ألقينا الضوء سابقًا على المفهوم التقدمي للاستقلال الوطني في مقالتنا الأولى بعنوان “الثورة والاستقلال الوطني”، ثم تطرقنا إلى نشأة الأمة المصرية قبل التاريخ في مقالة بعنوان “أهل مصر.. أمة قبل التاريخ”، وعصر الأسر الفرعونية في ثلاث مقالات بعنوان “الدولة الفرعونية القديمة”، و”الدولة الفرعونية الوسطى”، و”الدولة الفرعونية الحديثة”، ومقالتين عن “مصر البطلمية”، ومقالتنا هذه عن “الاحتلال الروماني 2-2”.

ظلت مصر في وجهتها الحضارية تتجه بإتجاه الغرب فلم يكن العصر الرومانى فى كثير من جوانبه الحضارية سوى امتداد للعصر اليونانى السابق ولم تكن روما سوى أثينا أخرى وإن بدت أكثر مجدًا وأعظم قوة. وبقيت اللغة اليونانية في ذلك العهد الروماني هي اللغة الرسمية، ولم تُبذل محاولة ما لتحضير السكان خارج المدن الكبرى. وأخذت الإسكندرية عاصمة مصر في القرن الثاني بعد الميلاد تصطبغ بصبغة الحواضر الشرقية في أخلاق أهلها ولغاتهم وفي جوها الشرقي. وكان الإمبراطور الروماني يُعد بالنسبة لمصر الملك الشرعي للبلاد ووريث الفرعون، وأصبحت صورته تظهر على المعابد في زي الفراعنة، مثلما كان يفعل البطالمة، وعلى رأسه التاج المزدوج للوجهين القبلي والبحري، واسمه محفور داخل خرطوش بالهيروغليفية، لكن الأمبراطور لم يكن يدير شؤون مصر بنفسه وإنما كان يعهد بإدارتها إلى موظف يختاره كان يسمى والي مصر أو الوالي. وكان والي مصر يحمل لقبًا لم يحمل مثله حاكم أي ولاية أخرى وهو “برايفكتوس” أي حاكم عام، وكان ذلك بقصد تمييز مصر عن غيرها من ولايات الإمبراطورية الرومانية، فكان والي مصر يُعد أهم والي من طبقة الفرسان في الإمبراطورية كلها. ويُعتبر والي مصر هو نائب الإمبراطور، وهو الحاكم الفعلي للبلاد، وكان يستمد سلطانه من الإمبراطور، حيث كان يخضع له خضوعًا تامًا فيما يتعلق بتعيينه وعزله، ويقيم في العاصمة الإسكندرية. والوالي هو الرئيس الأعلى للإدارة والعدالة والجيش والشؤون المالية وخاصة جباية الضرائب، ورغم أن لقبه الرسمي كان والي أو حاكم، إلا أنه كان يمارس السلطات التي مارسها قبله ملوك البطالمة، وكانت سلطاته مطلقة وغير مقيدة. ومن اختصاصاته كرئيس أعلى لإدارة المدنية أنه كان يتولى تعيين كبار الموظفين الذين يستعين بهم في إدارة شؤون البلاد، وإن كان الإمبراطور يتدخل أحيانًا لتعيين بعض كبار الموظفين كمعاونين للوالي ومراقبين له في ذات الوقت. وكان الأباطرة يحرصون أشد الحرص ألا يتولى منصب الوالي أحد الأشخاص لفترة طويلة، حتى لا يتحول إلى مركز قوة، وكانوا يرسلون من يثقون فيهم من رجالهم لتولي هذا المنصب الحساس. ومن المُلاحظ أن اهمية منصب والي مصر، أخذت في الانخفاض بعد أن قلت موارد مصر الاقتصادية، ولم يعد يُنظر إلى والي مصر باعتباره متميزًا عن غيره من الولاة في الأمبراطورية، وتوارى الخوف من إسناد هذا المنصب إلى رجل من طبقة السناتو.

