ألقينا الضوء سابقًا على المفهوم التقدمي للاستقلال الوطني في مقالتنا الأولى بعنوان “الثورة والاستقلال الوطني”، ثم تطرقنا إلى نشأة الأمة المصرية قبل التاريخ في مقالة بعنوان “أهل مصر.. أمة قبل التاريخ”، وعصر الدولة الفرعونية القديمة وعصر الاضمحلال الأول في مقالة بعنوان “الدولة الفرعونية القديمة”، والعصر

الفرعوني الوسيط وعصر الاضمحلال الثاني في مقالة بعنوان “الدولة الفرعونية الوسطى”، وعصر الدولة الفرعونية الحديثة وعصر الاضمحلال الثالث في مقالة بعنوان “الدولة الفرعونية الحديثة”، ومقالتنا هذه عن “مصر البطلمية”.

كما أوضحنا سابقًا، ظلت مسيرة الاستقلال الوطني بلا انقطاع منذ أن توحدت مصر على يد الملك نارمر “مينا”، حتى الغزو الفارسي الثاني نهاية عصر الأسر الفرعونية، باستثناء بعض الفترات القصيرة والطارئة التي تخللت عصور الاضمحلال، والتي تمثلت في الاحتلال الآشوري والاحتلال الفارسي الأول، وذلك رغم التغيرات التي طرأت على النسيج السكاني المصري، كانت أكبرها وأكثرها تأثيرًا هي الهجرات الآسيوية من الشرق، والليبية من الغرب، والذين تمصروا بشكل كامل، وانصهروا في النسيج المصري، ورغم ما يروج له بعض المؤرخين وكذلك التأريخ الرسمي بأنها كانت غزوات واحتلالات إلا أن الواقع والتاريخ يشهد بغير ذلك تمامًا، حيث كانت الدولة الفرعونية الوسطى والحديثة وهي التي شاهدت تبعات هذا التنوع والتعدد في العناصر المكونة للأمة المصرية، كانت عصور استقلال تام وتقدم وازدهار وتتطور منقطع النظير آنذاك. ولكن تمدد الرقعة المعمورة عالميًا بنهاية الدولة الفرعونية، وتعدد مراكز الحضارات، والطبيعة القتالية والاستعمارية لأغلب تلك الحضارات، والتي شكل الغزو ونهب الشعوب الأخرى جزءً من اقتصادياتها، بحيث أصبحت المغامرة والروح القتالية والاستيطان سمة لشعوبها. بينما نمت الحضارة المصرية في طبيعة مستقرة، وكانت أرض سلام وتعايش وتحضر، ومركز اشعاع حضاري وعلمي وتكنولوجي، وبنت حضارتها بمكوناتها الذاتية التي حباها الله إياها، وحافظت على حدودها الجغرافية والسياسية لآلاف السنين، ولم تسعى طيلة هذا الزمن للتمدد الامبراطوري إلا في حدود حماية الأمن القومي وتأمين استقلالها خدمة لتطورها ونمائها، وذلك بردع القوى الجديدة المتربصة دومًا للإنقضاض على مصر. ورغم أن موقع مصر الفريد ونمائها وثرائها كان له الدور الأساسي في بناء هذا الصرح الحضاري العظيم للشعب المصري، إلا أنه انقلب إلى وباء على مصر عندما ضعفت مقابل نمو قوى ناشئة امبريالية واستعمارية بطبيعتها، والتي تصارعت فيما بينها للانتشار والتمدد وسعت كل منهم للاستيلاء على مصر واعتبروها متممًا لنفوذهم وسيطرتهم على العالم القديم. وتمكنت مصر في البداية من صد تلك الأطماع في مهدها كما حدث مع الحيثيين والذي انتهى بمعاهدة قادش، وقاومت بعضها ببسالة كما حدث مع الآشوريين والفرس (الغزو الفارسي الأول) وتمكنت من هزيمتهما، وناهضت الغزو الفارسي الثاني وأجهضته مما مهد الطريق للغزو الإغريقي، وذلك كما أوضحنا سابقًا.

