولادة ثقافة جديدة تعبر عن تلك الطبقات، وفي مقدمتهم الفكر الاشتراكي العلمي، الذي تمثل في أفكار وآراء كوكبة من المفكرين والفلاسفة الذين ربطوا بين قضية التحرر الوطني وبين الحريات بمفهومها الواسع وقضية العدالة الاجتماعية.

يعتبر المفكر والمصلح الاجتماعي شبلي شميل (1850-1917) رائد فكر الاشتراكية العلمية في مصر والوطن العربي، كما أنه واحد من ملامح الفكر التنويري

ورجالات النهضة الثقافية والفكرية والعلمية المصرية والعربية الذين ساهموا في المعركة النضالية من أجل إرساء مجتمع الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ومن الداعين إلى احترام العقل، التحق شميل بالكلية الأمريكية في بيروت لدراسة الطب 1866، ثم سافر إلى فرنسا لإتمام دراسته، وكان الغرب آنذاك قد تجاوز صراعاته الفكرية، وتقلصت سلطة الكنيسة بحيث لم تعد تتجاوز أسوارها، وبدأ يوجه طاقاته العلمية ويستثمر نهضته في بسط نفوذه الاستعماري على الشرق الذي لم يكن قد تجاوز أعتاب العصور الوسطى بعد، وقد شغلته قضايا ساذجة، فانتشرت فيه الخرافة وتمفصل الجهل في بنيانه العتيد، وهناك تعرف شميل إلى الاتجاهات الفلسفية والعلمية الذائعة، فاستهوته فلسفة فولتير ومونتيسكيو وهول باخ وآراؤهم حول الدين الطبيعي والمعبود الأول، ووجود الإنسان، وأثر الخزافة في ثقافات الشعوب، ثم تعرف إلى أنصار الاتجاه المادي أتباع أوغست كونت، فاستهوته مناقشاتهم حول نشأة الأديان وتطورها وفلسفة دارويت هربرت سبنسر ونظرية التطور وأصل الأنواع والتوالد الذاتي التي نادت بها بوخذر وباستيان، ولم تعجبه الفلسفة المثالية لأنها في رأيه مفعمة بالتصورات المجردة والأفكار التي تجمع بين الخيال والواقع، كما انتقد سعيها للتركيز على تحقيق السعادة للإنسان في العالم الآخر، ومن ثم قرر البحث عما يحقق السعادة للإنسان على الأرض، فوجد أنه العلم الذي ينصب على دراسة الواقع فحسب، كما سعى إلى نقل المعارف السائدة في عصره من طور التنظير إلى طور الواقع والتطبيق، ثم عاد إلى مسقط رأسه في بيروت عام 1873، ولكنه قرر الهجرة إلى مصر التي كانت تعج بقادة الفكر وزعماء الإصلاح المستنيرين أمثال رفاعة الطهطاوي ويعقوب صنوع ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم، ثم أصدر شميل مجلة “الشفاء” لينشر الثقافة الطبية، وفي العام 1869 كتب خطابًا مطولًا إلى السلطان عبد الحميد بعنوان “شكوى وآمال” ذكر فيه أن الأمم الناهضة لا تقوم إلا على دعائم ثلاث، وهي الحرية والعدالة والعلم، وأن شمس المدنيات تأفل بغياب إحدى هذه العمد، وفي العام 1898 تحدث عن آفات الثقافة الشرقية فذهب إلى أن تخلف شعوب بعض البلدان يرجع إلى عشوائية الأنظمة وإنحطاط المعارف العقلية وغياب الروح العلمية، وحارب الجهل والتخلف والظلامية والخرافة والتعصب بأشكاله كافة، ووقف ضد الظلم والقهر

والاستبداد وانحاز إلى الحداثة والمعاصرة والعلمانية، ودعا إلى تحرير العقول من ضيق الأفق العقلي واحترام حرية المعتقد والفكر والتعبير، وآمن بمقولة “الدين لله والوطن للجميع”، ورأى في المدنية الغربية بمفاهيمها ومنجزاتها العلمية، المثال الذي يجب أن يحتذى إذا ما أرادت المجتمعات العربية النهوض وتحقيق التقدم العصري والحضاري والتخلص من حالة التخلف والتآكل والانكماش والتقهقر التي تنتابها، وطالب بتحقيق مصالحة بين التيارات الفكرية والمذهبية والايديولوجية المختلفة، وفق مباديء العقل والفلسفة والعلم “إن الجيد والرديء لا يوجدان مجردين في الوجود الكلي، بل هما كذلك نسبيان بالنظر إلى ظروف الزمان والمكان، فلا يتأتى لنا والحالة هذه، أن ننفي عن شيء صفة الموافقة والملاءمة نفيًا مطلقًا، إذ إنها لم تتجرد عنه إلا بالنظر إلى حالة من الحالات أو موجود من الموجودات مع موافقته حالات أخرى وموجودات أخرى”، لقد أراد شميل تطبيق القوانين الطبيعية على المجتمع، وعلى قواعد تطوره، محاولًا استخلاص قوانين من الطبيعة تطبق بشكل آلي على حركة المجتمعات الإنسانية، فيأخذ الإرتقاء في نظرية شميل شكله التدريجي فتنتقل من حال إلى حال ومن شكل إلى شكل وتسير بخط تقدمي نحو الأفضل، ففي كل مرحلة من مراحل التدرج أو الارتقاء، تكتسب الأشياء صفات جديدة مغايرة للتي سبقتها لكنها أفضل منها وأرقى، وهذا التدرج والارتقاء يكون متصاحبًا مع تطور العلوم الطبيعية التي من شأنها أن تدفع بعجلة الارتقاء في خط سريع، وهذا ما يميز المجتمعات الأوروبية عن المجتمعات الشرقية التي تسير ببطء المتخفي الخائف من التغيير، ولا يخفي شميل حتمية الارتقاء في قوله ” إن التحول آت لا ريب فيه وأن الارتقاء ضرورة حتميّة.” لذا فالنهضة لا تحصل عبر الثورة بل بالتدرج، في خط تقدمي إما أن تبطيء خطاه أو تسرع. ويرى أن ما يحول دون تقدمها بعض الصفات التي تستفحل في النفوس، كالأنانية والجهل، وقلة الشهامة والجرأة، وغياب الإرادة وحب التعاون، والتعصب الديني والاجتماعي، وكذا الاستبداد في الحكم والسلطة الدينية والشرائع الزائفة التي تنبع من العلوم الإنسانية الزائفة، وإهمال العلوم الطبيعية، وبالتالي الفوضى، وهنا يميز شميل بين نمطين للإصلاح، النمط السلمي والنمط الثوروي، أما السلمي هو النمط الطبيعي الذي تسير عليه الطبيعة في تحسين كائناتها وهو أسلوب من أساليب التوعية