ورث الرومان عن البطالمة جهازًا بيروقراطيًا كبيرًا ، إلا أن هذا الجهاز كان قد تفشى فيه الفساد والتسيب، وهو ما يظهر في المصادر التي ترجع إلى أواخر حكم البطالمة، وقد عمل الرومان على إصلاح الجهاز الإداري، وإدخال تعديلات تلائم أهداف الحكم الجديد، فكان الوالي يترأس الجهاز الإداري في البلاد، وكانت مصر مقسمة إلى ثلاثة أقاليم، وهي إقليم طيبة “مصر العليا”، وإقليم “مصر الوسطى”، ثم إقليم “الدلتا”، وعلى رأس كل إقليم من هذه الأقاليم موظف يدعى إبستراتيجوس، وكان هذا الموظف يتم أختياره عن طريق الإمبراطور، ولابد أن يكون مواطنًا رومانيًا. وقد أنقسمت الأقاليم إلى وحدات أصغر هي المديريات، وعلى رأس كل مديرية موظف حمل لقب الأستراتيجوس، وكان الوالي هو الذي يعين الأستراتيجوس، كما كان الوالي يقوم بتعيين مدير إدارة السجلات في المديرية والذي ظل يحمل اللقب القديم منذ عصر البطالمة، وهو لقب “الكاتب الملكي”. واعتمد الرومان في توطيد سلطانهم في مصر على القوة، وفي حين أعطت الإمبراطورية درجة كبيرة من الاستقلال والحكم الذاتي لمدن وأقاليم عديدة في حوض البحر المتوسط، أنكرت على مصر أي درجة من الاستقلال، بل وضعت مجموعة من التوجيهات الخاصة للحاكم الروماني لمصر عُرفت باسم “مقننة الأيديوس لوجوس” التي كانت قانونًا صارمًا سيطر به الرومان على البناء الاجتماعي المصري وفرضوا على المصريين نظامًا صارمًا من الشعائر الدينية، فأقاموا الحاميات العسكرية في الأماكن الرئيسية التي تمكنهم من السيطرة على كافة أنحاء البلاد. ولم يكتف الرومان في الإسكندرية وبابليون وطيبة وأسوان بالقوة العسكرية، ولكنهم لجأوا إلى الأساليب السياسية بتأليب عناصر السكان المختلفة من المصريين والرومان والإغريق واليهود على بعضهم، ليضمنوا لأنفسهم إخضاع البلاد، مما جعل الحياة السياسية في مصر خلال العصر الروماني تتميز بكثرة الفتن وشيوع الاضطرابات التي تباينت أسبابها، واختلفت مظاهرها تبعًا للعهود، وهو ما أوضحناه في مقالتنا السابقة، من خلال تتبع الأحداث السياسية خلال عصر الاحتلال الروماني.

بذل الرومان جهودًا كبيرة في سبيل إنعاش البلاد اقتصاديًا خاصة وأن جزءًا كبيرًا من فوائد أزدهار الحياة الاقتصادية في مصر كان يذهب إلى روما ذاتها، سواء عن طريق الضرائب، أو عن طريق أرباح المستثمرين الرومان. وكانت درجة التسييل والتعقيد في الاقتصاد على درجة عالية من التطور، فكان يتم شحن وتبادل السلع إلى حد كبير على أساس من العملة، وفي البلدات والقرى الأكبر نشأ نشاط تجاري وصناعي عالي المستوى مرتبطًا باستغلال القاعدة الزراعية الغالبة، وقد وصل حجم التجارة الداخلية والخارجية إلى أقصى مستوى له في القرنين الأول والثاني، وعادت الإسكندرية لتصبح أكبر مركز للصناعة والتجارة في الإمبراطورية الرومانية كلها. وقد شجع الازدهار الاقتصادي عدة عوامل منها سياسة الرومان والسلام الذي ساد لمدة قرنين من الزمان، بالأضافة إلى موقع مصر المتوسط بين الولايات الرومانية، وموقعها على طريق التجارة بين الشرق والغرب. ولم تتغير الموارد الاقتصادية التي وُجدت هذه الحكومة المركزية لاستغلالها منذ العصر البطلمي، وكانت الغنائم التي استولى عليها الإمبراطور أغسطس من مصر، بعد أن هزم أنطونيوس وكليوباترا، كبيرة لدرجة جعلته قادرًا على تلبية مطالب جنوده.

قامت سياسة الرومان المالية والاقتصادية في مصر على مبدأ أساسي، وهو الحصول على أكبر قدر ممكن من دخل هذه الولاية، وقد تطلب تحقيق هذا المبدأ القيام بجهود شاقة، من أجل إصلاح مرافق البلاد التي لحقها التدهور في السنوات الأخيرة من حكم البطالمة، فقامت الإدارة الرومانية بإجراء إصلاحات شاملة لشبكة الري، وعملت على تطهير القنوات والترع والمصارف، وأعادت بناء الجسور التي تهدمت، وقد أدت هذه الجهود إلى إنعاش الاقتصاد المصري، وكان من شأن ذلك مساعدة الإدارة الرومانية في الحصول على مستحقاتها لدى الأفراد، وهو أمر لا يتحقق إلا من خلال نظام دقيق لجباية الضرائب، ولكن تطوير نظام ضرائب أكثر تعقيدًا وتطورًا كان سمة للحكم الروماني. وكان يجري تقييم الضرائب نقدًا وعينًا على العقارات، وكذلك كانت