بدأت العلاقات بين مصر وبلاد اليونان وبحر إيجة مع بواكير التاريخ المصري القديم، حيث كان هناك اتصال بين مستوطنات من عصور ما قبل التاريخ في مصر وبين سكان جزر بحر إيجة. وطوال الدولة الحديثة وبينما مصر تدعم أركان إمبراطوريتها، سُجل ممثلوا جزر البحر المتوسط وهم يقدمون الجزى لملوك مصر، وكانت هذه الجزر بمثاية بوابة مصر الشمالية نحو عالم البحر المتوسط. وفي “الأوديسيا” ملحمة القرن 9-8 ق.م، ورد أن الرحلة بين مصر وكريت كانت تستغرق خمسة أيام.. وتتحدث مصادر الفلاسفة كذلك عن رحلة إيزيس إلى بلاد اليونان التي كانت تستغرق سبعة أيام. ثم جاءت مرحلة الاندماج الكبير نسبيًا بين الحضارتين في القرنين السادس والسابع قبل الميلاد، خلال حكم الاسرة السادسة والعشرين المصرية عندما وفدوا كجنود مرتزقة وكتجار.

وكما ذكرنا في مقالتنا السابقة بعنوان “الدولة الفرعونية الحديثة 3-3″، ففي عام 653 ق.م تمكن الملك بسماتيك الأول من طرد الآشوريين وتحيقيق الاستقلال بفضل المرتزقة اليونانيين الذين تم تجنيدهم لتشكيل أول بحرية مصرية، ومنذ العهد الصاوي بدأت مصر تعتمد بشكل أكبر على الجاليات اليونانية التي كانت قائمة في منف، وبعد اعتداء الفرس على مصر أصبحت المدن اليونانية في مصر أكثر استقلالًا. ثم امتد تأثير اليونان بشكل كبير حيث أصبحت مدينة نقراطيس وطن اليونانيين ومركز تجاري لهم في منطقة الدلتا (في البحيرة)، وفي عهد أحمس الثاني (270-260 ق.م) أصبحت تجارتهم مرتبطة بتلك المدينة. وكانت ترسل المواد التجارية من تلك المنطقة إلى معبد الآلهة الخاصة بها وأصبحت تلك العناصر تجوب البحر المتوسط للتجارة. وقد امتد هذا الدور الهام لليونانيين تجاريًا إلى أكثر من جانب اقتصادي في مصر، فنجد أن بسماتيك الأول قد شجع التجار الأجانب وفي مقدمتهم اليونانيين لإقامة علاقات تجارية مع مصر، كما تعددت المراكز التجارية اليونانية في مصر. وعن أقدم الجاليات اليونانية التي استقرت في مصر يذكر أن القبرصيين هم أقدم الجاليات اليونانية في مدينة نقراطيس التي كانت الهدف المباشر للهجرات اليونانية في مصر. حيث اشتغلوا بالتجارة وعبدوا افروديت واتصلوا بقبرص وكرسوا ثماثيل افروديت في معبدها في نقراطيس، ثم توالى بعد القبرصيين عناصر يونانية متعددة، وانتشرت هذه العناصر من خلال نقراطيس إلى جميع نواحي مصر، مثل دافني وسقارة والفيوم بالإضافة إلى مناطق أخرى في الدلتا كما أكد ذلك العملات المكتشفة هناك. كما كانت فصائل الجنود المصرية تضم بعض الأشخاص الأجانب من منطقة البحر المتوسط وذلك منذ عهد الدولة الحديثة.

لم تسلم المدن اليونانية من غزو الفرس (الإمبراطورية الأخمينية) في اطار صراع طويل وحروب طاحنة بينهما، وكان الإغريق يرون فى فارس عدوًا تقليديًا يجتهدون في الانتقام منه، وأخيرًا استطاع “فيليب” ملك مقدونيا جمع المدن اليونانية تحت زعامته ولكنه أُغتيل عام 336 ق.م أثناء استعداده لغزو فارس، فخلفة على عرش مقدونيا ابنه “الإسكندر” وكان يبلغ من العمر عشرين عامًا، فوحد اليونانيين وغزا أجزاء كبيرة من العالم وكون الإمبراطورية اليونانية، وقاد الإغريق في حربهم ضد فارس في سنه 334 ق.م، وبدأت الولايات الواقعة تحت الاحتلال الفارسى في الانهيار أمام الإسكندر من آسيا الصغرى إلى سوريا وفينقيا إلى فلسطين. وفي عام 331 ق.م غزا مصر التي سلمها الوالي الفارسي للإسكندر دون مقاومة، واستقبله المصريون بالترحيب لتخليصهم من الاحتلال الفارسي. ولا ترجع السرعه التي أتم بها الإسكندر فتح مصر إلى تفوقه العسكري على الفرس فحسب، بل ترجع أيضًا إلى مساعدة المصريين له، فقد كانوا في ثورة مستمرة ضد المحتلين الفرس الذين فاق ظلمهم كل الحدود، وأساؤوا معالمة المصريين، واحتكروا دياناتهم، أهانوا آلهتهم، وكان الإغريق فى نظر المصريين أصدقاء وحلفاء طالما عاونوهم على استراداد حريتهم المسلوبة، كما رأوا في الإسكندر منقذًا لهم من الاستعمار البغيض.. وبدورها بهرت حضارة مصر العريقة الإسكندر الذي بدأ سياسة التقرب من المصريين محاولًا إرضاء شعورهم القومي والديني، فاحترم المعبودات المصرية وقدم لها القرابين ولم يكتف بذلك، فقام برحلة إلى واحة سيوة حيث زار معبد الإله آمون، وهناك منحه الكهنة لقب “ابن آمون”، وأضحت مصر بعد استيلائه على منف فى قبضته تمامًا.

