في كثير من الأوقات نحكم على الآخرين بما نراه من أفعالهم ، ولكن قد يكون هناك ما نجهله عنهم ، يحول ما نراه إلى العكس تماما ، وقد يستهين المرء بفعل هو عند الله عظيم وقد يحبط عمله وهو يعتقد أنه يحسن صنعا.
فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال:قال رجل:”يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذى جيرانها بلسانها” ، قال:”هى فى النار” ، صدقت يا رسول الله صلوات ربى وسلامه عليك ، وكم من كلمة أنت قائلها لا تلقى لها بالا وقد ألمت وأوجعت من قيلت له أو عنه.
وعن أكثم بن أبى الجون قال:قلنا:”يا رسول الله فلان يجرى فى القتال” قال:”هو من أهل النار”.قلنا:”يا رسول الله إذا كان فلان فى عبادته واجتهاده ولين جانبه فى النار فأين نحن ؟”قال:”إنما ذلك إخبات النفاق وهو فى النار” ، بالفعل كم من عمل يعمله المرء ولا يقبله الله سبحانه وتعالى منه إما لنفاق فهو يريد أن يقول الناس عنه محسن أو عابد ، أو لعدم إعطاء العمل حقه فكم من يسرع فى الصلاة مثلا ليسقط الفرض عنه وقد أخل بأركان الصلاة لسرعته وكذلك فى أى عمل وليست العبادات فقط ، إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.
عن سهل بن سعد الساعدي رضى الله عنه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركين فاقتتلوا وفى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة ألا اتبعها يضربها بسيفه فقالوا:”ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أما أنه من أهل النار” فقال رجل من القوم :”أنا صاحبه قال: فخرج معه وكلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال:فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه ، هذا الرجل لم يكن منافق وكان شجاع كان يقبل على العدو غير مدبر ولكن ، الصبر على البلاء الصبر على قضاء الله وقدره ، والرضا به قد يبدو ذلك بسيط ولكنه فى الحقيقة إنه شديد إلا على من كان إيمانه بالله ورسوله قوى لا تزلزله أى شدة مهما ثقلت.
عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”عذبت إمرأة في هرة حبسها حتى ماتت فدخلت فيها النار ، لا هى أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ، ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض” ، وقيل أن تلك المرأة كانت عابدة ولكن عبادتها وحدها لم تشفع لها ، وعذبت فى حيوان ، يقول تعالى:”وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم” ، فهى مخلوقات من مخلوقات الله جل وعلا تشعر كما نشعر ، ويؤجر راحمها.
وحكى أن أخوين أحدهما عابد والآخر مسرف على نفسه ، وذات يوم سولت للعابد نفسه أن يتبع شهواته تروحيا ثم يتوب ، فنزل إلى أخيه على هذة النية ، وقال أخوه المسرف قد أفنيت عمرى فى المعصية والله لأتوبن وأصعد إلى أخى وأوافقه فى العبادة ما بقى من عمرى فطلع لأخيه على هذة النية ، فزلت قدم العابد عند نزوله فوقع على أخيه فمات الإثنان ، وحشر كلا منهما على نيته ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة” ، إنما الأعمال بالنيات وكم من نيه أفسدت عمل وردته فى وجه صاحبه لم يقبل منه لأنه لم يكن خالصا لوجه الله الكريم.
والأصيرم عمرو بن ثابت من بن عبد الأسهل كان يأبى الإسلام ، فلما كان يوم أحد قذف الله الإسلام في قلبه فأسلم وأخذ سيفه فقاتل حتى أثبتته الجراح ولم يعلم أحد بأمره ، فأما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم وجدوه وبه رمق يسير فسألوه ما الذى جاء به؟هل أحدب على قومه أم رغبة فى الإسلام ، فقال:”بل رغبة فى الإسلام آمنت بالله و رسوله وأسلمت” ، ومات فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:”هو من أهل الجنة” ، ولم يصل لله ولا سجدة واحدة.