ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25-30)، ثم تطرقنا إلى ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والحضارة الرومانية، والمفهوم المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور
الوسطى المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، والليبرالية الكلاسيكية، والليبرالية الاجتماعية، والليبرالية الجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيين، والحملة الفرنسية، ولحظة الوعي المصرية الأولى، ومرحلة التأصيل الفكري للحرية، ومرحلة الزخم التنويري، والتيار الاشتراكي العلمي، والإسلام السياسي، وناصر والديمقراطية الاجتماعية، ومقالتي هذه عن “التجربة الحزبية الثانية”.
بعد رحيل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، تولى خلفه السادات الذي لم يخالفه الرأي منذ بداية ثورة 23 يوليو 1952، وذلك بعد أن تيقن أنه الزعيم الذي يمسك بجميع الخيوط بيديه، وكان بلا شك محل ثقة عبدالناصر الذي أوكل إليه مهام سياسية وتنفيذية كثيرة ومتنوعة، وفي عام 1969 اختاره جمال عبد الناصر نائبًا له، وظل بالمنصب حتى يوم 28 سبتمبر 1970، ومنذ البداية وفي أعقاب وفاة عبدالناصر، دعم قادة التيار الناصري الاتجاه نحو ترشيح أنور السادات لرئاسة الجمهورية، ودعا حلفاءه من اليساريين الماركسيين الى مشاركته في ذلك، متذرعًا برغبته في سد الباب أمام قفز شخصيات يمينية مثل زكريا محي الدين وعبداللطيف البغدادي على السلطة، وذلك لتوهمهم إن السادات قيادي وإنهم يستطيعون أن يحكموا من خلاله، لكن السادات الذي ضاق بمحاولتهم مشاركته سلطته قرر أن يضربهم في نقطة الضعف الرئيسية، وهي قضيةالحريات الديمقراطية، وكان السادات يملك من الخبرة السياسية ومن الذكاء ما دفعه لأن يمد يده لليسار الماركسي داعيًا إياه لكي يتحالف معه وبشروط أفضل من الشروط التي فرضت عليه في عهد عبدالناصر، فاختار عددًا من أقطابه أعضاءً في لجنة المئة التي أشرفت على إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي من القاعدة إلى القمة بعد حركة 15 مايو عام 1971، ورفعت هذه اللجنة العزل السياسي عن بقية الشيوعيين، ثم اختار بعد ذلك (وزيرين) منهم وهما الدكتور فؤاد مرسي والدكتور إسماعيل صبري عبدالله، فضلا عن ثقل خاص لهم في الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي.بعد تولي الرئيس السادات الحكم عام 1970 طرح شعاري سيادة القانون ودولة المؤسسات، وكانت بداية مبشرة بتحول ديمقراطي فوقي بدأ بصدور دستور 1971، والذي احتوى على بعض المواد المستنيرة فى حرية الفكر والاعتقاد، مثل المادة 46 القائلة “تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية”، والمادة 48 التي نصت على أن “حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة والرقابة على الصحف محظورة”، ومثل المادة 49 التي تقول “تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والثقافي، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك”، وذلك رغم القيود القانونية فى المادة 47القائلة “حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو النشر أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون”، على ان اكثر مادة مثيرة للجدل فى دستور 1971هى المادة الثانية القائلة (الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)، رغم أن هذه المادة تؤكد على مبادئ الشريعة، وهى غير تفصيلات وأحكام الشريعة الإسلامية، فمبادئ الشريعة الإسلامية هو ما يعرف لدى الفقهاء بمقاصد الشرع، وقال الفقهاء انها حفظ النفس والعرض والمال…الخ، أى أنها كليات أساسية في التشريع، ومبادئ الشريعة أو مقاصدها لا تختلف عن هدف اى قانون دولي أو محلى، وهو تحقيق العدل والموازنة بين العدل الاجتماعي والحرية وتحقيق السعادة للمواطنين… الخ، وهذا يتعارض مع وجود عشرات المواد التى جعلت الرئيس متحكما في السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ورئيسًا أعلى للقضاء والشرطة وقائدًا أعلى للقوات المسلحة، يملك ويحكم وليس مسؤولًا أمام أى جهة، فى نفس الوقت الذي يملك فيه إقالة الحكومة أو إقالة مجلس الشعب، ومن المؤكد أن هذه المادة قد جيء بها كعربون الصداقة بين السادات والتيار
الديني وعقيدتة فى “الحاكمية” أى الحاكم المتأله وسلطته المستمدة من الله، ولكي تؤسس وتمهد لدولة دينية قادمة تقوم على أسس الكهنوت الديني السياسي الذي يتناقض مع الإسلام بقدر مع يتطابق مع الخلافة العثمانية أو العباسية أو الفاطمية، حين كان يملك الخليفة الأرض ومن عليها، ومن هنا كان جزع المناهضين للسادات بقدر ما كان فرح الطامعين فى وراثته من المتحالفين معه العاملين لدولة دينية قادمة، والذين أتيح لهم أن يتغلغلوا فى اجهزة الدولة بدلًا ممن اتهمهم السادات بإنكار الشرائع السماوية.