والنضال لتغليب مبادئ الفكر العلمي على ما زرعته الشرائع الفاسدة في أذهان الناس، وهذا النمط يفضي إلى تغيير تدريجي في المجتمع البشري وهو يتطلب إرادة قوية، وقد لا يكون ممكننا غالبًا بسبب ترسخ المبادئ والشرائع الفاسدة، ويظهر شميل تفضيله لهذا النمط من الثورة، أما النمط الثاني فهو النمط الثوري وهو يمثل عند شميل خروجًا عن القاعدة الأساسية في الإصلاح، وهذا النمط في الإصلاح قد يؤدي إلى أخطار جسيمة في الظروف الطبيعية تهدد المجتمع البشري في وجوده، ولكنه ليس مضرًا دائمًا بل يصبح في بعض الظروف حاجة ماسة، حيث تكون تعبير صريح عن إرادة الشعب، يقفز فيها التقدم قفزات سريعة واسعة، فالارتقاء هو النمط الطبيعي في الإصلاح وأي نمط آخر يعد غير طبيعي وخروج عن القاعدة الأساسية للإصلاح وهي النضال السلمي، الذي يستهدف العقول والمعتقدات البالية ليحل مكانها العلوم الطبيعية والشرائع الطبيعية، ولعل شميل يقترب كثيرًا من قوانين المادية الجدلية التي ترى أن القوانين الطبيعية هى التي تتحكم في حركة المجتمع من اللحظة الأولى لنشأة المجتمعات الإنسانية وفي مختلف مراحل تطورها.

تحتل الاشتراكية مساحة كبيرة في فكر شميل، وهي في رأيه ترتكز على قاعدتين اجتماعيتين غاية في الأهمية، هما التكافؤ والتكافل، ومضى يبشر بالاشتراكية بحماسة، باعتبارها النظرية التي تعمل على تطبيق قوانين الطبيعة في المجتمع، وهي بكل ما تحققه من عدل ومساواة بين الأفراد من خلال الاشتراك في العمل والمنفعة، تقوم بتأمين حاجات المجتمع واحتياجاته الأساسية، مما يحقق الاستقرار ويقضى على الظلم وسيطرة رأس المال بكل ما يمثله من عبودية واستغلال، وللاشتراكية عند شميل نواميس طبيعية كالاجتماع، وهي نتيجة لازمة لمقدمات ثابتة لابد من الوصول إليها، فاستبداد رأس المال وما ينطوي عليه من استغلال فج للطبقة العاملة سيعجل في رأيه بتلك الثورة المنتظرة، ثورة العمال ضد أصحاب المال وفساد النظم الحاكمة، وعليه فإن الاشتراكية عنده مرحلة من مراحل تطور المجتمعات، يسير المجتمع بالضرورة نحوها، وواضح أن شميل تأثر ببخنر، الذي كان بمثابة النافذة الأساسية التي أطل منها على فكر وفلسفة المدرسة الألمانية، ويبدو أثره واضحًا في كتابات شميل التي حاول فيها أن يؤسس فكرته عن الاشتراكية ارتكازًا على قانون النشوء والارتقاء، وكان كتاب بخنر “الدارونية

والاشتراكية” هو المنبع الأول لفكرة الشميل عن الاشتراكية، إلى جانب كتابات ابن خلدون وأبي العلاء المعري الذي اقتبس كثيرًا من أشعاره في كتاباته ومقالاته، بالإضافة إلى مصادر عديدة من الفكر الفرنسي الذي تأثر به شميل خلال فترة إقامته في باريس.

