أوضحنا سابقًا كيف كان الاستقلال الوطني بمفهومه التقدمي، هدفًا أساسيًا من أهداف الثورة المصرية 25-30، وذلك في مقالتنا الأولى بعنوان “الثورة والاستقلال الوطني”، ثم ألقينا الضوء على مرحلة

نشأة الأمة المصرية قبل التاريخ في مقالة بعوان “أهل مصر.. أمة قبل التاريخ”، وهي الفترة التي مهدت الطريق لولادة حضارة من أعرق الحضارات في العالم القديم وهي الحضارة الفرعونية، باعتبارها حجر الأساس ومركز الارتكاز للحضارة الإنسانية، والتي استمرت على  مدار ثلاثين أسرة حاكمة (ما بين 3200 ق.م تقريبا حتى 332 ق.م). ثم ألقينا الضوء على عصر الأسرات المبكرة، وعصر الدولة القديمة وعصر الاضمحلال الأول في مقالتنا السابقة بعنوان “الدولة الفرعونية القديمة”، وهي المقالة الأولى من ثلاث مقالات متصلة عن عصر الأسر الفرعونية، وأوضحنا من خلالها كيف حافظت مصر على استقلالها السياسي التام، الذي كان مرادفًا موضوعيًا للاكتفاء الذاتي، والاستقلالية الاقتصادية شبه الكاملة، والنماء والقوة والريادة للدولة المصرية القديمة، كما احتفظت مصر بسمات الشخصية المصرية التي تمايزت ولم تتعرض لتأثيرات كبيرة خلال تلك الحقبة. ومقالتي هذه الثانية عن الأسر الفرعونية بعنوان “الدولة الفرعونية الوسطى“.

كما أوضحنا سابقًا، بنهاية عصر الاضمحلال الأول الذي أعقب الدولة القديمة، ونتيجة انهيار السلطة المركزية، وانتشار الفساد، والانحطاط الفكري والثقافي والفني، وتحلل وتراجع قيم المواطنة أمام سلطة الحكام المحللين، كانت مصر مقسمة ثلاثة أقسام، ففي الوجة البحري كانت الدلتا في يد الساميين القادمين من الشام، وفي مصر الوسطى كان حكام أهناسيا من الجنس الليبي هم المسيطرون، وفي الوجه القبلي كانت البلاد ملتفة حول حكام طيبة. وبدأ حكام طيبة في تكوين وحدتهم السياسية بعد مهادنة ملوك الأسرة العاشرة في أهناسيا، وعمل حكام أهناسيا على طرد البدو الآسيويين من الدلتا، وفي نفس الوقت اتجه حكام طيبة إلى الاهتمام بالنبط والدفاع عنها، وبفضل هذين الحدثين في الشمال والجنوب أصبحت وحدة مصر في طريق التحقيق، وبمرور فترة تزيد عن ثمانين عامًا من الصراع حاول فيها أربعة ملوك قبل “منتوحتب الأول” توحيد البلاد، نجح البيت الطيبي في تحقيق وحدة البلاد وتكوين الأسرة الحادية عشر، وبناء ما عرف باسم “الدولة الوسطى”، حوالي 2123ق.م – 1778 ق.م.

يبدأ التاريخ الحقيقي للدولة الوسطى بتحقيق الوحدة السياسية للبلاد، حيث اتحدت السلطة المركزية في مصر من جديد في أعقاب فترة طويلة من الاضطرابات. ويعد الملك منتوحتب الثاني مؤسس الأسرة الحادية عشرة أعظم ملوك هذه الأسرة، إذ أعاد وحدة مصر، وحمى حدودها الشرقية، وبنى معبدًا ومقبرة إلى الغرب من طيبة، إذ مهد بجانب الجبل المطل على طيبة مسطحين يعلو أحدهما الآخر، وبنى عليهما معبده ومقبرته، وكان هذا الإبداع المعماري ملهمًا فيما بعد لمهندس الملكة “حتشبسوت” في بناء معبدها على الطراز نفسه بجانب معبد الملك ومقبرته. خلف منتوحوتب الثاني عدة ملوك اتخذوا الاسم نفسه الذي يرتبط بالإله “منتو”، ولكن أيام هذه الأسرة انتهت عام 1991ق.م. وجاءت بعدها الأسرة الثانية عشرة، وكان مؤسسها الملك “أمنمحات الأول”، ومما يُذكر لملوك هذه الأسرة نقل العاصمة من أقصى الجنوب إلى منطقة اللشت شمالي الفيوم، حيث بنوا أهراماتهم، وعملوا على حماية حدود مصر الشرقية، وازدهرت في عهدهم التجارة المصرية مع الساحل السوري، فالنصوص المصرية تذكر أن سفن الأسطول المصري كانت مبنية بخشب الأرز السوري، فضلًا عن أن اللغة المصرية القديمة بلغت قمة الازدهار في تاريخ مصر القديم كله.