صدرت “اللائحة التنفيذية” لقانون الأزهر رقم 103 لسنة 1961، وذلك بقرار جمهوري رقم 250 لسنة 1975، بشكل يتمشى مع ما أعطاه السادات للأزهر والتيار السلفي، وبنفس القدر يخالف القانون الأصلي التي جاءت اللائحة لتفسيره وليس للتناقض معه، ففي المادة 15 من القانون الأصلي 103 لسنة 1961 تجعل مهمة مجمع البحوث الأسلامية تجلية وتنقية الثقافة الأسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسي والمذهبي وتجليتها فى جوهرها الأصيل، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى
وكل بيئة، وبيان الرأي فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان مفترضا أن تأتي اللائحة لتوضح كيفية قيام مجمع البحوث بهذه المهمة العلمية البحثية في مصر والعالم الإسلامي، إلا أن اللائحة تجاهلت ذلك كله وحولت المجمع إلى جهة تصادر الكتب وتقف لحرية الفكر بالمرصاد، فالمادة 17من اللائحة تجعل من واجبات المجمع تتبع ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامى من بحوث ودراسات فى الداخل والخارج، والانتفاع بما فيها من رأى صحيح أو مواجهتها بالتصحيح والرد، وإذا كان الفكر الديني مبنيًا على الخلاف في الرأي فإنهم لن يجدوا في الرأي الأخر إلا خطأً محضًا، وبالتالي فإن السلطة التي في أيديهم ستحول هذا الخلاف إلى كفر، لأنه وقر في قلوبهم أن من يخالفهم قد خالف الإسلام، واللائحة المخالفة للقانون تعطيهم هذا الحق.. وبينما جاءت المادة 25 من قانون الأزهر بأن يختص المجمع بالنشر والتأليف وفى نطاق الأزهر على أن لا يتعدى دوره التوجيه دون المصادرة، تأتى اللائحة في العصر الساداتي لتحول مجمع البحوث إلى إدارة للمصادرة خارج الأزهر، وهنا تحول مجمع البحوث الى محكمة تفتيش لكل كتاب يتعرض للشأن الإسلامي ولو فى بضعة أسطر، وبذلك يكون قانونًا من حق المجمع أن يسمح بتداوله ونشره وعرضه أو أن يمنع ذلك، ولذلك فإن عصر السادات زرع ألغامًا أمام العقل المصري، ووضع إطارًا دينيًا للتيار السلفي الطامح للحكم كي يتهم خصومة السياسيين بالكفر بحجة إنكار تطبيق الشريعة، وقُدر لهذه الألغام أن تنفجر في وجه السادات نفسه حين أتهمه التيار السلفي بالكفر، وتوالى انفجار الألغام حتى يومنا هذا.
بعد حرب أكتوبر المجيدة، التي التي أعد لها عبدالناصر واتخذ قرارها السادات،
انقلب السادات علي كافة مباديء ثورة يوليو 1952، واتجه بكل قوة صوب اقتصاد السوق الحر، والتبعية الكاملة لدول مركز الرأسمالية العالمية، وأطلق السادات على هذا المسار “الانفتاح الاقتصادي”، وتكونت طبقة رأسمالية طفيلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفساد وبالاستبداد، وأراد السادات غطاءً لثورته المضادة، وكان “الديكور الديمقراطي” ضالته في ذلك، ففى مارس عام 1976 وافق الرئيس السادات على تأسيس ثلاثة منابر داخل الاتحاد الاشتراكي، الأول يمثل اليمين باسم “الأحرار الاشتراكيون”، والثاني يمثل اليسار باسم “التجمع الوطنى الوحدوى”، والثالث للوسط وتمثل في “تنظيم مصر العربى الاشتراكى”، ثم صدر قرار فى نوفمبر عام 1976 بتحويل هذه المنابر إلى أحزاب سياسية، ثم أسس السادات حزبًا جديدًا أُطلق عليه اسم “الحزب الوطنى الديمقراطى”، ودعا أعضاء حزب مصر الاشتراكى إلى الإنضمام إليه وتولى رئاسته، ثم صدر قانون الأحزاب السياسية في يونيو 1977الذي حول النظام السياسي في مصر الرسمية إلي التعددية الحزبية، وقد شهدت مرحلة التعدد الحزبي في عهد السادات عدة تحولات سياسية هامة أدت إلي تعثر التجربة الحزبية في مراحلها الأولي ومنها اندلاع انتفاضة يناير
1977، وزيارة السادات إلي القدس وما أدى إليه ذلك من تصعيد المواجهة مع المعارضة، وبدأ النظام الحاكم في التضييق من قنوات المشاركة السياسية عن طريق إصدار مجموعة من القوانين التي تضيق علي المعارضة، ومنها قانون العيب، وقانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، ومحاصرة النشاط السياسي لأحزاب المعارضة، وتعقب الآراء المخالفة وقيام المدعي العام الاشتراكي بالتحقيق مع بعض المفكرين حول أفكارهم فيما سمي بالتحقيق السياسي، أو المساءلة السياسية.
بينما كان عبدالناصر صريحًا في إيمانه بالتنظيم الواحد شكلًا وموضوعًا، وآمن بمفهوم االديمقراطية الاجتماعية قولًا وفعلًا، وحقق قدرًا كبيرًا من العدالة الاجتماعية الشاملة في كافة المجالات، إضافة إلى استكمال مسيرة التحرر الوطني، وتحقيق الاستقلال الوطني في أرقى صوره، رغم غياب الحريات السياسية والمهنية والنقابية، وهو ما اعتبرناه أحد أهم أسباب ضياع وتبخر كافة إنجازات ثورة 23يوليو 1952، إلا أن السادات كان مؤمنًا بالتنظيم الواحد موضوعًا، وبالتعددية الحزبية شكلًا، فما إن أطلقت تجربة المنابر، ثم الأحزاب حتى انهال النظام بالطعنات على أي حزب يحتمل أن يكون منافسًا أو جادًا في معارضته، ففي البداية تصور السادات أن الحزب الند لحزبه هو “حزب التجمع” اليساري، فاُشتعلت الحملات الصحفية ضده على الفور، وصُودرت جريدة “الأهالي” أغلب الأوقات، وأُعتقل كوادره المؤثرة، كما أغلق السادات مجلة “الطليعة” الشهرية التي كانت تصدر من “الأهرام” كمنبر يساري مستقل، ثم أطاح بكبار الصحفيين من رئاسة المؤسسات الصحفية القومية، ليأتي بصف ثان