واصل السادات خطاياه في حق الدولة المصرية، فبعد أن تحالف مع الشياطين الرجعيين والاستعماريين من أجل الوصول إلى السلطةوالتمكن منها، وأغرق مصر بسرطان الوهابية، انقلب على المشروع المصري النهضوي، الذي أُسس على التنمية الشاملة المستقلة، والعدالة الاجتماعية، واستقلال القرار الوطني، والسعي الدؤوب للحاق بحضارة العصر الحديث رغم الصعوبات والتحديات الهائلة،وارتكب العديد من السياسات التابعة، الاقتصادية والسياسية بل والثقافية (الوهابية)، أدت في مجملها إلى سحق الطبقة الوسطى المصرية (العمود الفقري للمجتمع)، ووقوع المجتمع فريسة للأصولية الدينية الوهابية التي تميل للإقصاء والتكفير.ناهيك عن مناخ دولي في السبعينيات مدعوم من صعود دور السعودية الوهابية بعد زيادة ثرواتها من النفط بشكل هائل، ساعد على صعود أكبر للإسلام الوهابي. وانعكس ذلك على موقف الطبقة الوسطى الفكري فتحولت إلى الاتجاهات المحافظة وساندت الجمود بل والارتداد إلى الماضي،ورغم الزيادة الكبيرة التي طرأت عليها إلا أنها أصبحت قليلة الثمرات.فقدنشأت الطبقة الوسطى بالتزامن مع تأسيس مصر الحديثة في عهد محمد علي، بعد أن أنشأ المدارس والجامعات المدنية، وقام بتعيين خريجي تلك المدارس، وإرسال أبناء القرى إلى البعثات في الخارج، وفيها دخل الكثير من أبناء الفلاحين والعمال في المهن الحرة، ثم إلى الطبقة الوسطى،وخاصة بعد إقرار مجانية التعليم في المدارس والجامعات، التي كبحها الإنجليز حتى قيام ثورة يوليو 1952 من قبل بعض أبناء ضباط الجيش المنتمين إلى الطبقة الوسطى. وقد مر أبناء تلك الطبقة بمراحل قوة وأخرى شهدت ضعفًا منذ نشأتها.ويرجع الفضل إليها في البناء الاجتماعيوالثقافي منذ أواخر القرن التاسع عشر، ووضع القوانين والدساتير،وتدشين العديد من مؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية،وذلك على عكس الطبقات الأخرى المشغولة بمعارك جانبية. وكانت هذه الطبقة بمختلف شرائحها القاعدة الاجتماعية للعديد من الحركات والأحزاب السياسية، كما أن القطاعات المثقفة منها قامت بصياغة فكر وبرامج هذه الحركات والأحزاب ابتداءً من الحزب الوطني العرابي في مصر في سبعينيات القرن التاسع عشر إلى الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل ومحمد فريد، وحزب الوفد،والتنظيمات الماركسية وحزب مصر الفتاة. كما تشكلت طلائعجماعة الإخوان الوهابية من الفئات الوسطى الأقل وعيًا والبعيدة عن المراكز الحضرية والأكثر قربًا من الاتجاهات الفاشستية. وكان لهذه الطبقة دورها المشهود في التصدي لقوات الاحتلال الأجنبي،وفي جهود التحديث والسعي من أجل الديمقراطية وتطوير الثقافة الوطنية. وبلغت عصرها الذهبي خلال فترة عبدالناصر، التي تبلورت كنتيجة طبيعية للمساواة بين الأغنياء والفقراء في مجانية التعليم، وانخراط أبناء تلك الطبقة في الجامعات المصرية، ثم تقلدهم لوظائف الجهاز الإداري للدولة، حيث أنصفت ثورة يوليو 1952 تلك الطبقة، وانتصرت لها بسلسلة من الإجراءات الكثيرة، بدءً من الإصلاح الزراعي، ومنع الفصل التعسفي، وتسهيل إجراءات المساكن، ثم استكمال مجانية التعليم وبناء القطاع العام، وتعيين الخريجين. وخلال هذه الفترة اكتسبت الطبقة الوسطى حماسها الذي كان رأس حربتها وجواز مرورها إلى عهد عبدالناصر، حيث ازدهرت وقادت نهضة حقيقية مما أدى إلى عزلة موضوعية لتنظيم الإخوان المسلمين، وإن كان التيار الوهابي الدعوي قد اخترق الأزهر وواصل نشاطاته في بث الفكر الوهابي دون عقبات.وكان للطبقة الوسطى التقليدية دور تحديثيوتقدمي في المجتمع، ساهمت في مجملها في تقدم المجتمع، وطرحت رؤى فكرية تدعو لمواصلة التقدم نحو آفاق إنسانية تؤكد قيم الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.وخرجت من صفوفها كل التيارات الفكرية والقوى السياسية المعاصرة، قومية وليبرالية واشتراكية. وبقدر ما حملت رسالة التنوير والتقدم في بعض مراحل التاريخ المصري الحديثفإنها في مراحل أخرى اتخذت مواقف محافظة بل ورجعية،ونادت أقسام منها بالعودة إلى الماضي الغابر.ويُوصف أبناء الطبقة الوسطى بأنهم (رمانة ميزان) المجتمع المصري و(عمود خيمته)، ويُعتبر استقرار أوضاع تلك الطبقة ضرورة ملحة للاستقرار المجتمعي. ولعلنا نجد تفسيرًا لهذا التناقض في مواقفها وأدوارها السياسية والاجتماعية والثقافية في طبيعة تكوينها من أخلاط شتى وتنوع مصالح الفئات المكونة لها، مما حدا ببعض الباحثين تسميتها بالطبقة الوسطى وتفضيلهم أن يٌطلق عليها تعبير الفئات الوسطى، لأن الطبقة في التعريف العلمي هي مجموعة الأفراد الذين يربطهم ببقية المجتمع نوع من علاقات الإنتاج: ملكية وسائل الإنتاج، أو العمل عليها لمن لا يملكون إلا قدرتهم على العمل. وما بين البورجوازية الكبيرة والطبقة العاملة توجد شرائح اجتماعية متعددة لها مصالح متعددة. وهي هنا مجال أساسي لأنواع متنافرة ومختلفة من الأيديولوجيات والاتجاهات السياسية ولكن يجمع بينها احتلالها لموقع أو مكان وسط بين هؤلاء الذين لا يملكون وكبار الملاك. وكثيرا ما يغير أفرادها مواقعهم واتجاهاتهم، أحيانًا من النقيض إلى نقيضه، وفقا لتغير ظروف حياة بعضهم أو لتغير الأوضاع العامة في المجتمع. وتشمل الطبقة الوسطى في مصر المهندسين، والأطباء، والمدرسين، والمحاسبين، والمحامين، والفنانين، والكتاب، والضباط، الفئاتالتي تعمل في الأنشطة الاقتصادية والخدمية الحديثة في البنوك وتكنولوجيا المعلومات، وأصحاب المشروعات والأعمال الصغيرة، والأجهزة القضائية، والأكاديميين،والجانب الأعظم من موظفي الدولة مدنيين وعسكريين فيما عدا الصفوة البيروقراطية والسياسية والعسكرية صاحبة النفوذ الأعظم. وتعتمد الطبقة الوسطى أساسًا على عملها سواء كان عملًا مهنيًا أو فنيًا أو غير ذلك وإن كان ذلك لا يمنع وجود أفراد منها يملكون بعض أدوات الإنتاج، كأن يكون الفرد مالكًا لقطعة أرض أو عقار أو لبعض الأسهم والسندات… إلخ، ولكن برغم ذلك فإن دخله الأساسي يكون من عمله المهني.وتتكون الطبقة الوسطى من ثلاث شرائح عليا ووسطى ودنيا، والشريحة العليا منها أقرب ما تكون طموحاتها ونظام قيمها وأنماط معيشتها من الطبقة العليا، والشريحة الوسطى وهي ما يمكن اعتبارها الوعاء الحقيقي للطبقة الوسطى بالمعنى الضيق، والشريحة الدنيا هي أقرب ما تكون في نظام قيمتها وأنماط معيشتها من الفئات الدنيا في المجتمع.