هناك تشكيلة اتساعها يدعو للعجب من الضرائب الصغيرة التي تـُجمع نقدًا، وكذلك مكوس (جمارك) وما شابه، يجمعها مسؤولون معينون. وقد قامت جباية الضرائب في البداية على نظام الالتزام، وهو ما يعد استمرارًا للنظام الذي كان معمولًا به في عصر البطالمة، حيث كان يشهر في المزاد في كل عام جباية كل ضريبة على حدة، في منطقة في الأغلب لم تكن تزيد عن مديرية واحدة، ويرسو المزاد على من يضمن للدولة الحصول على أكبر قدر ممكن من حصيلة الضريبة. ويبدو أن الدولة اضطرت بعد ذلك إلى فرض التزام جباية الضرائب على الأفراد، مما كان أدى إلى هروب الملتزمين في كثير من الأحيان، ثم أخذ نظام الالتزام يختفي شيئًا فشيئًا، وأسندت جباية الضرائب إلى موظفين كان يجرى تكليفهم للقيام بهذا العمل، بشكل إلزامي، وكان جباة الضرائب المكلفين يلتزمون بتعويض النقص الذي ينتج في بعض الأحيان من أموالهم الخاصة، ولكن في عهد الإمبراطور تراجان (98 – 117 م) تقرر إلزام كل سكان القرية بأن يتضامنوا في سد العجز الذي قد يترتب على عملية الجباية. وكان الوالي هو الذي يشرف على عملية الجباية بأكملها، ولكن الأمبراطور هو الذي يقرر مقدار الضريبة المستحقة على الولاية. وتذكر بعض المصادر عن الوسائل التي كان يلجأ إليها بعض جباة الضرائب، من أجل أنتزاع مستحقات الدولة لدى الأهالي، فجابي الضريبة في إحدى المناطق حين وجد أن بعض دافعي الضرائب قد هربوا، دون أن يدفعوا ما عليهم، اتجه إلى زوجاتهم وأطفالهم وأقاربهم فسامهم سوء العذاب، وطرح بعضهم أرضًا، وأخذ يضربهم ويطأهم بأقدامه، بل أنه لم يتورع عن قتل بعضهم، فإذا لم يجد أقارب للهارب فإن الأذى ينتقل إلى الجيران، وقد يشمل القرية جميعها. وإزاء بشاعة هذه الأساليب. وفيما يتعلق بالتزامات مصر العينية تجاه الإمبراطورية الرومانية، فكانت مصر تمد روما بثلث احتياجاتها السنوية من الغلال، كما كان يتحتم عليها إطعام جيش الاحتلال الروماني المرابط على أراضيها. وكان على المزارع بعد حصاد المحصول، أن يقوم بتسليم ما عليه من مستحقات للدولة إلى مخازن الغلال، وفيما عدا الكميات التي كان يتم تسليمها إلى معسكرات الجيش، كان يتم تحصيل مقدار هذه الضرائب نقدًا. وكان ينبغي على المزارع أن يقدم تقريرًا سنويًا عن عدد الحيوانات التي بحوزته، حتى يتأكد جباة الضرائب من عدد الحيوانات التي تولد في كل عام، ويتمكنوا من تحصيل الضرائب المستحقة عليها. وإلى جانب الضرائب التي تجبى في مجال الزراعة والثروة الحيوانية، كانت هناك ضرائب تجبى على الأفراد، لعل أشهرها ضريبة الرأس، وكان يجب على جميع سكان مصر من الذكور الذين تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والستين أن يؤدوها، إلا أن بعض الفئات كانت تتمتع بحق الإعفاء من أداء هذه الضريبة، مثل الذين يتمتعون بالمواطنة الرومانية، ومواطنوا مدينة الأسكندرية، وأعضاء المعهد العلمي بالإسكندرية، وخريجي معاهد الجمنازيوم (معهد ومنتدى لتربية وتعليم المواطنين)، وعدد من الكهنة من ذوي المكانة الخاصة، وبعض أصحاب المهن، أما سكان عواصم المديريات، فإنهم كانوا يؤدونها بقيمة مخفضة. إضافة إلى ضريبة الجسور، وكان مقدارها واحدًا في جميع أرجاء البلاد، وكان الهدف من جبايتها، الأنفاق على صيانة الجسور وتنظيم عمليات الري، وضريبة أخرى مقدارها درخمتان لكل فرد، وهي ضريبة الخنازير، كان الغرض من تحصيلها إمداد المعابد الإغريقية بالحيوانات اللازمة للأضاحي، كما فرضت الإدارة الرومانية ضرائب على أصحاب الحرف، وقد خضعت الأنشطة المالية والتجارية للضرائب، وكان يتم فرض رسوم عند تسجيل الوثائق في دار السجلات، وهناك ضرائب كان يتم تحصيلها عن عمليات البيع بواقع 10%، وعن الرهن بنسبة 2%، وحتى الحيوانات التي كان الأهالي يقدمونها قربانًا للآلهة، لم تكن تسلم من تدخل الدولة التي كانت تحصل على نسبة منها. وقد فرضت ضرائب كان الهدف منها إمداد جيش الاحتلال الروماني المرابط في مصر، بحاجته من الغذاء والوقود والعلف وملابس الجنود، ولم يكن مقدار هذه الضرائب محددًا، بل كان الأمر يترك لرجال الجيش لتقدير مدى حاجتهم، وغالبية الأحيان كانت المعسكرات تشتط في مطالبها.