أكثر خضوعًا، كما أطاح السادات بوزير الإعلام “جمال العطيفي” لأنه سمح بتنظيم ندوات سياسية في تليفزيون الدولة بين مختلف التيارات السياسية، وجاء برجليه يوسف السباعي وعبد المنعم الصاوي على التوالي لإعادة التليفزيون إلى الحظيرة، ثم صدر قانون حماية الجبهة الداخلية رقم 33 لسنة 78 والذي حظرت مادته الأولى أى دعوة مناهضة لمبادئ ثورة 23 يوليو وثورة 15 مايو 1971والنظام الاشتراكي الديمقراطي، أى حظر أى معارضة بالقول والرأي، وفى المادة الثانية منع خصومه المحالين للمدعى الاشتراكي من تولى الوظائف العليا والتوجيه والقيادة والتأثير على الرأى العام، ووصفهم القانون بإنكار الشرائع السماوية، ثم أصدر السادات قرارات بحل مجلس الشعب مرتين لمجرد التخلص من بضعة أعضاء كانوا مستقلين نسبيًا، منهم الدكتور محمود القاضي والمستشار ممتاز نصار، وإلى جانب ذلك لجأ السادات إلى استخدام أغلبيته الآلية في مجلس الشعب لإسقاط عضوية كل نائب يجرؤ على انتقاده، وأشهر هؤلاء كمال الدين حسين زميله في مجلس قيادة الثورة، والشيخ عاشور، وأبو العز الحريري، علاوة على التلاعب بقوانين الانتخابات والتزوير المستمر، ثم وضع شرط الحصول على نسبة الـ 8% الشهيرة من الأصوات على مستوى الجمهورية كحد أدنى لتمثيل الحزب في البرلمان، ثم رفعها إلى 10%، على أن تتكفل
وزارة داخليته بألا يحصل الحزب على هذه النسبة، وتمادى السادات إلى أبعد من ذلك بالقضاء على القواعد الشعبية التي يحتمل أن تنتج أحزابًا أو تنظيمات مستقلة، مثل القطاع العام الذي عمل على إفشاله بشتى الطرق، وبعد ذلك وجه السادات مدفعيته الثقيلة إلى حزب “الوفد الجديد”، الذي أعيد تشكيله بزعامة فؤاد سراج الدين، حتى قرر حله نهائيًا في استفتاء من استفتاءاته الشهيرة، ثم اعتقل سراج الدين نفسه ضمن حملة اعتقالات سبتمبر1981 التي اغتيل السادات على أثرها.
حرص مبارك في بداية عهده على تهدئة الأوضاع السياسية في البلاد مع مختلف طوائف المعارضة، بعد التوتر الشديد الذي شهدته المرحلة الأخيرة من حكم السادات، فبدأ بعد أسابيع قليلة من مقتل سلفه (السادات) باتخاذ قرار بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين الكبار واستقبلهم في قصره، واستقبل بعض زعماء الأحزاب، وأعاد بعض الصحف إلي الصدور، وخفف القيود علي النشاط الحزبي، واستخدم لغة هادئة مع معارضيه، وفي فبراير عام 1982 دعا الرئيس مبارك صفوة العقول الاقتصادية في مصر، من مختلف الاتجاهات، إلى مؤتمر لمناقشة الوضع المتردي للاقتصاد المصري، وهو حدث أشاع في نفوس الاقتصاديين المصريين الأمل في أن إصلاحًا حقيقيًا على وشك أن يتحقق، ولكن سرعان ما تراجع عن ذلك، فشهدت سنوات حكمه الطويلة تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية والساسية بشكل غير مسبوق.
ترتب على استمرار المخلوع مبارك في سياسات السوق المفتوح ظهور الاحتكار في كافة المجالات، وازدادت الاحتكارات مع بدء عمليات الخصخصة في بداية التسعينيات، وتطورت وتبلورت بالكامل بعد ذلك مع بداية الألفية الثانية، ورغم إنفاق ما يقارب 840 مليار جنيه على البنية التحتية في مصر منذ عام 1975م حتى خلع مبارك، إلا إن مصر حصلت في الترتيب رقم 119 من إجمالي 148 دولة خلال 2013 – 2014م في مؤشر كفاءة الأسواق، وقد أدى ذلك كله إلى إهدار ما يقارب 700 مليار جنيه سنويًا، والارتفاع غير المبرر في الأسعار، وسوء تخصيص الموارد، وانتفاء الحاجة إلى الابتكار والتطوير والبحث العلمي والتي تدفع إليها المنافسة الحقيقية، واستمر مسلسل التعليم الخاص في الانتشار السريع ليلبي حاجات الطبقات الثرية الجديدة، والذي يؤهلها للحصول على فرص عمل جيدة، بينما غالبية الشعب بما فيها الطبقة الوسطى لم تعد تجد سوى التعليم الحكومي الذي تردى مستواه عام بعد عام، وساءت المنظومة الصحية في مصر للغاية، علاوة على زيادة معدل وفيات الأطفال تحت سن المدرسة، وزيادة معدلات التقزيم بين الأطفال في الفئات الأفقر، وزيادة معدلات الأمراض غير المعدية، والمعدية مثل الإلتهاب الكبدي (بي و سي)، ولم تزد نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية من الدخل القومي عن 4% في حين تتراوح بين 9 و 11 % في الدول المتقدمة، وحسب تصريحات المركز المصري لحقوق السكن، أصبح هناك 15.5 مليون نسمة يعيشون في العشوائيات، ويعيش 18% من الأسر
المصرية في غرفة واحدة وتستخدم حمام مشترك لأكثر من أسرة، وتشير التقارير أن نسبة الفقر في مصر وصلت إلى 26.3% في عام 2013م، ونسبة الفقر المدقع وصلت إلى 4.4%، ورغم ذلك تعتبر مصر من الدول الأقل عالميًا في تقديم الدعم والتحويلات، حيث يمثل الدعم نسبة 7% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت نسبة الدعم والتحويلات من الناتج المحلي الإجمالي 36% في هولندا، و29% في إيطاليا، و25.7% في ألمانيا وفرنسا، و24.6% في بريطانيا، و16.3% في جنوب إفريقيا، ونسبة 11% في كل من تونس والجزائر، وحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية فإن نسبة البطالة في مصر وصلت إلى 13.6% من قوة العمل، وأن نسبة البطالة بين الشباب في مصر وصلت إلى 25% من قوة العمل خلال عام 2013م، في حين تصل نسبة البطالة بين هذه الشريحة العمرية على مستوى