كان الاقتصاد المصري قبل 1967 يتجه بخطى واثقة إلى الأمامحتى لو كانت بطيئة، وارتفع معدل الاستثمار إلى 17.8% من الناتج المحلي بدلًا من 12.5% في نهاية الخمسينيات، وحقق نموًا حقيقيًا زاد على 6% بحلول عام 1965، وزاد نصيب الصناعة في الصادرات إلى 25 % بدلا من 18%، وزادت العمالة الصناعية خلال هذه السنوات بأكثر من ضعف الزيادة في إجمالي القوى العاملة، وهي زيادة لم يعرفها الاقتصاد المصري منذ محمد علي.وأدى ذلك إلى استيعاب النظام للطبقة الوسطى الحديثة بسياساته التعليمية والتوظيفية، وبدورهاساندت الطبقة الوسطى المشروع النهضوي الذي طرحته ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر.ولكن هزيمة 67 التي كان للوهابية وأذنابها دورًا أساسيًا فيها كما أوضحنا سابقًا، فرضت على مصر منحنى وطريقًا غير الذي كانت تخطط لأن تسلكه. فجأة بدأت القروض الأجنبية والمعونات تنقطع، وهو ما كان يمثل 1/5 الاستثمارات، وترتب على هزيمة 1967 انخفاض شديد في موارد العملات الأجنبية، وفقدت مصر آبار البترول في سيناء، وخُربت معامل تكرير البترول في السويس، وأُغلقت قناة السويس التي كانت تدر لمصر في المتوسط سنويًا 164 مليون دولار في السنوات السبعة قبل الحرب، إضافة إلى انخفاض كبير في إيرادات السياحة التي كانت تدر نحو مئة مليون دولار، فضلًا عن الإنفاق الذي فرضه تهجير نحو مليون شخص من قناة السويس، وحتى المعونات والمنح العربية المقدرة بمبلغ 286 مليون دولار سنويا، كانت تضيع في خدمة الديون على مصر التي حان موعد استحقاقها، والبالغة أقساطها المستحقة الدفع سنويًا نحو 240 مليون دولار.وكان من الطبيعي أن ينخفض معدل النمو في الحرب إلى 3 %،مما جعل الاستمرار في معدل نمو مرتفع مع تحمل أعباء الإنفاق العسكري استعدادًا لحرب جديدة أمرًا في حكم المستحيل. وقد تزامن ذلك مع محاولات محدودةلإعادة إحياء الحركة الإسلامية الوهابية،وانفجار الحركة الطلابية ضد النظام الناصري عام 1968 بقيادة عناصر يسارية حيث انعدم تقريبًا الوجود الإسلامي داخل الجامعات وقتها. وكان على عبد الناصر أن يضحي بالاستمرار في التنمية مع السماح بالحد الأدنى من الزيادة في الاستهلاك في سبيل الاستعداد للمعركة المقبلة.ولم تكن الدول الغربية لتقبل بالعودة لسابق عهدها بمد مصر بالقروض والمعونات التي تحتاجها، إذا لم تقبل مصر سلامًا غير مشرف مع إسرائيل، والتخلي عن سياسة حماية الصناعة المصرية وتقييد الواردات. ورغم ذلك فإنه حتى وفاة عبدالناصر لم تتجاوز ديون مصر المدنية مليار وثلاثمائة مليون دولار، وهي نسبة لا تتجاوز 25 % من الناتج الإجمالي القومي. وعلى الرغم من حالة الحرب التي كانت تعيشها مصر على مدى سبع سنوات، واحتلال جزء واسع من أراضيها، فإن الاقتصاد المصري في مطلع عام 1973 كان يشهد حالة من الاستقرار، وهو ما يظهر في البيانات التي أعلنها أحمد زندو، محافظ البنك المركزي، ونُشرت في جريدة (الأخبار) بتاريج 14 يناير 1973، والتي أكد فيها سداد مصر جميع التزاماتها الدولية بموعدها. كذلك ارتفع إجمالي ودائع البنوك إلى اربعمائة مليون جنيه، بينها سبعة وعشرين مليون جنيه شهادات استثمار عائلي، كما لم تتجاوز زيادة أسعار السلع الاستهلاكية 2% بالنسبة للجملة و4% للقطاعي.واللافت للنظر أنه على الرغم من حالة الحرب المستمرة على مدى سبع سنوات، شهد عام 1973 عددًا من المشروعات الصناعية الطموحة، على رأسها بدء إنتاج السيارة (نصر 125) بمصانع النصر للسيارات، والإعلان عن مشروعات تنموية مثل مترو الأنفاق، وتنفيذ خطوط أنابيب بترولية لنقل البترول من السويس للإسكندرية، وإنشاء ثمان محطات كهرباء بتكلفة عشرة ملايين جنيه، للحد من مشكلات انقطاع الكهرباء. وكما كانت الحرب على الجبهة، كان القطاع العام في حرب إنتاج داخلية، أهلته لتوفير احتياجات المعركة، واحتياجات الشعب المصري وقتها، بل والتصدير للخارج لتوفير العملة الصعبة.
كانت مصر من أوائل الدول التي ناضلت من أجل إقامة نظام اقتصادي دولي جديد وعادل،وأُعتبر المؤتمر الأول لدول عدم الانحياز المنعقد في بلغراد في سنة 1961 الخطوةالأولى في طريق الدعوة إلى إنشاء نظام اقتصادي دولي جديد، وقد جاء في خطاب عبد الناصر آنذاك: “أن فرصة ما يجب أن تتاح للدول التي لم تستكمل بعد نموها الاقتصادي والاجتماعي، وأن التفاوت في مستويات معيشة الدول هو مبعث لعدم الاستقرار في العالم”،وأوصى المؤتمر بعقد ملتقى خاص بقضايا التنمية، وقد انعقد هذا المؤتمر بالفعل في القاهرة في يوليو 1962 واشتركت فيه إحدى وثلاثون دولة أصدرت وثيقة عُرفت باسم(إعلان القاهرة). دعا إعلان القاهرة إلى العمل على عقد (مؤتمر اقتصادي دولي) في إطار الأمم المتحدة،وتم ذلك بالفعل في جينيف في سنة 1964 برئاسة الدكتور عبد المنعم القيسوني وزير مالية مصرآنذاك، ومن نتائج المؤتمر الرئيسية أن شكلت الدول النامية في حينه (مجموعة دول عدم الانحياز) المؤلفة من سبعة وسبعين دولة عُرفت منذ ذلك التاريخ بمجموعة السبعة والسبعين، أما النتيجة الثانية فهي عبارة عن إنشاء (منظمة الأونكتاد) أي (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والإنماء)والذي أصبح المنبر الدولي الرئيس لمطالب الدول النامية وهو يعتبر بالنسبة لدول العالم الثالث التنظيم المشابه (للاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة – الجـات) بالنسبة للدول الصناعية. لعبت مصر دورًا محوريًا لإنضاج هذا التصـور للنظام الاقتصادي العالمي الجديد، واستمر هذا التحول في توسيع مضمون عدم الانحياز ليشمل البعد الاقتصادي، على مستوى أكثر وضوحًا لدى مصر، كما اتضح من موقف مصر في مؤتمر دول عدم الانحياز المنعقد في الجزائر في سبتمبر 1973، بأنه “يجب أن يزداد نشاط دول عدم الانحياز فيما بينها في المجالات الاقتصادية والمالية”، وطالبت مصر بإحداث تغيير جذري في النظام النقدي الدولي، ونظام التجارة الدولية والتخفيض من عبء الديون، والتعاون الاقتصادي بين الدول النامية، وحددت مهمة عدم الانحياز بأنها إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد على أساس من العدالة والمساواة في السيادة وتكافؤ الفرص، بما في ذلك التوزيع العادل لمنافع التجارة الدولية وثمار التقدم التكنولوجي، كذلك طالبتمصر بضرورة التغيير الجوهري لأسس النظام الاقتصادي العالمي. ثم جاء نصر أكتوبر 1973 الذي مثل نقطة تحول حاسمة في تاريخ العلاقات الدولية، واُستخدام النفط كسلاح استراتيجى في 73 – 1974، ليؤكد أن النظام الدولي ليس نتاجًا (لحوار بين مجموعة من الحكماء) وإنما يعكس في الواقع موازين القوى الحقيقية.