كان استيلاء الإسكندر على سوريا ومصر والعراق وغيرها من بلاد الشرق القديم أكثر من مجرد سيطرة حربية وتوسع عسكري، إذ أن هذه الأقاليم كانت صاحبة حضارات عريقه نمت وازدهرت على مر العصور وأفاد منها الإغريق، هذا بالإضافة إلى أن الإسكندر نفسه أظهر إعجابه بها واحترامه لها، وبدا ذلك واضحًا في مصر على وجه الخصوص. وقد فكر الإسكندر في تكوين حضارة جديدة تجمع بين مزايا الحضارات الشرقية العريقة والحضارة الإغريقية الناشئة، ولتحقيق ذلك عمل على فتح ابواب الشرق على مصراعيها أمام الإغريق للإقامة بها، كما أقام بعض المدن الجديدة كالإسكندرية في مصر وغيرها لتصبح مراكز لنمو تلك الحضارة الجديدة ولتعمل على نشرها في كل مكان، وقد سميت تلك الحضارة الجديدة باسم “الهيلنستية”. وازدهرت الحضارة الهيلنستية في مصر اذ وجدت فيها تربة خصبة للنمو على نحو لم تشهده في بلاد الإغريق نفسها، وذلك لأنها أفادت من حضارات بلادنا العريقه كما وجدت فيها أنظمة راسخة وثروة بشرية ومادية عظيمة، فضلا عن موقعها الفريد وسط العالم المتمدن في ذلك الوقت، فكانت مصر بذلك بمثابة المصنع الذي صُنعت فيه الحضارة الجديدة، وأصبحت مدينة الإسكندرية المركز الرئيسي للحضارة الهيلنستية والنموذج الأمثل لها فى العالم القديم، وعاصمة العالم المتمدن حينذاك، ومنها أشعت تلك الحضارة على باقي أجزاء العالم، وفيها احتفظ أجدادنا بعناصرها من مئات السنين، ولم يعش الإسكندر طويلًا ليحقق آماله في بناء تلك الحضارة وترك لخلفائه في مصر تحقيق الأمل.