العالم إلى 13.1%، وركزت معظم الاستثمارات في مصر على أنشطة اقتصادية ليس لها مردود اقتصادي عالي ينتج عنه فرص عمل وقيمة مضافة للنشاط الاقتصادي، وفي تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر عام 2013م، إحتلت مصر المركز رقم (114) من بين (177) دولة فيما يتعلق بمستويات الرشوة وإساءة استغلال السلطة، والتعاملات السرية، كما يقدر الفساد المالي والإداري في مصر بحوالي 200 مليار جنيه سنويًا حسب تصريح المستشار هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، كما بلغت تكلفة الفساد في العشرين عامًا الأخيرة من عام 1995م حتى اندلاع الثورة في 25 يناير 2011 حوالي 1300 مليار جنيه، وحسب تقارير البنك الدولي فإن أموال الفساد المهربة من مصر إلى الخارج بلغت أكثر من 143 مليار دولار، واستكملت الدولة الهجوم على العمال بإصدار القانون 12 لسنة 2003 والذي توسع في أسباب الفصل، وأطلق أيدي أصحاب الأعمال في تخفيض الأجور وزيادة ساعات العمل والإغلاق، في الوقت الذي فرض فيه قيودًا صارمة على حق الإضراب، وتم تعديل قانون النقابات العمالية ليؤكد هيمنة المجموعة النقابية الموالية للدولة على اتحاد العمال ومختلف المستويات النقابية، ومنذ منصف السبعينيات، تم تغيير بنك التسليف إلى بنك تجاري يقرض الفلاحين وغيرهم بفائدة تجارية بلغت 14% متخطية بذلك بعض النبوك التجارية، بعد أن كانت لا تتجاوز 4% ويتم سدادها من أثمان المحصول، وتم بالتعمد رفع الدعم عن مستلزمات الزراعة لتصل أسعارها لأضعاف ما كانت عليه في فترة قصيرة، كما تم مضاعفة ضريبة الأطيان مما أدى إلى تضاعف تكلفة العملية الزراعية، وانسحبت الدولة من احتكار تجارة الحاصلات الزراعية التقليدية، لصالح تجار القطاع الخاص والاحتكارات الجديدة في مجال الزراعة، وتم إصدار سلسلة من القوانين الفاسدة ومنها التعديلات القانونية التي تتيح تحصيل قيمة القروض من الفلاحين بالحجز القضائي على الأرض وليس على المحصول كما كان سابقًا، وتم فتح الباب أمام الشركات متعددة الجنسيات المتخصصة في مجال إنتاج وتسويق مستلزمات الزراعة مثل التقاوي والأسمدة والمبيدات، وأدى كل ذلك إلى تدهور الزراعة وخاصة المحاصل الإستراتيجية وأغلب
الصناعات القائمة عليها، وفي ظل القانون 92 لسنة 96 أطلقت حرية ملاك الأراضي الزراعية في تحديد القيمة الإيجارية بإرادتهم المنفردة، وتحولت العقود إلي عقود إذعان، من حيث القيمة والمدة، مما أدي إلي إفقار الفلاحين وعجزهم عن سداد القيمة الإيجارية، كما شهدت أموال العمال في التأمينات الاجتماعية نهبًا منظمًا عبر إيداع 92% منها في بنك الاستثمار القومي بفائدة أقل من السوق (كانت 3% في الثمانينات وتدرجت حتى 11% في 1997) استخدمت طوال الوقت في سد عجز الموازنة العامة بالإضافة لخسارة الملايين منها في عمليات مضاربة بالبورصة، كما قدرت دراسات أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، ومنظمة اليونيسيف، عدد أطفال الشوارع في مصر بنحو مليوني طفل، وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2010م، فإن نسبة الأمية في مصر بلغت 29.7% من إجمالي السكان في العمر من (عشر سنوات فأكثر)، وبلغت نسبة الأمية بين صفوف السيدات إلى أكثر من 70%، واستمرت الأنظمة السابقة منذ أربعين عامًا في تجريف النظام القيمي للمجتمع المصري وتشويه وعيه السياسي والثقافي والجمالي، ووصلت نسبة الامية الثقافية إلى 94 %، وتغيرت منظومة القيم في حياة المصريين، وإختفى التفكير العقلي السليم أمام مواكب الجهل والأمية والأزمات الاجتماعية، وأصبحت الأصولية الفكرية تصيب كل التيارات السياسية وليس تيار التأسلم السياسي فقط، كما وصلت نسبة “الأمية المهنية” في مصر إلى 90% حسب تقرير منظمة “مصر بينا”، بينما لا تتعدى نسبة الأمية المهنية 11% في أغلب الدول المتقدمة من إجمالي الموارد البشرية المتعلمة، وأحتلت مصر المرتبة (108) في مؤشر الإبتكار العالمي لعام 2013م.
أصبحت الدولة المصرية مثالًا للعميل المطيع للإامبريالية الأمريكية وحليفتها إسرائيل، وعلى يد مبارك تحولت الجامعة العربية إلى مسرحية هزلية، وانتهى دور مصر الإفريقي.. كما أن سياسات المخلوع مبارك أدت إلى موت السياسة في مصر، فاعتدنا أن يأتي الوزراء ورئيس للوزراء لم تُعرف عنهم قط اهتمامات سياسية قبل اعتلائم منصبهم، كما كانو شخصيات مدجنة مما يجعل جلوسهم في هذه المناصب لا يسبب أي متاعب لراسمي السياسة الحقيقيين في الداخل والخارج، ونتيجة لمجمل السيايات التي وضع أسسها السادات واستمر عليها خلفه مبارك، أصبحت مصر نموذجًا لما يسمى “الدولة الرخوة”، هذا المفهوم الذي أطلقه عالم الاقتصاد السويدي الشهير “جنار ميردال”، فقد وصف الدولة الرخوة بأنها “سر البلاء الأعظم، وسببًا رئيسًا من أسباب استمرار الفقر والتخلف، فهي دولة تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأنه لا يوجد في الدولة الرخوة من يحترم القانون، الكبار لا يبالون به لأن لديهم من المال والسلطة ما يحميهم منه، والصغار يتلقون الرشى لغض البصر عنه، وفي هذه الدولة تباع
الرخص والتصاريح، ويعم الفساد، فرخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد يزيدها رخاوة”، وهذا ما خلقه نظام مبارك.