يعتبر عصر الدولة الوسطى من أزهى عصور مصر الفرعونية، حيث سمي بعصر الرخاء الاقتصادي بسبب قيام ملوك الدولة الوسطى بالعديد من المشروعات لاستثمار الموارد الطبيعية من اجل النهوض بالبلاد، واستعاد فراعنة الدولة الوسطى رخاء البلاد واستقرارها، حيث ازدهرت البلاد في الفن والآداب والدين في ظل الأمن العسكري والسياسة والأمن الزراعي ومشاريع البناء الضخمة. فوضع فراعنة الأسرة الثانية عشر خطة بعيدة الأمد للاستصلاح الأراضي ونظم الري لزيادة الإنتاج الزراعي في البلاد، وأقيمت السدود وقنوات الري لاستغلالها في الزراعة، وأُعد تخطيط متقن لأكبر استفادة ممكنة من منطقة الفيوم التي كانت مغطاة بالأحراش الكثيفة من قبل، ولم تكن تصلح إلا للصيد والقنص. كما استعاد الجيش منطقة النوبة الغنية بالمحاجر والذهب، وعمل العمال على بناء هيكل دفاعي في شرق الدلتا أُطلق عليه اسم “جدران الحاكم” لصد الهجمات الخارجية. وتم استغلال المناجم والمحاجر، وأدى ذلك إلى تقدم الصناعات والفنون والعمارة. واستأنفت العلاقات التجارية مع البلدان المجاورة. وتم حفر قناة تربط البحر الاحمر والبحر المتوسط عن طريق نهر النيل. كما اهتم ملوك الدولة الوسطى بتقوية الجيش وتامين الحدود فاقاموا الأسوار وبنوا القلاع. وعلى عكس موقف نخبة الدولة القديمة تجاه الآلهة، شهدت الدولة الوسطى زيادة في التعبير عن “التقوى الشخصية” أو ما يمكن أن يسمى “ديموقراطية الحياة الآخرة”، التي تعطي لكل فرد روحًا من الممكن أن تكون مرحبًا بها بجوار الآلهة بعد الموت. (وكان ذلك عنوان لنص من النصوص الأدبية التي ترجع إلى الدولة الوسطى).. وفي السياسة، نمت في تلك الفترة فكرة دوائر الأمن القومي المصري وأهمية توسيع الحدود السياسية لمصر، وهي حدود أكبر من الحدود الجغرافية، ونجد أن السياسة الخارجية لتلك الدولة قد غيرت من أبعادها وذلك عند مقارنتها بالدولة القديمة. ففي الجنوب ضُم وادي النوبة السفلي بكل سهوله إلى الأراضي المصرية، ولم يقتصر الأمر في الشمال على مجرد تكثيف العلاقات التقليدية مع “جبيل” حتى أصبح أمراؤها المحليون متمصرين تماما، ولم تعد البلاد السورية والفلسطينية محصورة في نطاق ذلك الدور السلبي الغريب من نوعه الذي كانت تقوم به من قبل، بل عملت على إجراء حوار واتصال بالحضارة المصرية. ويتضح ذلك من تدفق المهاجرين الآسيويين إلى مصر منذ الأسرة الثانية عشرة، ومن التوسع المصري في آسيا الذي نضجت ثماره فيما بعد خلال الدولة الحديثة، وأخيرًا من انفتاح مصر انفتاحًا كبيرًا على عالم البحر المتوسط، وخاصة في بحر إيجة وجزيرة قبرص. وهناك عنصر آخر من عناصر التوزيع الجديد لمراكز النفوذ، وهو ارتقاء وازدهار طيبة عاصمة الأسرة الحادية عشرة التي كانت في الأصل مدينة بسيطة للغاية حظيت باهتمام وعناية فراعنة الأسرتين الثانية عشرة والثالثة عشرة، وبالتالي أصبح لهذه المدينة ثقلها ومركزها في المجال السياسي والأيديولوجي على حد سواء. واستطاع العديد من الموظفين الإداريين من أهل طيبة أن يتقلدوا مناصب ذات مسئوليات كبرى. وتزايدت أملاك معابد طيبة، وكان الإله آمون من آلهتها، وبدأت ديانته تنتشر على المستوى القومي منذ الأسرة الثانية عشرة.. وفي