بعد أن أمن الإسكندر ملكه في مصر ونظم شؤونها الإدارية اتجه إلى قلب آسيا ليكمل خطته للقضاء على الإمبراطورية الفارسية. وتوغل في القارة الآسيوية حتى وصل إلي الهند ولكنه توفي فى عام 323 قبل الميلاد وكان فى الثالثة والثلاثين من عمره اثر إصابته بالحمى فى مدينه بابل وهو فى طريق عودته إلى بلاده. ولم يكن للإسكندر وريث شرعي للحكم، ولم يضع تصور لوراثة العرش وطريقة الحكم فيها، ولم يترك وصية أو يرشح خلفا له، وبعد خلاف عنيف تم الاتفاق على أن يرتقي العرش شاب معتوه يدعى “فيليب ارهيدوس” كان أخًا غير شقيق للإسكندر. مع الاعتراف بحق جنين “روكسانا” زوجة الإسكندر الفارسية وكانت حاملًا إذا كان ذكرًا في مشاركة “فيليب” المُلك بمثابة شريك تحت الوصاية. ويهمنا أنه قُسمت إمبراطوريتة بعد وفاته بين قواده الثلاث، حيث اجتمع قواده في بابل لبحث مشكلة حكم الإمبراطورية المقدونية التي توفى مؤسسها فكانت مصر من نصيب القائد بطلميوس، وسوريا والعراق من نصيب القائد سليوقس، أما مقدونيا فكانت من نصيب القائد انتيجونس وقد نجح بطلميوس وسليوقس في تأسيس دولتين “مستقلتين” هما دولة البطالمة في مصر، والدولة السليوقية في سوريا، حكمتهما سلالاتهما من بعدهما قرابة ثلاثة قرون، وقد اتخذت أسرة البطالمة مدينة الإسكندرية عاصمة ومقر لحكمهم، كما اتخذت دولة السليوقية مدينة انطاكية في شمال سوريا عاصمة لها. وقد امتلأ تاريخ البطالمة والسليوقيين بالحروب بينهما، فالبطالمة يحاولون السيطرة على سوريا والسليوقيون بدورهم يعارضون أطماع البطالمة ويردون على ذلك بالرغبة في الاستيلاء على مصر، وقد تمكن “بطليموس الأول” من ضم بعض الأقاليم التي يعتبرها المؤرخون ملحقات لمصر مثل برقة وجنوب سوريا وفينقيا وفلسطين وقبرص، وأعلن نفسه ملكًا عليها باسم بطليموس الأول ابن لاجوس (سوتير) المنقذ، وحكم بوصفه ساترابي، أى حاكم ولاية مصر من 323 إلى 305 ق.م.، ثم بصفته ملكًا عندما استقل بمصر عن خلفاء الإسكندر إلى 284 ق.م، وبذلك ابتلعت مصر الإغريق الغزاة ومصرتهم، وأخضعتهم لطغيان شخصيتها الآسرة، ودفعتهم للتفاني في تطويرها وتقدمها والنهوض بها، والدفاع عن استقلالها التام. بل وريادتها للحضارة الهيلنستية الجديدة.

أسس البطالمة نظام حكم قوي يتشبهون فيه بالنظام الفرعوني، ينقسم إلى رأس يمثله الملك، وثلاثة أذرع هي الحكومة، والإدارات المحلية، والجيش والأسطول. وفي عهد البطالمة تم تقسيم مصر إلى قسمين كبيرين على غرار النموذج الفرعونى، وهما مصر العليا (الصعيد) ومصر السفلى (الدلتا). كذلك تم تقسيم كل قسم إلى مديريات يرأس كل واحدة منها موظف كبير يُطلق عليه “القائد” ولابد أن يكون يوناني الأصل، ويستمد سلطته ونفوذه من الملك مباشرة. ويخرج من دائرة هذا التقسيم ثلاث مدن اختصها البطالمة بنظام مستقل، وهي الإسكندرية وكانت العاصمة وموطن الإدارات الحكومية، وبطلمية وهي العاصمة الثانية التي أسسها بطليموس الأول في صعيد مصر خاصة من الناحية الإدارية، ونقراطيس وهي مدينة إغريقية أُعدت موطنًا للإغريق المقيمين في مصر منذ أن تأسست أيام الأسرة السادسة والعشرين الفرعونية (كما أوضحنا سابقًا). واتبع البطالمة سياسة الإسكندر وساروا عن نهج خطواته. وقد رغبوا في توسيع نطاق مملكتهم كما عملوا على نشر الحضارة الإغريقية ومزجها بحضارة مصر القديمه. ومن ثم فقد حاولوا الحصول على كل ما يمكن الحصول عليه من ثروة البلاد ومواردها مما مكنهم من تكوين جيش وأسطول قويين نجحا في ضم النوبة وليبيا وفلسطين إلى مصر، وفرض سيطرتهم على كثير من جزر حوض البحر المتوسط الشرقي، كذلك عمل البطالمة على إرساء قواعد بعض مظاهر الحضارة الإغريقية والنهوض بالحضارة الهيلنستية الجديدة.