كما شهد عصر المخلوع مبارك تراجع شديد لكافة أشكال الديمقراطية، وتضييق في مساحة الحريات لأقصى درجة، وتزايد القمع والاستبداد، والسيطرة على نشاط منظمات المجتمع المدني والصحافة، وبدأت القوانين تصدر بقرارات، وبدأ استخدام المحاكم العسكرية بشكل كبير، وفي عام 1993-1994 صدر قانون لتعديل نظام اختيار عمد القرى وعمداء الكليات، وأصبح اختيار عمدة القرية حق السلطة التنفيذية بعد أن كان بالانتخاب، لضمان اختيار أشخاص ذوي ولاء لنظام مبارك وحزبه، أما بالنسبة لعمداء الكليات فقد صدر قانون تعيين العمداء، بعد أن كان هذا المنصب يتم بالانتخاب من أساتذة كل كلية، كذلك الأمر بالنسبة لقانون الجمعيات الأهلية والخدمية فقد أعطى قانون 100 لسنة 2002 الحق لوزير الشئون الاجتماعية بحل مجالس إدارة هذه الجمعيات أو إيقاف نشاطها، واحتلت مصر المرتبة 143 من أصل 192 دولة في ترتيب الحريات.. وفيما يتعلق بالحريات الدينية صُنفت مصر كخامس اسوأ دولة فى العالم بعد السعودية وإيران وأوزبكستان والصين وفقا لتقرير “منتدى بيو للدين والحياة العامة” الصادر يوم 16 ديسمبر 2009، وأتى موقع مصر رقم 12 ضمن اسوأ دول العالم التى تمارس العنف الدينى ضد الأقليات الدينية وفقا لنفس التقرير، والواضح أن الأزهر في بداية عصر مبارك قد وصل نفوذه الى الذروة خصوصا مع عودة العلاقات الرسمية بين مصر والسعودية راعية الفكر السلفي المتزمت، وأصبح لمجمع البحوث صفة الضبطية القضائية لما يراه مخالفا لتحقيق آمال الطامعين فى إقامة الدولة الدينية، ونجح الأزهر بهذا النفوذ في التفريق بين نصر أبو زيد وزوجته، وحبس الكاتب علاء حامد، ومصادرة كتب المستشار المستنير سعيد العشماوي، واضطهاد وفصل الدكتور أحمد صبحي منصور المفكر الإسلامي والمدرس بجامعة الأزهر، وأدت معركة المصادرة هذه الى أهمية توضيح الأساس القانوني لدور الأزهر وتصحيح الموقف، وحدد القانون 102 لسنة 1985 دور مجمع البحوث في مراجعة المصحف والأحاديث النبوية، كما تميز عصر مبارك عن غيره من العصور الديكتاتورية بعدم اقتصار التعذيب على النشطاء السياسيين بل تجاوز هذا ليطال المواطنين المدنيين في أقسام الشرطة التي أصبحت سلخانات للتعذيب وإهدار كرامة وآدمية جميع المواطنين، كما استمر قانون الطوارئ معمول به طيلة عصر مبارك، وبموجب هذا القانون تم تعذيب آلاف من أعضاء التنظيمات السياسية في السجون تعذيبًا منهجيًا، واحتلت مصر المركز رقم 128 من أصل 167 دولة في حرية الصحافة، وقد تم في عهد مبارك حبس أكبر عدد شهدته مصر في تاريخها كله بدءً من حملات الاعتقال التي طالت العاملين في الأحزاب السياسية المعارضة، وكان بعضهم عرضة للتعذيب، ومن بين هؤلاء صحفيون لجريدة الشعب والأهالي والحقيقة، وقد ألقي القبض على حمدين صباحي
وآخرين وذلك بعد إعلان موقفهم من حرب عاصفة الصحراء 1991، وتمت محاكمة 56 من المشتغلين في الصحافة أثناء تطبيق القانون الذي عرف بقانون اغتيال الصحافة، أما بالنسبة لمصادرة الصحف فهي أيضا كثيرة، فقد تمت مصادرة جريدة الأهالي عند نشرها جزءا من كتاب “خريف الغضب” لهيكل، وفي عام 1988 داهمت أجهزة الأمن مطابع الأهرام، وقامت بمصادرة “جريدة صوت العرب”، ثم جاءت مصادرة جريدة الدستور في عام 1999 وشهد عام 2000 مصادرة جريدة الشعب الناطقة بلسان حزب العمل وبتجميد نشاط الحزب، ناهيك عن المطبوعات التي بدأها بمصادرة كتاب “واقعنا المعاصر” في بداية توليه السلطة، مرورًا بمصادرة كتاب “خريف الغضب” لهيكل، و”نقد الخطاب الديني” لنصر حامد أبو زيد، وكذلك صودر كتاب الأهالي “لهذا نعارض مبارك”، وكتاب “طريق الاشتراكية إلى التغيير” الصادر عن مركز الدراسات الاشتراكية، ثم صدر القانون رقم93 لسنة 1995 الذي تضمن عقوبات مشددة على الصحفيين، وتصدت الصحف، باختلاف توجهاتها القومية، والحزبية، والمستقلة لهذا القانون، الذي صدر في غسق الليل، وربما رؤية المخلوع للصحافة توضح طبيعة العلاقة بينه بين الصحافة، إذ قال الكاتب محمد حسنين هيكل ” مبارك كان يقول على الصحفيين دول عالم “لَبَطْ”، ويدَّعون أنهم يعرفون كل شىء، في حين أنهم “هجاصين” لا يعرفون شيئًا، ووصفهم بقوله “فالحين قوى”، ولابد أن ينكشفوا أمام الناس على حقيقتهم، ولم يحترمهم يومًا، أو يقدر قيمة مساعداتهم في الوصول إلى المعلومة الصحيحة، بل إنه كثيرًا ماكان يستمتع بوقوعهم في الأخطاء، بسبب الضبابية ومنع المعلومات عنهم”، فيما وصف رجائي الميرغني وكيل أول نقابة الصحفيين فى دورة 1999 – 2003، علاقة الرئيس المخلوع حسني مبارك بالصحافة بأنها كانت معقدة، وغير مريحة، ووصلت أحيانًا لمرحلة الصدام، موضحا أن عهده شهد العديد من الأزمات سواء بينه وبين الصحفيين، أو بينه وبين نقابتهم، ورأى الميرغني أن الأزمات العديدة التي شهدتها الصحافة في عهد مبارك نتجت عن العلاقة القهرية المبنية علي القهر، والاستخدام، والولاء، وتفضيل الصوت الواحد، والراي الواحد، كما أوضح يحيى قلاش أن مبارك كان يعتبر وسائل الإعلام أدوات ليس أكثر، ويتعامل مع رؤساء التحرير باعتبارهم موظفين في الإدارات العليا، مشيرًا إلي أن العلاقة تحولت لعقد غير مكتوب بين رؤساء التحرير والرئيس مفاده أن يظلوا في مواقعكم، ويفعلوا ما يشاؤون، مقابل ان تكون هذه الصحف جرائد الحاكم، تكتب ما يريد أن يقرأه هو لا الشعب، و لا تعكر صفوه، ولا تحدث أي قلق له.