ومن الناحية الزراعية، كانت مصر مخزن غلال الإمبراطورية، وقد ظهر أول احتياج للقمح المصري من قبل الرومان قبيل نهاية حروب هانيبال (200-194 ق.م)، وقد أدت هذه الحروب التي غزا فيها القائد القرطاجي هانيبال شبه جزيرة إيطاليا إلى تخريب مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في إيطاليا وفي كل المناطق التي دارت فيها الحرب، إسبانيا وصقلية وشمال إفريقيا. ولكن الطلب على القمح المصري لم يتضخم إلا بعد أن دخل الرومان في حروب عديدة مع القوى الأخرى في حوض البحر المتوسط خلال القرن الثاني قبل الميلاد، فقد انشغل الرومان في حروب مع مقدونيا (171-146 ق.م) وقرطاجة (149-146 ق.م) وحرب يوجورثا في شمال أفريقيا (111-105 ق.م) وحروب العبيد (198-132 ق.م). ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية تدمرت الكثير من الأراضي الزراعية في مختلف أنحاء حوض البحر المتوسط. وبعد هذه الحروب لم يبق إقليم لم تتعرض زراعته للتخريب إلا مصر، إذ حافظت طوال هذه السنين على إنتاجية عالية وثابتة. كما كانت نتيجة كثرة الحروب وطول أمدها أن ازداد حجم الجيوش وازداد تجنيد الفلاحين الرومان، ولم يستطع هؤلاء الفلاحون العودة إلى أراضيهم مع زيادة الحاجة إلى جيوش قائمة وجاهزة باستمرار. فبدأ الرومان في استيراد القمح المصري بصورة منتظمة من أواخر القرن الثاني ق.م، وكانوا يأخذونه بأسعار زهيدة من البطالمة إذ كانت روما في ذلك الوقت الحامية الرسمية للأسرة البطلمية والضامنة لاستمرارها في الحكم. ومع ازدياد استخدام العبيد في الزراعة الإيطالية زادت البطالة بين العامة مما أجج الصراع والصدام بينهم وبين الأرستقراطية الإيطالية، ففي عام 133 ق.م طالب نقيب العامة تيبريوس جراكوس بإعادة توزيع الأراضي العامة على فقراء الرومان، إلا أن هذه الأرض كانت في حوزة الأرستقراطية ولم ترد التنازل عنها، وعندئذ اندلعت الاضطرابات العنيفة التي انتهت باغتيال جراكوس وبدأ عصر الثورة الذي شهد صراعات بين الرومان وحروبًا أهلية انتهت بتقويض النظام الجمهوري وتأسيس الإمبراطورية. وقد بدأت في أواخر عصر الجمهورية عملية تنحية الأرستقراطية عن قيادتها للدولة على أيدي عدد من القادة العسكريين أمثال ماريوس وصلا وقيصر وأوكتافيوس أغسطس. وتتمثل أهمية القمح المصري بالنسبة للسياسة الداخلية الرومانية في هذه الفترة وما صاحبها من تغيرات في البناء السياسي للدولة في أن الرومان كي يحلوا مشكلة العامة ويخففوا من حدة صراعها مع الأرستقراطية اتبعوا سياسة توزيع كميات كبيرة من القمح بسعر زهيد وبصورة منتظمة. ومع ازدياد أعداد طبقة العامة لم تكف مصادر القمح القائمة في توفير الكميات المطلوبة، ومن ثم اتجهت أنظار الرومان نحو مصر، لقد كان الرومان ينفقون على ديمقراطيتهم بالقمح المصري. وعلى الجانب الآخر تمكن عدد من القادة الرومان من الوصول إلى مناصب سياسية رفيعة في الدولة بنجاحهم في كسب ولاء العامة بشراء أصواتهم بالقمح المجاني، وبذلك ازدادت أعداد المغامرين والقادة العسكريين وتحدوا السيناتو الذي تسيطر عليه الأرستقراطية حتى أنهم هددوا مدينة روما نفسها، إذ نجح ماريوس وصلا وقيصر في فرض إراداتهم على الأرستقراطية بل وفرض إصلاحاتهم الدستورية لأكثر من مرة.

ومنذ عهد أغسطس كانت مصر تمد مدينة روما بثلثي احتياجاتها من القمح، ونستطيع تخيل حجم الإنتاج المصري من القمح عندما نعرف أن ما كان الرومان يأخذونه كضريبة عينية كان يغذي مدينة روما ومدينة الإسكندرية وحاميتها والجيش الروماني المنتشر في أنحاء مصر والهيكل الإداري الضخم الذي يدير شؤون البلاد، إذ كان لمصر أكبر جهاز إداري روماني في الإمبراطورية كلها. وكذلك استخدم أغسطس موارد مصر لتمويل حملات عسكرية على الساحل الغربي للجزيرة العربية (الحجاز) للسيطرة على طريق التجارة مع الهند والحبشة، وحملات أخرى على مناطق الأنباط في شرق الأردن كجزء من إستراتيجية الرومان في إيجاد مناطق عازلة مفرغة من أي قوة تهدد حدودهم. وعندما جعل أغسطس مصر تحت الإشراف الإمبراطوري كان نظره بعيدًا في ذلك، لأن مصر أثبتت أنها الورقة الرابحة والقاعدة التي استطاع عدد من الأباطرة الرومان بعد ذلك الاعتماد عليها في الوصول إلى العرش الإمبراطوري. وبالفعل كانت مصر عاملًا حاسًما في الصراع بين الفلافيين والكلوديين (68-70 م.)، فقد تمكن فسباسيان في صراعه مع آخر أباطرة الأسرة الفلافية (جالبا وأوتو وفيتيليوس) من قطع إمداد القمح المصري عن الإمبراطورية والاعتماد على مصر في تجهيز جيش وأسطول تمكن به من هزيمة الفلافيين والوصول إلى العرش الإمبراطوري. كما تمكن الرومان بفضل استيراد القمح المصري في القرن الأول الميلادي من تخصيص جزء كبير من زراعاتهم للكروم والمحاصيل التجارية الأخرى مما أنعش صناعات النبيذ والزيوت، وهذا ما أدى إلى تحسن أوضاع حلفاء روما الإيطاليين ومكنهم من المطالبة بحقوق المواطنة الرومانية الكاملة. وظل الرومان في عصر الإمبراطورية يأخذون كميات ثابتة من القمح المصري كل سنة، وهي كمية محسوبة على أساس إنتاجية عالية للأرض، وبالتالي فعندما كانت مصر تواجه نقصًا في إنتاجية المحصول كان ذلك على حساب الفلاحين، إذ نقص ما كان متوافرًا لديهم للاستهلاك المحلي، بل إن تلك الكمية الثابتة أثرت على ما كان يدخره الفلاح المصري كبذور. وكان الاستغلال الروماني للفلاح المصري أشد من استغلال البطالمة، وذلك نظرًا لأن البطالمة كانوا مستقرين في مصر بينما كان الرومان يسحبون إنتاجية الأرض المصرية إلى الخارج، وهذا ما يفسر لنا كثرة ثورات المصريين ضد الحكم الروماني.