كان الحكم البطلمي حكمًا أوتقراطيًا، الملك فيه يملك ويحكم، وقد سهلت لهم عراقة مصر ووحدة أرضها هذا الأمر، كما ارتبطت أقاليم مصر بالمركز وهو العاصمة الإسكندرية بحكم مركزي قوي تطلب الاعتماد على جيش ضخم من الموظفين والإداريين والماليين. وكانت مصر تعتمد اقتصاديًا على إنتاجها الضخم من الحبوب واحتكار ملوكها تجارة القمح وأوراق البردي مع العالم الهليني، لأن معظم أرض مصر إلا ملكيات المدن والمعابد، كانت أرضًا ملكية يزرعها الفلاحون لحسابهم الخاص. وقد حمل اسم بطلميوس أربعة عشر ملكًا من خلفائه على عرش الإسكندرية، واستمر حكم هذه الأسرة البطلمية أو اللاجيدية أكثر من ثلاثة قرون (323 – 30 ق.م).

منذ عصر بطليموس الأول سوتر تحولت عاصمة مصر الإسكندرية لعاصمة الحضاره الإغريقيه ومركز للثقافه الهيلنستيه فى البحر المتوسط من غير منازع. كما أسس بطليموس جامعة الإسكندرية التي كانت تضم مكتبة الإسكندرية المشهورة. ولكي يوحد المصريين واليونانيين ابتدع بطليموس الأول ديانة جديدة تجمع ما بين الديانة المصرية والديانة اليونانية، وعمل إله سماه “سيرابيس” الذي كان توليفة مصرية يونانية وكان له معبد ضخم في منطقة أبو قير. وكان بطليموس الأول سوتر محبوب من المصريين… اشترك ابن بطليموس الأول فيلادلفوس ( 285 – 246 ق.م) مع والده في السلطة سنة 285 ق.م، ثم انفرد بالحكم بعد وفاته عام 284 ق.م، وعندما بدأت قوة روما في الظهور في عام 273 ق.م بدأ بطليموس الثاني علاقات دبلوماسية بينه وبين روما وأرسل سفارة أى مندوبين عنه لكي يعقد أواصر الصداقة بين الطرفين. وكان إحساس بطليموس الثاني عن نمو قوة روما الحربية صحيحًا وكانت معاهدة الصداقة التى وقعت بينه وبين روما ذا نفع للأجيال المتأخرة من البطالمة حيث انتشرت القوة الرومانية البحرية والبرية شرقًا في القرن الثاني قبل الميلاد، وفي الوقت الذي دخلت فيه روما في حروب للاستيلاء على الممالك الهيلنستية التي تساقطت تحت حكمها الواحدة تلو الأخرى، ظلت مصر مستقلة صديقة لروما لدرجة أن روما منحتها الحماية في عدة مناسبات عندما كانت الحاجة تدعو إلى ذلك. وسار بطلميوس الثاني على درب أبيه، فطور الزراعة والتجارة في مصر وفي عهده ازدهرت الثقافة والعلوم واحتلت جامعة الإسكندرية ومكتبتها المشهورة دور ريادي في نشر المعارف والعلوم والفنون في نواحي البحر المتوسط. وأسس مدينة برينيكى (على اسم أمه) في الصعيد على البحر الأحمر ووصلها بطريق ممهد لقفط فأصبحت ميناء تجارى مهم يربط بين مصر والهند. وفي عهده تُرجم كتاب “العهد القديم” للغه اليونانية. و بنى فنار الإسكندريه الذي أصبح من عجائب الدنيا السبعثم جاء بطليموس الثالث يورجيتس (الخير) وحاول دائمًا أن يجنب مصر الحروب لكنه اضطر لمهاجمة سوريا والتوغل في ميسوبوتاميا وعن طريق اتفاقية سلام استطاع أن يضم جزء من سوريا من ضمنه إنطاكية ومناطق في آسيا الصغرى ومنطقة كليكيا للمملكة المصرية البطلمية. وحافظ على مملكته وجعل مصر قوية ومستقرة ومتقدمة، واعتمد على الدبلوماسية في تسيير علاقات مصر بالعالم الخارجي. وداخل مصر استمر بطليموس الثالث في تطوير منطقة الفيوم التي بدأها