كما أُعتبر رفع أسعار النفط في عام 73 – 1974بمثابة انتصار جماعي للعالم الثالث، فلأول مرة منذ أربعة قرون يُتخذ قرار يتعلق بالعالم أجمع ككل خارج إطار سيطرة المركز الرأسمالي، لقد أثبتت هذه الخطوة إمكانية هذا، وأثبتت أن ما يُدعى (قوانين السوق) التي يُستند إليها لتفسير استحالة تغيير الأسعار المجحفة لمنتجات العالم الثالث، ليست سوى مقولة (أيديولوجية) وُضعت لإخفاء حقيقة موازين القوى الدولية. وانعقدت الجمعية العامة في جلستها الخاصة السادسة في إبريل ومايو عام 1974 حيث تم إعلان بيان بشأن إقامة نظام اقتصادي دولي جديد وبيان آخر شُرحت فيه الخطوات العملية لتحقيق ذلك الغرض ويُدعى (برنامج العمل من أجل إقامة نظام اقتصادي دولي جديد)، وتلى ذلك من السنة ذاتها إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة (ميثاق حقوق وواجبات الدول الاقتصادية) وتمت الموافقة عليه بمئة وعشرين صوتًا مقابل ستة أصوات ضد وامتناع عشر دول عن التصويت تمثل الدول الصناعية الكبرى، وبصدور الوثائق هذه تم إرساء تصور شاملللقواعد الأساسية لإقامة نظام اقتصادي دولي جديد.ولكن السادات كان قد عقد العزم على السير في اتجاه التبعية لدول مركز الرأسمالية العالمية، عكس اتجاه الاستقلالية مصريًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا، ومنحته حرب أكتوبر 1973 التي ذهب إليها مرغمًا، بفعل عوامل داخلية ضاغطة، وعوامل خارجية غير مستجيبة، منحته شرعية كان يتوق إليها وبتشوق، ومنها انطلق إلى الإفصاع عن هُويته، وهُوية نظامه. فكان عليه أن يتخلص من كل شرطي مرور يقف في وجهه،وكان ضمن ما اتخذ من قرارات كبيرة، قرار الاستغناء عن هيكل في الأهرام،وبالتأكيد كان السادات يريد هيكل بجانبه، ولكن بصفته كاتبًا خانعًا وموظفا تابعًا، ولأن هذا لا يتفق مع طبيعة هيكل الذي يعتز بنفسه ويحترم مهنته ويصون ضميره، فقرر السادات أن ينزع عنه أسنانه (القلم والجريدة)، فقرر خروجه من الاهرام وأبقاه مستشارًا له،وذلك بعد أن تخلص من الفريق أحمد صادقواللواء الليثي بالطرق التآمرية والدموية التي سبق الإشارة إليها، وهم الأشخاص الرئيسيين الذين اعتمد عليهم كليًا في انقلابه في مايو 1971. كان هيكل صاحب رؤية سياسية واضحة تتمثل في(يمين الوسط) وهو أقرب إلى منهج الانفتاح الاقتصادي المدروسوالمرتبط بالتنمية الشاملةوبتطور سياسي ديمقراطي حقيقي، ولم تكن المسافة بينه وبين السادات شاسعة سياسيًا، ولكن هيكل كان صادقًا وحقيقيًا في موقفه، وشديد الحرص على استقلال القرار المصري ومراعات اعتبارات الأمن القومي المصري والعربي، بينما كان السادات يتجه للارتماء في أحضان شركائه الوهابيين والأمريكان الذين أرصلوه للسلطة، ومخلصًا في تنفيذ خطتهم وتحقيق أهدافهم في مصر والإقليم. كما كان وجود هيكل قرب قمة السلطة بالوضع المميز الذي كان يحرص عليه هيكل ويحصل عليه بامتياز يمكن أن يشوش على قدرة السادات على (إعلان) الهُوية الجديدة، وعلى إمكانية تحريرها في الواقع دون مقاومة حقيقية، وربما كان أحد الأسباب وراء غضبة السادات الضاربة على هيكل هو عدم اطمئنانه إلى ولاء هيكل لشخصه، كما كان ولاؤه لعبد الناصر، وكان ذلك وراء تصميمة على إقصاء هيكل من دائرة السلطة في اللحظة التي استقرت فيها معرفة الأمريكان بالسادات على استراتيجية واضحة محددة ومتفق عليها بينه وبينهم، وحتى لا يطلع هيكل على اسرار اتصالاته الجديدة بهؤلاء الذين كان هيكل نفسه في ظل عبد الناصر أحد قنوات الاتصال الرئيسية معهم (الأمريكان). وهو أيضا على جانب آخر رسالة من السادات لكل من يعنيهم الأمر أنه عندما يقصي هيكل من دوائر السلطة، لم يصبح هناك قناة اتصال مع الأمريكان، وأنه أغلق القنوات جميعًا إلا تلك المفتوحة عنده. ليرسم بذلك استراتيجية جديدة في المنطقة، تقوم على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية ولم تكن دماء الشهداء على أرض سيناء قد جفت بعد.وكان الاستغناء عن هيكل بعد حصول السادات على شرعية القدرة على الإعلان عن الهُوية الجديدة للنظام، وكأنه استغنى عن طابع هُوية قديم يذكر الجميع بهُوية نظام كان على رأسه منذ أربعة سنوات فقط عبد الناصر بتوجهاته المعروفة وانحيازاته المقررة.
بدأ السادات في إحداث تغيير هائل في معالم ومضمون الإدارة الاقتصادية للاقتصاد المصري،فاتجه إلى إطلاق جماح أنشطة رأس المال الخاص والأجنبي في مجال الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وهو ما عُرف باسم (الانفتاح الاقتصادي) فمن الناحية القانونية يعبر عصر الانفتاح عن عدة تشريعات صدرت في تلك الفترة منها القانون الرئيسي وهو القانون رقم 43 سنة 1973 والمعروف باستثمار رأس المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة والذي أباح لرأس المال الأجنبي الاشتغال في كثير من المجالات،والقانون رقم 93 لسنة 74 الذي أقر حق الأفراد في تمثيل الشركات الأجنبية وفتح الوكالات للاستيراد منها،والقانون رقم 118 لسنة 1975 الذي فتح باب التصدير والاستيراد أمام القطاع الخاص، والقانون رقم 97 لسنة 1976 للنقد الأجنبي الذي أتاح للأفراد حيازة العملات الأجنبية من أي مصدر، وقد خلق هذا القانون تسهيلًا واضحًا في معاملات النقد الأجنبي وفي نفس الوقت غذى من عمليات التهريب والسوق السوداء. وكانت تلك هي نقاط الارتكاز الأولى لسياسة الانفتاح الاقتصادي والتي أحدثت تحولات هيكلية في الاقتصاد المصري، وبذلك فُتح باب الاقتصاد على مصراعيه لراس المال الأجنبي والذي تسيطر عليه الشركات متعددة الجنسيات مما أدى إلى تكريس سيطرة هذه الشركات على الاقتصاد المصري وبالتالي فكل التنمية الحادثة لابد أن تكون (تنمية تابعة). كما فتح الباب لتخريب وإفساد القطاع العام الذي ظل ركيزة للاقتصاد المصري.