إذا كانت الدولة قد عملت على تشجيع الملكية الفردية في مجال الزراعة، فإنها نهجت ذات النهج في مجال الصناعة، فلم يتبع الرومان سياسة الأحتكار التي مارسها البطالمة، بل تركوا أمر الصناعة في أيدي الأفراد، ولكنهم حرصوا على إبقاء الصناعات الأساسية خاضعة لسيطرة الدولة، مثل الإشراف على المناجم والمحاجر، كما تدخلت الدولة بشكل جزئي في بعض الصناعات، مثل صناعة النسيج والبردي والجعة والطوب. وقد شهدتا الصناعة والتجارة إزدهارًا كبيرًا في بدايات العصر الروماني، ويرجع ذلك إلى النشاط الذي شهدته التجارة الشرقية، وهو النشاط الذي لعبت فيه الإسكندرية دورًا مهمًا، فقد استطاعت هذه المدينة بفضل موقعها المتوسط في قلب الإمبراطورية الرومانية، أن تحتل مكانة عظيمة في اقتصاديات العالم القديم. وكانت الإسكندرية مركزًا مهمًا لصناعة الزجاج والبردي والنسيج، وتعد صناعة الزجاج من الصناعات العريقة في مصر، ويرجع تاريخها إلى عصر الفراعنة، حيث توفرت في رمال مصر المادة اللازمة لإنتاج أنواع متميزة من الزجاج، وكانت الإسكندرية تقوم بتصدير الزجاج إلى سائر أرجاء البحر المتوسط، أما صناعة أوراق البردي فهي صناعة مصرية خالصة، انفردت بها مصر دون سائر بلدان العالم القديم، لأن نبات البردي كان ينمو في مستنقعات الدلتا المصرية فقط، ثم تأتي بعد ذلك صناعة النسيج، التي كانت تحظى بانتشار واسع في مصر، وقامت هذه الصناعة على الإنتاج المنزلي، إلى جانب المصانع التي كانت تقوم بإنتاج أنواع راقية من النسيج، وقد أشتهرت الإسكندرية بإنتاج نوع متميز من التيل المزخرف، وكان المصريون لديهم طريقة سرية لتلوين وصباغة الملابس، وكانت المنسوجات المصرية تلقى رواجًا في الأسواق الشرقية. وإلى جانب الصناعات الأساسية عرفت مصر صناعات أخرى، مثل صناعة العطور والمستحضرات الطبية، وكذلك الأدوات الموسيقية والخمور والفخار. واتسع نطاق الصناعات المنزلية فانتشرت في المدن، وكان قد مضى على قيامها في مصر زمن طويل، فاشتهرت بها مدائن بطليموئيس، ومنفيس وطيبة، وأكسيرهنكس، وصان، وبسطة، ونقراطيس، وهليوبوليس (عين شمس)، وكانت هذه الصناعات في الإسكندرية المورد الذي تعتمد عليه نصف حياة العاصمة الصاخبة. ويبدو أن صناعة الورق كانت قد بلغت وقتئذ المرحلة الرأسمالية، فيحدثنا المؤرخ والفيلسون “استرابون 64 ق.م – 20 ب.م ” أن أصحاب مزارع البردي حددوا محصوله ليرفعوا سعره. وكان الكهنة يقيمون المصانع في حرم الهياكل، ويخرجون فيها نسيجًا رقيقًا من التيل، يصنعون منه ملابسهم، ويبيعون بعضه في الأسواق. وقلما كان يوجد أرقاء في مصر يعملون في غير الخدمات المنزلية، لأن العمال “الأحرار” لم يكونوا يؤجرون أكثر مما يكفي لستر عورتهم وسد رمقهم. وكان هؤلاء العمال يضربون عن العمل في بعض الأحيان، فكانوا يمتنعون عنه في أحيان كثيرة، وكان يحدث أحيانًا أن تُرفع الأجور، فترتفع الأثمان، وتعود الأمور كما كانت من قبل. وكان يُسمح بإنشاء النقابات الطائفية، ولكنها كانت في الأغلب الأعم خاصة بالتجار ومديري الأعمال، وكانت الحكومة تستخدمها في جباية الضرائب وفي تنظيم أعمال السخرة كإقامة السدود، وحفر الترع وتطهيرها، وإقامة المباني العامة.