الحياة الاجتماعية حدث تعديل جديد في البنية الاجتماعية خلال الدولة الوسطى. فمع الإصلاحات التي أُدخلت على أجهزة الدولة حدثت أيضًا طفرة هائلة في الكيف والنوع أدت إلى تصفية الإقطاع الإقليمي واتساع فئة المثقفين المميزين، وفي نفس الوقت تكوين طبقة “البرجوازية الصغيرة” التي استطاعت إحراز ما كان مقصورًا على الطبقة الحاكمة العليا فيما مضى مثل إقامة المنشآت النذرية المنقوشة. ونظرًا لانتشار المعتقدات الجنائزية التي كانت تتمركز حول أسطورة الإله أوزيريس انتشارًا واسعًا، أصبحت أبيدوس التي كانت تعتبر بمثابة مدينة هذا الإله، أصبحت عاصمة دينية هامة يفد إليها الحجاج والعابرون لوضع نذرهم، وبالتالي ازداد ثقلها ومكانتها السياسية.. وفي الأدب والثقافة استطاعت الدولة الوسطى أن تقيم نوعًا جديدًا من الكلاسيكية، وبهذا أصبحت أكثر من مرة بمثابة نموذجًا يحتذى به فيما بعد بل معيارًا ثقافيًا وفنيًا، وهذا هو ما حدث في أوائل الأسرة الثانية عشرة، وأثناء حكم الصاويين لاحقًا. واستطاعت الدولة الوسطى أن تقدم في مجال الأدب بصفة خاصة الكثير من الأدباء الكلاسيكيين الذين أصبحوا فيما بعد يعدون مؤسسين للثقافة المصرية. وقامت بإحياء وتجديد نوع قديم من الأدب وهو “أدب الحِكم” الذي طوعته ووضعته في خدمة العمل السياسي، مثل “تعاليم الولاء”، و”تعاليم خيتي”، و”تعاليم أمنمحات الأول”. بل لقد نهلت الدولة الوسطى من الأحداث المروعة التي وقعت خلال عصر الاضمحلال الأول لصياغة كتابات تتسم بالتشاؤم وتتصف بأسلوب مبتكر جدًا، ومنها “حوار شخص يائس مع روحه”، و”شكوى ونحيب إيبوور”، و”حكم خع خبررع سنب”. ويفيض أدب الدولة الوسطى بالأعمال المختلفة كالشعر مثل “أنشودة النيل”، والبلاغة في “حكاية الواحي”، كما يتألق بالقصص الخيالية مثل “الملاح الغريق”، وبصفة خاصة “قصة سنوهي” التي تعد من روائع الأدب العالمي، كما تميز الأدب في المملكة الوسطى بالمؤلفات المتطورة المواضيع والشخصيات المكتوبة في أسلوب بليغ وجرئ، والنحت النافر والتصويري بدقة وبراعة وتفاصيل فردية وصلت إلى مستويات جديدة من الكمال التقني. وفي مطلع القرن الثامن عشر الميلادي تم اكتشاف بردية قديمة من سبع عشرة صفحة في منطقة منفيس قرب أهرامات سقارة، تعود إلى الدولة الوسطى، وتوجد الآن في المتحف الوطني في برلين، وهي عبارة عن بردية فرعونية مكتوبة باللغة الهيروغلوفية القديمة تعود إلى المملكة الوسطى، والتي أُطلق عليها فيما بعد بردية أيبور، حيث تمت ترجمتها من اللغة الهيموغلوفية الفرعونية القديمة في عام 1908م.. وعند اكتشاف تماثيل الدولة الوسطى، وخاصة المجموعة الجنائزية للملك مونتوحتب الثاني، من الأسرة الحادية عشرة والمقيم بطيبة، ظهر للنور بعض تماثيل الملك. ولكن معظم تلك التماثيل كان دون رأس، والتمثال الوحيد الذي تم الحفاظ عليه كاملًا، يصوره كشخصية قوية، له بنيان شديد، وطلعة مهيبة تتسم بالقدسية، وقد كان لاكتشاف مجموعة من التماثيل، في القرن التاسع عشر، في تانيس المعروفة بصان الحجر في شرق الدلتا، وقع المفاجأة على المؤرخين والمهتمين بالفن المصري، فقد كان لتلك التماثيل ملامح وأسلوب فني غير معهود في مصر في العصور السابقة.