أبيه، وبدل السنة المقدونية بالسنة الشمسية المصرية، كما أنه أصلح التماثيل والمعابد المصرية التي خربها الفرس عندما غزوا مصر قبل الإسكندر الأكبر وتبرع للمعابد المصريه وبذلك كسب حب المصريين، كما بدأ في بناء معبد إدفو في الصعيد الذي ظل تحفة من تحف العصر البطلمي. واستمرالنمو الثقافي والنشاط العلمى في الإسكندرية التي بقيت عاصمة العلم والنور في العالم، وفي عهده عاش عالم اللغات “أريسطوفانس” الذي درس في مدارس الإسكندريه وأصبح رئيس مكتبة الإسكندرية، وعاش “أراتوسثينس” مخترع الجغرافيا الفلكية والذي كان رئيس مدرسة الرياضيات السكندرية، والشاعر “ابولونيوس”، وكاتب التراجيديات “ليكوفورن”. كما عُرف يوارجتيس بقوته في السلطة كما تشير المراسيم التي وجدت على حجر يعود إلى عام 238 ق.م، الذي اكتشفه علماء ألمان في منطقة الدلتا، كما بنى بطليموس الثالث معبد دندرة، ويقع على البر الغربي لمدينة قنا حوالى 60 كم شمال الأقصر وهو من المعابد اليونانية الرومانية وعندما توفى بطليموس يورجيتس بعدما حكم مصر 25 سنة كانت مصر قوة كبيرة وبلد غنية ومستقرة. ووصلت مصر في عهده ذروة قوتها وغناها وتركها لابنه مملكة عظيمة ليس لها مثيل في الدنيا وقتها.. وبعد وفات بطليموس الثالث حكم بعده ابنه بطليموس الرابع فيلوباتور (221 – 205 ق.م)، وفي عهده كانت روما تحصل على إمدادات القمح من مصر. وتزوج كليوباترا ابنة انيتوخس الثالث الملك السليوقى في سوريا وتربعت على العرش باسم كليوباترا الأولى.. وفي عهد بطليموس الخامس (205 ق.م- 181 ق.م)، وكان لا يزال طفلًا في الخامسة من العمر، قامت انقسامات وصراعات داخلية أدت إلى حرب أهلية دموية في شوارع الإسكندرية، واستغل الملك السلوقي في سوريا أنطيوخس الثالث فرصة للتدخل والاستيلاء على مصر والقضاء على أسرة البطالمة وضمها إلى أملاكه، فاحتل فينيقيا وزحف بجيشه على مصر، وعندئذ تدخلت روما بالرغم من أنها كانت خارجة لتوها من الحرب البونيقية التى أنهكتها، فأمرت أنطيوخس أن  يترك المملكة الصديقة (مصر). وقد اضطر أنطيوخس أمام موقف روما المتشدد أن يكتفي بانتصاراته وضم البلاد التي استولى عليها خارج أراضي مصر واعترف بوضع مصر الخاص إلا أنه قام بتزويج ابنته من بطليموس الخامس الذي مات سنة 180ق.م.

في عام 175 ق.م أُعلن بطليموس السادس ملكًا على مصر فأشرك في الحكم أخته كليوباترا الثانية وأخاه الأصغر بطليموس الثامن فيسكن، وكانت تلك بداية ما عرف باسم “الحكم المشترك” لملوك الدولة البطلمية، وعندما تولى بطليموس السادس العرش لقب بفيلوماتور ( أى المحب لأمه ) وتزوج من أخته كيلوباترا الثانية. في هذا الوقت هاجمت روما مقدونيا وانشغلت في حرب مع جيش برسيوس ملك مقدونيا، فاستغل أنطيوخس الرابع انشغال روما التى تغطي مصر بالحماية في الحرب فهاجم مصر وأخذ بطليموس السادس الصغير أسيرًا، وأعلن نفسه ملكًا على وادى النيل. وفي سنة 170 ق.م استولى أنطيوخس الرابع على كل مصر ما عدا الإسكندرية وبدأت مفاوضات بينه وبين ابن أخته بطليموس السادس. وفى عام 168 ق.