قدم شميل رأيًا أكثر تحديدًا واتساقًا مع الواقع العربي آنذاك، مخالفًا بذلك المدرسة الاشتراكية الألمانية الإصلاحية رغم تأثره بها، فهو وإن أدرك حتمية الثورة، إلا أنه كان يخضع لمؤثرات خاصة غير تلك التي خضع لها مفكرو أوروبا، الذين عايشوا مجتمعًا صناعيًا متقدمًا أوشكت الثورة أن تنفجر في أرجائه، بينما شميل في مجتمع لا تزال طبقته العاملة في أول مراحل التكوين، ويعاصر ما يعانيه المجتمع من جهل وتخلف واحتلال ورجعية، فقد أدرك شميل أن الطريق إلى الاشتراكية مازال بعيدًا، وأن الشروط الموضوعية لقيام الثورة الاشتراكية أمامها وقت طويل كي تتحقق، ولا يمكن القفز إلى البرهان دون معطيات حقيقية تفضي إليه، فالثورة في نظره لا يمكن أن تسبق شروطها، وعلى الرغم من سطوة الظلم والاستبداد، فإن عوامل نجاح الثورة الاشتراكية لم تتحقق بعد، ويؤكد شبلي شميل مرارًا على حتمية الثورة المنتظرة، وهي ثورة أممية عالمية، تتجاوز في نظره محدودية الثورات المحلية، “هي ثورة تنصر الشعوب فيها بعضها بعضًا، والأمم بعضها بعضًا، ينصرون بعضهم على حكوماتهم لقلبها وإبدالها بما يكون أوفق لروح العصر”، ويرى أنه لا ينبغي حصر الاشتراكية في حزب، فالأحزاب في نظام الاجتماع من الكماليات، وهى تنشأ من نفسها متى اكتمل الاجتماع، وفي دعوته إلى الثورة لم يدر شميل ظهره لحرية الفكر والاعتقاد، فهي عنده حرية لابد أن تكون مطلقة، لقد ظهرت أفكار شميل في وقت كانت فيه الأفكار الاشتراكية حكرًا على الغرب الأوروبي، ولم تتسلل خارج نطاقه حتى قبيل الحرب العالمية الأولى، ولعل الحجر الذي ألقاه في المياه الراكدة قد أثر فيها أكثر مما توقع، فقد تعرضت المنطقة لموجات مد ثوري مازال يتردد صداها إلى الآن، ولعله نبه قبل وقت طويل إلى ضرورة التموقع داخل حركة التاريخ، وعدم الانفصال عن الواقع لحظة تطبيق الحل الاشتراكي، وهو ما لم يفطن إليه من قاموا بالتطبيق.

يعتبر إسماعيل مظهر (1891-1962) من أهم رواد المدرسة العلمية، وعلم كبير من أعلام الفكر فى تاريخ مصر الحديث، وكان بفكره الحر مدرسة فى الديمقراطية وفى الدفاع عن حرية الفكر التى هى حق طبيعى للأفراد والجماعات، وقد عبرت عن مدرسة اسماعيل مظهر هذه مواقفه فى المجلات التى شارك فى تحريرها وفى المجلات التى أصدرها وفى الكتب التى امتلأت بها مكتبات مصر والعالم العربي، وكان من أوائل ما قام به تأكيدًا لنزعته العقلانية، ترجمته لكتاب “أصل الأنواع” لداروين بجزئيه عام 1918، الذي كان بمثابة فتح معرفي جديد، وحدث خطير في الثقافة العربية، بمثل ما كان فتحا جديدا للذهن البشري، يطرح مفاهيم جديدة في مجالات دراسة علوم الإنسان والحيوان والطبيعة تقوم علي التعليل المبني علي العلم، ويرجح فيها أن الكائنات المختلفة يمكن أن تكون من أصل واحد، وفق نظرية “النشوء والارتقاء” التي تؤمن بالنمو الذاتي للكائنات، وبأنه لا وجود لشيء من العدم، وبأن الطبيعة تقوم علي الحركة لا علي السكون وهذه الحركة شاهد التطور الذي فتح الآفاق أمام العلم والمعرفة، ودحضت الخرافة التي تنسب الظواهر إلي قوي غيبية تفتقد البرهان، وكذا ما تضمنه كتابه “ملتقى السبيل في النشوء والارتقاء” الذي صدر في عام 1923، من أن عقل الإنسان ونفسه ثمرة حياته الاجتماعية، وأن العادات والأخلاق منهج في السلوك، يتوقف علي هذا العقل لا علي الغيبيات، حتي تصبح من الصفات المتوارثة، وفى عام 1919 أشرف اسماعيل مظهر على إصدار جريدة “المنبر” لمدة ستة أشهر، انتقل بعدها إلى الكتابة فى مجلة “المقتطف” التى كان يصدرها صديقه يعقوب صروف، وفى عام 1945 كُلف برئاسة تحرير تلك المجلة، وأصدر إسماعيل مظهر مجلة “العصور”، وكان عددها الأول فى سبتمبر عام ١٩٢٧، وكان شعارها “حرر فكرك من كل التقاليد والأساطير الموروثة، حتى لا تجد صعوبة فى رفض رأى من الآراء أو مذهب من المذاهب اطمأنت إليه نفسك وسكن إليه عقلك إذا انكشف لك من الحقائق ما يناقضه”.

شارك إسماعيل مظهر في العمل السياسي الديمقراطي منذ وقت مبكر، وكان من أهم ما بدأ به حياته السياسية هو تأسيسه فى عام 1929 “حزب الفلاح” الذى ضم فى صفوفه الفلاحين والعمال، وحدد أغراض الحزب حسب ما ورد في كتاب علاء الدين وحيد