سمح آخر حكام الدولة الوسطى، أمنمحات الثالث، للمستوطنين الآسيويين بالعيش في منطقة الدلتا، لتوفير قوة عاملة كافية لا سيما في التعدين النشط وبناء المدن. ولاحقًا، أدت أعمال البناء الطموحة تلك، وأنشطة التعدين، بالإضافة إلى عدم كفاية فيضانات النيل في مُلكة، إلى توتر اقتصادي كبير. وتأجيج التنافس بين أفراد الأسرة الحاكمة على العرش. مما ساعد على انفلات في هجرة الزنوج إلى مصر من الجنوب، وهجرة القبائل العربية من الشمال، وقد أدى ذلك كله إلى عصر الاضمحلال الثاني أو “الفترة الانتقالية الثانية” خلال عصر الأسرتين الثالثة عشر والرابعة عشر. وخلال هذا الاضمحلال، بدأت الطائفة الأجنبية الآسيوية في السيطرة على منطقة الدلتا، مما أدى في نهاية المطاف إلى بسط سلطتهم على مصر وعرفوا باسم “الهكسوس”. وبذلك انتهت أيام هذه الدولة عام 1786ق.م.

في حوالي عام 1650 ق.م، ومع ضعف سلطة آخر فراعنة الدولة الوسطى، وبعد تغلغل الآسيويين (الهكسوس) القادمن إلى البلاد خلال عصر الدولة الوسطى، ومن خلال ازدياد نفوذهم والإستمرارية الفعلية لهم في المجال السياسي والفكري الأيديولوجي والفني مع النصف الثاني للأسرة الثانية عشرة، سيطر هؤلاء المهاجرون والمستوطنون الآسيويون الذين يعيشون في منطقة شرق الدلتا في بلدة “زوان” على المنطقة، وأجبرت الحكومة المركزية على التراجع إلى طيبة، حيث كان يعامل الفرعون كتابع ويدفع الجزية. قلد الهكسوس نماذج الحكم والحكومة المصرية، فنصبوا أنفسهم فراعنة، واتخذوا من “أواريس” بشرق الدلتا عاصمة للبلاد وكونوا الأسرات من الأسرة الثالثة عشرة حتى الأسرة السابعة عشرة حوالي (1785ق.م – 1570ق.م)، وهو العصر المعروف بعصر الاضمحلال الثاني، ورغم أنهم تمصروا بشكل كامل، لكن لم يسمهم المصريون بالفراعنة إنما أُطلق على الحاكم منهم لفظ “الملك“.