م كان أنطوخيوس الرابع يعسكر بجيشه قرب العاصمة الإسكندرية عندما وصلت إليه أنباء بأن الرومان هزموا بروسيوس في بلدة بدنا. ووصل جايوس بوبيليوس لايناس قادمًا من روما حاملًا قرار من مجلس الشيوخ في روما وذهب مباشرة إلى معسكر الغازي أنطيوخس الرابع وسلمه القرار ودار حوار سجله بوليبيوس المؤرخ الأغريقى المشهور الذى كان معاصرًا لهذه الأحداث فكتب “سلم لايناس لأنطيوخس قرار مجلس الشيوخ الذي يأمره بإنهاء الحرب ضد بطليموس في الحال وأن يسحب جيشه إلى سوريا في وقت محدد”، قرأ الملك أنطيوخس الرابع القرار وقال إنه في حاجة إلى أن يستشير بعض أصدقائه إزاء هذا التطور الجديد، وقد كان لايناس يحمل عصا مقطوعة من كرمة، رسم بها دائرة حول أنطيوخس الرابع وطلب منه أن يعطيه إجابة على القرار قبل أن يتخطى حدود الدائرة، فوجئ الملك أنطيوخس الرابع بهذا التصرف، وبعد فترة اضطراب قصيرة قال إنه سيفعل كل ما طلبه الروماني. وقد نشرت إحدى البرديات التى ترجمت حديثًا تؤكد أن أنتصار أنطيوخس كان كاملاً وقد فضل ألا يسبب مشاكل مع الرومان كان سيجر حرب عليه أكثر من مجرد تدخل مؤقت هو في غنى عنها. وفى هذا الوقت كان بزوغ قوة روما العسكرية ونموها المضطرد لم يعد سرًا خافيًا عن أحد فقد ذكر المؤرخ بوليبيوس في مقدمة كتابه “لقد تحول البحر المتوسط كله إلى بحيرة رومانية وكل الذين عاشوا على شواطئه نظروا إلى روما باعتبارها مقررة مصائرهم”. وبعد انسحاب الملك أنطيوخس الرابع من مصر بعد أن غزاها بناء على أوامر من روما نشأت صراعات أسرية في داخل الأسرة الحاكمة البطلمية بين بطليموس السادس وأخيه الصغير، وتدخل مجلس الشيوخ الرومانى لحل هذا النزاع فحكم بترك عرش مصر للأخ الأكبر، وفصل مجلس الشيوخ قورينية (ليبيا الحالية) التي كانت تابعة لمصر وجزء منها عن مصر وجعلها مملكة مستقلة للأخ الأصغر، وأصبح بطليموس الأخ الأصغر ملك قورينية، ثم حدث أن طرد الإسكندرانيون بطليموس السادس وأعلنوا “فيسكن” وحده ملكًا. حاول أنطيوخس أن يعيد ابن أخته ولكنه فشل وترك مصر سنة 169 ق. م . ولكنه عاد فاجتاح مصر سنة 168ق.م ولما وصل إلى ممفيس أخذ لقب ملك مصر. وإذ كان يستعد ليدخل الإسكندرية أمرته روما أن يترك أرض مصر فعاد إلى بلاده.. بطليموس السابع، وتخللت حكمه فترة احتل فيها انتيخوس الرابع ملك سوريا البلاد سنه 170 ق . م ووقع بطليموس السادس أسيرا في يد ملك سوريا.. وقامت ثورة في الاسكندرية أعلنت الأخ الأصغر ملكا لهم، وعندما تم الإفراج عن الأخ الأكبر حكم الملكان الأخوان مصر مناصفة . وفى سنه 163 أنفرد الأخ الأكبر بالسلطة مرة أخرىبطليموس الثامن “فيسكن” سبق له الحكم عام 169 ق.م في مصر، ومن 163 – 145 ق.م في ليبيا، ثم من 145 – 116 ق.م مصر، وقامت ضده ثورة عنيفة في سنتى 131 – 130 هرب على أثرها وأنفردت بالحكم في تلك الفترة كليوباترا الثانية ملكة مصر، إلا أن يوار جتيس الثاني استطاع استعادة ملكه في الأسكندرية وتوفى سنة 116 ق.م، وعرف باسم بطليموس الثامن وقد حكم مصر مدة 54 سنة وهى أطول مدة حكم فيها ملك من أسرة البطالمة على عرش مصر. ونتيجة لهذا الاستقرار السياسى وصداقة روما وقلة الحروب حدث رخاء اقتصادى وانتعشت التجارة بين دول البحر الأبيض الذي أصبح بحيرة رومانية.