وكان لكل هذا آثاره السلبية على بنية المجتمع المصرى بصفة عامة وازدياد معدلات الفساد والجريمة على مستوى الأفراد بصفة خاصة. والملاحظ بصفة عامة أن المشرع المصري قدم بسخاء أكثر من اللازم المنح والمزايا للمستثمرين الأجانب. وبذلك بدأت الطبقة الوسطى أولى مراحل الانهيار، خاصة مع بداية رفع الدعم عن السلع في نهاية السبعينيات، استجابة لشروط صندوق النقد الدولي(المجحفة).واستمرت سياسة الدولة في رفع الدعم عن السلع الأساسية،كما أدى سحق الطبقة الوسطى المصرية إلى وقوع المجتمع فريسة للأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية، ووُضعت الأسس الأولى لهدم وتخريب وتجريف المجتمع المصري. وبذلك طبع الانفتاح الاقتصادي الطبقة الوسطى بسمات لم تكن لها لا في الخمسينيات والستينيات، ولا في عهد ما قبل ثورة 1952، حيثشهدت فترة السبعينيات معدلًا للنمو الاقتصادي مرتفعانسبيًا،ولكنه كان نموًا من نوع غريب، لا يعود إلى نمو سريع في الصناعة، والزراعة، أو الخدمات الحكومية، كما كان النمو في عهد عبدالناصر، بل إلى نمو التجارة وأعمال الوساطة وتحويلات العاملين في الخارج، والدخل المتولد من قناة السويس وصادرات البترول، الذي تضاعف سعره عدة مرات خلال هذه الفترة، إن كل هذه المصادر للنمو السريع في الدخل يمكن اعتبارها مصادر (غير إنتاجية). وتسمي أحيانًا(مصادر ريعية)، والدخل (الريعي) في مفهوم الاقتصاديين هو الدخل الذي لا يقابله نشاط إنتاجي أو لا يقابله (جهد)،في هذه الفترة أيضًا انتشرت ظاهرة التحجب، أي تغطية المرأة شعرها والالتزام بثوب واسع طويل يغطي الذراعين ويصل إلى القدمين. وأصبحت الطبقة الوسطى في مصر بعد مرورعدة سنواتأكبر بكثير منها في أي وقت مضي، ولكنها أقل تميزًا بالمقارنة بما كانت عليه قبل الانفتاح الاقتصادي، بل أصبح أيضًا حسها الوطني وحماسها لأي قضية عامة أضعف مما كانا من قبل، كما أنها أصبحت طبقة منتجة بدرجة أقل مما كانت في العهد السابق على الانفتاح الاقتصادي في الميدان الثقافي والاقتصادي على السواء.يكفي أن نقارن الإنتاج الثقافي في فترة السادات، في الجودة والعمق والجدية بما كان عليه الإنتاج الثقافي في الثلاثينيات والأربعينيات، كما يكفي أن نلاحظ ما طرأ على مثقفي وفناني الخمسينيات والستينيات من تدهور أو إحباط أو كليهما خلال السبعينيات أو حتى الاختفاء التام دون أن ترى السبعينيات بزوغ جيل جديد يقارب مستواهم في النشاط والإبداع. وأصبحت الطبقة الوسطى خاضعة لحمى الاستهلاك، ومشغولة بالاستهلاك لا بالإنتاج، وفي غمار حمى الاستهلاك هذه، ضعف الحماس للوطن وللإنتاج، من هنا أصبحت شرائح من الطبقة الوسطى تتصرف انطلاقًا من قيم معاكسة. كما أدى انسحاب الدولة طبقا للمنهج الليبرالي في الاقتصاد من توفير الخدمات العامة، إلى انتشار قيم الفهلوة والاستسهال، وإلى إفساح المجال لانتشار التيارات الوهابية الراديكالية التكفيرية في أحزمة الفقر والعشوائية على أطراف الحواضر المصرية،فزاد تشويه الطبقة الوسطى المصرية بأفكار الإسلام الوهابي التي تميل للإقصاء والتكفير.
عملت جماعة الإخوان على استغلال حالة الانفتاح الاقتصادي التي أطلقها السادات لكن بحذر شديد حتى لا تقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه في أربعينيات القرن العشرين، حين تم حصر المعاملات المالية والاقتصادية للجماعة في شركة واحدة (شركة المعاملات) مما سهل على الحكومة المصرية تصفية الشركة وتوزيع أموالها كما أوضحنا سابقًا. ومع إطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي عاد الكثير من إخوان المهجر إلى مصر، ووجدوا أمامهم فرص ضخمة لاستثمار مدخراتهم. وتحول العمود الفقري للجماعة من الطبقة الوسطى الحديثة قبل الحقبة الناصرية إلى رجال أعمال ذوي صلات وطيدة بالنظام السعودي. انعكس ذلك بالطبع على مواقف الإخوان وخطابهم السياسي وهم يعيدون تشكيل صفوفهم تحت قيادة عمر التلمساني الذي أصبح أهم شخصية إخوانية بعد وفاة حسن الهضيبي عام 1973، وقد التقى به صالح عشماوي عام 1976 ووضع مجلة الدعوة تحت تصرفه، وتصرف الإخوان. وظهرت الدعوة في شكلها الجديد بتمويل الشركة (الإسلامية للنشر والتوزيع) التي رأس التلمساني مجلس إدارتها،وقد سمح نظام السادات بصدور المجلة بلا أي تدخل. ومن المهم ملاحظة أن النصيب الأكبر من هذه المجلة من حيث المضمون والتوجه كان للإخوان الأوائل الذين أبعدهم الهضيبي عام 1953 بسبب تقاربهم مع النظام مثل صالح عشماوي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي الذين ارتبطوا جميعًا بعلاقات وثيقة مع النظام السعودي.في البداية كان توظيف مصطلح (الاقتصاد الإسلامي)، البعيد عن الفوائد البنكية،ودفع المواطنين إلى استثمار أموالهم في شركات توظيف الأموال ذات الاتجاه الديني، فضلا عن إنشاء ما سُمي البنوك الإسلامية.ويشير جيل كيبل في دراسته (النبي والفرعون) إلى دور الإعلانات في تلك المجلة: “من حوالي مئة وثمانين صفحة من الإعلانات الملونة في مجلة الدعوة، اشترى 49 صفحة مقاولون وشركات عقارية و52 صفحة اشترتها شركات لإنتاج الكيماويات والبلاستيك و20 صفحة لمستوردي السيارات و12 صفحة لبنوك إسلامية وشركات استثمار”. ثم يشير إلى أن حوالي نصف الإعلانات كانت لثلاث شركات هي الشريف للبلاستيك وشركة مسرة للمقاولات ومودرن موترز، وإلى أن: “هذه الشركات الثلاثة كان يمتلكها إخوان مسلمون كونوا ثرواتهم في المملكة العربية السعودية خلال الأعوام الثلاثين السابقة واستثمروها بشكل مكثف في مصر منذ عام 1975، خاصة في قطاعات الاستيراد والبضائع الاستهلاكية”. وقد تميزت مقالات وموضوعات مجلة الدعوة بمواقف شديدة الرجعية وبالابتعاد التام عن نقد النظام الاجتماعي والاقتصادي في مصر. وكان هناك هوسًا في المجلة بأربعة مصادر للخطر على الأمة الإسلامية: اليهودية والشيوعية والصليبية والعلمانية. وقد اتسم التحليل المطروح لهذه المخاطر على إثارة الذعر والاعتماد على نظرية المؤامرة. وعكست هذه العناوين مضامين شديد الرجعيةتتضمن نقدًا عنيفًا للمضمون الاجتماعي للحقبة الناصرية، وعداء شديد لكافة أشكال التأميم والإصلاح الزراعي ودور الدولة في الاقتصاد.