“اسماعيل مظهر- رجل الفكر وعاشق الحرية”، في الاستقلال التام لمصر والسودان، وأن تكون قناة السويس مصرية، والقضاء على الاستعمار البريطاني وكافة النزعات الاستعمارية فى جميع بلدان العالم، وتحرير الطبقات العاملة فى مصر من عمال وفلاحين مع تقليل الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وجعل هذه الفوارق قائمة على أساس الاجتهاد والمنفعة للمجتمع، وبث الأفكار الديمقراطية وروح المساواة العامة فى الشعب، وارتكز هذا الحزب على عدة مباديء، وكان أهمها التكاتف مع الأمم المستعبدة ولا سيما الأمم الشرقية والعربية على محاربة الاستعمار، وعدم التعاون مع المحتلين إطلاقًا ومقاطعة التجارة البريطانية ونشر الدعوة فى مصر والخارج لإظهار حقيقة نيات السياسة الانجليزية وأعمالها السيئة فى مصر وغيرها، وإلغاء الامتيازات الأجنبية بدون قيد ولا شرط، وسن القوانين لتحديد مهاجرة الأجانب إلى مصر، وسن قوانين جمركية لحماية المنتجات الوطنية الأساسية من زراعية وصناعية وحث الشعب والحكومة على تفضيل المنتجات الوطنية، وفرض ضرائب جمركية خاصة على الكماليات ومواد الزخرف والرفاهية، والقضاء على حركة التبذير السارية فى أكثر مرافق الحكومة، ونشر الثقافة ومحاربة الأمية وفتح مدارس ليلية للطبقات العاملة، وقيام الحكومة بإصلاح أراضيها البور وتوزيعها على صغار المزارعين، وحل الأوقاف الأهلية، وفرض ضرائب متدرجة (تصاعدية) على الدخل والميراث، وحماية العمال والفلاحين بقوانين تحدد أجور وساعات العمل وتحتم على أصحاب المزارع والمصانع بناء منازل صحية ومريحة للفلاحين والعمال، وحماية الأولاد بمنع تشغيل الذين دون الرابعة عشرة، وتحسين الحالة الصحية ومجانية المعالجة للطبقات العاملة الأجيرة، وجعل التعليم مجانيًا بجميع درجاته، وحق العامل والفلاح فى التعويض عن الاستغناء عنه وحقه فى الإعانة عند البطالة مع التأمين ضد الإصابة والشيخوخة، وسن قانون التحكيم بين أصحاب الأطيان والمؤجرين إبان اشتداد الأزمات الاقتصادية أو حدوث ظروف قاهرة، وتنظيم نقابات واتحادات طائفية ومركزية للعمال والفلاحين فى جيمع الصناعات والدوائر الإقليمية مع سن تشريع يعترف بشخصية هذه النقابات واتحادها العام الذى تنتخبه هذه النقابات، وزيادة اختصاص البلديات ومجالس المديريات مع تعديل قانون انتخابها وإلغاء شروط النصاب العقاري،

وتقوية الحركة التعاونية، وقصر مدة الخدمة العسكرية على ستة أشهر مع تشجيع الحركات الرياضية والكشافة، والمساواة بين المرأة والرجل فى الحقوق السياسية والاجتماعية، وإلغاء الرتب والنياشين، ومنع تعدد الزوجات، وتحديد الملكية الزراعية، وتحريم ملكية الأراضى الزراعية على الأجانب، والقيام بنشر الدعوة لإظهار بشاعة الحروب الاستعمارية وغرس روح الإخاء الشعوبى بين الأمم، وعدم السماح بإنشاء شركات أجنبية إلا فى ظروف ضيقة (وفى هذه الحالة يحتفظ للمصريين بنصف أسهمها).

هذا إلى جانب اهتمامه الاستثنائى بالمرأة وبدورها فى التاريخ القديم والحديث لا سيما فى بلداننا، يقول فى مطالع كتابه المهم “المرأة فى عصر الديمقراطية” المرأة عامل من أعظم العوامل المؤثرة فى بناء المدنية الحديثة. ولم تكن المرأة فى العصور القديمة أقل أثرًا منها فى العصور المتأخرة. فالقبائل البدائية، بخاصة تلك التى اتخذت عادات البدو فى الارتحال من مكان إلى مكان، والجماعات التى عاشت بالصيد، والعشائر التى اتخذت من سلاحها وعضلاتها وسيلة للعيش والحياة والضرب فى مناكب الأرض، كل هؤلاء يدينون للمرأة الكثير من أمور دنياهم. شاركت المرأة الرجل منذ أقدم العصور فى العمل. وأخذت بضلع فى كل ما يتعلق بالحياة القبلية وحياة الأسرة. وكانت من العوامل الأولية فى انتشار جماعات الإنسان فى بقاع من الأرض. ولولا فضلها فى العمل، وتدبيرها شؤون الأسرة، لتعذر على الرجل وحده أن يدب فيها أو يكشف عنها… لم يصلنا من تاريخ المرأة الاجتماعى فى العصر المصرى القديم شيئًا يتيح لنا البحث فى شؤونها بحيث نحدد مكانتها فى ذلك المجتمع تحديدًا يرضى التاريخ الصحيح. لكن يكفى أن نعرف أنها بلغت من المكانة فى ذلك المجتمع ما لم نر له مثيلًا فى الحضارتين اليونانية والرومانية. فقد بلغت فى مصر القديمة مرتبة الملك، وكفى بذلك دليلًا على أنها بلغت فى مصر، وفى فجر التاريخ البشري، منزلة السلطة العليا فى دولة استبدادية لا أثر للديمقراطية فيها… إن الكلام فى حقوق المرأة حديث جديد فى المدنية. فبعد أن سقطت المرأة عن عرشها المتواضع الذى تربعت من فوقه فى العصر الروماني، غشت عليها غشاوة القرون الوسطى، فقبعت راضية حتى أدركتها العصور الحديثة، فهبت من غفوتها تطالب بحقوقها السياسية، تلك الحقوق التى ساوت فيها الرجل مساواة تامة. أما بداية جهادها فى سبيل ذلك فيرجع إلى ما

قبيل الثورة الفرنسية فى أواخر القرن الثامن عشر، إذ بدأت تحتل مشكلتها العالمية مكانًا فى آداب الأمم الغربية”.