الراجح أن الهكسوس جماعات يُطلق عليهم “الجنس السامي”، جاءت من أواسط آسيا، واستقرت في فلسطين حقبة من الزمان، ثم بدأوا في التسلل إلى شرق الدلتا أيام الأسرة الثالثة عشرة بحثًا عن لقمة العيش. وجاء تدفق تلك الهجرات الآسيوية تدريجيًا، واستغرق عقودًا من الزمن، ولثراء مصر ونمائها وتحضرها واعتدال مناخها، حيث كانت وجهة جاذبة للكثير من الكتل السكانية المجاورة، والتي كانت تتحين الفرصة للوصول إلى أرض مصر، ونتيجة لما  أصاب مصر من ضعف وتفكيك كما أوضحنا سابقًا، قوي نفوذهم حتى بلغ حدًا من القوة، شجع رؤسائهم على اعتلاء عرش مصر، وتأسيس عاصمة لهم في أواريس شرق الدلتا. كما تسببت كثافة تلك الهجرات في تغييرات جوهرية في النسيج المتجانس للعنصر المصري الذي تميزت به مصر، والذي تدعم مع بداية عصر الأسر الفرعونية التي حدت من تلك الهجرات بشكل كبير. وعمل الهكسوس على استمالة الشعب المصري بالتقرب منهم والتودد إليهم، وأعادوا صياغة معبوداتهم بما يتناسب مع العقيدة المصرية القديمة. وتمصر الهكسوس بشكل كامل، ونتيجة لتمرسهم في القتال كأغلب العشائر البدوية آنذاك، وتطويرهم للأسلحة الحربية واستخدامهم لأنواع متميزة من السيوف والخناجر، والدروع التي يلبسونها فوق أجسادهم، والقوس المركب، وبراعتهم في استخدام الخيول في ساحة القتال، واستخدام الرماح القوية والعجلات الحربية الشهيرة وخلافه، استطاعوا من السيطرة على قرى ومقاطعات واحدة تلوا الأخرى، وخاصة في جو اتسم بالحروب والمنافسة المحلية الشرسة، كان البقاء فيها للأقوى، ولم يكن الهكسوس احتلالًا بالمعني الموضوعي، أي لم يكونوا تابعين لدولة خارج مصر، أو يحكمون لصالح امبراطورية أجنبية، ولم يحاولوا أن يمحوا الهوية المصرية أو الثقافة المصرية واحلال ثقافة وديانة أخرى محلها، بل على العكس تمصروا هم بشكل كامل، ومن هنا نعتبر التعبيرات التي يذهب إليها بعض المؤرخين بتسمية الهكسوس على أنهم احتلال ليست صحيحة موضوعيًا، وإنما هم موجات من الهجرة أتت إلى مصر، كما أتت موجات قبلها كثيرة، وأيضًا بعدها، ولكن نتيجة لما حققته تلك العناصر من سيطرة خاصة، حكموا من خلالها البلاد، ونتيجة لما تحقق من تطور وازدهار ونمو بعد اسقاط حكمهم، تبنى الكثير وجهة النظر هذه. وفي كل الأحوال كانت مصر خلال هذا العصر دولة مستقلة، واتسمت بسمات المرحلة الاقطاعية، وهو عصر مظلم بلا شك، ولكن ذلك لا يغير من حقيقة الاستقلال التام لمصر خلال هذاالعصر، وللحقيقة أنهم لم يخلقوا هذا الانحدار، وانما كانوا نتيجة له في نهاية العصر الفرعوني الوسيط، ولكنهم لم يسعوا لإعادة توحيد البلاد والنهوض بها، وإنما سعى إلى ذلك حكام طيبة. وحسب ما  ورد في تاريخ مانيتون، فإن عدد ملوك الهكسوس حوالي 81 ملكًا، أغلبهم وُجد اسمائهم على جعارين، ومن أشهر ملوك الهكسوس الملك “خيان” وقد حكم خمسين عامًا.

وجد ملوك طيبة أنفسهم بعد انسحابهم محاصرين بين الهكسوس من الشمال، ومملكة كوش (حليفة الهكسوس) من الجنوب، في حين تجزأت بقية مصر بين المقاطعات الآسيوية والإمارات التي يهيمن عليها بعض المتعاونين مع الهكسوس. كما أُجليت الحصون والقلاع التي كانت تعمل على حراسة ومراقبة وادي النيل في منطقة النوبة السفلى تحت ضغط العشائر النوبية التي تمكنت من الاستيلاء على “بوهن” بجوار وادي حلفا، وكونت إمارة مستقلة مستعينة بموظفين ومستخدمين مصريين. وبالرغم من أنه لم يصلنا نص حربي غير ذلك الخاص بحروب “كامس”، فإن كلًا من الألقاب والأوصاف الخاصة بالصفوة المختارة والفراعنة وكذلك الإكتشافات الأثرية (مثل الملك أنتف الخامس الذي دفن ومعه سهامه وأقواسه)، كل ذلك يشير بشكل واضح إلى