لم يهتز النظام من حادثة الفنية العسكرية، واستمر في سياسة المهادنة مع التيار الوهابي. وحسب اللواء فؤاد علام: “وصلت إلى جهاز مباحث أمن الدولة معلومات سرية تفيد بأن فلول (الجماعة الإسلامية) التي نفذت عملية الفنية العسكرية تجمعت من جديد للإعداد للقيام بانقلاب واغتيال القيادة السياسية والاستيلاء على السلطة، تحددت ساعة الصفر أثناء اصطحاب السادات للرئيس نيكسون أثناء مرور موكب الرئيسين بشارع الكورنيش بالإسكندرية. وكان الجو السياسي في هذا التوقيت عاصفًا وملبدًا بالغيوم، مظاهرات للطلبة الإسلاميين الذين انتشروا بكثرة لاستعراض القوة، مواكب اسطورية للرئيس الأمريكى بعد أن صور للبعض أنة يحمل عصا سحرية سيأتى بالرخاء للمصريين، ومعارضة يسارية غاضبة تندد بزيارة نيكسون، وكانت الرؤية صعبة لدرجة أنة لم يكن سهلًا أن تعرف من معك ومن ضدك، ورغم ذلك فقد كان جهاز أمن الدولة في قمة عافيتة واسترد قوتة وحيويتة ورسمنا خطة دقيقة لمتابعة تحركات التنظيم اولًا بأول ونجحنا في دس بعض ضباطنا الأقوياء بين صفوفهم وبدأنا من جديد عمليات الاختراق لهذه التنظيمات. واعتمدت خطة إجهاض مؤامرة اغتيال نيكسون والسادات على محورين: الأول، هو استبدال إبر البنادق الآلية بأخرى لا تعمل وتغيير القنابل بأخرى فاسدة لا تنفجر وكانت المراقبة تتم 24 ساعة متصلة طوال اليوم وأطلقنا على هذة العملية اسم (الأسلحة الفاسدة).أما المحور الثاني، فكان تركيز الخدمات الأمنية وتكثيفها بشدة في المواقع التي تحددت لتنفيذ الاغتيال واستخدمنا تكنولوجيا عالية جدًا مكنتنا من متابعتهم بالصوت والصورة طوال اليوم في وكرهم الذي كان عبارة عن شالية في منطقة نائية بالعجمي وفشلت الخطة وضُبط التنظيم بأسلحتة وقنابلة”.وفي عام 74 – 1975 تم حصر الكوادر الرئيسية لبناء الجماعة الإسلامية وهم:عصام العريان، وعبد المنعم أبو الفتوح، وحلمي الجزار،وأحمد عبد الفتاح، ومحمد صلاح، ومحمد فتحي، ومحمد علي، وجمال عطا الله، وسعد عبد اللطيف، وحمدي الصغير، وأبو العلا ماضي، ومحيي الدين عيسى، وصلاح هاشم، وناجح إبراهيم… وغيرهم، وكان لهؤلاء الفضل الكبير في إعطاء الجماعة الدينية دفعة كبيرة. وفي معسكر صيف 1975 تم الاتفاق على تغيير اسم الجماعة الدينية (الجماعة الإسلامية)، وفي عام 75 – 1976 انضم للجماعة معظم قادتها الكبار مثل كرم زهدي، وحمدي عبد الرحمن، وأسامة حافظ، وعلي الشريف، ورفاعي طه، وأبو بكر عثمان، ومحمد تيسير، وأحمد عبده سليم، ومحمد شوقي الإسلامبولي. وفي الوقت الذي كان السادات يسعى إلى توظيف الوهابيين لضرب خصومه السياسيين في جريمة كارثية في حق الأمة المصرية، كان التلمساني من جانبه يخدع السادات، ويعقد صفقة تاريخية في سرية تامة مع الجماعات الوهابية الراديكالية التي انتشرت بشكل مرعب في ربوع مصر. وكانت الجماعة الوهابية الراديكالية التي تكونت داخل جامعات مصر في أوائل السبعينيات وأطلقت على نفسها اسم(الجماعة الإسلامية)،وعاء يضم بين طياته كل أفراد وعناصر الحركة الوهابية المعاصرة داخل الجامعات فضمت شباب الإخوان، وأيضا شباب (الفكر الجهادي) قبل أن يتبلور إلى تنظيمات ومستقلين سلفيين وأزهريين، لما وقع التصدع بانضمام رموز قيادية منها إلى الإخوان المسلمين مثلعصام العريان، وعبد المنعم أبو الفتوح، وحلمي الجزار، ومحيي الدين عيسى. وفي هذا الصدد يقدم عبد المنعم أبو الفتوح شهادته حول بداية وكيفية ارتباط شباب الجماعة الإسلامية آنذاك بالإخوان، مشيرًا إلى أنه لا يستطيع أن يذكر تاريخًا محددًا باليوم والساعة لمثل هذا الارتباط التنظيمي، ويقول: “لقد بدأ الارتباط بمجموعة قليلة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة كانت تربطهم علاقة مودة بعدد من قادة الإخوان في مقدمتهم الأستاذ عمر التلمساني والدكتور أحمد الملط والأستاذ مصطفى مشهور… بدأ الأستاذ التلمساني يدعونا للقائه والحديث معه وظلت هذه اللقاءات مستمرة حتى أصبحنا بشكل عملي جزءً من حركة الجماعة في نهاية عام 1974ومطلع عام 1975… ولكننا كتمنا هذا الموضوع طوال سنوات عدة خشية أن نواجه بعنف من قبل النظام الذي فتح الطريق بالفعل أمام قادة الإخوان للعمل لكنه ليس على استعداد لأن يكتشف أن الجماعة الإسلامية المنتشرة في جميع جامعات مصر والتي كان السادات قد أعطاها الحرية الكاملة لتصنع توازنًا سياسيًا مع اليساريين داخل الجامعة، قد أصبحوا أعضاءً في جماعة الإخوان التي كان يعتبرها السادات وكانوا هم يعتبرون أنفسهم بديلًا شرعيًا للسلطة… تسربت هذه الأخبار في أوائل عام 1979 وغضب البعض من إخواننا غضبًا شديدًا، ولكننا استطعنا إصلاح ذات البين مع بعضهم لاسيما في القاهرة والوجه البحري، ولكننا لم نستطع إصلاحه مع الآخرين في وجه قبلي إلا مع عدد قليل منهم أبو العلا ماضي ومحيي الدين أحمد عيسى وآخرون، ولكن ظلت مجموعة كرم زهدي وناجح إبراهيم وطلعت فؤاد قاسم ورفاعي أحمد طه ومنتصر الزيات على موقفها الرافض تمامًا لفكرة الاندماج في صفوف تنظيم الإخوان باعتبار أن الجماعة على حد تعبيرهم تركت فريضة الجهاد وهادنت السلطة”.بينما بقي قادة السلفيين والأزهريين (الوهابية الدعوية) في هذه المرحلة على استقلالهم بعيدًا عن الجماعة الإسلامية الطلابية مثل أسامة عبد العظيم، ومحمد الدبيسي، ومحمد سعد، وغيرهم أيضا من السلفيين والأزهريين. وكانت المرحلة الأولى قد انتهت وكان المطلوب هو إثقال هذه الكوارد من خلال دعاة الوهابية الكبار أمثال الشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ ذكريا البري، والشيخ سيد سابـق. وفي عام 1977 وبعد انضمام هؤلاء القادة للجماعة أصبح لها كلمة قوية ومسموعة داخل الجامعة فانتشرت معارض الكتب الوهابية بأسعار مدعومة ومخفضة جدًا عن طريق دور النشر وكذلك تم تفصيل الملابس وبيعها بسعر التكلفة وزاد نفوذهم داخل الجامعة،وتعدت قبضتهم الجامعة إلى أسيوط والمنيا وأغلب مدن ومحافظات الصعيد. وقد انعكس ذلك النجاح في التنظيم والتجنيد داخل الانتخابات الطلابية حيث استطاعت الجماعات الإسلامية للمرة الأولى الاستحواذ على لجنة الإعلام والنشر للاتحاد العام عام 1975، وفازت برئاسة اتحاد الطلاب في جامعة القاهرة والمنيا عام 1976.