ولأن الحضارة قبل أن تتجسد في الماديات تنشأ أولا في اللغة، مثلما توضع النظريات بناء علي ما تحققه التجارب، فإن الأدب عند إسماعيل مظهر وهو في تراثنا العربي مرآة العقل، مقترن بالحضارة أي بالثقافة والمدنية يزدهر بازدهارها ويموت بموتها، ذلك أن مصدرهما واحد وهو الحياة الخاصة بالفرد والمجتمع، فإذا كانت الحياة تشكل البيئة، فإن البيئة بدورها تشكل الإنتاج الأدبي والعلمي في ظل الحركة والحرية، وعلي الأديب والعالم أن يكون قادرًا علي كشف العالم، وواعيًا بكل تغير وتحول في البيئة، حتي يتمكن من الإنتاج وفق هذا التغير والتحول، ودرج إسماعيل مظهر على وصف الأدب القديم الذي وضع في عصور الملوك والإقطاع بأنه أدب ملوك وأدب إقطاع، ورغم ما أثاره هذا الرأي من رفض المدافعين عن التراث وعن مذهب الفن للفن، فلم يعدل عنه إسماعيل مظهر في كل المعارك التي احتدمت حوله، ثقة منه بصحة رؤيته المبنية علي إطلاع واسع في تاريخ الثقافات الإنسانية في الشرق والغرب، ويعد إسماعيل مظهر الأدب السطحي والحجر علي حرية الرأي والتعبير، من أشكال التراجع الحضاري الذي ينذر بأفول الإبداع، كذلك يتعين علي رجال الإصلاح التدخل لتقويم الأدب والفكر، إذا غلبت عليه النزعة التجارية أو السطحية، وعجز عن إدراك الحقائق، أو انحرف نحو الطائفية وافتقد الأسلوب العلمي الذي يقوم على الضبط والتحديد.

فى عام 1930 شارك فى تأسيس “المجمع المصرى العلمى للثقافة العالمية”، وكان له الدور الأول فى جمع كتابات لطفى السيد فى كتاب، وكُلف فى عام 1959 برئاسة تحرير “الموسوعة العربية المسيرة”، وفى عام 1961 اختير عضوًا فى مجمع اللغة العربية، وتوفى فى القاهرة فى عام 1962 تاركًا للمكتبة العربية عددًا هائلًا من الكتب أهمها كتاب “الحضارة اليونانية” و”معضلات المدينة الحديثة” و”الدين والعلم” و”حياة الروح فى ضوء العلم” و”نزعة الفكر الأوروبى فى القرن التاسع عشر” و”نهضة فرنسا فى القرن التاسع عشر” و”غاندي” و”تاريخ الفكر العربى فى نشوئه وارتقائه”

و”المرأة فى عصر الديمقراطية” و”قاموس النهضة” وكتاب سيرته “تاريخ الشباب”، وكتاب “ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء وأثره في الانقلاب الفكري الحديث” عام 1923، وكتاب “في الأدب والحياة”، وكتاب “فلسفة اللذة والألم” عام 1936، وكتاب “في النقد الأدبي”، وكتاب “عصر الاشتراكية” عام 1947، وكتاب “القانون والحرية”، وكتاب “فك الأغلال: رأى في التربية والتعليم”، وكتاب “رسالة الفكر الحر: تباريح الشباب”، إضافة إلى ترجمته لكتاب داروين “أصل الأنواع”، وترجمة كتاب “نشوء الكون”، و«حياة الروح في ضوء العلم» لإدموند و. سينوت (1960)، وترجمته لكتاب مؤرخ العلم الكبير الأستاذ جورج سارتون بعنوان “تاريخ العلم والإنسية الجديدة” (1961)، كما ترجم أيضًا كتاب “بين الدين والعلم: تاريخ الصراع بينهما في القرون الوسطى إزاء علوم الفلك والجغرافيا والنشوء” لأندرونكسون وايت، وكتاب “سير ملهمة” تأليف وليام دي ويت، الذي تعرض فيه لطائفة كبيرة من العلماء العرب.

كما كان لمحمد فريد دورًا طليعيًا بارزًا في نشر أفكار الحرية والعدالة الاجتماعية، وأسس نقابة الصنايع اليدوية عام 1909م، وشارك في نشر المدارس العمالية الليلية، ووصل بفكره إلى تخوم الفكر الإشتراكي، وكانت المحاولة الثانية لتكوين حزب اشتراكي عام 1911 (الحزب الإشتراكي المباركي)، ولكن لم يكتب لها النجاح أيضًا لعدم توفر الظروف الموضوعية والذاتية وقتها، كما كانت مساهمات الكاتب والمفكر سلامة موسى نقلة نوعية في تطور الفكر الاشتراكي العلمي في مصر، حيث درس في إنجلترا وتعرف هناك على الإشتراكيين الفابيين الإصلاحيين، وقام بكتابة أول رسالة عن الفكرر الإشتراكي العلمي في مصر بعنوان “الإشتراكية”، ودافع سلامة موسى عن الإشتراكية والملكية العامة وعن الحريات والديمقراطية، مستخدماً آراء برودون وماركس وكروبتكين، ودعا فيها المصريين إلى تشجيع تحويل الممتلكات الفردية إلى الملكية العامة، وتشجيع العمال على الإعتصام السلمي لكي تزيد أجورهم ويقل شغلهم، ودافع عن الإشتراكيين من السخافات التي تنسب إليهم، وذكر أن جهاد الإشتراكيين في الإنتخابات البرلمانية دليل على إنهم يدخلون البيوت من أبوابها، ويريدون الوصول إلى أغراضهم بالوسائل الديمقراطية السلمية، وفي عام 1915م أصدر المثقف مصطفى حسين المنصوري كتابًا بعنوان “تاريخ