وعلى خطى سلفه، كان الاستبداد الاجتماعي والسياسي سمة عصر مبارك، مصحوبًا بديكور ديمقراطي، ومن أول انتخابات برلمانية جرت في عهده، أصدر رئيس وزرائه فؤاد محيي الدين، أمرًا صريحًا إلى وزير الداخلية حسن أبو باشا بأن تكون النتائج هي فوز الحزب الوطني بأكثر من 95 % من المقاعد، وكان هذا الأمر ردًا على توقع أبو
باشا حصول الحزب على حوالي 75% من المقاعد إذا أجريت الانتخابات دون تزوير، كما كتب أبو باشا في مذكراته، وبعد ذلك أصبح تزوير الانتخابات تقليدًا راسخًا لحكم مبارك، واستطاع نظام مبارك القضاء على الكثير من الأحزاب السياسية المنافسة له من خلال إنشاء لجنة شئون الأحزاب ذات الدور المشبوه في الحياة السياسية، وقد أعطت هذه اللجنة لنفسها الحق في تقييم الأحزاب والحكم على مدى جديتها وأظهرت كامل انحيازها للحزب الحاكم، وقد أدت تلك الممارسات الاستبدادية إلى وجود قوى سياسية حقيقية يسارية وليبرالية فى الشارع ولكن لم يتم الاعتراف بها رسميا فى الوقت الذي يتم الاعتراف بقوى ليس لها أى تواجد سياسي فى الشارع.
كانت النقلة النوعية الكبرى للاستبداد الشامل مع ظهور جمال مبارك وتصدره للمشهد السياسي من خلال المجلس الأعلى للسياسات (أمانة السياسات)، والتي ضمت المحتكرين لأغلب الصناعات في جميع القطاعات والأنشطة الخدمية، وهو ما عرف بزواج المال بالسلطة، حيث تمكنوا من دخول المجالس التشريعية واحتكروا المناصب المؤثرة فيها، وبعد التغيير الوزاري المصري في يوليو 2004، صاغ ثلاثمائة من المثقفين المصريين والشخصيات العامة التي تمثل الطيف السياسي المصري بأكمله وثيقة تأسيسية تطالب بتغيير سياسي حقيقي في مصر، وبإنهاء الظلم الاقتصادي والفساد في السياسة الخارجية، وتوافقوا على أمرين هامين، الأمر الأول هو المخاطر والتحديات الهائلة التي تحيط بالأمة العربية والمتمثلة في الغزو والاحتلال الأميركي للعراق، والاغتصاب والعدوان الصهيوني المستمرين على الشعب الفلسطيني، الأمر الثاني أن الاستبداد الشامل الذي أصاب المجتمع المصري يستلزم إجراء إصلاح شامل سياسي ودستوري يضعه أبناء هذا الوطن، وفتح الباب لتداول السلطة ابتداء من موقع رئيس الدولة، وإعلاء سيادة القانون والمشروعية واستقلال القضاء، وإنهاء احتكار الثروة الذي أدى إلى شيوع الفساد والظلم الاجتماعي وتفشي البطالة والغلاء، وتوافقوا على أن يكون رفضهم للرئيس المصري آنذاك حسني مبارك هو أساس حركتهم، ومن هنا جاء اسم الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، ومنذ بدايتها رفعت شعاري “لا للتمديد لا للتوريث”، واعتمدت حركة كفاية أسلوب التظاهر في أغلب محطاتها المعارضة للنظام المصري، وقد رد النظام على تنامي الحركة التي شملت 22 محافظة من اصل 26 محافظة في مصر ككل، وذلك بحملات أمنية وصفتها منظمات حقوقية محلية وإقليمية وعالمية بأنها حملات وحشية، كما حازت الحركة على دعم إعلامي مكثف من الصحف المعارضة، خاصة وأن ضغوط كفاية قد ساهمت في رفع سقف التعبير النقدي في المجال العام المصري، فقد تناول العديد من الصحفيين وبصورة شبة يومية شخصيات كان من المحظور تمامُا قبل بزوغ حركة كفاية الإشارة إليها مثل أسرة الرئيس المصري وخاصة زوجته وولده جمال المرشح لخلافة مبارك على عرش مصر، وقد أدى انتشار “كفاية” لظهور حركات نوعية وفئوية خاصة
مثل “شباب من أجل التغيير” و “عمال من أجل التغيير” و “صحفيون من أجل التغيير” و “طلاب من أجل التغيير”، كما انتشرت المطالب المهنية والحرياتية في ربوع مصر، فخرج من عباءة الحركة عدد من الكوادر والأفكار التي استفادت منها حركات سياسية في نشاطات موازية.