في الإسكندرية حيث كان البلاط الملكي وفرق الجند، وعامة الشعب يمارسون السياسة، فالتشريع والعادات والملابس والعمارة والفنون التشكيلية واللغة والعلوم والثقافة غلب عليها الطابع الإغريقي، ماعدا الحي المختلط المسمى بالسيرابيوم. ووفقًا لما تضمنته الأوضاع السياسية الجغرافية، قام الملوك البطالمة الثلاثة الأوائل بغزو فلسطين وسوريا الجنوبية، على غرار بعض الرعامسة. ولقد ساعدهم اتساع آفاقهم الإغريقية والبحرية على التمكن من السيطرة على بحر إيجة، وقورنية، وصقلية وكاري وقبرص. وكانت القوة العسكرية في البداية تعتمد أساسًا على المستوطنين الإغريق، وغيرهم ممن تمركزوا بأعداد ضخمة بصفتهم مستفيدين من الإقطاعات التي آلت إليهم وراثيا. ولقد قام بطليموس الرابع بعد ذلك بإعادة تسليح الجيش المصري الذي لعب دورًا حاسمًا خلال النصر الدفاعي الذي أحرزه على العدو السوري أنتيوخوس الثالث عام (217 ق.م) في رافيا. ولا شك أن هذه الصحوة التي اجتاحت نطاق الإدارة الاستعمارية قد انقلبت ضد نظم الحكم حيث انفجرت العديد من الثورات الوطنية في ذلك الحين، وأثناء حكم الملك بطليموس الخامس قام الفراعنة الوطنيون مثل حورون نفر وعنخو ان نفر بتحرير منطقة طيبة ذاتها.

ولا شك أن مظاهر المقاومة في أعماق مصر، بالإضافة إلى مظاهر ضعف الحكم السكندري، قد عملت على زيادة استقلالية رجال الدين خلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، تلك القوى الاقتصادية التي وضعت في مكانها المناسب، لكي تحيط بالجموع الشعبية إحاطة نفسية. فالكهنة الوارثون الذين يسيطرون على المكاسب المقدسة ويقومون كذلك بالحفاظ على كتابات وفنون الأجداد، قد عملوا فعلًا على إدماج الملوك والملكات الإغريق المقدونيين في نظام شعائرهم. ومن أوضح معالم تلك الفترة قيام المجالس الكهنوتية بتحرير المراسيم الفخرية للإشادة بالانتصارات والإنجازات الحسنة التي تمت على أيدي البطالمة، بالإضافة إلى النصوص المدونة بالخطوط الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية. ولقد واتت الفرصة بعض ملوك البطالمة خلال جولاتهم في الدلتا وفي مصر العليا على أن يظهروا بمظهر الفراعنة، ويقوموا بالحركات العريقة في القدم التي كان يؤديها الفرعون مثل تجليه متوجًا في منف، وزيارة العجول المقدسة وتأسيس المعابد وتكريسها للآلهة. كما كان كبار كهنة منف يترددون على البلاط السكندري الذي كان على اتصال بكاهن صغير من أدعياء الرؤية كان يعيش في منطقة سقارة. وإلى جانب الإله سيراپيس الذي أُدمج مع الإله أوزيريس – أبيس أصبحت إيزيس إلهة يونانية، حرصت الملكات الهيلينيات على استعارة شارات هذه الإلهة. وفي ظل حكم الأسرة البطلمية تم توسيع معابد العديد من المدن، أو تجديدها بالكامل على الطراز المصري الأصيل. وتُعد كل من فيلة وأمبوس (كوم أمبو)، وإدفو، وإسنا، ودندرة، والميدامود من أكبر مناطق التعمير والبناء التي ظلت باقية حتى الآن والتي أُنجزت باسم البطالمة. وكان يُستعان بنظام معقد من الكتابة للوصول إلى أبعد مدى للتعبير في مجال العلامات المصورة، واتبعت الدقة المتناهية في أصول الدلالة المعمارية والقواعد الخاصة بالنقوش. فالعلماء الكتبة لهذه الآثار أوضحوا لنا بالرسوم والنصوص، أكثر من أي وقت مضى، الشعائر الضرورية لسلامة الكون والأساطير التي تحدد مظهره الخارجي. وكما جرت عليه العادة، بدت شخصية الملك في اللوحات والنصوص في شكل الوسيط الأوحد الذي يرعى الآلهة ويستقبلهم لصالح المملكة وشعبها. إنها إذن “المعابد البطلمية” المترامية الأطراف التي لم تُمس أو تُدمر، وأنها كذلك النصوص البطلمية الغزيرة التي نقلت إلينا أكثر المصادر شمولًا وكماًلا لكي نتمكن من رسم صورة واضحة للأيدولوجيا الفرعونية وفهم رموزها. ومع ذلك فإنه خلال حكم البطالمة ظهر مفهوم آخر للجمال والحكم والإنسان، وتفسيرات أخرى للكون اجتذبت إلهيا صفوة المجتمع.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.