المذاهب الإشتراكية” وعكس كتابه معرفة عميقة لمكونات الفكر الغربي وخاصة الفكر الإشتراكي، وأوضح أن الإشتراكية أكثر الأنظمة الإجتماعية إتساقاً مع الحريات بمفهومها الواسع، ومع القيم الإنسانية ورسالة الأديان حيث ذكر “أن هذا التفاوت الكائن بين الأفراد الآن ما هو إلا نتيجة ما أرتكبت في الماضي من الظلامات والتصرفات الباطلة، وأن الله العادل لأبعد عن أن يشوه وجه العالم بهذا القدر”، وتناول هؤلاء المثقفون آراء ماركس وتوماس مور ومالتوس ولكن لم يكن قد تم إختبار تلك الأفكار على أرض الواقع المصري بعد، وظل في نطاق الثقافة، وفي عام 1920م تأسست جماعة “الدراسات الإجتماعية” على يد عناصر يسارية في الإسكندرية، وأصدروا مجلة شهرية ضمت شخصيات مرموقة، وتطور فكر أعضاء الجماعة حتى أصبحت اشتراكية علنًا، وتطلعت إلى التواصل مع الجمهور من خارج أعضائها، وإمتدت إلى القاهرة التي كانت تشهد بدورها أنشطة مماثلة، بجانب أنشطة عمالية ونقابية مثل “بورصة العمل” في القاهرة التي أنشأت عوضا عن غياب إتحاد عام للعمال في مصر، وقامت هذه البورصة بتكوين العديد من النقابات الحرفية الجديدة، واشتركت في إجراء المفاوضات مع أصحاب الأعمال، وأصدرت نشرات يومية تتعلق بالإضرابات والنزاعات والمطالب والأنشطة النقابية، وطرحت بورصة العمل في تلك المرحلة أفكارًا جديدة عن الحريات والعدالة الاجتماعية والفكر الاشتراكي أثرت على الحياة الثقافية في مصر، تمثلت في كراسات عن “الأممية والإرهاب” و”الإرهاب والشيوعية” و “الأممية الثالثة” و “السوفيت والإمبريالية العالمية”، وأعتبرت تلك الإرهاصات بداية لتكوين أول حزب اشتراكي في مصر.

كما كان انتصار الثورة البلشفية الكبرى عام 1917م وقيام ثورة 1919 بعدها بسنتين حدثين هامين في إنضاج الظروف لقيام “الحزب الاشتراكي المصري” عام 1921م، على أيدي خليط من المثقفين المؤمنين بالفكر الاشتراكي وفي مقدمتهم سلامة موسى الذي اعتنق الاشتراكية الفابية، وصفوان أبو الفتح (الأزهري)، وروزنتال (الجواهرجي ) السكندري، وبعض الشوام مثل فؤاد الشمالي الذي تم إبعاده وأسس بعد ذلك (الحزب الشيوعي السوري)، ومارون أنطون الذي مات في السجن بعد قيامه بإضراب طويل عن الطعام في الإسكندرية، ونص برنامج الحزب الاشتراكي المصري على “تحرير

مصر من الاستعمار الأجنبي وإقصاء ذلك الاستعمار عن وادي النيل بأسره… والعمل على إلغاء استغلال جماعة لأخرى ومحو الفوارق بين طبقات المجتمع في الحقوق الطبيعية وإخماد استبداد المستغلين والمضاربين والسعي إلى إنشاء مجتمع اقتصادي يقوم على دعائم المباديء الاشتراكية… وجعل التعليم حقًا سائغًا لجميع أفراد الأمة نساء ورجال وجعله مجانيًا ملزمًا والعمل على نشر التعاليم الديمقراطية الصحيحة بين جميع طبقات الأمة، والعمل على تحسين حال العمال بتحسين الأجور وتقرير المكافآت والمعاشات حين العجز، والعمل على تحرير المرأة الشرقية وتربيتها تربية سليمة منتجة”، وأكد التزامه على “تحقيق تلك الأهداف بالوسائل السلمية عن طريق البرلمان والمجالس المحلية والبلدية والعمل على تعميم حقوق الانتخاب والنيابة للرجل والمرأة…وجعل قناة السويس ملكًا للأمة… وتعديل الدستور وقانون الانتخاب حتى تصبح الأمة مصدر السلطة الحقيقية… والاعتراف بالنقابات العمالية وتنظيم العمال غير المنظمين وإقرار قانون الـ 8 ساعات عمل في اليوم وتنظيم فقراء الفلاحين في نقابات وإلغاء نظام ملكية العزب وإلغاء ديون الفلاحين الذين يملكون أقل من عشرة أفدنة من الضرائب… الخ” وهو ما أطلق عليه بعد ذلك “برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية”، وأُعلن رسميًا إنضمام الحزب الاشتراكي المصري إلى الأممية الاشتراكية الثالثة في يناير 1923م، واتصف الحزب الاشتراكي المصري بالارتباط المباشر بالطبقة العاملة المصرية، ونجح في إقامة العديد من النقابات العمالية وساهم بدور رئيسي في إنشاء الإتحاد العام لنقابات العمال الذي تشكل عام 1921م من ثلاثة آلاف عامل في 21 نقابة وإنضم إليه العديد من النقابات العمالية، وتبني مطالب العمال في الحق في مكافئة نهاية الخدمة، وتوفير الخدمات الطبية، والتعويض عن إصابات العمل، وتصاعدت حدة الإضرابات والاعتصامات وأُعتبر مقر إتحاد العمال مقرًا رسميًا للحزب لشدة التداخل بين أعضاء الحزب وأعضاء الإتحاد حتى وصلت عضوية أعضاء الحزب بالإتحاد حوالي عشرين الفًا، وإمتد نشاط الحزب إلى المنصورة وبورسعيد وكفر الزيات ودمنهور وغيرها من الأقاليم المصرية، وتمتع الحزب الإشتراكي المصري بالعلنية، وهي العلنية التي حرمت منها الحركة الإشتراكية العلمية في مصر حتى قيام ثورة 25 يناير 2011م، فكانت أخبار الحزب ولائحته وبرنامجه تُنشر في الجرائد المصرية