وفي عام 2005 أثناء الاستعدادت لانتخابات البرلمان، اتفقت الأحزاب والقوى السياسية على تشكيل “الجبهة الوطنية للتغيير” تحت برنامج حد أدنى للإصلاح الديمقراطي مع الاحتفاظ بحق هذه الأحزاب والقوى في تبني برامجها الخاصة، وشارك في الجبهة أحزاب الوفد، والتجمع، والناصري، والعمل، والكرامة، والتجمع الوطني للتحول الديمقراطي، والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، والحملة الشعبية من أجل التغيير، والتحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير، ومع إعلان تشكيل الجبهة أُعلن عن اختيار الدكتور عزيز صدقي رئيس الوزراء الأسبق ممثلًا عامًا لها، ونعمان جمعة متحدثًا رسميًا عنها، وطالبت الجبهة الوطنية للتغيير بضرورة تشكيل حكومة قومية قادرة على اكتساب ثقة الجماهير والنخبة والأحزاب والتيارات السياسية، وأن تقوم هذه الحكومة بوضع وتنفيذ خطة إنقاذ عاجلة لمعالجة المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد في إطار رؤية مستقبلية وبدعم من جميع قطاعات الدولة، وطالبت بالإلغاء الفوري لقانون الطواريء المعمول به منذ أكثر من 25 عاما، وتقدمت جبهة المعارضة بـ 222 مرشحًا في 179 دائرة، ولكن لم تتمكن الجبهة مواجهة الحزب الحاكم المحتكر للسلطة وأجهزة الدولة وإعلامها الرسمي، ولم يشارك الإخوان المسلمون في القائمة الموحدة، وقرروا خوض الانتخابات بشكل مستقل تحت شعار “الإسلام هو الحل”، كما قررت الجماعة الدفع بمرشح منافس لزعيم حزب التجمع اليساري المعارض خالد محيي الدين في دائرته الانتخابية بكفر شكر لأول مرة، على خلاف ما تم التوافق عليه، وكان الخلاف الأخير الذي شهدته الجبهة يتعلق بمسألة المطالبة بمراقبة دولية للانتخابات التشريعية، ففي حين أكدت قيادات من الجبهة أنها خاطبت عددًا من المنظمات الدولية على رأسها الأمم المتحدة ومنظمة هيومان رايتس ووتش، من أجل مراقبة الانتخابات باعتبار أن ذلك أصبح أمرًا معترفًا به في كل دول العالم، فقد سارعت قيادات أخرى بمعارضة مبدأ الرقابة الدولية بحجة أن ذلك يسمح بالتدخل الخارجي المباشر في الشؤون الداخلية.
وعقب الدعوة إلى الإضراب العام الذي شهدته مصر في 6 إبريل عام 2008، ظهرت حركة “6 ابريل” في الساحة السياسية بدعوة من عمال المحلة الكبرى إحتجاجًا على الأوضاع المعيشية المتدهورة، ولتحقيق التغيير من أجل إصلاح مصر وتخليصها من لوبي الفساد الذي يتفنن في تدميرها وإهدار ثرواتها منذ أكثر من ربع قرن، فتبناه الشباب وبدؤوا في الدعوة إليه كاضراب عام لشعب مصر، وبدأت الحركة في تشكيل مجموعات لنشر فكرة الإضراب وإرسال رسائل إلى المصريين المشتركين بموقع فيس بوك (وصل
عدد الأعضاء إلى 70,000 في إحدى الصفحات الداعية للإضراب)، وبعد فترة تناولت بعض الصحف المصرية فكرة الإضراب والحركة، تحت شعار “خليك بالبيت”، وكانت الإستجابة كبيرة لهذة الدعوات حيث امتنع معظم طلاب مصر في شتى أنحاء الجمهورية من الذهاب للمدارس والجامعات، كما خلت المصالح الحكومية من الموظفين بشكل كبير في هذا اليوم بسبب الاستجابة لدعوة الإضراب، وتُوج هذا اليوم بانتفاضة أهالي مدينة المحلة الكبرى ضد عصا الأمن العمياء التي أدت إلى اصابة العشرات واستشهاد مواطنين واعتقال المئات من أهالي المحلة، ورغم ذلك نجح الإضراب إلى حد كبير، وتشكل أغلب اعضاء الحركة من الشباب الذين لا ينتمون إلى تيار أو حزب سياسي معين وحرصت الحركة على عدم تبنيها لأيدلولوجية معينة حفاظا على التنوع الأيديولجي داخل الحركة ولما تفرضه ظروف مصر آنذاك من ضرورة التوحد والائتلاف ونبذ الخلاف، وتوالت المظاهرات والمسيرات التي نظمها أعضاء الحركة، كما كانت حركة شباب 6 أبريل من الأوائل في الدعوة إلي ثورة 25 يناير.