واصل الساداتالتهاون بشكل كبير في الأمن القومي المصري، بارتكاب المزيد من الكوارث القومية، ومن ضمن تلك الكوارث في هذا التوقيت هبوط وفد في مطار القاهرة مكون من جنسيات مختلفة من كندا ومن هونج كونج ومن اليهود، الوفد جاء لأغراض غير الاستعلام والدراسة والتخطيط وتقديم العروض، وكان مطلبهم هو إقامة شاليهات وفيلات علىهضبة الأهرام وعمل بحيرة كبيرة صناعية ذات قاع من المطاط بجوار الأهرام، ويريدون استغلال الساحل الشمالي في إقامة قرى وفنادق سياحية ولم يكن لنا عهد بذلك من قبل. قابلوا وزير السياحة الذي استدعى أجهزته وعلى رأسها هيئة إيجوث المختصة بالسياحة. وتم تحرير رءوس موضوعات لعقد استثمار، أهم ما ورد فيها شرط تحكيم أمام غرفة التجارة الدولية. في نفس الوقت كانت رئاسة الجمهورية على علم بالموضوع وتنتظر ورود الأوراق حتى يصدر قرار جمهوري بمنح هذه الاستثمارات لهذه المجموعة التي سمت نفسها إس بي بي. ووصلت الأوراق إلى قصر السادات بالجيزة في السادسة مساءً وعادت إلى الوزير وهيئة إيجوث بعد ست ساعات مرفقًا بها القرار الجمهوري بالموافقة. بدأت أخبار هذه المشروعات المريبة تنتشر، وكانت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد هي أول من كتب عن الموضوع وكشفت خباياه، وتتلخص في أن الفريق المستثمر القادم يبغي اتخاذ هضبة الأهرام مركزًا للتنقيب عن الآثار في الرمال، وتهريبها إلى الخارج، وكشفت عن تأثير بحيرة المطاط على آثار الجيزة عندما يمتليء جوها ببخار ماء البحيرة فضلا عن الآثار المدمرة لتسرب مياه الصرف من المنشآت السياحية في المنطقة. وعقدت نقابة المحامين ندوة احتجاجية طبعت فعالياتها في كتاب وزع على جميع المحامين. لم يجادل الرئيس السادات وأصدر قرارًا جمهوريًا آخر يلغي قراره الأول. وبدأت تبرز أهمية شرط التحكيم المشار إليه فيما تقدم فسرعان ما قُدمت دعوى تحكيم أمام غرفة التجارة الدولية، انتهت بالحكم على جمهورية مصر العربية بمبلغ 12 مليون ونصف مليون من الدولارات لصالح المغامرين الأجانب الذي لم يدفعوا مليمًا واحدًا. وكان أساس هذا الحكم أن هيئة إيجوث تم حلها وتصفية أموالها قبل رفع القضية حتى لا يأخذ الأجانب شيئا، فأمسكت هيئة التحكيم بتلابيب الحكومة المصرية وقالت إن وزير السياحة وقع على شرط التحكيم بعبارة: أوافق “ابروفد باللغة الانجليزية”. وكان من ضمن تلك الكوارث أيضًا عرض السادات على مستشار النمسا(برونو كرايسكي) في نوبة كرم معتادة تجاه أصدقائه،أن تقوم النمسا بدفن نفايات نووية في صحراء مصر الغربية عندما كان كرايسكي يحاول تمرير مشروعه النووي، وعهد السادات إلى وزير الكهرباء تنفيذ هذا الأمر، ولكن الشعب النمساوي رفض الانخراط في أي نشاطات نووية وتم إلغاء المشروع. ومن ضمن تلك المواقف للسادات، موقفه المخزي عندما قامت بعض الدول العربية المعارضة لفك الارتباط الثاني وفي مقدمتها سوريا بعرض مشروع قرار على الجمعية العامة للأمم المتحدة يعتبر الصهيونية نوعًا من العنصرية وكتب فورد رئيس أمريكا إلى السادات يطلب منة أن يبذل نفوذة لمنع اصدار هذا القرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لكن القرار صدر في النهاية ولم يملك السادات سوى أن يصدر تعليماتة إلى الوفد المصري في نيويورك بالتغيب عن جلسة التصويت، ولم يكن ذلك كافيًا في نظر كيسنجر وفورد وتلقى السادات رسالة من كيسنجر يقول له فيها إنه حضر اجتماع لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس وكان هدفة أن يقنع أعضائها وأعضاء لجنة الاعتمادات والقوات المسلحة بالموافقة على زيادة المساعدات الاقتصادية لمصر وعلى البدء في برنامج لتزويدها بالسلاح الأمريكي وقد وجد أن فرصه تضاءلت أمام الكونجرس بهذا القرار المشؤوم الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة واعتبر الصهيونية مساوية للعنصرية.
كان السادات حريصًا على أنيعطي لحلفائة الجدد في الغرب الغطاء السياسي المطلوب للوجه الاستعماري الغربي،بإضفاء ديكور ديمقراطي على الحياة السياسية، فقرر تشكيل ما أسماها المنابر السياسية الثلاث: اليمين والوسط واليسار، والتي سرعان ما حولها إلى أحزاب، مقررًا أن يرأس أحدها، وهو حزب مصر العربي الاشتراكي، قبل أن يقرر فجأة تشكيل حزب بديل، اسمه الحزب الوطني الديمقراطي، ليهرول خلفه الآلاف من أعضاء الحزب القديم إلى الحزب الجديد، بعد أن ظلوا قبلها سعداء بعضويتهم في الاتحاد الاشتراكي، ومن قبله في الاتحاد القومي. وشن حملة هو وصحافته على مااسماه مذبحه القضاة في 1969، حيث أطلق هذا المصطلح عميل المخابرات الأمريكية الصحفي مصطفى أمين عقب إفراج السادات عنه بالإفراج الصحي في حملته في تشويه حقبه الستينيات،رغم أن السادات كان بطل هذه الواقعة، فعندما نشبت أزمة بين عبد الناصر والقضاة بسبب ممارسة العمل السياسي، شكلت لجنه لبحث الازمة وكيفيه التعامل معها برئاسة السادات،وأعدت اللجنة صياغة القانون وإعداد كشوفات إبعاد القضاة وكتب السادات بخط يده إلى سامي شرف: “عزيزي سامي شرف.. طيه كشف المطلوب تطهيرهم من القضاة مقترح من المجموعة التي تعمل معي بواسطة رئيس النيابة سعد زغلول ماهر (الذي كان سكرتيرًا لنادي القضاة قبل الانتخابات الأخيرة).. مع تحياتيأنور السادات”، وعليه صدر في 31 أغسطس 1969 قانون بإعاده تشكيل الهيئات القضائية وأُعيد تشكيلها من جديد مغفلة مائة وتسعة وثمانينمن رجال القضاة والنيابة عند التشكيل الجديد. كما كان تاريخ السادات كاملًا فاشيًا صريحًا وفجًا، منذ تنقله بين التيارات والتنظيمات الفاشستية التي اتخذت من العنف والاغتيالات وسيلة للتعامل مع الخصوم السياسيين، وكان آخرها انضمامه لتنظيم الحرس الحديدي الذي شكله الملك برئاسة يوسف رشاد لإرهاب وتصفية خصومه السياسيين وغيرهم كما أوضحنا سابقا بشئء من التفصيل. وطيلة مسيرة السادات خلف عبد الناصر لم يكن يومًا ما مدافعًا عن الحريات والديمقراطية كما فعل المناضلان الكبيران خالد محيي الدين ويوسف صديق، وإنما كان دائمًا في مقدمة المنادين بالتصفيات السياسية والداعمين والمؤيدين على الإطلاق للاستبداد الفج أسوة بحلفاءة وندبائه الوهابيين. كما أسس السادات لظاهرة اسقاط العضوية عن أعضاء مجلس الشعب، ففي سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ البرلمانات المصرية – باستثناء ما حدث مع مكرم عبيد في مايو 1943 أثناء صراعه مع مصطفى النحاس -اجتمع مائتان وثلاثة وستون عضوًا من أعضاء مجلس الأمة في 14 مايو 1971 ووقعوا على طلب بإسقاط عضوية رئيس مجلس الأمة د. محمد لبيب شقير، والوكيلين كمال الدين الحناوي وأحمد فهيم، وخمسة عشر عضوًا آخرين بالمجلس، وإعلان التأييد المطلق للسادات في تصديه لما اسماه مراكز القوى، فيما سمي وقتها “ثورة التصحيح”،وبعد هذه الجلسة الطارئة التي عقدها الأعضاء برئاسة د. إسماعيل علي عتوق، أكبر الأعضاء سنًا، تم انتخاب النائب حافظ بدوي رئيسًا للمجلس، ومصطفى كامل مراد وحسن طلبة مرزوق وكيلين.. واستمر هذا المجلس حتى 25 يوليو 1971، عندما أصدر الرئيس أنور السادات قرارًا جمهوريًا بفض دور الانعقاد الثالث، بل إنه قام بحل المجلس كله. وكان من أبرزالنواب الذين وقعوا على طلب إسقاط عضوية رئيس المجلس والذين معه: عثمان أحمد عثمان، وكمال الشاذلي، ونوال عامر، ومحمد فؤاد أبو هميلة، وعبد المنصف حزين، وبثينة الطويل، وصبري القاضي، وحافظ بدوي، ومصطفى كامل مراد، وحلمى جاد الله، ومحمد بركات أبو سحلي، وعبد الفتاح عزام، ود. سعد الخوالقة، وإبراهيم شلبي، ومختار هاني، وسيد زكي عبد الهادي، ونلاحظ أن هذه الأسماء أصبحت رجال السادات، وتقلدت المناصب العليا فى البلاد بعد ذلك.وتوالى مسلسل إسقاط عضوية أعضاء مجلس الشعب، كما حدث عام 1977مع كمال الدين حسين، عضو مجلس النواب عن دائرة مدينة بنها محافظة القليوبية، وعضو مجلس قيادة الثورة، بعدما أرسل برقية للسادات انتقد فيها إدارته للبلاد، وتضمنت برقيته:”ملعون من الله ومن الشعب من يتجاوز إرادة أمة”، الأمر الذي تسبب في غضب السادات وأرسلها للبرلمان وبدوره أسقطوا عضويته، وتوالت حوادث إسقاط العضوية عن أعضاء مجلس الشعب في الأزمات الكبرى التي خلقها السادات كما سنرى لاحقًا.وكان لدى السادات بعد وصوله للحكم تصور خاص جدًا لدور القانون في الدولة، فقد كان حريصًا جدًا على أن يكون كل ما يقوم به من إجراءات مطابقًا للقانون، وأن يتم ابتداع ذلك القانون، إن لم يكن موجودًا، ولذلك نراه يقول لأعضاء مجلس الشعب على الملأ:”كل شيء هيتم بالقانون، وإذا لم يعجبني القانون سألجأ إليكم لتغيروه”.