اليومية، ويعقد إجتماعاته بشكل علني، وتتسابق الجرائد اليومية في نشر أخباره، وتميز أيضًا بوحدة الحركة الاشتراكية، ولكن أُخذ عليه رفعه لشعارات تتجاوز الواقع المصري الإجتماعي والسياسي آنذاك، والانحراف اليساري، مما تسببت في صدامه المبكر مع حزب الوفد الممثل للوطنية المصرية بزعامة سعد زغلول صاحب الشعبية الطاغية، والتي أدت في النهاية إلى حل الحزب في مارس 1924م، وحذر نشاطة واعتقال جميع قياداته وكوادره وتفكيك كل خلاياه، وتم في نفس الوقت حل إتحاد نقابات العمال.

وفي عام 1943م تأسست كلًا من “الحركة الوطنية للتحرر الوطني “حمتو”)، ومنظمة (أسكرا أو الشرارة)، وحققت هاتان المنظمتان الاشتراكيتان (إلى جانب بعض الحلقات الاشتراكية الصغيرة) في الأربعينات إنجازات تاريخية في اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، وفي الحركة النقابية، وفي تأسيس إتحادات النقابات، وفي إخصاب الحركة الثقافية بمفاهيم جديدة عن الحريات والعدالة الاجتماعية، والصراع الطبقي، والكفاح النقابي والحزبي، وعلاقة القيم الاجتماعية بعلاقات الإنتاج والكثير غيره، وتعرض أعضائها للملاحقة البوليسية والمحاكمة والسجن والاعتقال، واضطرت جميع تلك التنظيمات إلى العمل السري ورغم ذلك استطاعت تحقيق تلك الإنجازات، وتداخل العمل عند الاشتراكيين بين الدور الاشتراكي والدفاع عن الحريات وبين مناهضة الاستعمار والسعي إلى القضاء عليه، وأنشأ الاشتراكيون مؤتمر لنقابات العمال عوضا عن غياب إتحاد عام لنقابات العمال في مصر والذي كان ممنوعًا بنص القانون آنذاك، وأكدوا على ضرورة الاحتفال به، ولكن البوليس منع هذا الاجتماع وتجمع المندوبون سرًا في منزل يوسف الجندي المناضل الاشتراكي وأحد أقطاب حزب الوفد، وفي الصباح الباكر أي يوم 1 مايو 1946م أعلنوا تأسيس مؤتمر نقابات العمال، وكان للحركة المصرية للتحرر الوطني (حمتو) دورًا بارزًا في هذا، وتم انتخاب حسن كاظم سكرتيرًا للمؤتمر وهو أحد كوادر منظمة حمتو، وكان المؤتمر معنيًا بالقضايا الوطنية إلى جانب العمالية، وأُعتبر أول مايو عيدًا للعمال، ثم تأسست بعد ذلك حركة حدتو (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) عام 1947م، بعد التوحد بين منظمة (الحركة المصرية للتحرر الوطني”حمتو”)، ومنظمة (أسكرا أو الشرارة)، وأصبحت حركة (حدتو) صاحبة التأثير الفعال في الميدان الثقافي

والعمالي وغطى نشاطها مناطق عمالية عديدة، وكان رد حكومة صدقي باشا عنيفًا على هذا الإجراء وتم اعتقال عدد كبير من الشيوعيين وتم حل نقابات وإتحادات كثيرة، كما تكونت في عام 1949م منظمة (طليعة العمال) وهي منظمة عمالية أدانت تدخل المنظمات الاشتراكية في الحركة العمالية، إلا إنها أسهمت في نشر قيم الحريات والعدالة الاجتماعية.

كما شكل بعض الاشتراكيين مثل محمد مندور وعزيز صدقي الطليعة الوفدية، وهي الجناح اليساري داخل حزب الوفد، وقد لعبت الطليعة الوفدية دورًا هامًا ومؤثرًا في أحداث الحركة الوطنية التي شهدتها البلاد بين عامي 1945 و1946، كما قدمت لحزبها من خلال العديد من المقالات والدراسات مضمونًا اجتماعيًا للاستقلال الوطني، وأساسًا اجتماعيًا للحركة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية للمواطنين، كذلك وقف هذا التيار بالمرصاد لكل من قام، سواء من رجال الحزب أو من مكونات الأقلية، بمحاولة الاعتداء على الحريات العامة أو الدستور، إضافة إلى طرح صورة تقدمية لحزب الوفد، تمثل ذلك في انتهاج بعض السياسات الاجتماعية كتقرير مجانية التعليم وإقرار مشروع الضمان الاجتماعي، هذا إلى جانب الضغوط المستمرة التي مارسها هذا التيار التقدمي على قيادته التقليدية، وفي تعبئة الجماهير لحملها على إلغاء معاهدة 1936، واستجابة لتك الضغوط ألغى الزعيم مصطفى النحاس معاهدة 1936، وفي أعقاب إلغاء تلك المعاهدة تم دعوة العمال المصريين للانسحاب من عملهم في المعسكرات البريطانية، واستجاب بالفعل ثمانون ألف عامل وتم تعيينهم في مؤسسات حكومية، وانطلقة عمليات الكفاح المسلح في منطقة قناة السويس وشارك فيها الاشتراكيون بقوة بريادة حركة حدتو إلى جانب حزب الوفد وحزب مصر الفتاة، ولم يشارك الاخوان وابلغوا الملك بذلك، ولم تتوقف عمليات الكفاح المسلح إلا بعد مؤامرة حريق القاهرة في 26 يناير 1952م.

