نجح من نجح فى الثانوية العامة بشعبتيها العلمية والأدبية، وأخفق من أخفق وليست هى النهاية الحتمية، ولاحت فى الأفق مجدداً ملهاة التنسيق الهزلية السنوية..
لقد ولجت أسر الطلبة الناجحين فى الثانوية العامة، فى فلك المنعطف النفسى العصيب، لمسايرة أجواء تنسيق المجلس الأعلى للجامعات، والتعويل على أمل مطابقة تحديد الكلية مع الأهواء الذاتية…
فى غضون ذلك أُرانى أتنبأ بتكرار المشهد التقليدى السنوى للإيقاع التنسيقى، الذى ينذر بمغبة هيمنة العاطفة على اتخاذ القرار، مع إقصاء العقل وتجريده…
إن التعويل على نتائج الثانوية العامة، وإعادة تصنيف الكليات من جديد لهو بيت القصيد فى مقالتى هذه!!
وأستهل متى كانت نتيجة الثانوية العامة تقريراً للمصير؟
ومتى كانت الكليات المزعومة بالقمة تشفى صدور خريجيها على طول الخط؟
وبين الجملتين علاقة شديدة الوفاق والوثاق، فى مضامين عديدة…
وأستطرد هاهنا أدى التعلق بتلابيب الطب والهندسة على وجه الدقة، واستخلاصهما من شعبتى العلمى علوم والعلمى رياضة، إلى جعل هاتين الكليتين وحدهما فرسى الرهان، اللتين يشار لهما بالبنان، مدفوعتين بالرغبة العارمة فى حيازة رونق لقبيهما يا دكتور أو يا باش مهندس، حتى وإن سيق الطالب لأجلهما إلى التعليم الخاص وضحى بكل غال ونفيس، ولئن كانت عاقبة تخرجه هى الطرد من شفقة صناع القرار بعدم التوظيف..
إن بسبب الإيماء إلى الطب والهندسة، ضاعت مآثر كلية العلوم، التى هى الأم للطب والصيدلة، والموئل العظيم للنجباء، والمنهل الفخيم للعلماء، وهى الوعاء الدائم للبحث العلمى، والمحضن الرئيسى للإستقصاء المنهجى، وخط الدفاع الأول لأى أمن قومى!!
وبينما تُصنف كلية العلوم فى مصر على أنها مآوى الفاشلين، الذين بعُدت عليهم شقة الطب والصيدلة، تجد هذه الكلية حفاوة التقدير فى دول العالم الأول والثاني، حتى أنها ألقت بأعظم فلذات أكبادها بالجينات المصرية، كعلى مصطفى مشرفة ويحيى المشد وفاروق الباز وأحمد زويل وغيرهم..
بروافدها السامقة الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك والبنات والحشرات والجيوفيزياء والبيوفيزياء والجيولوجيا إلخ …
وينطبق ذات الشىء على كلية الزراعة، بمبادئها الفيحاء ودأبها على صيانة أركان البحث العلمى وتطوير المجتمعات…
وأدلف إلى لوثة تقرير المصير بمحصول درجات الثانوية العامة، فهى عبارة شديدة التشرنق والركاكة ، وبضرب المثال يتضح المقال، فمجدى يعقوب جراح القلب المصرى، الذى طبقت شهرته آفاق الدنيا، لم يتجاوز مجموعه فى الثانوية العامة حد ٧٤ فى المائة، ومع ذلك صار أشهر طبيب قلب بالعالم، وحاز على لقب سير أى سيد من ملكة انجلترا، كذلك كان ألبرت أينشتاين قرينُ بالفشل الدراسى، وفى بحث واحد فى مجال الفيزياء، تفجرت شهرته وحاز على نوبل فى الفيزياء ١٩٢١م،،
بيل جيتس لم يكمل دراسته فى جامعة هارفارد، ليؤسس واحدة من كبرى شركات العالم مايكروسوفت، ويصبح معها أغنى رجل فى العالم، وصار صديقه الأنجح منه فى الدراسة مهندساً فى شركته..
مارك زوكربيرج ترك دراسته فى هارفارد، ليتحول إلى واحد من كبار المستثمرين على مستوى العالم، ومؤسساً لشركة فيسبوك العالمية…
ستيف جونز ترك تعليمه بسبب فقره، بيد أنه نجح فى تأسيس شركة آبل العالمية…
توماس إديسون فشل فى دراسته فشلاً ذريعاً، ثم ما لبث أن أصبح من رواد المخترعين، فعلى يديه عرفت الكهرباء أصقاع المعمورة، بعد سلسلة من التجارب بلغت حد ال١٠٠٠ ليلقب بأمير الضوء، وله فى اعتنائه بالتجارب مقولة فائقة رائقة
العبقرية هى واحد بالمئة إلهام و٩٩ فى المئة عرق !!!
تباً لضحالة الموروث التلقينى ، الناجع عن عنصرية الإنتقاء والإقصاء فى المسار التعليمى، الصائحة بأن الأفضلية للطب والهندسة والصيدلة، وأن الإنهزامية للعلوم والزراعة والتجارة ودار العلوم والآداب والتربية والخدمة الاجتماعية إلخ ..
أليس من اللائق بصفوة المجتمع المصرى، أن يخلبوا آمال وطموحات الأجيال على التفكير مليا، فى الكليات التى تقوم على مناهج البحث العلمى، وكيف أن عباقرة العالم فى التاريخ الحديث والمعاصر، أبلوا بلاءً حسناً، وأحرزوا قصب السبق فى مواطن الإشعاع ومكامن التنوير!!!