أن مناخ الحروب كان يسود تلك الحقبة. حيث تطورت الأساليب العسكرية، خاصة أن الهكسوس قد كسبوا كل حروبهم بفضل تفوقهم في ذلك المجال. وتطورت الأسلحة، وعملوا على تجنيد بعض المحاربين النابغين من داخل إحدى العشائر النوبية المعروفة باسم “المجاي” كما ساعدت عملية صبغ المجتمع بالصبغة العسكرية التي فرضتها إصلاحات أجهزة البلاد في الدولة الوسطى على إحياء الميول الإقطاعية مع انهيار الوحدة. وبفضل حماية التحصينات والكتائب العسكرية القائمة في مدنهم كان الحكام وخاصة في مدينتي إدفوا والكاب يتصرفون كحكام طغاة متسلطين داخل مقاطعاتهم. ورغما عن ذلك فقد لوحظ من خلال السير الذاتية ذبول وانحسار التعبيرات الخاصة بالولاء، بينما ازدهرت في نفس الوقت تلك المعبرة عن الفردية وتمجيد التفوق الشخصي من خلال الأساليب المقتبسة عن الأعمال الخاصة التي ترجع إلى عصر الإنتقال الأول. عندئذ عادت المجاعات إلى الظهور من جديد، وعادت معها الحلول المحلية البحتة لعلاجها. ولوحظ أخيرًا أن اندثار وضياع المراكز الحضارية مثل منف واللشت قد جر في أعقابه ذبولًا وانهيارًا في الثقافة. ورغم استمرار المعرفة الكهنوتية والعلوم الإدارية، إلا أن الكتابة الهيروغليفية وفن التشييد والبناء المعماري قد انحط كل منهما وتدهور لتوقف تدريسهما على المستوى القومي. وظهرت بعض المحاولات غير المتقنة لنقل وتدوين بعض التصميمات والأصول الشرعية التي اختلطت فيها بعض العلامات وتحرفت بسبب تخطيطها الغريب الخارج عن المألوف. وباختفاء القواعد التقليدية أصبحت النقوش تنفذ بمستويين، وصارت هي والتماثيل الصغيرة فجة غير جذابة، ويمكن ملاحظة ذلك مما حملته بداية الأسرة الثامنة عشرة من ملامح هذا الإنحدار والتدهور. تلك إذن كانت حقبة تسودها القلاقل والإضطرابات، بل يغشاها شيء من البربرية التي عاشتها البلاد خلال عصر الإنتقال الثاني، وبعد مرور ما يقارب مائة عام على سيطرة الهكسوس على الحكم، استطاعت قوات طيبة من جمع ما يكفي من القوة لتحدي الهكسوس لصراع استمر لمدة ثلاثين عام، وذلك قبل حلول العام 1555 ق.م، وقد تمكن الفرعونان سقنن رع الثاني وكامس من هزيمة النوبيين في الكوش، لكن يرجع فضل القضاء على حكم الهكسوس نهائيًا في مصر لخليفة كامس الفرعون “أحمس الأول”. ويمكن أن نحدد نهايتهم بتاريخ تتويج الملك “أحمس” وبداية الأسرة الثامنة عشرة عام 1539 ق.م، بالرغم من أن استئصال جذور حكام الهكسوس لم يتم نهائيًا إلا خلال حكم هذا الفرعون. ونود الإشارة هنا إلى أن الحديث عن طرد الهكسوس أمر غير دقيق، لأن الهكسوس كعنصر كان قد ذاب تمامًا في نسيج الشعب المصري، خلال حكم ثلاث أسر متتالية، وإنما الصحيح هو تصفية السلطة القائمة آنذاك ومطاردة رموزها وقواتها العسكرية، أي فلول سلطة الهكسوس، وربما لو تمكن الهكسوس من تحقيق وحدة البلاد لتنهض على أيديهمن لما ميزهم التاريخ بهذا السوء والبربرية، وهي صورة نعتقد انها مبالغ فيها، وأن كل ما ارتكبوه من مساوئ وظلامية وطغيان لا يختلف عما ارتكبه غيرهم من حكان الأقاليم المنفصلة الأخرى، وما أكثرها!!. كما يلاحظ أيضًا أنه بمجرد أن توحدت مصر سياسيًا، بدأت نهضتها على الفور وذلك لامتلاكها كافة عناصر التقدم والتطور سواء العناصر البشرية أو المادية من موارد وموقع محصن ومناح مثالي ومخزون حضاري وثقافي سابق لعصره… وهو ماحدث في عصر “الدولة الفرعونية الحديثة” التي تلت ذلك، حيث أصبحت العسكرية أولوية رئيسية بالنسبة إلى الفراعنة الذين سعوا إلى توسيع حدود مصر وتأمين هيمنة كاملة لها في الشرق الأدنى.. وهو موضوع مقالتنا القادمة.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.