سادت في تلك الحقبة نظرية (الحاكمية) التي أصل لها أبو الأعلى المودودي (الباكستاني الجنسية)الأب الروحي لكافة التيارات الوهابية الإرهابية والتكفيرية حول العالم،والتي مثلت النموذج العصري للوهابية التيمية الحنبلية، وقد سرقها عنه سيد قطب ونادى بها في كتابية (في ظلال القرآن) و(معالم على الطريق) دون أن ينسبها لصاحبها، كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل. وطرحت الجماعات الوهابية قضية عدم إتاحة الفرصة لتطبيق الشريعة الإسلامية. وكان (البترو – إسلام) قد ظهر بقوةواستفحل أثر الثروة النفطية في هذا النمط الوهابي التكفيري خارج موطنه الصحراوي السعودي، وفي مقدمتهممصر كنموذج لدولة تبنت أنماطًا من الإسلام المعتدل قبل أن يغزوها الإسلام الوهابي البترولي كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل. وذلك بعد أن تم توظيف هذا النمط من التدين لحماية الثروة النفطية والعلاقات الاجتماعية القائمة على مبدأ تملك القلة للثروة، وهو نوع من الإسلام الشكلي الذي يتميز بالانشغال بقشور الدين وطقوسه دون مضامينه،وهو إسلام اللحى والجلباب القصير وتوقف العمل في مواعيد الصلاة ومنع الاختلاط والتحريمات والمخاوف اللامتناهية، فالإسلام البترولي يقوم بعملية فصل تام بين الدين وحياة الناس الفعلية وبين الايمان ومشاكل الفرد أو المجتمع، والإسلام البترولي يبعد أذهان الشعوب التي تدين به عن المشاكل الداخلية والخارجية لمجتمعاتها ولكنه لا يمس مصالح الدول الرأسمالية الكبرى في البترول. وظل الوهابيون يعتقدون أنه بمجرد الإعلان عن تطبيق حكم الشريعة في بلد ستتغير الأوضاع بين عشية وضحاها ولا يدركون طبيعة التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمعات المعاصرة، وطُرحت العديد من الحجج للترويج لرؤيتهم ورسالتهم،مثل صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، والصورة المثالية للعصور الإسلامية القديمة، وقُدمت حججا عقلية لتفنيد رؤية الوهابيين في تلك القضايا. وفي هذا الشأن يقول المفكر والفيلسوف المصري الدكتور فؤاد زكريا: “… الإنسان كائن متغير ومن ثم ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة، والحق أن تغير الإنسان حقيقة أساسية لا يستطيع إنسان يحترم عقله وعلمه أن ينكرها وحقيقة التغير هذه تحتم على أن تكون القواعد التي يخضع لها متغيرة بدورها، فالعقل البسيط والمباشر يأبى أن يكون هناك في المجال البشري ما يصلح لكل زمان ومكان ما دام الإنسان ذاته قد طرأت عليه تغيرات أساسية في الزمان منذ العصر الحجري حتى عصر الصواريخ كما طرأت عليه تغييرات جوهرية في المكان ما بين الجزر الاستوائية البدائية وبيئة المدن الصناعية الشديدة التعقيد، والذي كشف حقيقة تغير الإنسان هو العقل الذي خلقه الله للبشر والعلم الذي حضهم عليه ودعاهم إلى التزود به، هو نفسه الذي كشف عن حقيقة التغير الأساسية التي لا تفلت منها أي ظاهرة بشرية”. ويتابع زكريا: “لماذا الدعوة إلى تطبيق الشريعة؟ الجواب عندهم لأنها من عند الله والقوانين الوضعية من عند البشر، وهل يصح أن نقارن بين شريعة أوحى بها الله وبين قانون وضعه كائن ضعيف هش محدود؟ والسؤال الأساسي هو هل نحن حقًا إزاء اختيار بين شرع الله وقانون الإنسان؟ … أن أحكام الشريعة باعتراف الجميع تمثل في أغلبها مبادئ شديدة العمومية يتعين بذل جهد كبير من أجل ملء تفاصيلها بمضمون صالح للتطبيق في ظروف كل عصر بعينه، وأن أي مجتمع يريد لنفسه الحياة وسط عالم متغير متجدد يتعين عليه أن يتعامل معه أن يبذل جهدًا بشريًا هائلًا لكي يترجم المبادئ الدينية العامة إلى واقع يمكن تحقيقه في عالم كهذا. إن عملية الحكم عملية بشرية أولًا واخيًرا وما دام الذين يمارسونها بشرًا فسوف يقحمون مشاعرهم وميولهم في أي نص يحكمون بمقتضاه حتى لو كان نصًا إلهيًا، وكل حكم يتولاه الإنسان حتى لو كان يرتكز على شريعة الهية سيصبح بالضرورة بشريًا تنعكس عليه أهواء البشر وتحيزاتهم وأطماعهم وكل جوانب ضعفهم وهذا معناه أن الاختيار الحقيقي ليس بين حكم الله وحكم الإنسان وإنما بين حكم بشري يزعم أنه ناطق بلسان الوحي وحكم بشري يعترف بأصله الإنساني”.ويناقش زكريا عبارتين هما الحكم الإلهي والحكم البشري، ويصل إلى:”أن الحكم هو عملية بشرية أولًا وأخيًرا وأن الرجوع إلى نصوص إلهية لا يحول دون تدخل العنصر البشري في اختيار النصوص الملائمة وتفسيرها بالطريقة التي ترضي مصالح الحكم، وتطبيق أحكام الشريعة ليس في ذاته ضمانًا لأي حكم أفضل من تلك الأنظمة التي ظلت تستبد بنا طوال التاريخ، وإنما المهم والأساسي والجوهري هو الضمانات التي تحول بين الحاكم وبين الانحراف”. ومفهوم الضمانات بحسب زكريا مفهوم بشري بحت تطور على مدى التاريخ وخضع لأسلوب المحاولة والخطأ واستطاعات البشرية أن تنميه وتزيده إحكامًا بعد تجارب طويلة مريرة أخفق الكثير منها ونجح القليل نجاحًا نسبيًا ولكن الناس ما زالوا يتعلمون ويستفيدون من كل تجربة. يرى زكريا بأن البشر هم دائما الذين يحكمون وهم الذين يحولون أي شريعة إلهية إلى تجربة بشرية تصيب أو تخطئ من خلال ممارستهم للحكم تمامًا كما يطبق الحاكم – في الغالبية الساحقة من الحالات- أحكام الدستور ويفسرها على النحو الذي يخدم أغراضه ومصالحه بحيث تتحول هذه الأحكام من كلمات مسطورة على الورق إلى واقع فعلي متجسد على يديه. كما يرى بأن الصورة الطوباوية التي شكلها العقل السلفي للعصور الإسلامية القديمة جاءت من خلال الرجوع للنصوص وحدها وأن هذا الأمر لا يسمح على الإطلاق بالحكم على أوضاع مجتمع ما أو حضارة ما من خلال النصوص فقط دون الولوج إلى السياقات التاريخية والثقافية والدينية لتلك المرحلة القديمة، فأنصار الحكم الإسلامي يجعلون النصوص وحدها أساسًا للحكم على موقفهم الذي يزعمون أنه موقف الإسلام من مشكلات الإنسان الرئيسة ويتجاهلون ما حدث بالفعل في التاريخ. ويضيف زكريا بأن الإسلاميين سيقولون مرة أخرى (حول فشل تجارب تطبيق الشريعة عبر العصور) إن هذا سوء تطبيق لا يمس الجوهر، ويجيب زكريا بأنه إذا كان هذا الجوهر قد ظل غير متحقق طوال معظم فترات التاريخ، ألا يدعونا هذا إلى الشك العميق في إمكان تحققه في عصرنا الحاضر؟ بل ألا يدعونا ذلك إلى الشك في قدرة هذا الجوهر على التأثير في المسلمين بشكل عام ما دام الطابع على سلوكهم عبر التاريخ هو الابتعاد والانحراف عنه. كما وجه زكريا العديد من الانتقادات الموجهة نحو خطاب الشيخ الشعراوي فيقول:”الشيخ الشعراوي يقلل من أهمية العقل والعلم، ويغرد خارج مجاله الديني الوعظي فيفتي بالاقتصاد والسياسة وينقد العلم الطبيعي والتكنولوجيا… وهو خطاب موجه من (مرسل) إلى (مستقبل) دون أن يكون هناك نقاش أو حوار من جهة (المستقبل) تجاه (المرسل). ويتساءل زكريا لماذا أخفقت محاولات الحوار مع التيارات الدينية؟ لأن لدى أعضاء الحركات الدينية موقفا شديد الاتساق بحيث أنك لو سلمت بنقاط انطلاقهم كان من أصعب الامور أن تصل الى نتائج مخالفة لتلك التي يقولون بها، فنظرتهم متكاملة تترابط عناصرها وأجزاؤها بإحكام ولا سبيل الى انتقادها بطريقة فعالة الا بمناقشة المنطلقات الاولى والمقدمات الاساسية التي يبدأون منها. ويفند ذكريامقولة ثورة 23 يوليو والجماعات الإسلامية: ارتباط نشوء الحركات المتطرفة في مصر بظاهرة اضطهاد السجون… وأن تاريخ الجماعات الاسلامية مع ثورة 23 يوليو هو تاريخ اعتقالات واضطهاد وسجون وأن التطرف الديني نشأ في فترات الاضطهاد والتعذيب في السجون… وأن الثورة وقفت موقفا معاديا من الاسلام باعتبار ان تلك الجماعات كانت تمثل الإسلام. حيثيرى زكريا أن صدامات الثورة مع تلك التيارات كانت سياسية وليست عقائدية أو دينية، ويستدل على ذلك بالتوسع في إنشاء المؤسسات والمراكز الدينية من قبل السلطة المصرية في فترات مختلفة في عهد الثورة، وأن الصراع بين عبد الناصر والإخوان هو صراع سياسي على السلطة لا أكثر.
استمر فتح الباب على مصراعية للوهابية التكفيرية، وكان موقف الوهابيينقد تجاوز التقابل التقليدي بين الغرب المستعمر والصليبية ليتضمن هجومًا على الأقباط وتحريضًا صريحًا ضدهم.واستمر معه بالضرورة مسلسل الفتنة الطائفية في عهد السادات بعد إشعال النار في جمعية دار الكتاب المقدس بالخانكة 1972 التي أشرنا إلى تفاصيلها سابقًا، ففي عام 1975 حدثت اعتداءات وحشية على المسحيين في أسيوطأثناء إحتفالات رمضانية وتم تكسير محلات المسيحيين وكنيسة الملاك.كما أدى انفتاح مصر على يد أنور السادات اقتصاديًا واجتماعيًا، أن أصبح في مصر حوالي ثلاثمائة مليونيرًا، طبقاً لإحصائية دولية، ليكرس ذلك مقولة “أن من لم يغتن في عهد السادات، فلن يغتن أبداً”. ولكن، ولأن العشوائية لا يمكن أن تفضي أبداً إلى نهايات سعيدة، فقد قدم صندوق النقد الدولي، الذي سمح السادات لنفوذه بأن يتغول، طلبات بزيادة أسعار سلع أساسية. وعلى الرغم من اعتراض بعض الوزراء على ذلك، أصدر السادات توجيهاته بتنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي، متصورًا استحالة أن يعترض الشعب على قراراته الهادفة لمصلحة الشعب. لذلك، وافق مجلس الوزراء في 17 يناير 1977 على رفع أسعار 25 سلعة أساسية، فاندلعت المظاهرات، وخرج أبناء الطبقة المتوسطة للمرة الأولى ضد ارتفاع الأسعار والغلاء، فتراجع السادات.لينفجر الشعب غاضبًا من الإسكندرية إلى أسوان، في مشهد كان المصريون قد نسوه منذ سنين، حيث لم يكن الشعب يخرج إلى الميادين إلا مؤيدًا أو مهللًالرئيسه،فوجئ السادات بالانتفاضة الشعبية التي اضطرته لأن يهرب من استراحته في أسوان، خوفاً من غضب الجماهير، في مشهد كان مفاجئًا ومريرًا ومهينًا له، لتزيد مرارة المشهد، حين ظهرت صور عبد الناصر بكثافة في المظاهرات. وعلى الرغم من أن الحكومة اضطرت للتراجع عن قراراتها سريعًا، إلا أن الغضبة الشعبية لم تدفع الفرعون إلى العودة إلى وعيه، بل زادت من ابتعاده عن عموم شعبه، ليصف الانتفاضة : “انتفاضة حرامية”، مركزًا هو ووسائل إعلامه على وقائع التخريب التي حدثت في مواقع متفرقة من البلاد. بعد أشهر من التعبئة الإعلامية الحاشدة ضد من شاركوا في انتفاضة يناير، رافقتها حملة اعتقالاتٍ لم تشهد لها مصر مثيلًا، قام السادات بعمل استفتاء شعبي على مقترحات ديكتاتورية شرسة، اختار لها عنوان “حماية أمن الوطن والمواطنين”، ولم يكن غريبًا أن يوافق عليها نسبة 99,42 % من المواطنين. وحين اندلعت الانتفاضةبعثت مجلة الدعوة ذات المضمون اليميني الديني الرجعي برسائل تضامن مع السادات واعتبرت الانتفاضة دليلًا على مؤامرة شيوعية. وكتب محمد عبد القدوس فى مجلة الدعوة: “أن أحداث 18 و 19 يناير قد أثبتت أصالة الجماعات الاسلامية” وأضاف أن: “العناصر الإسلامية لم تُخدع بهذه الأحداث مما أفسد مخططها. فمثلا الطلبة المنضمون إلى الجماعات الإسلامية في الجامعات والمعاهد لم يخدعهم بريق الوعود الزائفة مما كان له أثر كبير في إمكان القضاء على الفتنة بسرعة. وكنا نتمنى أن يدرك المسئولون هذه الوقفة المؤمنة من الجماعات الإسلامية والتي أثبتت فى هذه الأيام السوداء أصالتها وأصالة الفكر الإسلامى الذي تعتنقه”. وفي فبراير عام 1977 كتب عمر التلمسانى فى افتتاحية مجلة الدعوة واصفا الاتتفاضة بأنها: “مرض أصاب طوائف الشعب” وطالب بتطبيق الشريعة الاسلامية وحدود الله على من أسماهم:”مثيرى الشغب”.وفي شهادته عن دور الجماعة الإسلامية في إجهاض انتفاضة 18 و19 يناير 1977، يقول منتصر الزيات: “كان واحدًا من الأدوار المهمة في خدمة السلطة ما قامت به الجماعة الإسلامية من إرهاب ضد مجموعات الناصريين واليسار الذين قاموا انتفاضة 18، 19 يناير 1977”. وكان مفتي جماعة الاخوان المسلمين قد أصدر فتوى في أعقاب الانتفاضة تنادي بتطبيق حد الحرابة على المشاركين فيها. والمؤكد أن السادات، بعد تلك الأحداث، لم يعد كما كان قبلها، لكن أهم تأثيرات الانتفاضة عليه كانت دفعه إلى سير لا رجعة فيه، في طريق التحالف مع الأمريكان والإسرائيليين والوهابيين، بكل ما تطلبه ذلك من تنازلات وتفريط في الأمن القومي المصري بل ومستقبل الوطن ذاته.