تأسست الجمعية الوطنية للتغيير في فبراير 2010م، وهي تجمع فضفاض من مختلف المصريين بجميع انتماءاتهم السياسية والمذهبية، وممثلين عن المجتمع المدني والشباب تهدف إلى التغيير في مصر، ومن أجل هذا كان هناك اتفاق عام على ضرورة توحد جميع الأصوات الداعية للتغيير في إطار جمعية وطنية، وطُلب من الدكتور محمد البرادعي أن يكون في مقدمتها، وهذا التنوع هو ما أثمر عن حوالي المليون توقيع علي بيان “معاً سنغير”، في أقل من سبعة أشهر من تاريخ إصداره في الثاني من مارس لعام 2010، وهذا من خلال موقع الجمعية، وحملة طرق الأبواب التي قام بها شباب الجمعية والحركات المشاركة بها، وتم تدشين فروع الجمعية الوطنية للتغيير في أغلب محافظات مصر، وفي كثير من الدول العربية والأوروبية، ومثلت الأهداف الرئيسية للجمعية في العمل على التوصل إلى نظام سياسي يقوم على الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية، والخطوة الأولى على هذا الطريق هي كفالة الضمانات الأساسية لانتخابات حرة ونزيهة تشمل جميع المصريين، بحيث تكون هناك فرصة متكافئة للجميع، سواء الانتخابات التشريعية أو الانتخابات الرئاسية، وهي ضمانات وإجراءات تطالب بها فئات عريضة من المجتمع المصري منذ سنوات عديدة وفي مقدمتها إنهاء حالة الطواريء، وتمكين القضاء المصري من الرقابة الكاملة على العملية الانتخابية برمتها، وإشراف من قبل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي على العملية الانتخابية، وتوفير فرص متكافئة في وسائل الإعلام لجميع المرشحين وخاصة في الانتخابات الرئاسية، وتمكين المصريين في الخارج من ممارسة حقهم في التصويت بالسفارات والقنصليات المصرية، وكفالة حق الترشح في الانتخابات الرئاسية دون قيود تعسفية اتساقًا مع التزامات مصر طبقًا للاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية، وقصر حق الترشح للرئاسة على فترتين، وأن تكون
الانتخابات عن طريق الرقم القومي، كما تمثلت مطالب الجمعية في تعديل المادة 76 من الدستور المصري، وتعديل المادة 77 من الدستور المصري التي تنص “مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى”، وتعديل المادة 88 من الدستور المصري الخاصة بشروط وأحكام الانتخاب والاستفتاء.
ثم أتى التزوير الفج لانتخابات مجلس الشعب عام 2010 قبل شهرين من اندلاع ثورة 25 يناير، وحصل الحزب الوطني الحاكم على 97% من مقاعد المجلس، أي أن المجلس خلا من أي معارضة تذكر، مما أصاب المواطنين بالإحباط، وأطاح النظام بأحكام القضاء في عدم شرعية بعض الدوائر الانتخابية، وقد تباينت آراء القوى السياسية المعارضة بين مقاطع ومشارك فى تلك الانتخابات، فبينما رأت بعض القوى المدنية وعلى رأسهم البرادعي ضرورة مقاطعة تلك الانتخابات كونها خلت تماما من أية ضمانات تؤكد نزاهتها وتحترم ارادة الأمة، وأن النظام الذى تعود على تزوريها وحتمًا سيفعل ذلك بشتى أساليبه التى يبتكرها فى كل مرة، رأى البعض الآخر المشاركة في الانتخابات وعلى رأسهم حزب الوفد وجماعة الاخوان المسلمين، وردًا على تصريحات “علي الدين هلال” القيادي بالحزب الوطني المنحل، في حوار للبوابة نيوز قبل ثورة ٢٥ يناير، ذكر فيها أنه لا يعلم بوجود تربيطات أو صفقات بين النظام والحزب الوطنى وجماعة الإخوان، خرج المرشد العام الأسبق “محمد مهدى عاكف” قائلًا “إن تلك الصفقات تتم على مستوى أعلى من شخص علي الدين هلال، وإنه لا يعلم عنها شيئًا”، وحينها لم يصدر تعقيب من النظام، إلا أنه بعد انتهاء المرحلة الأولى من الانتخابات وما ظهر بها من تزوير فج لم يسبق له مثيل، قرر حزب الوفد الإنسحاب من المراحل المتبقية من الانتخابات.
ثم تأسست صفحة “كلنا خالد سعيد” في10 يونيو 2010 على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، بواسطة الناشط وائل غنيم بعد واقعة الشاب المصري خالد سعيد الذي تعرض للوفاة نتيجة التعذيب من قبل مخبري للشرطة بسبب تطبيق قانون الطواريء طوال 30 عاما، ومنذ البداية حددت للصفحة هدفا استراتيجيا واضحا وهو “إيقاف التعذيب، وإسقاط قانون الطوارئ، وإيقاف استغلال المسئول لمنصبه، وإيقاف التضليل الإعلامى”، وأتى مقتل خالد سعيد حلقة في سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان على يد الشرطة في مصر، وثقت المنظمات الحقوقية المصرية والعالمية تصاعد وتيرتها في السنوات السابقة على هذه الحادثة كرد فعل للدولة البوليسية على زيادة القلق الشعبي وازدياد وتيرة الاحتجاجات الشعبية على الظروف المعيشية والسياسية، وتنامي انخراط قطاعات واسعة من الشباب في العمل السياسي والحراك الاجتماعي وصحافة المواطنين، راصدين إخفاقات المسؤولين وفساد الحكومة وتنامي الحركات المطلبية وانتهاكات حقوق الإنسان، فبرغم أن حوادث الانتهاكات الجسدية والقتل العمد على يد الشرطة كانت ظاهرة
دائمة الحضور في المجتمع المصري وتفشّت في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، إلا أن انتماء خالد سعيد إلى الطبقة الوسطى التي كانت تقليديًا أقل معاناة من تلك الانتهاكات من الطبقات الشعبية والمعدمة أدى إلى تعاطف قطاعات جماهيرية واسعة بين من رأوا في خالد مثالًا عما يمكن أن يصيبهم وأبناءهم مما ساهم في الحشد ردا عليها، حيث ساهمت في حشد الرأي العام بعد نجاح ثورة الياسمين في تونس للقيام باحتجاجات سلمية من أجل الإصلاحات وإلغاء الطواريء، فبعد انشاء الصفحة تجاوزت حاجز الـ 4000 آلاف عضو خلال أقل من ساعة واحدة (100 ألف خلال 3 أيام و184000 في خلال 10 أيام)، ما يدل على حالة الغضب الشعبي الذي تصاعد عبر موقع الفيسبوك احتجاجاً على قتل الشاب خالد محمد سعيد، وتعتبر هذه الصفحة شرارة قيام ثورة25 يناير في مصر (وهو موضوع مقالتنا القادمة والأخيرة)