أما فيما يتعلق بالتجارة، فإنه على الرغم من تدهور مكانة الإسكندرية من الناحية السياسية، فإن دورها في مجال التجارة أصبح عظيمًا، وكان ذلك نتيجة حتمية لحالة الازدهار التي عمت الإمبراطورية الرومانية، بعد أن عم السلام وخلا البحر من القراصنة، وأصبحت السفن تبحر في أمان، وتقاطر التجار على الإسكندرية من جميع أرجاء المعمورة، من الإغريق والإيطاليين والسوريين ومن آسيا الصغرى، وكذلك الإثيوبيين والعرب والفرس، وسيطر التجار السكندريون على تجارة البحر الأحمر والشرق، وبعد اكتشاف الرياح الشرقية الموسمية على يد هيبالوس في القرن الأول ق.م ازدادت التجارة بشكل واضح، وقبل عصر أغسطس لم تكن تبحر إلى المياة الشرقية أكثر من عشرين سفينة، ولكن بعد ذلك ازدادت التجارة حتى أن الأساطيل الكبرى أصبحت قادرة على جلب التجارة من الهند وأقاصى إثيوبيا، وكانت قناة كبرى يبلغ عرضها مائة وخمسين قدمًا وتمت في عهد تراجان، تربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي عن طريق النيل والبحر الأحمر. فكانت السفن تخرج في كل يوم من الثغور الواقعة على هذا البحر مثل أرسنوئي، وميوسهرموس ويرنيس في طريقها إلى إفريقيا أو الهند. وكانت التجارة الداخلية نشطة ولكنها بطيئة، فقد كانت الطرق رديئة، وكانت وسائل النقل البري هي الحمالين، والحمير، والجمال التي حلت وقتئذ محل الخيل للجر والحمل في إفريقية. وكان جزء كبير من التجارة الداخلية يُنقل في نهر النيل أو القنوات. وكان النظام المصرفي الذي يمول الإنتاج خاضعًا بأكمله للرقابة الحكومية، وكان في حاضرة كل إقليم مصرف للدولة، يتسلم الضرائب، وتودع فيه الأموال العامة. وكانت القروض تعقد للزراع وتشجيع الصناعة والتجارة والأعمال المالية، تقرضها الحكومة أو الكهنة من خزائن الهياكل، أو هيئات الإقراض غير الحكومية.

كان يسكن العاصمة الإسكندرية قرابة ثمانمائة ألف من جميع سكان البلاد البالغ ثمانية مليون نقريبًا، (في حين كان عدد سكانها في عام 1930 نحو ستمائة ألف)، ولم يكن يزيد عليها في عدد السكان سوى روما نفسها. وكانت هي التي تضع طراز الملابس وهي التي تصنعها. وكان لمرفئها العظيم تسعة أرصفة، يخرج منها أسطولها التجاري ليمخر عباب عدة بحار. وكانت المدينة فوق ذلك مركزًا للسياح، فيها الفنادق، والأدلاء، والمترجمون لاستقبال الزائرين القادمين إليها لمشاهدة الأهرام والهياكل الفخمة في طيبة. وكذلك شارعها الرئيسي يبلغ عرضه سبعة وستين قدمًا، وتقوم على جانبيه العُمد، والبواكي السياحية، والحوانيت المغرية تعرض أجمل التحف التي تنتجها الصناعات القديمة، وكان عند كثير من ملتقى الشوارع ميادين واسعة أو دوائر يسمونها “الطرق الواسعة”، وكانت المباني ذات روعة، وتزين الشوارع الرئيسية دار تمثيل كبرى، ومصفق، وهياكل لبسيدن، وقيصر، وزُحل، وسرابيوم، وسرابيس ذائع الصيت، وطائفة من مباني الجامعة اشتهرت في العالم كله باسم “المتحف” أو بيت ربات الفن. وكانت المدينة مقسمة خمسة أقسام، خص قسم منها بأكمله تقريبًا بقصور البطالمة، وحدائقهم، ومباني الإدارات الحكومية، وكان يقيم فيه في العصر الروماني حاكم المدينة. وفي هذا القسم دُفنت جثة الإسكندر الأكبر مؤسس المدينة في ضريح جميل الشكل، وقد وُضعت في تابوت من الزجاج وحُفظت من البلى في العسل. وكان سكان مدينة الإسكندرية خليطًا من اليونان، والمصريين، واليهود، والإيطاليين، والعرب، والفينيقيين، والفرس، والأحباش، والسوريين، والليبيين، والقليقيين، والسكوذيين، والهنود، والنوبيين، ومن شعوب البحر الأبيض كلهم تقريبًا. وكانت القنوات غاصة على الدوام بمحبي المرح والطرب، يستقلون القوارب الصغيرة أثناء الليل، يقطعون فيها مسافة الأميال الخمسة التي توصلهم إلى “كنوبس” ضاحيتها المليئة بالملاهي وأسباب التسلية. وكانت تقام فيها مباريات موسيقية لا تقل عن سباق الخيل إثارة للمشاعر والتصفيق والضجيج. أما اليهود فإن أستقرارهم في مصر يرجع إلى عهود قديمة، وكانت هناك جالية يهودية في جنوب مصر منذ القرنين الخامس والرابع ق.م، وقد انتشر اليهود في سائر أرجاء مصر، وكان لهم دور ملموس في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الإسكندرية، وشغلوا فيها مراكز إدارية مهمة، مثل إسكندر لوسيماخوس شقيق الكاتب فيلون، ووالد تيبريوس الإسكندر، الذي أصبح واليًا على مصر فيما بعد، ويعد فيلون من العلامات الثقافية البارزة في الإسكندرية في القرن الأول الميلادي، وكان ضليعًا في الفلسفة اليونانية، وكتب أبحاثه باللغة اليونانية، وكان يحاول شرح الديانة اليهودية لغير اليهود. ويبدو أن عدد اليهود في الإسكندرية تزايد، فأصبحوا يشغلون أثنين أو أكثر من أحياء المدينة الخمسة، بعد أن كانوا يسكنون حيًا واحدًا، هو الحي الرابع. وكان أغسطس كما أوضحنا سابقًا قد كافأ اليهود نظير الخدمات التي قدموها للرومان، فأقر لهم الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها منذ عصر البطالمة، فكانوا يحاكمون بمقتضى قوانينهم الخاصة على أيدي كبرائهم. وكان كثيرون منهم صناعًا وتجارًا، وعدد قليل منهم مرابين، وبلغ بعضهم من الثراء درجة استطاعوا بها أن يحصلوا على مناصب يُحسدون عليها في الحكومة.