ساهمت الحركة الوطنية التي تفجرت في الأربعينيات كما أسلفنا، والتي كان الاشتراكيون أحد أهم مكوناتها، بشكل بارز في تمهيد الطريق لقيام ثورة 1952م، وكذا بمشاركتهم المباشرة في تنظيم الضباط الأحرار، وفي مجلس قيادة الثورة بواسطة عضوين من أهم أعضاءه، وهما المناضلان الاشتراكيان خالد محي الدين ويوسف صديق،

وكان لهما دورًا أساسيًا في تأثر عبدالناصر بالأفكار الاشتراكية فيما بعد، حتى أصبح ضمن أهم الزعماء الاشتراكيين الأحرار في العالم، وخلق النموذج المصري الفريد لتطبيق الإشتراكية، ورغم غياب الحريات السياسية، وحرية تكوين النقابات والإتحادات العمالية والفلاحية والمهنية، مما أبعد أصحاب المصلحة في الثورة عن المشاركة الحقيقة في إنجازها وحمايتها، إلا إنها مازالت النموذج الأنسب للحالة المصرية، المتمثل في نموذج التنمية المستقلة الشاملة بالطريق الديمقراطي وإحترام حقوق الإنسان وكرامته، وهي القيم التي ناضل من أجلها كل من خالد محي الدين ويوسف صديق ورفاقهم الاشتراكيين داخل وخارج مجلس قيادة الثورة، فبعد إنتصار ثورة يوليو 1952م، وبروز نزاع بين أعضاء مجلس قيادة الثورة على تصور مستقبلها، كان خالد محي الدين يميل بشدة نحو إقامة نظام ديمقراطي يهيء له الضباط الأحرار ثم يعودون إلى ثكناتهم، ولكن لم تسير الأمور كما كان يريد، وإنتصر المعسكر الآخر بقيادة جمال عبدالناصر، وبعد أن كان خالد محي الدين مرشح لرئاسة الوزراء بجانب محمد نجيب رئيس الدولة روئيس مجلس قيادة الثورة، تم نفيه إلى جنيف، وتوالت بعدها عملية الإعتقالات ومطاردة قادة (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني “حدتو”) الأساسيين وإعتقالهم مع عدة مجموعات من أعضائها، وتم منع صحف حدتو العلنية من الصدور مثل “الملايين” و”الكاتب” و”الميدان”، وعارضت حركة حدتو بشدة قيادة الثورة خلال تلك الفترة، ولكن بعد “مؤتمر باندونج” عام 1955م، الذي دعا فيه جمال عبدالناصر إلى تصفية الاستعمار، وبعد دحره للعدوان الثلاثي عام 1956م، وتوجهه نحو مباديء العدالة الاجتماعية بشكل متنامي وحقيقي، استدعى جمال عبدالناصر رفيقة خالد محي الدين بعد ذلك ليظل بجانبه خارج مواقع صنع القرار في مجال الإعلام والثقافة، مختلفًا معه حول الديمقراطية، ومحتفظًا بصداقته.. أما البطل الاسطوري لطفي واكد، منقذ ثورة 23 يوليو عام 1952م، فقد خاض مناقشات عنيفة داخل مجلس قيادة الثورة من أجل الديمقراطية، وطالب بعودة الحياة النيابية، وحاول أكثر من مرة ترك المجلس والعودة إلى الجيش فلم يسمح له بذلك، وعندما نشبت أزمة مارس 1954م داخل مجلس قيادة الثورة، طالب يوسف صديق في مقالاته ورسائله محمد نجيب بعودة الحياة النيابية مرة أخرى، وتشكيل حكومة ائتلافية من

كافة التيارات السياسية وعلى أثر ذلك اعتقل هو وأسرته وأودع في السجن الحربي في إبريل عام 1954م، ثم أفرج عنه وحددت إقامته بقريتة إلى أن توفى.

وبذلك نجد أن التيار الاشتراكي منذ نشأته، كان في صدارة القوى السياسية والمجتمعية المدافعة عن كافة قضايا الوطن، ورغم وجود بعض التمايز بينه وبين التيار الليبرالي، وخاصة في قضية العدالة الاجتماعية، إلا أنه تلاقى مع كافة فصائل ومدارس التيار الليبرالي في السعي الدؤوب إلى السير في ركب التقدم والتطور، وقضايا الحريات العامة والخاصة، والتحرر الوطني، وحرية الفكر والعقيدة، وحقوق الانسان، وصيانة حقوق المرأة والطفل، ووصل هذا التلاقي إلى حد التوحد والاندماج كما فعلت الطليعة الوفدية التي أثرت الفكر الليبرالي داخل حزب الوفد كما أسلفنا، في حين ظهر على الساحة المصرية تيارًا كالطوفان، يحمل فكر الاستبداد والطغيان، ويعادي قيم ومباديء الحريات، ويحمل آراءً وأفكارًا رجعية ومتخلفة وتناقض مسيرة التقدم والتطور، وينشر ثقافة البغض والكراهية، وزرع بذرة الفتنة الطائفية في أرض التسامح والمحبة، وتطور إلى الإرهاب الفكري ثم المسلح، وتقاطع لذلك مع كافة القوى المجتمعية، السياسية والفكرية والثقافية والوطنية، المصرية والعربية، وهو التيار السلفي الوهابي، والذي تفرع عنه كافة فصائل ومدارس تيار التأسلم السياسي، وهو موضوع مقالتنا القادمة.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.