أما البقية الباقية من سكان مصر، من غير المواطنين الرومان، ومواطني المدن الإغريقية واليهود، فهم الذين يُطلق عليهم إجمالًا “المصريون”، وتطلق هذه الصفة على سكان الريف، سواء أكانوا ينحدرون من أصول مصرية أو إغريقية، وهي فئة لم تشهد حياتها تغيرات تُذكر، ومما هو جدير بالذكر أن الوضع المتميز الذي كان يتمتع به الإغريق والمقدونيون في عصر البطالمة لم يعد له وجود، ونزلوا إلى مرتبة المصريين، وأدى زوال التفرقة بين المصريين والإغريق إلى انعدام الفجوة بينهم، فشاع الزواج بين الطرفين، وبشكل خاص في الريف، وكان الأطفال الذين يولدون نتيجة لهذه الزيجات يحملون اسماء إغريقية أو مصرية. وفي عام 212م أصدر الإمبراطور كراكالا قرارًا قضى بمنح حقوق المواطنه الرومانية لكافة رعايا الإمبراطورية، ولكن هذا لم يكن يعني شيئًا جديدًا، فحصول المصريين على المواطنة الرومانية لم يؤد إلى إعفائهم من دفع ضريبة الرأس، بل زادت عليهم الأعباء، فقد تقرر أن يدفعوا ضريبة جديدة، هي ضريبة الميراث التي كانت مقررة على المواطنين الرومان.

عندما دخل أوكتافيوس مصر، كانت توجد ثلاث مدن إغريقية في مصر، وهي نقراطيس في الدلتا، ثم مدينة الإسكندرية، أما المدينة الثالثة فهي بطلمية، التي تقع في صعيد مصر، وفي عام 130م أضاف الإمبراطور هادريان مدينة رابعة هي أنتينوبوليس، التي أقامها في مصر الوسطى، تكريمًا لذكرى خليلة الذي غرق في هذه المنطقة خلال مرافقته للإمبراطور، وقد حصلت مدينة أنتينوبوليس على كافة الامتيازات، التي كانت تتمتع بها المدن الأخرى، وحصول مواطنيها على امتيازات إضافية، وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات في نظم المدن الأربعة إلا أن نظمها كانت في الغالب متقاربة. وأهم تلك النظم التي تشابهت فيها هذه المدن، هي تسجيل مواطنيها في قبائل وأحياء، وهو النظام الذي كان متبعًا في المدن المستقلة في بلاد اليونان، وكذلك وجود مؤسسة الجمنازيوم التي حرص عليها الإغريق باعتبارها من رموز المدينة الإغربقية، وكان مواطنو هذه المدن يقبلون على تولي وظيفة مدير معهد الجمنازيوم، وهي وظيفة شرفية، كان شاغلها مسئولًا عن إمداد المعهد بكافة احتياجاته، وقد أصبحت هذه الوظيفة فيما بعد إلزامية. ويعد مجلس الشورى أيضًا من معالم كافة المدن الإغريقية، وذلك بعد أن استعادت الإسكندرية حق التمتع بوجود مجلس الشورى في عهد سبتيموس سيفيروس، الذي منح هذا الحق لكافة عواصم المديريات. كما تمتع مواطنو المدن الإغريقية ببعض الامتيازات، فقد كانوا يشاركون في النشاط الاقتصادي لمدينة الإسكندرية، كما أُعفوا من دفع ضريبة الرأس، التي كانت تُعد بالنسبة لسكان الولايات عبءً تنوء به كواهلهم، إضافة إلى كونها دليلًا على تدني المكانة الاجتماعية والسياسية، وكان مواطنو المدن الإغريقية الأربعة يتملكون أراض زراعية في أنحاء متفرقة من مصر، وكانت بعض هذه الأراضي تقع على مسافات بعيدة من مدنهم، كما تمتع هؤلاء المواطنون بحق الإعفاء من الخدمات الإلزامية أينما حلوا. وكان من حق مواطني المدن الإغريقية أن يخدموا في الفرق الرومانية، وهذا يعني أنهم يصبحوا مواطنين رومان بمجرد تسجيلهم في هذه الفرق، ولم يُسمح طيلة الاحتلال الروماني بتجنيد المصريين وإنما تم استعمالهم كعبيد للجنود وخدم لقواد الفرق.

وإذا كانت النظم الاقتصادية للرومان قد أتت أكلها في البداية وشهدت مصر حالة من النمو والازدهار في كافة القطاعات الاقتصادية، فإنها ما لبثت أن انهارت ولم تصمد أمام الرياح العاتية التي تمثلت في الاضطرابات التي شهدتها مصر في كثير من الأحيان، وربما يرجع ذلك إلى أن النظم الاقتصادية والمالية في مصر، استندت إلى أسس فاسدة، قامت على اعتصار هذه الولاية، والحصول على أكبر دخل ممكن منها، دون أن تضع في اعتبارها في غالبية الأحيان الظروف التي تمر بها البلاد. ومع مرور الوقت ازادات سوء معاملة الرومان للمصرين وشعر المصريون باضطهاد كبير لهم، مما دفعهم للثورات. فلم يكد يمضي عام على الفتح الروماني حتى شبت ثورة في طيبة بسبب ضرائب جديدة كان الإمبراطور أغسطس قد فرضها قبل مغادرته لمصر عائدًا إلى روما، وأمتدت هذه الثورة إلى الدلتا ولكن الوالي الروماني تمكن من إخمادها بالعنف. والحقيقة هي أن أحوال الفلاحين المصريين كانت تزداد سوءً على مر الأيام حتى بلغت منذ منتصف القرن الثاني الميلادي حدًا لا يُحتمل تحت وطأة نظام الضرائب كما أوضحنا، وخدمات إلزامية لم تكن موزعة توزيعًا عادلًا متكافئًا مع القدرة المالية بين الأغنياء والفقراء، وأعمال سخرة أُكره عليها الفلاحون وشملت أشخاصهم ودوابهم، وفضلًا عن ذلك فقد ترتب على ثورة اليهود المدمرة في عهد تراجان تخريب الأراضي الزراعية وإهمال نظام الري، فساءت أحوال الزراعة وهجر الفلاحون أراضيهم عندما رأوا ألا جدوى من فلاحتها وإحيائها ما دام لا يبقى لهم من ثمرة جهدهم فيها إلا النذر اليسير. ومما يدل على سوء الأحوال تفشي ظاهرة فرار المزارعين من الأرض وهجر الأهالي للموطن، أي محل الإقامة، وهو ما عُرف في لغة الوثائق “بالتسحب”، إما للعجز عن آداء الضرائب أو فرار من خدمة إلزامية، فكان “المتسحب” يلجأ إلى المدن الكبيرة وخاصة الإسكندرية على أمل أن يجد فيها عملًا يرتزق منه، أو يتوارى على الأقل عن أعين السلطات التي كانت تجد في طلبه لإعادته إلى موطنه، فإن لم يجد المتسحب إلى ذلك سبيلًا لاذ بأحراش الدلتا وربما التحق بعصابات قطاع الطرق. وفي عهد “ماركوس أورينيوس” عام 173م قام الفلاحون المصريون في شمال الدلتا بثورة عنيفة اتخذت شكل حرب العصابات وعرفت في المصادر الرومانية باسم “ثورة الرعاة”. وقد تزعم ثورة الفلاحين أحد الكهنة واسمه “إيزودور”، ويعني ذلك أن الكهنة المصريين كانوا لا يزالون حتى ذلك الوقت يشكلون القيادات الوطنية. ويبدو أن المصريين انتهزوا فرصة سحب بعض القوات من مصر للمشاركة في الحروب التي خاضتها الإمبراطورية ضد قبائل الجرمان في منطقة الدانوب، فثاروا ثورتهم تلك التي بلغ عن عنفها أن عجزت القوات الرومانية عن مواجهتها، بل كادت مدينة الإسكندرية أن تسقط في يد الثوار، ولم يتدارك الأمر سوى وصول نجدة من سوريا تحت إمرة “فيديوس كاسيوس” قائد القوات هناك، وقد لجأ هذا إلى أسلوب المكيدة والخداع مع الثوار لكي يوقع بينهم، وعندما نجح في استمالة بعضهم، تحول الباقون إلى شراذم فتمكن من تعقبهم حتى قضى عليهم، ثم عاد إلى سوريا منتصرًا بعد أن ترك فيها نائبًا عنه. وقد بينت بردية باسم “أعمال أبيانوس” أن صراع الإسكندريين مع الأباطرة الرومان أصبح سافرًا. فالبردية تضم أجزاءً من محاضر محاكمة أبيانوس أحد زعماء الإسكندريين الذين تم إعدامهم على يد كومودوس (177-192)، وهي تضج بالكراهية والحقد على الرومان وتتهمهم بممارسة أسوأ أنواع الابتزاز وهو أخذ القمح من مصر وبيعه في الخارج بأربعة أضعاف ثمنه. وقد ازدادت أحوال مصر سوءً في عهد كومودوس بحيث لم تعد تبعث على اطمئنان روما إلى ولاية مصر، ولعل من الأمور ذات الدلالة في هذا الصدد ما قام به كومودوس من بناء أسطول جديد لنقل القمح من شمال إفريقيا إلى روما لمواجهة الموقف إذا ما تأخر وصول القمح من مصر. هكذا بدأ الرومان يحصدون الثمار المرة لسياستهم الاقتصادية الخرقاء في ابتزاز ثروة مصر وامتصاص الطاقة الإنتاجية لأراضيها وأهليها.

 

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.